الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

الفصل الثاني

 

 التفاعلات داخل الكيان الصهيوني

 

  تترك الحرب المستعرة بصماتها على كافة مناحي الحياة العسكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ويقوم الخبراء بالدراسات المختلفة بحساب الربح والخسارة على أساس من الأرقام المتوفرة في عدد القتلى والجرحى والأسرى أو الخسارة الاقتصادية المختلفة . ويغفل هؤلاء في الغالب دراسة التحولات الاجتماعية والنفسية التي تحدثها الحروب في نفوس الشعوب سواء كانت تحولات إيجابية أو سلبية على الرغم من خطورة هذه التحولات والتي تفوق بكثير النتائج الآنية للمعركة .

 

 فالخسائر في الأرواح والممتلكات تعوض بشكل سريع عند كل أمة حية ، بينما الخسائر في الجانبين الاجتماعي والنفسي تحدث شروخاً اجتماعية وأمراضاً نفسية على المدى البعيد تؤدي بالأمة إلى الاضمحلال والذوبان . ولهذا اهتم القرآن الكريم بعد كل معركة بالجانب النفسي المعنوي بشكل رئيسي ، أما الخسائر في الأرواح فلا داعي أن نحسبها من الخسائر (^ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون" . وفي المقابل ، نجد أن القرآن الكريم يوجه المسلمين في حالة النصر والهزيمة على السواء حتى لا تُحدث في نفوسهم ما لا تحمد عقباه . (71)[مجلة فلسطين المسلمة ، العدد الرابع، السنة السابعة ، نوفمبر 1989 ، ص8]

 

  وفي هذا الفصل ، نحاول أن نستعرض بعض ما أحدثته عمليات الشجاعية والحاووز واللد خلال حرب الأيام السبعة ، التي شنتها كتائب الشهيد عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ضد جيش الاحتلال الصهيوني خلال النصف الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1992م ، من شرخ ووهن في صفوف مؤسسات العدو السياسية والعسكرية ، كما نخلص إلى أن هذه العمليات أحدثت هزة سياسية جعلت زعماء الكيان الصهيوني وخبراءه العسكريين يطالبون بالخروج الفوري من قطاع غزة حتى أن صحيفة يديعوت أحرنوت كتبت في عددها الصادر صبيحة اليوم التالي لعملية الشجاعية ما نصه "قتل الجنود الثلاثة في غزة يعتبر بمثابة كم خطر الدخول إلى غزة . . . إن السفر إلى غزة هو سفر إلى الموت" . ولم يخف رئيس الوزراء الإسرائيلي آراءه عن قطاع غزة عندما قال : "ليتها تغرق في البحر" . (72)[يديعوت احرونوت الإسرائيلية ، 8/12/1992 ، ص1 .

 

 

زلزال سياسي هدد الحكومة الإسرائيلية :

 

  شكلت سلسلة العمليات الفدائية لكتائب الشهيد عز الدين القسام والتي توجت بعملية إختطاف ضابط حرس الحدود من مدينة اللد إحراجاً سياسياً كبيراً للحكومة الائتلافية التي يقودها زعيم حزب العمل إسحاق رابين والذي يتولى إلى جانب مسؤولياته كرئيس للوزراء منصب وزير الدفاع . وعلى الرغم من تلقائية الموقف اليميني المتحفز للهجوم على الحكومة عند ظهور أي بوادر تقصير من قبل المؤسسة الحاكمة في معالجة أي من الجوانب التي تهم الجمهور ، إلا أن اهتزاز هيبة الدولة والجيش ومن ورائها أجهزة المخابرات الثلاثة عقب عمليات الكتائب جعلت رابين هدفاً سهل المنال لبنادق المعارضة التي حملته المسؤولية المباشرة عن تدهور الأوضاع الأمنية  داخل الكيان الصهيوني وفشل الأجهزة الأمنية في حفظ الأمن اليهودي داخل الأراضي المحتلة عام 1967 . فعملية إختطاف وإعدام ضابط صف حرس الحدود نيسيم طوليدانو من قبل أسود حماس تعتبر الأولى من نوعها على هذا المستوى (احتجاز مجاهدين من داخل الأراضي المحتلة لرهينة والمطالبة بمبادلته بسجين) ، وهي تعني من الناحية العملية وجود قوة ميدانية تمتلك أجهزة منظمة قادرة على إدارة عملية إختطاف وتحويلها إلى قضية سياسية تهز أركان الكيان الصهيوني بجمهوره وأجهزته السياسية والعسكرية والأمنية . ولذلك ، أشرك رابين زعماء الأحزاب والكتل السياسية المعارضة لحكومته والممثلة في الكنيست في اتخاذ الموقف من عملية الإختطاف وأطلعهم على كافة التطورات الأمنية مما عكس مدى القلق الذي أصاب الكيان الصهيوني من هذه العملية . فمن المعروف أن الوحدة بين الحكومة والمعارضة تتم في حالات الطوارئ القصوى وظهور تحد أمام الدولة يهدد أمنها ووجودها .

 

  ولكن المعارضة الإسرائيلية حملت حكومة حزب العمل المسؤولية وأثارت عاصفة سياسية استهدفت رابين وسياساته تجاه الأراضي المحتلة ، فقدم رئيس كتلة الليكود البرلمانية (موشيه كتساب) اقتراحاً بحجب الثقة عن حكومة رابين ، وقدمت كتل حزب الوطنيين المتدينين (المفدال) وحركة الصهيونية التقدمية (تسومت) وحركة الوطن (موليدت) اقتراحات مماثلة للكنيست بسبب التدهور الواضح في الوضع الأمني كما جاء في بيانات هذه الكتل . وحول مبررات اقتراح الليكود بحجب الثقة على الرغم من تأييد التكتل وزعيمه شامير للإجراءات التي اتخذتها حكومة رابين بصدد الضابط المختطف ، أعلن موشيه كتساب في حديثه للصحافة الإسرائيلية : "أن هناك صلة مباشرة بين سياسة انبطاح الحكومة وبوادر حُسن النوايا تجاه المنظمات وبين تعاظم أعمال العنف" . وأشار كتساب إلى أن هذا الموقف يمثل رأي كافة الأحزاب المعارضة والتي ترى "أن العنف يطغى لأن هذه الحكومة تظهر ضعفاً ، وقد بات الجمهور يستوعب وهن هذه الحكومة وليس فقط في المجال الأمني" . (73)[مجلة البيادر السياسي ، العدد 525 ، 19/12/1992 ، ص13.

 

  وكانت حركات تسوميت والمفدال وموليدات قد عللت اقتراحاتها بحجب الثقة بالأوضاع الأمنية الراهنة وأن بوادر حسن النية تجاه المنظمات وإلغاء القانون الذي يحظر الاجتماع مع ممثليها أسهمت في تصعيد أعمال "الإرهاب" . وبينما طالبت كتلة تسوميت التي يتزعمها رئيس الأركان السابق رفائيل إيتان "باستبدال الحكومة الإسرائيلية الحالية بحكومة أخرى تقوم بحماية المواطنين" ، دعت كتلة موليدت التي يتزعمها رحبعام زئيفي إلى وقف المفاوضات الثنائية مع الفلسطينيين وتطبيق عقوبة الإعدام بحق منفذي هذه العلميات . (74)[مجلة فلسطين المسلمة ، العدد الأول ، السنة 11 ، كانون الثاني (يناير) 1993 ، ص12 .

 

  أما مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فقد ألقى باللائمة على ما أسماه "الروح الانهزامية لدى أوساط في الحكومة" داعياً القيادة السياسية في إسرائيل إلى الانسحاب من المفاوضات السلمية واتخاذ تدابير صارمة للسيطرة على الضفة الغربية والقطاع . وجدد المجلس دعوته بتعيين وزير دفاع عوضاً عن الوضع الحالي حيث يحتفظ اسحق رابين بالمنصب إلى جانب رئاسة الوزارة . (75)[الدستور الأردنية ، العدد 9093 ، 14/12/1992 ، ص29 .] وكان رئيس مجلس المستوطنات (هارون دومب) قد اعتبر أنه سيكون "من غير المنطقي التفاوض على السلام مع قتلة نساء وأطفال" ، ودعافي تصريح نقلته الإذاعة الإسرائيلية رابين إلى طرد الناشطين الفلسطينيين" (76)[القدس العربي ، العدد 1119 ، 16/12/1992 ، ص5 .] . كما طالبت لجنة الحاخامات العاملة في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة بممارسة عقوبة الإبعاد بصورة واسعة بحق  الناشطين الفلسطينيين ، وقالت اللجنة في بيان أصدرته عقب الإعلان عن إختطاف ضابط صف حرس الحدود "إن الحكومة ستتحمل مسؤولية الدماء التي تسفك في حال عدم تطبيق هذا الإجراء" . (77)[الرأي الأردنية ، العدد 8162 ، 14/12/1992 ، ص24 .

 

  الحكومة الإسرائيلية بزعامة إسحاق رابين بدت وكأنها في حالة انعدام وزن في مواجهة التصريحات المتشنجة لزعماء الأحزاب والكتل السياسية المعارضة ، فقد كرست جلستها الاسبوعية يوم الاحد 13 من كانون الأول (ديسمبر) والتي استمرت سبع ساعات للشؤون الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وشارك فيها كل من رئيس الأركان والمفتش العام للشرطة . وفي أول رد فعل من جانب الحكومة ، قال وزير الإسكان الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر : "إن الإرهاب لا علاقة له بعملية السلام ، ، ونحن نعيش في ظل هذا الإرهاب منذ عام 1967 ... إننا نخوض حرباً حقيقية ضد هذه العمليات" . (78)[نفس المصدر السابق .] وعلق رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست ، اللواء احتياط اوري أور على تصريحات آرييل شارون (وزير الدفاع السابق - الليكود) بالقول : "لقد استخدم الليكود أقوى وزرائه واستعان بأكثر من متطرفي اليمين مثل إيتان وزئيفي وكوهين ولكنهم ذهبوا جميعاً ولم تبق إلا الانتفاضة" . (79)[الشعب المصرية ، العدد 699 ، السنة 14 ، 15/12/1992 ، ص8 .] وكان شارون قد تبجح في حديثه للإذاعة الإسرائيلية يوم 7 من كانون الأول (ديسمبر) قائلاً : "من الممكن تصفية الإرهاب الفلسطيني . اعلم ذلك بحكم التجربة ، إذا نجحت في فرض الهدوء في قطاع غزة طوال عشر سنوات" .(80)[القدس العربي ، العدد 1113 ، 9/12/1992 ، ص5 .

 

  وفي هذه الاجواء ، رفض إسحاق رابين في مقابلة أجراها معه التلفزيون الإسرائيلي في روما انتقادات نواب الكنيست اليمينيين الذين اتهموه بأنه المسؤول عن زيادة الأعمال العدائية ضد اليهود بسبب قيامه بمبادرات مثل إطلاق معتقلين لم يدانوا بعمليات سقط خلالها قتلى إسرائيليون . وقال : إن حكومة إسحق شامير المتشددة اتبعت نفس السياسة حول الأمن ومحادثات السلام "عندما ثبت أنهم لا يملكون حلاً آخر وتوصلوا إلى النتيجة نفسها بأن علينا السير قدماً في المفاوضات مع اتخاذ أقصى الإجراءات العسكرية الممكنة في الوقت نفسه" .(81)[الحياة اللندنية ، العدد 10896 ، 9/12/1992 ، ص4 .

 

وأدان رابين خلال المقابلة التلفزيونية "الذين يسعون إلى قتل كل إمكانية للتوصل إلى السلام في الشرق الأوسط" معرباً عن "ألمه" في الوقت نفسه لمقتل الجنود الثلاثة في الشجاعية . وفي دفاعه عن موقفه من محادثات السلام ، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى حركة المقاومة الإسلامية عندما قال : "لا يوجد في داخلي شك في أن هذه النشاطات يقوم بها فلسطينيون ينتمون إلى مجموعات أصولية مسلمة أو إلى مجموعات من مؤيدي الرفض المدعومين من سورية" . هؤلاء الأصوليون ، والكلام ما زال لإسحق رابين ، يريدون "استخدام الإرهاب على أمل أن تعتبر إسرائيل أنه لم يعد هناك أمل في مفاوضات السلام" . ولهذا رد رابين على طلبات الكتل اليمينية بوقف مفاوضات السلام بغضب قائلاً : "لن أقبل أي طلب لنعلق أو نوقف مفاوضات السلام بسبب الذين يعارضونها" . (82)[القدس العربي العدد 1113 ، 9/12/1992 ، ص5 .

 

  وفيما يتعلق بإرضاء مزاج الشارع الإسرائيلي وامتصاص حالة النقمة التي سادته بسبب ارتفاع وتيرة العمليات التي أوقعت أعلى نسبة من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي ، لجأ إسحاق رابين ومعه الأحزاب والكتل الإسرائيلية بمختلف توجهاتها السياسية إلى اتخاذ قرار الإبعاد الجماعي . وقد أشار المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية ، يوسف حاريش إلى ذلك عندما قال : أن مجلس الوزراء اتخذ قراره بإبعاد (415) مواطناً فلسطينياً بسبب وضع يكاد يكون حالة طوارئ تستدعي اتخاذ إجراءات صارمة . (83)[مجلة راية الاستقلال ، العدد 22 ، كانون الثاني (يناير) 1993 ، ص14.

   

تحطم الثقة بالجيش الإسرائيلي :

 

  أثارت عمليات الشجاعية والحاووز وخطف ضابط صف حرس الحدود على يد كتائب الشهيد عز الدين القسام ذهولاً يخالطه القلق ، يمكن تلخيصه بما أوردته صحيفة يديعوت أحرنوت تعليقاً على هذه العمليات : "إن مثل هذا العمل يهدد حتى وجود دولة إسرائيل" . كما حملت هذه العمليات مجموعة من الدلائل من شأنها أن تفرز واقعاً جديداً إذا تم ترسيخ هذه الدلائل أنها كشفت وجود ثغرات أمنية في التركيبة العسكرية الإسرائيلية . ففي عملية اختطاف طوليدانو ومن ثم قتله، حدثت ردود فعل عنيفة في الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية وأوقعت العملية كذلك الرعب في صفوف الجمهور الإسرائيلي الذي أخذ يتساءل عما إذا كان آمناً في "دولته" . فكيف تمكن أفراد المجموعة من الوصول إلى الأراضي المحتلة منذ عام 1948 على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرض على المواطنين الفلسطينيين قبل السماح لهم باجتياز ما يسمى بالخط الأخضرالفاصل بين الضفة والقطاع والمناطق المحتلة عام 1948 ، خاصة وأن السلطات الإسرائيلية تمنع المواطنين الفلسطينيين من دخول المناطق ذات الكثافة اليهودية إلا بعد الحصول على تصاريح دخول أمنية تعطى لهم بعد التدقيق في تاريخهم الشخصي . ودلت العملية كذلك على تطور المجموعات المسلحة لكتائب القسام لدرجة أنها تستطيع أن تضرب في العمق الإسرائيلي ، فعملية اختطاف طوليدانو تمت في مدينة اللد ولم تقع في المناطق المحتلة عام 1967 . كما أن العملية استهدفت ضابط صف إسرائيلي محترف ومدرب على مواجهة عدوه وتمت أثناء توجهه لعمله ضمن وحدات حرس الحدود العاملة في الضفة الغربية وكان بلباسه العسكري ويحمل سلاحه . كل هذه الحقائق وتتابع ثلاث ضربات لحماس في أقل من أسبوع ضد جيش الاحتلال ونجاح المجموعات المنفذة لهذه العمليات في الانسحاب بسلام ، جعل الخبير العسكري في صحيفة هآرتس "زئيف شيف" يعتبر أن هناك تحولاً جذرياً لعمليات المقاومة التي تقودها حماس باتجاه تصعيد الحرب ضد الجيش الإسرائيلي مضيفاً "لم تعد حركة المقاومة الإسلامية تخشى الآن شن هجمات على الدوريات الإسرائيلية ، ولم تعد تقصر نشاطاتها على قطاع غزة فقط أو حتى على الضفة الغربية المحتلة بل أضحت تعمل داخل فلسطين المحتلة عام 1948 ... إن مواجهة هذه المجموعات أكثر صعوبة ... لقد تقلص عدد الناشطين الفلسطينيين الملاحقين ، لكن الذين منهم لا يزالون طليقين يمارسون عنفاً أكثر ويملكون ترسانة مهمة . وإذا تكللت العمليات التي ينفذونها بالنجاح فإنهم سيحصلون على دعم متزايد من الرأس العام الفلسطيني" . (84)[الدستور الأردنية ، العدد 9094 ، 15/12/1992 ، ص27 .] وعلى غرار شيف ، شعر رئيس الأركان الإسرائيلي الفريق يهودا باراك بالقلق من تواصل العمليات النوعية لمجاهدي حماس فوقف مهموماً ومشاعر العجز في عينيه وأمامه سيارة الجيب التي اخترقها الرصاص من عدة أماكن ليقول لكبار القادة الذين حوله "أيها السادة .... إننا بالفعل في حالة حرب ... لقد أصبح الفدائيون على قدر من الجرأة لم نشهده أبداً" (85)[الشعب المصرية ، العدد 699 ، السنة 14 ، 15/12/1992 ، ص8 .] فيما أعلن الجنرال المتقاعد رفائيل إيتان (رئيس الأركان السابق وعضو الكنيست الحالي) أن هذه العمليات أدت إلى تدهور الأمن الداخلي إلى درك اسفل لم يشهد الكيان الصهيوني مثله منذ زمن طويل . (86)[القدس المقدسية ، العدد 8367 ، 15/12/1992 .] وكان رئيس حركة تسومت قد صرح عقب عملية الشجاعية بأن "العملية في غزة هي دليل آخر على تحلل الجهاز الأمني ، وكل وعود رئيس الوزراء بالقضاء على الإرهاب ليست سوى أقوال بدون أمل" . (87)[الفجر المقدسية ، العدد 8117 ، 8/12/1992 .

 

  لم يكن رفائيل إيتان الوحيد الذي يتعرض لرابين وتأكيداته بأن حكومته ستواصل مجابهة "الإرهاب" بكل الوسائل وأنها - أي الحكومة - لا تعتزم منح "الإرهاب" إمكانية عرقلة عملية صنع السلام ، (88)[نفس المصدر رقم 5 .] فقد كتب المحلل السياسي لجريدة معاريف عمنوئيل روزين رداً على رئيس الحكومة الإسرائيلية جاء فيه "في عام 1987 قال إسحق رابين ، وكان وزيراً للدفاع آنذاك : إنه لا يوجد شعب فلسطيني ، أو ما يسمى بالمشكلة الفلسطينية .. وعندما انطلقت الانتفاضة عاد ليقول (بالعنف لن يحققوا شيئاً) ولكنهم حققوا ... إن أكبر انتصار حققته الانتفاضة هو دفع المشكلة الفلسطينية إلى قمة ترتيب اهتمامات العالم .... أما جيش الدفاع فقد بذل كل جهده من اجل مواجهة الانتفاضة ، ولكن يتضح في النهاية أن المؤسسة العسكرية كلها لا تملك الوسيلة الفعالة لحفظ أمن المواطن الإسرائيلي ، لا داخل الخط الأخضر ولا خارجه ..... لقد أصبحت الانتفاضة بمثابة ثقب كبير في النظرية الأمنية الإسرائيلية وتحول التفكير في أي زيارة للمناطق المحتلة إلى كابوس مفزع ومغامرة وخيمة العواقب" . (89)[نفس المصدر رقم 85 .

 

  أما الحكومة الإسرائيلية ، فقد اعترف أحد كبار مسؤوليها السياسيين بازدياد معدل القتلى من الجنود الإسرائيليين منذ وصول زعيم حزب العمل إلى سدة الحكم ، ونسبت الإذاعة الإسرائيلية إلى هذا المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه قوله "إن العالم الحالي (1992) شهد زيادة في العمليات الفدائية المسلحة ضد القوات الإسرائيلية وحسب المصدر الإسرائيلي فقد بلغ عدد القتلى الإسرائيليين الذين سقطوا خلال هذا العام (39) جندياً ، منهم (17) منذ تولي رابين مهام منصبه كرئيس للوزراء ووزير للدفاع في منتصف شهر تموز الماضي ، وذلك بمعدل 3.4 قتيلاً كل شهر . (90)[الدستور الأردنية ، العدد 9097 ، 18/12/1992 ، ص16 .] وعزا وزير البناء والإسكان بنيامين بن اليعازر هذا الارتفاع في عدد القتلى إلى كون "الخلايا المسلحة التي تنفذ هذه العمليات هي من اخطر الخلايا التي تطارد قوات الأمن الإسرائيلية أفرادها" . (91)[الرأي الأردنية ، العدد 8162 ، 14/12/1992 ، ص24 .

 

  وفي هذا السياق ، اعترف عضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست العميد احتياط افيغدور كهلاني (حزب العمل) بالموقف الصعب الذي وضعت فيه الحكومة ومن ورائها الجيش وقوات الأمن وما نتج عن هذا الوضع من آثار سلبية متوقعة على المواطن الإسرائيلي . وقال في تصريح صحفي ما نصه : "ما يقلقني هو صور المطلوبين مع السلاح والذين لا يخافون التقاط الصور لهم وهم يقاتلون الآخرين ، نعم إنا لا نسيطر على الوضع . هذا دليل على إهمال قواتنا ، لقد فشلت المعاجلة الاعتيادية ، يجب حشد القوات وإجراء عمليات كأسلحة" . وهذه الآراء تتفق مع طروحات رئيس حركة تسومت رافائيل إيتان الذي حمل الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية الإسرائيلية مسؤولية الفشل والتردي في الأوضاع الأمنية في الكيان الصهيوني طالباً بالوقف الفوري للمحادثات مع الفلسطينيين في واشنطن ، ومتسائلاً : "أين القضاء على الفتلة فيما لو جرت مسبقاً عمليات وقائية مثل إغلاق الطرق التي وقعت فيها العمليات ، وإبعاد العائلات اللواتي رشق أبناؤها الحجارة ، وإطلاق النار بغرض القتل على من يهدد حياة جنودنا ، ووقف ألعاب المحاكمات عديمة الجدوى مع القتلة" . (92)[الفجر المقدسية ، العدد 8117 ، 8/12/1992 .] ولكن يوسى غنيوسار وهو أحد قادة الشين بيت السابقين رفض هذه المقترحات التي عرضها رفائيل إيتان معرباً عن اقتناعه أن هناك فارقاً كبيراً بين ما حدث في بداية السبعينيات وبين الواقع الحالي ، حيث توجد انتفاضة شعبية وخلايا مسلحة تحظى بقدر كبير من التعاطف . واعتبر غنوسار الذي كان يتحدث في مقابلة تلفزيونية مساء يوم 8/12/1992 أن ما كان ملائما لبداية السبعينيات لم يعد ملائماً للعام 1992 مشدداً على أهمية التقدم في الحل السياسي للحد من مستوى "العنف" في الأراضي المحتلة . وأعرب شايكي ايرز الرئيس السابق للادراة المدنية في الضفة الغربية عن نفس وجهة النظر هذه ، إلا انه طالب الحكومة الإسرائيلية بفتح محاور التفاهم مع الفلسطينيين من جهة ، والإمساك بالزناد طالما أن ذلك ضروري من الجهة الأخرى . (93)[القدس المقدسية ، العدد 8360 ، 8/12/1992 .

 

  وإذا كانت الآراء والمناقشات الإسرائيلية قد تباينت على الصعيد السياسي ، فإن اهتزاز الثقة بقدرات الجيش الإسرائيلي على ضبط الوضع الأمني اليهودي سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى في قلب فلسطين المحتلة منذ عام 1948 أحدث إجماعاً لدى الجمهور الإسرائيلي بضرورة تدارك التردي الذي أصاب المؤسسه العسكرية بعد أن وضعت عمليات كتائب الشهيد عز الدين القسام الكيان الصهيوني أمام خصمه الجديد - القديم ، وهو خصم لم يخف اليهود خشيتهم منه حتى قبل مواجهته . وتبرز أهمية هذه الدلائل والمؤشرات في دولة كالكيان الصهيوني يعيش على الخلل في ميزان القوى العسكرية بينه وبين المحيط العربي ، ويعتمد على تفوقه الأمني والعسكري من أجل حماية ما اغتصبه من الدول المحيطة به . ولعل وجود ثغرة في هذا التفوق يشير قلقاً بالغاً لدى شارع مثل الشارع الإسرائيلي الذي يعيش يومه تحت حراسة الجند المدججين بالسلاح والعتاد.

 

  فكيف إذا غدا هؤلاء الجند مستهدفين في عمليات أسود القسام ؟ وغدا الجندي من الجيش والشرطة وحرس الحدود غير آمن على نفسه وحياته ، فما بالك في قدرته على حماية المدنيين الإسرائيليين في الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى داخل فلسطين المحتلة عام 1948 . فقد شكلت عمليات الشجاعية والحاووز وإختطاف طوليدانو من قبل شبان لم يدخلوا جيشاً نظامياً ولم يتدربوا على أساليب القتال العسكرية صدمة لدى الشعب اليهودي الذي أيقن أن الذين قتلوا الجنود في غزة والخليل واختطفوا ضابطاً في اللد قادرون على قتل وخطف أي منهم . ولذلك وصف الياكيم روبنشتاين رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض مع الفلسطينيين والأردنيين لدى افتتاح الدورة الثامنة من المفاوضات قيام حركة المقاومة الإسلامية بتصعيد عملياتها ضد جنود الجيش الإسرائيلي بالخنجر الذي غرس في قلب الإسرائيليين قائلاً : "نأتي اليوم بنوع من المشاعر المختلطة وبقلب مثقل بالحزن لوفاة 3 جنود إسرائيليين صباح اليوم كما علمنا ، وهذه طعنة في قلب كل إسرائيلي . هذا شيء لا يمكن أن ننساه" . (94)[نفس المصدر رقم 5 .] وهاجم روبنشتاين الحركة مضيفاً "نعلم أن هؤلاء الناس لا يسعون إلى تخريب عملية السلام فحسب بل يعملون أيضاً على تهديد وجودنا كيهود وإسرائيليين" . (95)[الشرق الأوسط ، العدد 5133 ، 17/12/1992 ، ص3 .

 

  ولعل أبرز ما يوضح اهتزاز مكانة الجيش الإسرائيلي وارتباك جنوده ما يقوم به هذا الجيش من ممارسات همجية ضد المواطنين الأبرياء في الضفة والقطاع والتي وصلت إلى أن يصفها المراقبون بأنها أشبه ما تكون بحرب مجنونة . فقد لوحظ على تصرفات جنود الاحتلال سرعة الضغط على الزناد بغية القتل والإصابة بصورة متعمدة وذلك في محاولة لإثبات قوة الردع للجيش الإسرائيلي ومقدرته على توفير الحد الأدنى من الأمن في الأراضي المحتلة ، ولتأكيد الذارع الفولاذية لحكومة رابين اكثر من أي حكومة ليكودية سابقة في مواجهة انفجار الأوضاع داخل الأراضي المحتلة . كما تجلى فقدان الثقة في الجيش الإسرائيلي في بيان زعماء المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين أعلنوا أنهم يخشون فقدان السيطرة على أتباعهم مما قد يؤدي إلى "قيام المتطرفين" من بين أوساط المستوطنين بأعمال انتقام ضد المواطنين الفلسطينيين وهو إعلان تهديد اكثر منه إعلام بحالة قائمة . واتصل مجهول ، عرف نفسه بأنه ضابط الإعلام في جيش "يهودا والسامرة" - الضفة الغربية - التابع للمستوطنين في صحيفة يديعوت احرونوت يوم 16/12/1992 وهدد بأنه سيتم الانتقام فوراً لمقتل ضابط صف حرس الحدود طوليدانو . (96)[النهار المقدسية ، العدد 2083 ، 17/12/1992 .

 

  أما في قطاع غزة ، فقد أغلق المستوطنون الذين اعتادوا التحرش بالعرب وإيذاءهم مستوطناتهم على أنفسهم رغم وجود الجيش الإسرائيلي بكثافة في القطاع . وتعترف تانيا سيلغمان بقلق المستوطنين وخوفهم قائلة : "إنك لا تعرف من أين تأتي الضربة ، إنهم غاضبون جداً الآن بسبب حملة الاعتقالات ، كما أن شبانهم مستعدون لعمل أي شيء لتقليد جنود حماس" . (97)[الدستور الأردنية ، العدد 9097 ، 18/12/1992 ، ص17 .

 

الاعتراف بفشل أجهزة الأمن :

 

  جسدت حرب الأيام السبعة توسع نطاق عمليات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، إذ لم تعد تقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة ، بل امتدت لتصل إلى ما يعتبره اليهود عمقهم الوطني وهذا يعني أن حماس وسعت ميدان المواجهة ونقلت ساحة المعركة إلى مناطق الخصم . وكشفت العمليات عن فشل أجهزة الاستخبارات الثلاث (الموساد ، الشين بيت ، وآمان) من كشف الجناح العسكري لحماس أو اعتقال أي من مجاهدي كتائب الشهيد عز الدين القسام على الرغم من عمليات الاعتقال الواسعة النطاق ، ولهذا اعتبر رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست (الجنرال) أوري أور أنه يتوجب على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية القيام بالقسم الأكبر من العمل خاصة و "أننا نواجه حرباً حقيقية ، لكن هذه الحرب غير واضحة المعالم وطويلة الأمد لأنه لا حلول عجائبية لها" . (98)[الدستور الأردنية ، العدد 9094 ، 15/12/1992 ، ص27 .

 

  ففي عملية إختطاف الرقيب أول نيسيم طوليدانو ، اختفت آثار الضابط القتيل وخلال ثلاثة أيام لم يستطع الجيش وحرس الحدود والشرطة الإسرائيلية العثور على أي معلومات تقود إلى الخلية أو أفرادها أو مكان احتجاز الرهينة ، وقد نقلت صحيفة حداشوت الإسرائيلية عن مصادر عسكرية وسياسية إسرائيلية يوم 27/12/1992 أن جميع الذين تم اعتقالهم هم من المنظرين والسياسيين في الحركة ، وأنه لم يتم اعتقال أي من أفراد الجهاز الأمني والعسكري لحركة حماس مما سيصعب مهمة محاربتها على حد تعبير الصحيفة . كما نقلت صحيفة يديعوت احرنوت عن المساعد السابق لرئيس (الشين - بيت) روبين حزاق قوله : إن (الشين - بيت) ظلت عاجزة عن معرفة كيفية أو مكان نقل الضابط الإسرائيلي ، ولم تتوفر لديها معلومات عن مكان الضابط طوال الأيام الثلاثة خلال فترة الإختطاف . ويضيف حزاق : "لقد جاء الوقت الذي يقول فيه رئيس المخابرات للحكومة لا توجد\ لدينا أية معلومات ، لقد تسللت الخلية إلى اللد وخطفت رجل حرس الحدود واختفت وكأن الأرض قد ابتلعتها" . (99)[الشعب المصرية ، العدد 703 ، 29/12/1992 ، ص1 وص10 .] ويختم مسؤول المخابرات السابق حديثه للصحيفة بالقول : "عندما يأتي العنف بهذه الطريقة فلا ريب أنه يشكل قفزة ، إنهم يضربون في كل مكان ، لقد كانت الساحة لهم طوال عشرة أيام إنهم مسلحون ، يرتدون ملابس عسكرية ويخططون . واعتقد بأنه توجد هنا عملية تخطيط جيدة ودقيقة جداً . ووجدت لديهم كذلك شبكة تنظيمية وكان لديهم أسلوب انسحاب ولا اعتقد بأنهم خطفوا بمحض الصدفة ، انظر ما الذي ربحوه من ذلك ، لقد سيطروا على شعب إسرائيل منذ اليوم الأول وحتى اليوم الثالث . لقد خلقوا رعباً والجميع أصبحوا يتناولون هذا الموضوع فقط وتمكنوا من إيجاد بلبلة بين اليهود والعرب في إسرائيل ، ومن هذه الناحية يشكل هذا إنجازاً كبيراً لهم . لقد حققوا كل ما أرادوا تحقيقه ، ووضعوا أنفسهم كطرف محاور لإسرائيل ، وفجأة أصبح رابين يتحدث معهم ، فقد أعلن أنه لن يكون هناك حوار حتى نتلقى مؤشرات تدل على وجود طوليدانو على قيد الحياة ، وهذا بحد ذاته مفاوضات" . (100)[القدس المقدسية ، العدد 8371 ، 19/12/1992 ، ص8 .

 

  وأثار العثور على جثة طوليدانو في مكان قريب من القدس صدمة في أوساط المؤسسات الأمنية الإسرائيلية التي فرضت طوقاً محكماً على الضفة الغربية وقطاع غزة للحد من تنقل المواطنين الفلسطينيين وأجرت تفتيشاً دقيقاً لمنطقة اللد أملاً بالعثور على الضابط . واعتقلت قرابة الالفين من نشيطي وأنصار حماس . ومنبع الصدمة التي أصابت أجهزة الأمن الإسرائيلية هو أن الضابط اختطف من مدينة اللد ، بينما عثر على جثته قرب القدس ، الأمر الذي يشير إلى قدرة مجاهدي حماس على اختراق حواجز الأمن الإسرائيلية ، والإفلات من أطواق الحصار الدائري التي ضربها الجيش الإسرائيلي على جميع المحاور والمنافذ ، وهم يحملون معهم رهينتهم بلباسه العسكري الكامل . وهذا يشكل خلللاً في الإجراءات الأمنية الصارمة التي فرضها الجيش وحرس الحدود والشرطة الإسرائيلية التي كانت تدعى حصانتها وقدرتها على العمل ، وأضحت شبكة الأمن الإسرائيلية واهية تماماً عندما يتعلق الأمر بمجاهدي كتائب الشهيد عز الدين القسام . (101)[مجلة الشروق ، العدد 38 ، 24/12/1992 ، ص12 .

 

 

  وأرجعت السلطات الإسرائيلية فشل الاستخبارات والأمن إلى عدة أسباب ، كان أبرزها صعوبة اختراق الخلايا المسلحة داخل حركة عقائدية كحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وهو ما عبر عنه الصحفي الإسرائيلي تسفي غيلات في مقال كتبه في صحيفة يديعوت احرونوت جاء فيه : "إن إسرائيل تواجه مشكلة مخابرات ، فالموضوع يتعلق بأناس يملؤهم الحماس الديني ن إنك تستطيع أن تحول من تشاء إلى عبد بالعطايا . . . . . . بالمال . . . بالنساء ولكن كيف ستغري إنساناً يرى في عالمنا مجرد ممر وليس دار مقر ، فهو سيحصل على كل المنح كمجاهد في سبيل الله . ولا غرابة أن يتفاخر أعضاء حماس برجالهم" . (102)[النهار المقدسية ، العدد 8371 ، 19/12/1992 .

 

  وشكل نجاح حماس وجهازها العسكري في تفكيك شبكة المعلومات التي أقامها (الشين - بيت) من خلال تجنيد مئات العملاء في صفوف الشعب الفلسطيني ضربة موجهة لأجهزة الأمن الإسرائيلية في محاولاتها اختراق مجاهدي حماس وكتائب القسام ، مما دفع بضباط وأفراد (الشين - بيت) نحو الشعور بالإحباط لعدم وجود نهاية لأعمالهم في المناطق المحتلة . وقد أوضح ضابط كبير في (الشين - بيت) لصحيفة معاريف أن هذا الإحباط ناتج عن نجاح المقاومة في تشكيل خلايا جديدة حين تكشف المخابرات بعض الخلايا العاملة ، كما اعترف هذا الضابط الذي رفض الكشف عن اسمه للصحيفة بان هناك من خبت عزيمتهم ممن خدموا جهاز المخابرات فترات طويلة حيث صاحوا في النهاية "هذا هو ، لا توجد لدي قوة ، لقد عملت ليلاً ونهاراً ولكن دون جدوى ، وعائلتي تعاني من ذلك ، لا فائدة . . حتى لو كشفنا 80% من نشاط رجال المنظمات ، فإن العشرين في المائة الباقية تشكل شيئاً كبيراً وهذا محبط أيضاً" . وعبر ضابط (الشين - بيت) عن اعتقاده بأن أفراد المخابرات الإسرائيلية "يصبحون أكثر يسارية في آرائهم لمعرفتهم الميدانية والتي ينجم عنها وعي واضح بضرورة إحراز تسوية وبسرعة ، وأنا شخصياً أرغب بالخروج من المناطق (الضفة والقطاع) اليوم قبل الغد" . (103)[تقرير وكالة قدس برس من مدينة القدس المحتلة يوم 12 من كانون الثاني (يناير) 1993 .

 

  وهكذا تحطمت ثقة الجمهور الإسرائيلي بقدرات الجيش الإسرائيلي وبالخط الدفاعي الثاني المتمثل في أجهزة الأمن والاستخبارات في الدولة العبرية . إذ أضحت أجهزة المخابرات الإسرائيلية التي طالما تسللت إلى الدول العربية واغتالت قادة المقاومة الفلسطينية وخطفت نازيين قدامى متجاوزة في ذلك كل العراقيل ، عاجزة عن توفير المعلومات اللازمة لأجهزة الدولة ومؤسساتها العسكرية لتوجيه ضربتها مما أثر بشكل مباشر على نفسية ومعنويات الشارع الإسرائيلي الذي اكتشف أن خطوطه الدفاعية تعاني من الانهيار .

 

الخوف والقلق يسيطران على المجتمع اليهودي :

 

  لأول مرة يمكن القول بأن حركة المقاومة الإسلامية بدأت تضغط على أعصاب الشارع اليهودي وتهز ثقته بقدرة حكومته وأجهزته العسكرية والأمنية على احتواء وضبط جهاد الشعب الفلسطيني الرافض لوجودهم على أرض فلسطين . فقد استطاعت حماس أن تدخل بعمليات كتائب الشهيد عز الدين القسام باب المجتمع اليهودي ويحدث فيه من الخوف والقلق الشيء الكثير ، خاصة بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية وسلطات الحكم العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة بأن "النواة الصلبة في حركة حماس" والتي يقصد بها الجناح العسكري للحركة الذي تلاحقه وحدات الجيش والشرطة وحرس الحدود نجحت في الإفلات ولم يعتقل أي من أفرادها . كما أكد البروفسور اريئيل مردي الذي تصفه الصحف العبرية بأنه خبير في شؤون مكافحة "الإرهاب" بأن "الاعتقالات الجماعية والإبعاد لن يؤثر على وجود حركة حماس ، فهي سوف تستمر وتمارس نشاطها حتى ولو ابعد المئات . فحركة كهذه لا يمكن القضاء عليها بالاعتقالات والإبعادات" . (104)[النهار المقدسية ، العدد 2084 ، 18/12/1992 .

 

  وأمام هذه الحقيقة ، أخذ المستوطنون اليهود يستعدون لاتخاذ الإجراءات والوسائل الضرورية لحماية أنفسهم دون الاعتماد بشكل كلي على القوات النظامية التي باتت عاجزة حتى عن حماية جنودها ومنتسبيها . فتظاهر العشرات من سكان المستوطنات اليهودية ونشيطي حركة تسومت وبمشاركة عضو الكنيست حنان بورات (المفدال) أمام مقر رئيس الوزراء إثر إعلان السلطات الإسرائيلية عن اختطاف حماس للرقيب أول طوليدانو مطالبين بإبعاد رؤساء حركة حماس . كما وزع هؤلاء المتظاهرون منشورات تدعو لمواجهة أعمال المقاومة الإسلامية بالقوة ، وإخراج كتلة ميرتس اليسارية من الائتلاف الحكومي لتحل مكانها الأحزاب اليمينية ، وهتف المتظاهرون "رابين خائن . . . . رابين استقل" وذلك في احتجاج عنيف على تردي الأوضاع الأمنية لدى الشارع اليهودي . وقد تدخلت قوات الشرطة وعشرات من حرس الحدود لإخلاء المتظاهرين حيث تم اعتقال تسعة منهم ، ولكن تم إطلاق سراحهم في وقت لاحق (105)[النهار المقدسية ، العدد 2082 ، 16/12/1992 ، ص1 .] . كما نظم نحو (400) إسرائيلي من سكان مدينة اللد مظاهرة في مكان اختطاف ضابط صف حرس الحدود ، وهتفوا ضد رئيس الوزراء بالإضافة إلى الهتاف المعتاد "الموت للعرب" و "العرب خارجاً" متوعدين بأن أول سيارة عربية تدخل اللد لن تخرج منها . ورفع هؤلاء المتظاهرون لافتات تقول "رابين ارجع إلى لندن" ، متوعدين بأن ما حدث في ضاحية بات يام لا شيء بالنسبة لما سيحدث في اللد ، وذلك في إشارة إلى أعمال الشغب التي نظمها المستوطنون بعد طعن مواطن من قطاع غزة مستوطنة إسرائيلية من "بات يام" (106)[الفجر المقدسية ، العدد 8124 ، 15/12/1992 .

 

وفي نفس السياق ، نظم المستوطنون مسيرة تظاهرية نحو الحي العربي في مدينة اللد رشقوا خلالها بعض المنازل والسيارات العربية بالحجارة (107)[نشرة أخبار السابعة والنصف مساء في التلفزيون الإسرائيلي يوم 15/12/1992 .

 

  أما في أعقاب ورود نبأ مقتل طوليدانو والعثور على جثته قرب معاليه أدوميم ، فقد تجمع عشرات الأشخاص من سكان اللد أمام منزل عائلته وانضم إليهم حوالي ثلاثين إسرائيلياً من نشطاء حركة "كاهاناهاي" العنصرية وهم يهتفون "الثأر" و "الموت للعرب" و "الأمن لم يعد متوفراً" . وقبض المتظاهرون على شاب عربي من سكان المدينة ، إلا أن الشرطة تدخلوا على الفور لإطلاق سراحه ، فيما وجه رئيس بلدية اللد (ماكسيم ليفي) نداء دعا فيه السكان إلى الهدوء (108)[القدس العربي العدد 1119 ، 16/12/1992 ، ص5 .] . وقد تحولت جنازة الرقيب أول نيسيم طوليدانو إلى مظاهرة أعرب من خلالها الكثير من اليهود عن غضبهم لمقتل ضابط صف حرس الحدود وذكروا لمراسل صحيفة دافار الإسرائيلية في موقع التشييع بأنهم يخشون الخروج من منازلهم وأطفالهم لا يعرفون النوم في الليل وأنهم لن يرسلوا أولادهم للخدمة في الجيش الإسرائيلي . ونقلت الصحيفة أن المتظاهرين أطلقوا بين الحين والآخر هتافات : "الموت للعرب" و "لماذا رابين ليس هنا . . إنه بالتأكيد في البار يشرب الخمر" (109)[مجلة البيادر السياسي ، العدد 525 ، 19/12/1992 ، ص13 .

 

  الهيجان وردود الفعل الجماهيرية هذه عبرت عن المس الكبير بالقدرة على الصمود لدى الجمهور الإسرائيلي تجاه العمليات المتكررة التي نفذتها كتائب القسام وأسفرت عن قتل العديد من جنود الجيش الإسرائيلي . ولهذا حذر المعلق الإسرائيلي عوزي بنزيمان في مقال نشره في صحيفة هآرتس القادة السياسيين في تل أبيب ، إذ "أن المس بمعنويات الجمهور المدني الإسرائيلي ظاهرة ليس بالإمكان إخفاؤها ، ولا جدوى من تجاهلها . إنها تجد تعبيرها بردود الفعل العلنية ، ولا ريب في أنها ستترك في المستقبل تأثيرها على مواقف واعتبارات رؤساء الدولة . وحتى الآن لا توجد معرفة حول مدى تأثيرها على الدرة العملية للجيش وعلى الروح القتالية لجنوده ، ولكن يبدو أن ذلك اليوم الذي ستظهر فيه نتائجها على الخدمة العسكرية ليس بعيداً" . وقارن بنزيمان بين المشاعر التي فرضها رؤساء الدولة ووسائل الإعلام على الإسرائيليين في أعقاب الصدامات والاشتباكات التي جرت في السابق مع فصائل المقاومة الفلسطينية والتي رفعت خلالها شعارات "لن يرعبونا" و "الأذرع الطويلة للجيش الإسرائيلي ستطول القتلة" ، وبين مشاعر الإحباط التي سادت عقب عمليات كتائب القسام وذلك من جراء شعور الجمهور اليهودي بعدم جدوى الثمن الدموي الذي يدفعه الكيان الصهيوني للاستمرار في السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة (110)[القدس المقدسية ، العدد 8366 ، 14/12/1992 ، ص9 .

 

وقد انعكس هذا الإحباط والشعور بالقلق والتوتر الأمني الذي رافقه في صورة بلاغات حول عمليات وهمية حيث تلقت الشرطة الإسرائيلية سيلاً من المكالمات الهاتفية من إسرائيليين وبشكل يومي حول عمليات وهمية ضد أهداف إسرائيلية . ونقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية بعض هذه البلاغات ، ومنها أن إسرائيلياً اتصل بالبلدية والشرطة قبل يومين وأخبرهم أنه شاهد "مسلحاً من المنظمات يتجول قرب روضة أطفال تدرس فيها ابنته" ، وقد اتضح فيما بعد أن صاحب الشكوى أراد أن "يدرب الشرطة والبلدية على احتمال كهذا" .

 

  وفي حادث آخر كان المبلغ فيه الشرطة ذاتها التي اتصلت بمقر عمال كرمئيل هاتفياً وأبلغتهم الرسالة التالية : "نحن من حماس . . . . لقد وضعنا في بنايتكم قنبلة ستنفجر بعد ربع ساعة" ، وبعد إخلاء المبنى اتضح أن المتحدث هو الشرطة ، وأن القصة مجرد تمرين لاستكشاف الثغرات . وقد لوحظ ازدياد هذه الحوادث في أعقاب سلسلة العمليات الفدائية الأخيرة التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام ويقول مراقبون إسرائيليون لقد هزت تلك العمليات ثقة الجمهور بحراسه ، وأضاف أحدهم "الناس هنا يتساءلون عن مدى فاعلية أجهزة الأمن في حراستهم ، ويطالبون بالضغط عليها من أجل تحسين أدائها ، لأن أعضائها يعتاشون من وراء توفير الأمن والحماية للسكان" . إلا أن آساف جيفتس قائد اللواء الوسط في الشرطة الإسرائيلية والذي عين المسؤول الأول عن عمليات البحث عن شرطي حرس الحدود نيسيم طوليدانو أثناء اختفائه يرى أن الشرطة لا تتضرر من هذه المكالمات ، وإنها علامة صحية فالعدد الكبير من المكالمات يدل على يقظة الجمهور وهذا أفضل من عدم الاكتراث ، إلا أن علماء النفس يرون في ذلك نوعاً من الهوس وفقدان الشعور بالثقة والأمن ، خاصة أن مضمون عدد منها يعبر عن حالة هستيرية (111)[الدستور الأردنية ، العدد 9117 ، 7/1/1993 ، ص27 .

 

الهرب من قطاع غزة :

 

  سلسلة العمليات الفدائية الناجحة والجريئة لكتائب الشهيد عز الدين القسام جعلت أوساطاً سياسية وعسكرية وإعلامية في الكيان الصهيوني "تكتشف" أن دولتهم تحتضن برميل بارود يوشك على الانفجار ، فعلت الأصوات مطالبة بالخروج السريع من قطاع غزة قبل أن يمتد الحريق إلى جميع أنحاء الضفة الغربية وفلسطين المحتلة منذ عام 1948 . ويبدو أن الجيل الجديد من القيادات الإسرائيلية وجنود الجيش والشرطة "يلعنون" القادة الذين حققوا الانتصارات العسكرية لدولة "إسرائيل" في حرب حزيران عام 1967 ، وبسطوا السلطة الإسرائيلية ، إثرها ، على الضفة الغربية وقطاع غزة وأوضح دعاة الانسحاب الإسرائيلي من جانب واحد من قطاع غزة بأنه ليس للكيان الصهيوني مصلحة للمدى البعيد في هذه المنطقة باعتبارها تشكل بؤرة للقلق ومكاناً "لسفك الدماء اليهودية" . وعلى الرغم من رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي ومن ورائه غالبية الأحزاب والحركات السياسية لهذا الإجراء وإصرارهم على مواصلة الحرب حتى الرمق الأخير ، نظراً لأن المبادرة إلى هذه الخطوة يشجع "الإرهابيين" الفلسطينيين ويظهر الكيان الصهيوني في مظهر الضعيف والمنهزم ، إلا أن الجدل الذي انتشر في كافة المستويات السياسية والعسكرية والحزبية حول الانسحاب من القطاع أو عدمه يدل على أن اليهود لا يفهمون إلا لغة النار والحرب .

 

  وعلى غرار التفاعلات التي احدثتها حرب الأيام السبعة التي شنتها حماس خلال النصف الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1992 ، انتقل الجدل حول قطاع غزة إلى داخل الحكومة الإسرائيلية . فغداة مقتل الجنود الثلاثة في عملية الشجاعية ، أدلى شمعون بيريز - وزير الخارجية ، والذي كان يتولى منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع أثناء زيارة إسحق رابين إلى كل من بريطانيا وإيطاليا - في تصريح للإذاعة الإسرائيلية جاء فيه : "لا أستبعد إمكانية انسحاب إسرائيل من جانب واحد من قطاع غزة في وقت ما ، لكن يبدو لي أنه من الأفضل التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين" . وأضاف بيريز بأن "هناك الآن فرصاً للتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين واستحداث قوة فلسطينية من الشرطة في إطار الحكم الذاتي يمكن أن تحول دون قيام هجمات على جنودنا أو على السكان الفلسطينيين" (112)[الشرق الأوسط ، العدد 5125 ، 9/12/1992 ، ص3 .] . وأشارت صحيفة حداشوت الإسرائيلية في معرض تحقيقها عن مواقف الأطراف المؤيدة وتلك المعارضة للانسحاب من قطاع غزة ، بأن "كل هذه التصريحات تعكس واقعاً أن ليس لإسرائيل مصلحة قومية في البقاء في غزة ، وإننا كان يجب أن نكون انسحبنا من هذا القطاع" (113)[الدستور الأردنية ، العدد 9088 ، 9/12/1992 ، ص23 .

 

 

  لم تقتصر المطالبة بالانسحاب من قطاع غزة على وزير الخارجية الإسرائيلية ، فقد اقترح وزير الصحة (حاييم رامون) - خلال جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية ، والتي عقدت يوم الأحد 13 من كانون الأول (ديسمبر) وكرست للشؤون الأمنية - النظر في إمكانية تطبيق الانسحاب من القطاع وأيده في هذا الاتجاه وزراء الداخلية (اربيه درعي) والطاقة (امنون روبنشتاين) والشؤون الدينية والسياسية (عوزي برعام) . وفي استطلاع للرأي أجراه مراسل التلفزيون الإسرائيلي للشؤون السياسية قال الوزير رامون (حزب العمل) :

  "لا شك أن الواقع في المناطق هو واقع ارهاب يجب محاربته ونحاربه بكل القوة والقدرة ، قلت عدة أشياء تتعلق بغزة رأيي في هذا الموضوع ليس جديداً لأنه لا توجد لنا في غزة مصلحة للمدى البعيد كما هي في يهودا والسامرة . إلى جانب المفاوضات السياسية ومحاربة الإرهاب بلا هوداة - هناك حاجة لفحص خطوة - خلال سنة ونصف أو سنتين ونصف ، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقية أن نخرج من غزة بصورة أحادية الطرف ، اقترحت إجراء نقاش حول كل المواضيع المتعلقة بحل لغزة .. في الحكومية نحن عالقون في غزة منذ فترة ولا يعقل أن يجبرنا الطرف الثاني على كيفية الوجود في مكان لا نريده حسب رأيي .. مجرد هذا القول من شأنه حث المفاوضات لأنه يبدو لي أن الطرف الثاني يخشى من حالة من الفوضى لذلك ليس فقط أنه لن يمس بالمفاضات وإنما سيحثها" (114)[نشرة أخبار السابعة والنصف مساء في التلفزيون الإرسرائيلي يوم 15/12/1992 .

 

  أما وزير الطاقة امنون روبنشتاين (تكتل ميرتس) ، فقد علق التدهور الذي طرأ على الوضع الأمني الإسرائيلي وإطلاق النار على الجنود بضرورة إعادة التفكير في التواجد العسكري والإداري للكيان الصهيوني في قطاع غزة . وأضاف روبنشتاين في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي يوم 13 من كانون الأول (ديسمبر) : "يجب النظر إلى ذلك بخطورة ويجب اتخاذ كل الخطوات وبالنسبة لقطاع غزة يجب التفكير مجدداً في حضورنا هناك" (115)[نفس المصدر السابق .

 

  وحول معارضته الانسحاب من قطاع غزة ، ادعى رئئيس الوزراء الإسرائيلي في لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي مساء يوم الاثنين 14 من كانون الأول (ديسمبر) أن أحد عوامل الضغط الرئيسية داخل القطاع نابع من قرار الحكومة الإسرائيلية بعدم السماح لمن تقل أعمارهم عن عشرين عاماً بالعمل في "إسرائيل" إضافة إلى البطالة الموجودة أصلاً . وبرر رابين معارضته للانسحاب بالقول : "إن أي انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة في ظل ظروف العنف سيفسر أنه خضوع إسرائيلي للعنف ، وهو ما لن يسهم في انهاء العنف بل في زيادته" . واعترف رابين في رده على سؤال المراسل الإسرائيلي حول تزايد العمليات المسلحة ضد أهداف إسرائيلية بأن "حركتي حماس والجهاد الاسلامي مسؤولتان عن غالبية عمليات إطلاق النار ضد أهداف في غالبيتها القوات الاسرائيلية في المناطق المحتلة" بهدف إحباط عملية السلام وتعزيز نفوذهما في أوساط الشعب الفلسطيني ، ولكن الحكومة الاسرائيلية - والكلام لرابين - لن تتخلى تحت أي ضغط عن تحقيق هدفي السلام والأمن اللذين حددتهما (116)[القدس المقدسية ، العدد 8367 ، 15/12/1992 ، ص1 و10 .

 

  ولكن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي لاقتراح الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة لم يوقف الجدل الذي فجرته عملية الشجاعية سواء داخل الأحزاب السياسية وحتى لدى معلقي ومحرري الشؤون السياسية والأمنية في الصحف الإسرائيلية . ففي مقابل موشيه ارينز وزير الدفاع السابق (تكتل الليكود) المؤيد للانسحاب من قطاع غزة ، عبر الياهو بن اليسار عضو الكنيست والسفير الاسرائيلي السابق في مصر )تكتل الليكود) في مقال نشرته يديعوت ارحنوت يوم 14 من كانون الأول (ديسمبر) عن أصحاب الرأي المعارض للانسحاب من القطاع . وتحت عنوان "فلنطفئ الحريق أولاً" كتب بن اليسار يقول : "غزة تحترق .. ليتنا قادرون على أن نتركها تحترق" ، ويضيف مبرراً رأيه "من يقترح أن نترك غزة الآن ، يجب أن يعرف بأن ياسر عرفات سيصل إلى هناك يوم خروجنا .. يعلن عرفات عن إنشاء الدولة الفلسطينية .... يعلن التعبئة العامة للذين تتراوح أعمارهم بين 16-40 سنة فيضع حداً للبطالة ، وينشىئ جيشاً قوامه 300 ألف شخص تقريباً" . وفي مقابل هذا الرفض ، يقترح الياهو بن اليسار خيار آخر يتمثل بإعلان حالة الطوارئ وإغلاق القطاع من جميع الجهات ودفع كل القوات اللازمة من الجيش وحرس الحدود والوحدات الخاصة وحتى الشرطة لإطفاء الحريق في غزة والحيلولة دون اشتعال الضفة والقدس ! (117)[الفجر المقدسية ، العدد 8125 ، 16/12/1992 ، ص4 .

 

  وأما على ضعيد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، فإنه لا يمكن معرفة موقف القادة وكبار الضباط من موضوع الانسحاب من قطاع غزة ، إذ أن القانون يمنع العسكريين من التدخل او التعاطي في المواضيع والشؤون السياسية إلا بعد ترك الخدمة في الجيش . وعلى الرغم من ذلك ، إلا أنه يمكن الاستدلال من خلال قراءة موقف وتصريحات ضباط الاحتياط الذين أنهوا خدمتهم العسكرية وانتقلوا إلى العمل السياسي أن الخلاف حول قطاع غزة أصاب المؤسسة العسكرية أيضاً . فقد نقلت صحيقة حداشوت عن (الجنرال) ماتس بيليد الذي يرأس "مجلس السلام الإسرائيلي - الفلسطيني" قوله : "إن وجود الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة غير ضروري لأمن إسرائيل ، بل بالعكس فهو خطر ، ومن الأفضل أن ينتهي في أقرب وقت" . ولم يكتف بيليد بهذا التصريح بل دعا عائلات الجنود الذين يخدمون في الضفة الغربية والقطاع إلى الانتظام في هيئة "لوبي" على غرار مجموعة "اباء ضد الصمت" التي عارضت استمرار الوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية وذلك من أجل ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية لتسريع وتيرة المفاوضات وتقريب موعد انسحاب الجيش من الضفة والقطاع . وبرر (الجنرال) ماتي بيليد دعوته هذه بأن العملية التي قتل فيها ثلاثة جنود إسرائيليين "تشكل إثباتاً جديداً على تدهور الوضع بين إسرائيل والفلسطينيين ، وهو التدهور الناجم عن الإدارة الفاشلة لمفاوضات السلام" (118)[القدس المقدسية ، العدد 8360 ، 8/12/1992 .

 

  وعلى غرار بيليد ، أكد العقيد يتسحاق فونداك الذي شغل منصب الحاكم العسكري لقطاع غزة في السبعينات في تصريح نقله الراديو الاسرائيلية انه "لا خيار أمام إسرائيل إلا الانسحاب من القطاع من جانب واحد" (119)[صوت الشعب ، العدد 3469 ، 14/12/1992 ، ص18 .] . ولكن الجنرال في الاحتياط أوري أور الذي يتولى رئاسة لجنة الخارجية والأمنفي الكنيست وقف ليعلن أن "هذه حرب ضد عدو يجب مكافحة هذا العمل المسلح مثلما نكافح ضد الأهداف الموضوعية ، حرب مبادرة بقدر الإمكانية" . ورد على الذين يؤيدون الانسحاب من طرف واحد من القطاع بالقول "لا أعتقد أننا فقدنا السيطرة في غزة ، ففي الحرب ضد العمل المسلح يوجد هناك دوماً مشكلة سيطرة . فلا يمكن الوصول إلى كل مكان وفي كل زمان، وليس من أولئك الذين يقولون بضرورة مغادرة غزة صباح غد بدون حل ، وفقط إذا استنفدنا كل المحاولات لإيجاد حل سياسي وتوصلنا إلى استنتاج بأننا غير ناجحين ، عندئذ يجب النظر في السبل الأخرى ، أما الآن فنحن في ذروة مفاوضات سياسية" . (120)الفجر المقدسية ، العدد 8117 ، 8/12/1992 .] وحدد (الجنرال) أور رأيه حول هذاا لموضوع في العنوان "قطاع غزة لن يترك إسرائيل حتى لو تخلت عنه" .

 

  ومهما يكن من آراء سواء أكانت مؤيدة أم معارضة للانسحاب من القطاع ، فإن شعور ورأي الجندي المقاتل الذي يؤدي خدمته العسكرية والاحتياطية في غزة يكون أكثر تعبيراً عن التأثير النفسي والمعنوي لعمليات كتائب الشهيد عز الدين القسام على جنود وضباط الجيش الإسرائيلي الذين دفعوا ومازالوا يدفعون دماءهم لاحتلاله فقد نقلت الصحف الاسرائيلية أثناء تغطيتها عملية إغلاق القطاع إثر عمليات القسام في الشجاعية والخليل واللد والتي استمرت عشرة أيام متواصلة أن جندياً إسرائيلياً وقف تحت المطر ينتظر سيارة تقله إلى خارج القطاع وهو يتمتم قائلاً : "لتذهب غزة إلى الجحيم أو فلتحترق بمن فيها .... مالنا نحن وغزة ، لماذا نقاتل من اجل البقاء فيها" ، ولم يتمالك الجندي نفسه ليعرب عن أمله في أن تنسحب إسرائيل من غزة شريطة "أن يوجد من يتحمل المسؤولية هنا او يصنع بيننا وبين العرب في غزة جداراً لا يمكن اجتيازه ، لكن من يريد أخذ غزة ؟" . كما اعترف جنود الاحتلال الذين شملهم الاستطلاع الصحفي أن الهدوء الذي يحسونه "هدوء مصطنع يخفي بركاناً مغطى بطبقة من الرماد قد تطيرها الريح في أي لحظة" . وجاء في مقال صحافي نشر في الكيان الصهيوني : "لم يعد الجنود في كتيبة احتياط في خان يونس يشعرون بالخجل من الاعتراف بمدى خوفهم" . ويقول أحد هؤلاء الجنود : "عندما أؤدي الخدمة في غزة ، فإن كل ما أرغب فيه هو البقاء على قيد الحياة .. إنني أشعر بالخوف ، ولا أعتقد ان هناك أي جندي هنا لا يشعر بالخوف .. إنني أشعر بأن الخدمة هنا أسوأ حتى من الخدمة في لبنان ، لأنه لم يكن يسمح لأية سيارة بالمرور في لبنان ، إذا كانت هناك سيارة عسكرية اسرائيلية على الطريق . ولكننا لا نستطيع شل حياة السكان هنا بمنعهم من الحركة .. إن جنود الاحتياط كلهم الذين خدموا معي هنا يعودون إلى منازلهم بشعور قوي مفاده أنه يجب على إسرائيل التخلص من قطاع غزة ونسيانه إلى الأبد" . (121)[تقرير وكالة قدس برس من قطاع غزة يوم 17/12/1992 . ومجلة الوسط اللندنية ، العدد 54 ، 8/2/1993 ، ص28 .

 

  أما الصحف اليومية الإسرائيلية باختلاف تصنيفاتها ، فقد تباينت تعليقاتها حول موضوع الانسحاب من قطاع غزة فهذه يديعوت احرونوت وتحت عنوان (لماذا غزة ؟) كتبت في افتتاحيتها تقول : "متى أجرت أي حكومة اسرائيلية خلال العقد الأخير ، نقاشاً حول موضوع قطاع غزة ، المزعج والساخن دائماً ؟ متى سألت أي حكومة من حكومات اسرائيل ، خلال 25 سنة من الاحتلال ، لماذا نواصل سيطرتنا العسكرية المدبرة ، التي يعتبر كل واحد من سكانها النصف مليون فدائياً محتملاً ؟.

  لقد اعترف وزير الدفاع السابق موشيه ارنس من حزب الليكود بجرأة ولكن في وقت مأخر ، انه يجب ترك غزة على القور ، سبقه بمثل هذا الكلام زعماء من حزب العمل عندما كانوا في المعارضة ، وها هم أصبحوا في السلطة ، وعلى رأسهم شمعون بيريز وحاييم رامون ، قالوا : "غزة اولاً" حتى رابين الذي لا يعتبر حمائمياً مثلهم قال "فلتغرق غزة في البحر" وهذا ما يعني أنه عازم على التخلي عن مشكلة المشاكل هذه بأسرع وقت .

  لكن وزير الخارجية شمعون بيريز كان يتأرجح مؤخراً خلال نقاش موضوع غزة في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست ، ما بين اعترافه بضرورة دراسة الانسحاب من القطاع من جانب واحد ، وما بين طاعة رأي رئيس الوزراء الداعي لرفض الانسحاب رفضاً باتاً إلا في إطار اتفاقية سلام شاملة ، أما آن الأوان لأن تكرس الحكومة وقتاً لإجراء بحث عمليق لمسألة لماذا ومن اجل ماذا غزة ؟" .

 

  وفي المقابل ، وقفت صحيفة معاريف إلى جانب الرأي المعارض للانسحاب وطرحت موقفاً مشابهاً لما طرحه (الجنرال) أوري اور والياهو بن اليسار ، فكتبت في افتتاحيتها ليوم 14 من كانون الأول (ديسمبر) وتحت عنوان (إغلاق ومنع تجول) تقول :

  "سواء أردنا أن نبقى في قطاع غزة ام لا ، يجب أن نبذل جهوداً حازمة وقاسية إذا تطلب الأمر لفرض النظام هناك او لحرق اوكار المسلحين على الأقل .

 

  يجب أن نسيطر على غزة من جديد إذا أردنا البقاء فيها ، حتى لا يقتلوا لنا مواطنين وجنودا . كما يجب ان نفرض النظام في غزة إذا أردنا الخروج منها ، لأننا إذا أعطينا انطباعا بأننا خرجنا خضوعا للإرهاب فلن يكون بإمكاننا السيطرة على يهودا والسامرة ولا على القدس الشرقية ، ويعتبر الانسحاب من جانب واحد من القطاع في الظروف الحالية دعوة لفوضى" . (122)[الرأي الأردنية ، العدد 8163 ، 16/12/1992 ، ص16 .

 

  صحيفة هآرتس من جانبها ترى أن مفاوضات السلام توفر للكيان الصهيوني مخرجاً من " الورطة" ، إذ أن الاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية يضمن بألا تسيطر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي . وجاء في افتتاحية هآرتس التي حملت عنوان (فلنعجل المسيرة حتى نخرج من غزة) ما نصه : "قتل ثلاثة جنود في غزة ويبدو أن حماس أرادت أن تبرهن لإسرائيل والدول العربية وللولايات المتحدة أنه لا جدوى من المسيرة السلمية حتى لو ألقت قوات الأمن القبض على الفاعلين ، هل سنحصل على أكثر من استراحة قصيرة من الإرهاب ؟ يقول رئيس هيئة الأركان العامة إننا نواجه وضعاً شبه حربي في غزة وهذا اعتراف من الجيش الإسرائيلي بأنه غير قادر على قمع الانتفاضة ، فهل كان هناك داع لنفرض على الجيش أن يضيع جهوداً كبيرة من قوته خلال هذه السنوات الخمس ؟.

  إن البحث عن الفاعلين يتطلب فرض منع التجول على نصف مليون نسمة في غزة يشعرون بأنهم يتعرضون لعقوبة جماعية ، وحتى لو تم إلقاء القبض على القتلة ، ما الذي سيتغير ؟

  بامكان إسرائيل أن تواصل الاحتلال في غزة ، ولكن لا توجد إمكانية لتصفية الخلايا وحبذا لو انها لا تصغي لمن يوصي بالبحث عن الفدائيين ، في كل بيارة ، كما أوصى عضو الكنيست رفائيل إيتان لقتلهم واحداً تلو الآخر .

 

  والسؤال المطروح هو إلى متى نظل نضحي بخيرة أبنائنا ، في أعمال الدورية الاعتيادية على مذبح سياسة خاطئة ، يتوجب على الحكومة أن تستنتج بأن أيام سلطتها في قطاع غزة معدودة ، وأن الخسارة الناجمة عن رفض الاعتراف بذلك أكبر بما لا يقاس بالفائدة التي من الممكن أن نجنيها من البقاء هناك .

 

  إن المسيرة السلمية توفر لنا مخرجا من الورطة ، يجب أن يكون هدف الحكومة الخروج من متاهة غزة باتفاق مع الفلسطينيين . يهمنا أن لا تسيطر حماس على غزة بعد خروجنا منها ، وأن لا تسودها الفوضى" . (123)[نفس المصدر السابق

  عادت قضية مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين لتطفو على السطح من جديد في أعقاب اختطاف كتائب عز الدين القسام للرقيب أول نيسيم طوليدانو وعلى الرغم من كون عمليات الخطف وحجز الرهائن في إطار الصراع مع العدو الصهيوني ليست بجديدة وحديثة ولم تكن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي المبادرة في هذا النوع من العمليات ، إلا أن عملية اختطاف الرقيب أول نسيم طوليدانو تتميز عما سبقها من عمليات ، ليس من ناحية الزمن أو من ناحية توقف عمليات الخطف ولا حتى من ناحية كون الخاطفين من الأراضي المحتلة ، ولكن من نواحي أخرى عديدة نستطيع إيجازها بما يلي :

 

   رغم أنها ليست المرة الأولى التي تقوم فيها مجموعة من الداخل بخطف جندي إسرائيلي ، إلا أنها المرة الأولى التي يتم فيها التوجه للصليب الأحمر وتوجيه إنذار لفترة محددة لتلبية مطالب محددة مقابل الإفراج عن الجندي .

 لأول مرة يتم تحديد مطلب محدد وواضح ، أي الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين .

 هذان الجديدان في هذه العملية عكسا جديداً آخر يتمثل في كون العملية جرى التخطيط لها بشكل مسبق ولم تكن بطريق الصدفة كما حدث في عمليات سابقة .

 

 عمليات الخطف أو حجز الرهائن السابقة ووضع مطالب الإفراج عن معتقلين فلسطينيين كانت علنية وتمت عبر مجموعات من خارج الحدود ولكن عملية اختطاف طوليدانو كانت سرية ونفذت من قبل مجموعة من داخل الأرض المحتلة .

 

 لأول مرة تتم عملية اختطاف جندي من وسط الكيان الصهيوني ومن منطقة اللد ذات الوجود الكثيف لجيش الإحتلال الإسرائيلي فيما تمت العمليات السابقة في الضفة والقطاع .  

 

  هذه المميزات وترابط العملية مع عمليتي الشجاعية والحاووز اللتين سبقتاها ، جعلت اختطاف الرقيب أول نسيم طوليدانو يحدث جدلاً واسعاً في الكيان الصهيوني بين الدعوة للاستجابة لمطالب كتائب الشهيد عز الدين القسام بإطلاق الإسرائيلي المبدئي يقوم على عدم التفاوض والمساومة مع الخاطفين تحت أي ظرف كان ، ولكن هذا المبدأ الذي عبرت عنه النهاية العنيفة لعمليات الخطف واحتجاز الرهائن كعمليات الخالصة (كريات شمونة) وترشيحا (معالوت) وعينتيبي تم تجاوزه في حالة عملية خطف الطائرة الإسرائيلية إلى الجزائر عام 1968 وفي عملية تبادل الأسرى عام 1985 بين حكومة شامير والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) .

  هذا التجاوز استند عليه دعاة الاستجابة لطلب حماس إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين وكان أبرزهم العميد احتياط يعقوب ايفن الذي قال : "أعيدوا لهم الشيخ وبسرعة" . (124)[مجلة البيادر السياسي ، العدد 525 ، 19/12/1992 ، ص12-13 .] وفي نفس الإطار ، دعا يوسى جينو سار المسؤولالسابق في (الشين - بيت) إلى إجراء حوار مع مختطفي طوليدانو واتخاذ كافة الخطوات "التي ستضمن لنا كامل الآمال بألا يمس الضابط المخطوف بأذى وفي هذه اللحظة فإني لا أرى ، حسب عملي أي إمكانية لخيار عسكري فوري" . (125)[الفجر المقدسية ، العدد 8124 ، 15/12/1992 ، ص4 .]

  ولكن هذه الدعوات بقيت خافتة وبرزت في مواجهتها الدعوة لرفض الاستجابة لمطالب الخاطفين . فصحيفة يديعوت احرونوت وجهت سؤالاً "هل نخضع للإرهاب لإنقاذ حياة الضابط الإسرائيلي فنطلق سراح الشيخ ياسين ؟!" ، وأجابت الصحيفة على هذا السؤال بالقول : "إن هذا العمل يشكل رمزاً لإفلاسنا العام ونهاية ما تبقى من التظاهر بأننا نسيطر على هذه البلاد" . وطرحت يديعوت احرونوت في النهاية خيار القوة عبر قولها "ما زال الذين عملوا معجزة عينتيبي معنا !" (126)[نفس المصدر رقم 124 .] . كما أيدت صحيفة هآرتس الإسرائيلية رفض مطالب المجاهدين ورأت في الشيخ المقعد "ذي الرأس المليء بالتصميم" مسؤولاً عن كل ما يجري "فهو الملهم بالنسبة للحركة" . (127)[جريدة الرباط ، العدد 97 ، 30/12/1992 ، ص11 .] ومثلت صحيفة معاريف الإسرائيلية الرأي المتطرف حين طالبت بإعدام الشيخ أحمد ياسين إذا نفذ مجاهدو كتائب عز الدين القسام تهديدهم بقتل الرقيب أول طوليدانو . (128)[نفس المصدر رقم 124 .

 

  الحملة الإعلامية القوية لدعاة عدة الاستجابة لمطالب مختطفي نيسيم طوليدانو كسبت بعداً إضافياً حين انضم إليها (الجنرال) ايسر هرئيل الذي شغل منصب رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية العامة (الموساد) لسنوات طويلة . فقد عبر هرئيل عن موقفه في مقال كتبه تحت عنوان "لا ينبغي الخضوع" ، وكان أبرز ما تضمنه ذلك المقال قوله "لدولة إسرائيل تجربة متراكمة على مدى السنين للتصرف مع خاطفي الطائرات وغيرهم . لديها خبرة في إدارة المفاوضات مع رجال المنظمات ، لا سيما في شروط الابتزاز والتهديد بإعدام الرهائن . وهذه الخبرة أفضل ما لدى دولة أخرى في العالم . وآمل ألا تخضع الدولة وذلك أن ليس ثمة نهاية لذلك" . (129)[نفس المصدر رقم 125 .]

  وبين هذين الموقفين ، المؤيد للإفراج عن الشيخ أحمد ياسين والمعارض لهما بدا واضحاً أن حكومة إسحق رابين مالت نحو التمسك بالمبدأ على حساب تجاوزه ، على الرغم من الإشارة المرنة التي أطلقتها ضمن محاولاتها للكشف عن المكان الذي يحتجز فيه طوليدانو . فقد تجلت الرؤية بأن رابين قد اتخذ قراره برفض الإفراج عن الشيخ إثر حملة الاعتقالات الواسعة والهستيرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي ضد الاتجاه الإسلامي ونشيطي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عقب العملية مباشرة . وقد أكد وزير الإسكان وعضو اللجنة الوزارية المصغرة للأمن القومي (بنيامين بن اليعازر) مراوغات رابين ومحاولاته لكسب الوقت حين صرح لصحيفة يديعوت أحرونوت يوم الجمعة 18 من كانون الأول (ديسمبر) بما نصه : "ليس فقط إنه لم يكن هناك حاجة لإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين ، بل ولم نفكر بذلك . إن أي حل يمكن أن يكون أسهل من هذا الحل" . (130)[مجلة فلسطين المسلمة ، العدد الأول ، السنة 11 ، كانون الثاني (يناير) 1993 ، ص11 .] كما أشار وزير الشرطة (موشيه شاحل) إلى نفس الموضوع عندما سئل في الحوار الذي اجراه راديو العدو يوم 16 كانون الأول (ديسمبر) فيما إذا كانت الحكومة قد درست إمكانية إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين في أعقاب إنذار الخاطفين ، حيث جاءت إجابته : "إنني لا أرغب في الدخول بهذه التفاصيل ، ولكني بودي القول ، أننا أكدتنا استحالة التعامل مع هذه المسألة دون معرفة مصيره وسلامته وحياته وهوية الطرف المتورط في عملية الإختطاف ، أي ليس من خلال الرسائل أو المكالمات الهاتفية ، أو بعض الأوساط في الأردن" . وكانت أسرة طوليدانو قد أرسلت طلباً عشية الاختطاف إلى الحكومة الإسرائيلية بإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من اجل إنقاذ حياة ابنها ، وتقدمت بطلب آخر إلى رئيس الحكومة لدى اجتماعها به في اليوم التالي . ولكن الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسها رابين تتحمل مسؤولية ما حدث ، فقد تم إبلاغ الأسرة "أنه رغم الأسف الشديد والحزن على ما حدث ، فهي - أي الحكومة - غير مستعدة للخضوع للإرهاب ، لأن الاستجابة لمطالب المختطفين سوف يؤدي إلى أعمال اختطاف أخرى ستدخل الجيش والحكومة والجهاز الأمني في وضع لا يمكن احتماله" . (131)[النهار المقدسية ، العدد 2082 ، 16/12/1992 ، ص3 .

 

دعوات للقضاء على حماس :

 

  تنافس السياسيون الإسرائيليون للاشتراك في مزاد التصريحات الإرهابية والتهديد والوعيد ، فحماس تجاوزت الخط الأحمر على حد تعبيرهم ، ولذلك يجب إعلان الحرب عليها وتدميرها باستئصال معالم قوتها وترحيل قيادتها ونشطائها إلى خارج فلسطين المحتلة . فشنت الكتل والأحزاب السياسية سواء من اليمين أو اليسار هجوماً على منفذي عمليات الشجاعية والخليل واللد ، تضمن دعوات مباشرة وصريحة للقضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) .

 

   ارئييل شارون (عضو كنيست ووزير دفاع سابق - الليكود) : طالب بتشكيل "حكومة إنقاذ وطني تكلف بمكافحة الإرهاب" ، ودعا إلى إبعاد الألف ومئتي عضو من أعضاء حماس الذين اعتقلتهم السلطات الإسرائيلية . (132)[النهار المقدسية ، العدد 2083 ، 17/12/1992 ، ص6 .

 

 الياهو بن اليسار (عضو كنيست وسفير سابق لإسرائيل في مصر - الليكود) : لقد أوقفنا مئات الأشخاص من حماس خلال الأيام الأخيرة لأن ذلك كان من شأنه التسهيل على التحقيق ، وكان ذلك بمثابة تلميحات ملائمة لأكثر من الف شخص كهؤلاء لأخذهم ونقلهم وراء الحدود ، أقول ذلك وأنا أدرك خطورة الأمر يجب ضم عائلاتهم لهم . أعرف أنه توجد هنا مشكلة تتعلق بالتشريع ، يمكن عقد جلسة للكنيست بأسرع وقت وإجراء تصويت بغية تغيير القانون لمثل هذه الحالة" . (133)[نشرة أخبار السابعة والنصف مساءً في التلفزيون الاسرائيلي يوم 15/12/1992 .

 

 يوسى ساريد (عضو كنيست - ميرتس) : "لا يمكن اعتبار كل الفلسطينيين كمجموعة واحدة ، حماس هي منظمة أصولية قاتلة ، يجب بذل كل شيء للقضاء عليها وتحطيمها ، أقول بكل معنى الكلمة تحطيمها ن حماس هي منظمة تعلن صراحة وبوضوح أنها تريد إحباط كل خطوات السلام . وتعلن عن ذلك وتبذل كل ما هو ممكن من أجل إحتباط السلام ، لذلك لا توجد إمكانية للنضال بلا هوادة ضد حماس دون تعاون القوى المعتدلة وسعاة السلام من بين الإسرائيليين والفلسطينيين . معنى ذلك أن على حكومة إسرائيل التعاون مع زعماء المنظمة ليتسنى لنا جميعاً بقوى مشتركة القضاء على حماس واستئصالها بقبضة حديدية" . (134)[نفس المصدر السابق .

 

 رفائيل إيتان (عضو كنيست ورئيس أركان سابق - تسوميت) : نقلت عنه صحيفة معاريف قبل العثور على جثة طوليدانو تصريحاً جاء فيه "إن هناك طريقة أخرى لمحاربة العنف الفلسطيني وهي العقوبات الجماعية والشد الاقتصادي ، يجب وقف كافة الخدمات الحيوية عن المنطقة التي حدث فيها عمل عنف يجب أن تبقى بدون بنزين ، بدون كهرباء ، وبدون أسمنت ، ويجب أن يمنع العرب من السير على الشوارع والطرق التي يضرب بها حجارة لمدة شهرين ، إن هذه الخطوات ستكون مفيدة أكثر من السياسة اللينة التي تتبعها الحكومة" . (135)[الفجر المقدسية ، العدد 8125 ، 16/12/1992 ] وصرح للإذاعة الإسرائيلية في أعقاب العثور على جثة طوليدانو قائلاً : "يجب محاكمة الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس والحكم عليه بالموت ثم تنفيذ الإعدام" . (136)[الحياة اللندنية ، العدد 10903 ، 16/12/1992 ، ص4 .

 

 يهود أولمرت (عضو كنيست ووزير صحة سابق - الليكود) : انتقد رئيس الوزراء إسحاق رابين لتراخيه في معالجة عملية أسر الرقيب أول في حرس الحدود وعدم استخدامه القوة بشكل مناسب وقال في تصريح تلفزيوني : "الحل ببساطة أن نقتلهم، فنحن في حالة حرب ويجب عليك قتل من يريد أن يقتلك" . (137)[نشرة أخبار الساعة الثانية ظهراً في محطة التلفزيون الأمريكي بالكابل (CNN) يوم 16/12/1992 .

 

 موشيه شاحل (وزير الشرطة - العمل) : رفض الإفصاح للإذاعة الإسرائيلية عن ماهية الإجراءات التي اتخذها مجلس الوزراء في اجتماعه يوم الأربعاء 16/12/1992 لمحاربة حركة حماس واكتفى بالقول "سننفذ ما نقول لأننا مصممون على توفير الأمن لرعايانا ولن يكون لأحد أن يزعزع هذه الإرادة" (138)[الرأي الأردنية ، العدد 8165 ، 17/12/1992، ص17 .] وصرح لمراسل التلفزيون الإسرائيلي بعد تشييع جثمان الرقيب أول طوليدانو بأنه يعتقد أن الجمهور على حق حين يرد بسخط . أعتقد أنه ضاق ذرع الجمهور ، منذ أكثر من عشر سنوات تقع حوادث ، منذ 5 سنوات تزداد أعمال العنف والإرهاب . حان الوقت لمعالجة هذا الموضوع بصورة حكيمة ، نقترح اقتراحاً من أجل التوصل إلى سلام مع أولئك المستعدين للتوصل إلى سلام . نقول بصورة قاطعة ، سنتحدث بلغة أخرى مع أولئك الذين يحاولون قتل السلام ، وقتل أشخاص أبرياء ، سيلقون عقابهم ، هذا وعد نقطعه وننوي تحقيقه . أريد القول : إنه لم تكن سابقة كهذه - اعتقال 1200 شخص في آن واحد - ننوي معالجة هذه المشكلة بصورة أساسية للغاية ، لا يمكننا التغضي عن عمليات قتل وخطف ، وقعت عمليات خطف داخل مدن . . . وعلى الشوارع وفي محطات نقل الجنود ، لن نسمح بهدر دم الإسرائيليين هذه هي الرسالة التي تبعث بها هذه الحكومة ، تعني كل كلمة تقولها ويفضل لأولئك الذين يهددون من الأردن ولبنان أن يفهموا جيداً أن سياستنا هي قاطعة ، نريد التوصل إلى سلام لكننا سنضرب كل أولئك الذين يمسون بنا ، سنضربهم في كل مكان وكل فرصة وكل طريقة نجدها صحيحة" .(139)[نشرة أخبار السابعة والنصف مساءً في التلفزيون الإسرائيلي يوم 16/12/1992 .

 

 حاييم رامون (وزير الصحة - العمل) : جاء في الكلمة التي ألقاها أمام الكنيست يوم 18/12/1992 ما نصه : "لكوننا ملتزمين بالمسيرة السلمية يجب أن نشن حرباً شعواء ضد الإرهاب ، وبالدرجة الأولى القتلة من حركة حماس الذين قاموا بغالبية العمليات الإرهابية في المناطق منذ استلامنا للسلطة ، سنخوض حرباً شعواء ضد حماس ، ليس بالكلام ، إنما بالأعمال ، ولسوف تكون العمال مؤلمة" . (140)[الفجر المقدسية ، العدد 8130 ، 21/12/1992 .

 

 بنيامين بن اليعازر (وزير الإسكان - العمل) : "لقد كشفت حركة حماس بعملها هذا عن وجهها الحقيقي . إنهم عبارة عن قتلة من أسوأ الأنواع . أرادوا أن يخدعونا بالإعلان عن رغبتهم بالتفاوض معنا ، بينما كانوا قد أعدموا الرهينة . لابد من شن حرب بلا هوادة فيها ضد حماس والمضي في الوقت نفسه وبالتصميم نفسه في عملية السلام" . (141)القدس العربي ، العدد 1119 ، 16/12/1992 ، ص5 .

 

 زئيف شيف (المعلق العسكري في صحيفة هآرتس) : كتب في الصحيفة معلقاً على عملية أسر طوليدانو وما سبقها من عمليات بطولية لحماس "إن على إسرائيل أن تجعل أصوليي حماس والجهاد الإسلامي يدفعون الثمن غالياً تحت طائلة ارتفاع شعبية هؤلاء بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة" . وقال أيضاً "إن إبعاد أعضاء حماس يفترض ألا يثير انتقادات قاسية لأن هذه المنظمة تعارض عملية السلام" . (142)[الرأي الأردنية ، العدد 8165 ، 17/12/1992 ، ص17.

 صحيفة يديعوت احرنوت : كتبت في افتتاحية العدد الصادر يوم 16/12/1992 أن "الرأي الإسرائيلي مستعد لضبط النفس كما طلب منه رابين إن كان متأكداً أن الحكومة أعطت أوامرها للجيش وقوات الأمن بشن حرب لا هوادة فيها على حماس والقتلة المتعطشين للدم فيها" . (143)[نفس المصدر السابق .

 

 الجيش الإسرائيلي والشين - بيت : نسبت صحيفة هآرتس إلى مصادر عسكرية رفيعة المستوى أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي (الشين - بيت) قدما اقتراحاً يهدف إلى "القضاء على حركة حماس مرة وإلى الأبد" . وقالت الصحيفة: إن الاقتراح يدعو إلى إغلاق الجامعات والمدارس ورياض الأطفال والنوادي والجمعيات التي ترعاها وخصوصاً الجمعيات الخيرية . (144)[الحياة اللندنية ، العدد 10905 ، 18/12/1992 ، ص5 .

  

الحوار المباشر مع ياسر عرفات :

 

  يعتبر العديد من المسؤولين الإسرائيليين أن بطء مفاوضات السلام مع الفلسطينيين وعدم وصولها إلى نتيجة ملموسة حتى الآن مردهما إلى أن المفاوضين الفلسطينيين في واشنطن لا يملكون سلطة اتخاذ القرار وبالتالي فإنه يتعين التحدث إلى الأصل بدلاً من الفروع . ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يعطي آذناً صاغية لمثل هذه التحليلات على الرغم من الضغوط التي مورست في هذا الاتجاه على رابين ، خاصة أن الجو داخل الحكومة مؤيد للمفاوضات المباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية . ويرجع السبب في موقف رابين هذا إلى عدم الرغبة في تقديم تنازلات مجانية في المرحلة الحالية ، إذ قد يقتنع الفلسطينيون بتقديم "ما يقنعه" بجدية منظمة التحرير الفلسطينية في السلام . (145)[مجلة فلسطين المسلمة ، العدد الأول ، السنة 11 كانون الثاني (يناير) 1993 ، ص14 .

 

  وقد أدى مقتل الرقيب أول طوليدانو بعد أسره ومن قبله عمليتا غزة والخليل اللتان نفذتهما كتائب عز الدين القسام إلى تعزيز النقاش داخل الحكومة الإسرائيلية حول إمكانية فتح حوار مباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية وذلك كخطوة لمحاربة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) . ففي حديث للإذاعة الإسرائيلية ، أعلن وزير السياحة عوزي برعام أنه يتوجب على حكومة رابين التحاور مع منظمة التحرير الفلسطينية من أجل عزل حركة حماس" . (146)[الرأي الأردنية، العدد 8165 ، 17/12/1992 ، ص21 .] وكان برعام قد صرح للصحفيين عقب اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي الذي تقرر فيه إبعاد (415) مواطناً فلسطينياً بأنه أثار هذا الموضوع خلال الاجتماع وأضاف قائلاً : يجب فتح الحوار مع المنظمة الفلسطينية في أقرب وقت ممكن . . . إن المأساة التي وقعت تؤكد ما اعتقدته دائماً وهو أن هناك فرقاً بين   85 

حماس وبين منظمة التحرير الفلسطينية" . (147) [الحياة اللندنية ، العدد 10905 ، 18/12/1992 ، ص5 .

 

  وعلى الصعيد نفسه ، اكتسب موقف رئيس بلدية تل أبيب شلومو لاحظ أهمية كونه ينتمي سياسياً إلى تكتل الليكود المعارض ، ففي مقابلة أجرتها معه الإذاعة الإسرائيلية طالب بالتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية ، قائلاً "يتعين علينا التحاور مع عرفات وحتى إذا لم يعجبنا ذلك فإنه يجب الاعتراف بأنه ليس ثمة أي بديل لمنظمته في صفوف الفلسطينيين" . (148)[نفس المصدر رقم 146 .

 

اليهود يذرفون دموع التماسيح :

 

  في مقابل صيحات الانتقام والوعيد التي أطلقها المجرمون اليهود ، نجد أنهم يحاولون في جانب آخر استدرار العطف وإثارة المشاعر والأحاسيس الإنسانية والتي لا تثار إلا عندما يراق الدم اليهودي ، أما سائر الشعوب والأجناس فلا قيمة لها ولا لمشاعرها وحقوقها الإنسانية . ويمثل برنامج (تحليل وتعليق) الذي يقدم في الإذاعة الإسرائيلية نموذجاً لهذا الجانب . فقد جاء في التحليل الذي كتبه عيزرا شيرازي أذيع في الساعة الرابعة والنصف من مساء يوم الأربعاء 16/12/1992 ما نصه : "من الصعب جداً التصور بأنه كان هنالك بين الفلسطينيين العاقلين من فرح أو طرب لمسمع تفاصيل جريمة قتل شرطي حرس الحدود نيسيم طوليدانو ، أجل من الصعب جداً التصور من أن أيّ إنسان عاقل فلسطينيا كان أو غير فلسطيني، قد يفرح وقد يطرب لمسمع تفاصيل هذه الجريمة المنكرة التي تستنكرها كل الديانات السماوية وكل شيم العروبة وكل القيم الإنسانية والحضرية ، ويقيناً أن من فرح أو طرب إما أن يكون قد تعرض لعملية غسل دماغه في جحور بث سموم الكراهية والحقد بين الشعوب والديانات ، وإما أن يكون قد فقد إنسانيته وضميره وإما يكون أصلا عديم الضمير أو حيواناً بشكل بني آدم .

 

  قلنا : من الصعب جداً التصور بأن أي فلسطيني عاقل قد فرح أو طرب أمس لمسمع نبأ اكتشاف جثة الشرطي طوليدانو ، وذلك لأن الفلسطيني العاقل يدرك تمام الإدراك أن هذه الجريمة وأمثالها من الجرائم الإرهابية المنكرة ليست فقط لا تخدم مطلقا وبأي شكل من الأشكال القضية ، وإنما تشوه أيضاً شر تشويه ، صورة الفلسطينيين في أنظار الرأي العام العالمي ، والفلسطيني العاقل يعلم علم اليقين أن الشعب الإسرائيلي لم يتزحزح قيد أنملة عن مسيرته وعن إيمانه بحقوقه ، وذلك بالرغم من كل ما تعرض له من أبشع الجرائم الإرهابية والحيوانية التي ارتكبت باسم الفلسطينيين طوال عقود سبقت قيام دولة إسرائيلية وطوال العقود التي أعقبت قيام دولة إسرائيل .

 

  والفلسطيني العاقل يدرك تمام الإدراك أن كل جريمة إرهابية ترتكب باسم الفلسطينيين هي بمثابة مساهمة في حفر قبر لذات الحقوق التي يطالب بها الفلسطينيون ، أو التي يدعون أنهم أصحابها أو أهل لها ، فالتاريخ حافل بعبر لحقوق مشروعة ضاعت ودفنت نتيجة سلوك أصحابها درب التعصب الأعمى والسلبية الهدامة ، أو نتيجة جشع أصحابها وممارستهم سياسة كل شيء أولا شيء . إن عائلة شرطي الحدود طوليدانو بدأت سبعة أيام حدادها ويشارك حزنها وأساها ، أبناء الشعب الإسرائيلي ، وحري بكل إنسان يعتز بكونه إنساناً ، وحري بكل فلسطيني عاقل مؤمن بحتمية التعايش بين الشعوب والديانات أن يشارك هو الآخر عائلة الفقيد حزنها ، وأساها وأن يعرب بدون تحفظ أو تلكؤ عن شجبه لمثل هذه الجرائم الإرهابية التي تستهدف نحر الفرصة التاريخية المتهيئة لتحقيق السلام والتعايش بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني" .