|
الفصل الثالث
ردود
الفعل المختلفة

قادة حماس
يوضحون أهداف عملية اللد :
امتازت تصريحات رموز وممثلي
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في داخل الوطن المحتل وخارجه بالعقلانية . وجاءت
لكشف اللبس الذي رافق عملية أسر وقتل الرقيب أول نيسيم طوليدانو ورداً على مزاعم
وسائل الإعلام المغرضة التي ترحمت على الضابط الإسرائيلي وأبدت انزعاجها من إعدام
"أسير حرب" على يد القتلة من حركة حماس . كما أوضح قادة حماس وممثلوها أهداف هذه
العملية وفندوا أقاويل دعاة الاستسلام الذين تراكضوا للتصريح بأن "هذا يدل على أن
الطريق الوحيد لإنهاء العنف هو طريق السلام" ، في محاولة منهم لسحب البساط من تحت
أقدام المجاهدين وتفريغ العملية من محتواها وأهدافها الإنسانية .
المهندس إبراهيم غوشة ،
الناطق الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، حمّل إسحاق رابين مسؤولية قتل
ضابط صف حرس الحدود لأن كتائب الشهيد عز الدين القسام أعطت مهلة محددة لتنفيذ
مطالبها الإنسانية إلا أن "عدم تكافؤ القوى ومحاولة الحكومة الإسرائيلية كسب الوقت
من اجل ملاحقة أفراد خلية حماس الذين خطفوا الرقيب الإسرائيلي وكشف أمرهم
واعتقالهم" كان وراء اتخاذ المجموعة المجاهدة القرار بإعدام طوليدانو . ولم يستبعد
المهندس غوشة حصول المزيد من هذا النوع من العمليات ، وقال في حوار صحفي مع مجلة
الوسط التي تصدر في لندن "إن الانتفاضة الفلسطينية تمر الآن في مرحلة جديدة ، وهناك
عوامل داخلية وخارجية تدفع إلى القيام بهذه العمليات . أبرز هذه العوامل هو النمط
المتصاعد للحركة في نشاطات الإنتفاضة وتعاظم قاعدتها الشعبية . كما أن فشل عملية
السلام بعد أكثر من عام على انطلاقها وتزايد عنجهية العدو واستمرار قتله للمواطنين
بأعصاب باردة تشكل عوامل تساعد في تنفيذ هذا النوع من العمليات" (149)[مجلة الوسط
اللندنية ، العدد 47 ، 21/12/1992 ، ص9 .] . ورد الناطق الرسمي لحماس على مزاعم
الإدارة الأميركية ووصفها لحركة المقاومة الإسلامية بالإرهاب قائلاً : "إننا نعتبر
وصف الرئيس الأمريكي المنتخب كلينتون لحركتنا بالإرهاب إنما يأتي كجزء من الانحياز
الأميركي الصارخ إلى جانب العدو
الصهيوني ، لأننا نقاتل عدونا الذي احتل أرضنا وشرد شعبنا" .
وتساءل المهندس إبراهيم غوشة خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الأردنية يوم
الثلاثاء 22/12/1992 : "إذا لم يكن ما نقوم به نحن الشعب الفلسطيني في الأراضي
المحتلة من انتفاضة وكفاح مسلح هو نضال مشروع فأين هو النضال المشروع في العالم
؟.. إننا لم نقتل من الاسرائيليين إلا جنودهم المحاربين في الوقت الذي يقتلون هم
أطفالنا ونساءنا ، ليس آخر ذلك سقوط الطفلة البريئة ذات الثماني سنوات في خان يونس
برصاص الاحتلال ضمن مجزرة راح ضحيتها ستة من أبناء شعبنا .. لقد قتلنا جنودهم
واختطفناهم وهم بكامل أسلحتهم وعتادهم وأيديهم ملطخة بدم الأبرياء من أبناء شعبنا
.... فهل هذا إرهاب يا عقلاء العالم ؟" (150)[الشعب المصرية ، العدد 703 ،
29/12/1992 ، ص10 .
أما ممثل حركة حماس في
الأردن محمد نزال ، فقد دعا قادة الكيان الصهيوني إلى المحافظة على روح ضابطهم
بالنظر إلى إنسانية القضية ، والإفراج عن الشيخ أحمد ياسين الذي تتدهور صحته يوماً
بعد يوم (151)[المسلمون السعودية ، العدد 412 ، 25/12/1992 ، ص4 .] . وأوضح نزال
أهداف عملية اللد قائلاً : "وفيما يتعلق بحادثة الاختطاف هذه فإن لها
بعدهاالإنسانيبسبب الأوضاع الصحية التي يمر فيها الشيخ أحمد ياسين في السجن ورفض
إسرائيل الاستجابة إلى مناشدات أطراف مختلفة للإفراج عنه" . وحول استراتيجية
التصعيد العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، استغرب ممثل الحركة في الأردن
الضجة التي أثيرت حول تصعيد كتائب عز الدين القسام لحربها الموجهة ضد المؤسسة
العسكرية الإسرائيلية موضحاً "أن من حقنا المشروع اللجوء لجميع الوسائل لتحقيق
أهدافنا لأننا في حالة حرب مع إسرائيل" و "استراتيجية التصعيد هي استراتيجية
اتخذتها حماس منذ فترة طويلة" . (152)[الشرق الأوسط ، العدد 5131 ، 15/12/1992 ،
ص3] كما حمّل محمد نزال الحكومة الإسرائيلية مسؤولية مقتل ضابط الصف الإسرائيلي بعد
أن لجأت إلى أسلوب المراوغة وتذرعت بمبرر عدم وجود أدلة تثبت بقاء طوليدانو على قيد
الحياة علماً بأن "قيادة حماس كانت قد تقدمت باقتراح إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين
وتسليمه إلى الصليب الأحمر الدولي مقابل تسليم الرقيب الإسرائيلي الأسير". وبيّنَ
نزّال أن حملة الاعتقالات
الواسعة التي شنتها سلطات الاحتلال في صفوف أعضاء وأنصار حماس في الأراضي المحتلة
بهدف جمع المعلومات والضغط لمعرفة مكان الأسير وانتهاء المهلة التي حددتها كتائب
القسام دون أن تستجيب الحكومة الإسرائيلية لمطلب الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين دفع
بالمجموعة التي نفذت العملية لإعدام الرقيب أول طوليدانو.(153)[الشرق الأوسط ،
العدد 5132 ، 216/12/1992 ،ص1 وص4 .
واستبعد قادة حماس وممثلوها
وجود أي علاقة لعمليات عز الدين القسام بمفاوضات السلام الجارية بين الكيان
الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية. فقد أكد المهندس إبراهيم غوشة أن عملية أسر
وقتل ضابط الصف الإسرائيلي لم تأت لتحسين موقف المفاوض الفلسطيني ، إذ أن حماس تدين
المفاوضات وتعلن للعالم أن العدو الإسرائيلي لا يمكن الحوار معه إلا عبر البنادق
فقط . وأضاف الناطق الرسمي لحماس خلال مؤتمر صحفي عقده في عمان يوم 16/12/1992 ،
بأن عملية كتائب عز الدين القسام كانت موجهة نحو صلف الاحتلال الاسرائيلي بهدف كسره
أمام الرأي العام العالمي والعربي والفلسطيني ، ولإثبات أن جنود الاحتلال يمكن
مطاردتهم وقتلهم . ووصف غوشة ما قاله إسحاق رابين أمام الكنيست بان الصهيونية باقية
في فلسطين إلى ابد الآبدين بأنه رسالة موجهة للأمة العربية والإسلامية وللوفود
المفاوضة في واشنطن .(154)[صوت الشعب ، العدد 3472 ، 17/12/1992 ، ص1 وص16 .
أما ممثل حركة المقاومة
الإسلامية (حماس) في لبنان مصطفى القانوع ، فقد دعا الوفد الفلسطيني المفاوض إلى
الانسحاب من مباحثات السلام الجارية في واشنطن . وأشار خلال مؤتمر في بيروت لدعم
الانتفاضة الفلسطينية ونقلته رويتر ووكالة الأنباء التلفزيونية (فيزنيوز) إلى أن
عملية خطف ضابط الصف الإسرائيلي من مدينة اللد المحتلة منذ عام 1948 "هي إعلان أن
المعركة ليست على الضفة الغربية وغزة بل المعركة على فلسطين كل فلسطين وأن صراعنا
معكم أيها الصهاينة هو صراع وجود لا صراع حدود " (155)[السفير اللبنانية ، العدد
6361 ، 15/12/1992 ، ص11 .
وحول الاعتقالات الهمجية
التي طالت قرابة الألفين من نشيطي وأنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، أكد
محمد نزال "إن التصعيد قائم بغض
النظر عن المستجدات وحماس ستستمر في هذه السياسة" (156)[الشرق
الأوسط ، العدد 5132 ، 16/12/1992 ، ص4 .] . وسجل الناطق الرسمي للحركة نفس الموقف
حين قال : " إن علمية أسر ضابط الصف الإسرائيلي وقتله قد أصابت الكيان الصهيوني
وهزته من الأعماق ، إلا أن حملة الاعتقالات التي شنتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي
وبلغ فيها عدد المعتقلين 1900 معتقل من جميع شرائح الشعب الفلسطيني لن تثني حماس عن
مواصلة الكفاح والنضال ضد الاحتلال النازي" . ودعا المهندس إبراهيم غوشة في ختام
مؤتمره الصحفي العرب والمسلمين إلى الوقوف وقفة واحدة إعلامياً وسياسياً ومادياً
لمواجهة ما يهدد الفلسطينيين في أرض الإسراء والمعراج . كما طالب القادة المخلصين
بإنصاف الشعب الفلسطيني بشتى الوسائل التي يملكونها داعياً الحركات والأحزاب
العربية والإسلامية لإسماع صوتها وقول كلمتها وبذل عطائها للتضامن والوقوف مع الشعب
الفلسطيني وطلائعه المجاهدة . وقال الناطق الرسمي أيضاً، إن ما يحدث في الأراضي
المحتلة الآن حرب الحصار وتجويع وتركيع يدعمه المعسكر الصهيوني بأجمعه اليمين
والوسط واليسار ويؤكد تشبث اليهود بأرض فلسطين ، وتساءل : " ماذا تنتظر أمة العرب
والمسلمين والصهاينة يرموننا الآن عن قوس واحدة ، ويهددون ويعتقلون ويبطشون بالشعب
الذي يدافع عن أمته في الخندق الواحد ؟" . (157)[صوت الشعب ، العدد 3472
،17/12/1992 ، ص1 ، ص16 .
وفي السياق نفسه ، أوضح
الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد مؤسسي حماس في قطاع غزة قبل ساعات من اعتقاله أن
تحليله للأسباب التي أدت إلى قيام كتائب الشهيد عز الدين القسام بمثل هذا النوع من
العمليات يعود إلى "التعنت الذي تبديه السلطات الإسرائيلية في الاعتراف بحقوق شعب
يعيش تحت الاحتلال"(158)[مجلة الوسط ، العدد 47 ، 21/12/1992 وص8 .] . ورد الدكتور
الرنتيسي على المزاعم التي تصف عملية أسر الجندي الإسرائيلي بالإرهاب : " لقد تميزت
حركة حماس بعملياتها ضد الجنود المسلحين وبالتالي إذا كان هناك شيء يمكن أن نسميه
إرهاباً فهو ما يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي المدجج بالسلاح ضد المدنيين العزل
من شعبنا وذلك هو العمل الإرهابي الحقيقي . وعملية الأسر التي تمت لجندي يحمل سلاحه
وعتاده الكاملين والعمليات ضد الجنود العسكريين ليست إرهابية بأي
مصطلح ، ونحن نشارك العالم في إدانة العمليات الإرهابية
ضد المدنيين" . وفي مكالمة منفصلة مع إحدى وكالات الأنباء ، أوضح الدكتور محمود
الزهار أهداف عملية الاختطاف وبعدها الإنساني ، وقال : "إننا نصف عملية احتجاز
الضابط الإسرائيلي التي حدثت أمس بأنها عملية أسر وليست خطفاً ، والإسلام يحفظ
للأسير حقوقه . وكما أعلن الآسرون فإن لهم شروطاً إنسانية متعلقة بالإفراج عن الشيخ
أحمد ياسين الذي يعلم الجميع بأن حالته الصحية متردية . وقد سمع الجميع بالأمس
أقواله على التلفزيون الإسرائيلي حول صحته ومتاعبها ، وأعتقد أن هدف هذا الاختطاف
إنساني وليس سياسياً ، وذلك بالنظر إلى مطالب المجموعة التي أسرت الجندي" .
(159)[تقرير وكالة قدس برس من قطاع غزة يوم 14/12/1992 .
ابتهاج الشارع
الفلسطيني :
لم تفلح الإجراءات التعسفية
التي شملت ضرب طوق أمني على الضفة الغربية وقطاع غزة ، وفرض نظام منع التجول على
معظم مدن وقرى ومخيمات الضفة والقطاع بالإضافة إلى حملة الاعتقالات الهستيرية في
تغيير أو طمس مشاعر الجمهور الفلسطيني الذي أبدى تعاطفاً كبيراً مع حركة حماس
وعملياتها المسلحة . وعلى الرغم من الحرب النفسية والإعلامية التي شنتها السلطات
العسكرية الإسرائيلية عبر وسائل إعلامها بهدف إثارة الرعب في نفوس المجاهدين
المنفذين للعمليات العسكرية وإضعاف الروح المعنوية لمواطني الضفة والقطاع وتأييدهم
لمنفذي العمليات الجهادية ، إلا أن الإقبال الجماهيري المنقطع النظير لمتابعة أخبار
العمليات لم يتأثر . فإثر عملية اختطاف الرقيب أول طوليدانو ، تجمع الناس حول
المذياع وأجهزة التلفاز لمتابعة الأحداث أولاً بأول ، وعندما انقطع التيار
الكهربائي عن مدينة نابلس سارع المواطنون إلى شراء البطاريات حتى لا يفوتهم
الاستماع إلى نشرات الأخبار . ولوحظ أن المحلات التجارية في وسط المدن الرئيسية في
الضفة الغربية كانت تفتح المذياع عند نشرات الأخبار بصوت عال لجذب الناس إليها
والتجمع أمامها . وشهدت المساجد كذلك إقبالاً ملحوظاً لمتابعة آخر الأحداث بالإضافة
إلى التجمع أمام لوحات الاعلانات لقراءة آخر البيانات الصادرة عن كتائب الشهيد عز
الدين القسام . كما أجمع المعلقون الإسرائيليون في الصحف العبرية على ارتفاع نسبة
التأييد لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الأراضي المحتلة ، فقد كتب روني شيكد
في صحيفة يديعوت احرونوت : أن اختطاف جندي حرس الحدود نيسيم طوليدانو خلقت تأييداً
لحركة حماس . وأضاف شيكد : إن عدداً كبيراً من السكان أثنوا على قدرة الحركة على
التخطيط والتنفيذ ، ووصفوا العملية بأنها عسكرية محضة (160)[النهار المقدسية ،
العدد 2082 ، 16/12/1992 ، ص1 .
في تقرير بثته وكالة فرانس
برس يوم 16 من كانون الأول (ديسمبر) ، عبر المواطنون الفلسطينيون عن إعجابهم
وارتياحهم بعد أسر حركة حماس جندياً في حرس الحدود الإسرائيلي وقتله . فنقلت
الوكالة عن شاب قالت : إن اسمه محمد وهو طالب في العشرين من عمره قوله : "لست عضواً
في حماس ولكنني أويد هذا العمل بدون تحفظ . لقد كان عنصراً من حرس الحدود وهم
يعاملوننا بوحشية لا مثيل لها لماذا تريدون أن أشتكي" . واعتبر هذا الشاب أن
الانفعال الذي أثاره مقتل الرقيب أول طوليدانو في الكيان الصهيوني يثبت أن مجاهدي
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، أحسنوا اختيار الهدف ، إذ أن "الإسرائيليين
يقتلون يومياً الفلسطينيين وهم يضطهدوننا منذ 25 سنة . يجب أن يفهموا من وقت إلى
آخر ماذا يعني العذاب" .
وشاطر شبان عديدون من بيت
لحم محمداً هذا الشعور ، فتساءلت فداء صلاح وهي طالبة في الثالثة والعشرين "ماذا
يريدون أن نرتدي ثياب الحداد وأن نذرف الدموع على عنصر حرس الحدود ؟ إننا نطالب منذ
سنوات بإنهاء الاحتلال ، إن الإسرائيليين يدفعون الثمن الآن" . كما أعرب نبيل
الأخرس (20سنة - مخيم الدهيشة) عن هذا الرأي أيضاً ، وقال : "لقد اكتشفنا اللغة
التي يفهمها الإسرائيليون . . . العين بالعين والسن بالسن" . ورأى عدد من المثقفين
الفلسطينيين أنه من الصائب أن يفهم الإسرائيليون ألم الآخرين ، إذ أوضح الدكتور
خالد (26 عاماً - غزة) : "أن هذا ينبغي أن يحصل وسيتواصل إنها الحرب . إن عناصر
الحدود يقتلون نساءنا وأطفالنا ، ستحصل إذن عمليات خطف جديدة وإعدامات جديدة" .
فيما عبر طبيب آخر من قطاع غزة ، مقرب من حركة فتح ، عن مبدأ يريد المواطنون
الفلسطينيون أن يطبق في الصراع مع العدو اليهودي وهو أن العدو لا يفهم غير لغة
القوة ، وقال : "إن الإسرائيليين لم يفهموا انتفاضة الحجارة ، ولكنهم قد يفهمون
انتفاضة الرصاص . حاولنا كل شيء منذ 25 سنة ، ربما أتى هذا بفائدة الآن"
(161)[العرب العالمية ، العدد 3965 ، 17/12/1992 ، ص2 .
خلاصة القول أن تجاوب الشعب
الفلسطيني مع عمليات حماس أثبت تعطش الشعب بأسره للجهاد والبطولات بعيداً عن أقنعة
الواقعية المزيفة ومحاولات استجداء النظام العالمي الجديد. فقد أصبح شعار الشعب في
الداخل (^قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ، ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم
مؤمنين) . ولهذا خرجت الجماهير الفلسطينية إلى الشوارع لتهتف "كلنا حماس" متحدية
التجول لتعلن عن تعاطفها مع عمليات الحركة ، واحتجاجها على قرار إبعاد (415) من
قياديي وأنصار حركة المقاومة الإسلامية "حماس" حتى أن ملثمي حركة فتح في مخيم بلاطة
وهم يهتفون "كلنا حماس . . . كلنا كتائب القسام" (162)[مجلة فلسطين المسلمة ، العدد
الأول ، السنة 11 ، كانون الثاني (يناير) 1993 ، ص14 .] . وبذلك أثبتت المسيرات
الحاشدة أن الشعب عصي عن التدجين وأن كل ما يحتاجه قيادة مجاهدة تقوده إلى النصر
بإذن الله .
ردود الفعل
الفلسطينية الرسمية :
امتنعت منظمة التحرير
الفلسطينية عن التعليق على عمليات كتائب الشهيد عز الدين القسام ، ورفض المسؤولون
في مقر المنظمة في تونس التعليق أيضاً ولكن عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عبد
ربه ندد في بيان تلقته وكالة فرانس برس بـ "دورة العنف التي يتعرض لها الشعب
الفلسطيني في الأراضي المحتلة وتصعيد القمع اللذين لم يتوقفا منذ وصول رئيس الوزراء
إسحاق رابين إلى السلطة" . ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) عن مصدر رسمي في
منظمة التحرير إشادته بـ "المقاومة التي يبديها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع
غزة في مواجهة الإرهاب الذي تمارسه سلطات الاحتلال" (163)[السفير اللبنانية ، العدد
6361 ، 15/12/1992 ، ص11 .
أما الفصائل الفلسطينية
المعارضة لمسيرة السلام ، فإن موقفها لم يتأثر كثيراً واقتصر رد فعلها على استخدام
التصعيد كمناسبة لدعوة القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية إلى سحب الوفد
الفلسطيني من مفاوضات التسوية على الفور (الشعبية والديمقراطية) . وانبرى أحمد
جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) ، يحثّ على خطف
المزيد من الجنود الإسرائيليين وحتى المستوطنين من اجل تحقيق الإفراج عن الشيخ أحمد
ياسين . وقال جبريل في تصريح نقلته وكالة رويتر : إن "هذه العملية هي فاتحة وستتكرر
بشكل أكثر جدوى . . بعد العملية الثانية والثالثة والرابعة، نحن واثقون من أن العدو
الصهيوني سيرضخ نحن نقول لشعبنا في الداخل : استمروا في التصعيد وحيثما استطعتم
احتجزوا جنوداً وحتى مستوطنين قادمين كي يستوطنوا في الضفة الغربية وقطاع غزة"
(164)[الرأي الأردنية ، العدد 8164 ، 16/12/1992 ، ص24 .] . كما طالبت الجبهتان
الشعبية والديمقراطية (جناح نايف حواتمة) مجلس الأمن الدولي بالاجتماع لمناقشة
عمليات القمع التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية وإعلان هذه السلطات الحرب ضد الضفة
الغربية وقطاع غزة . (165)[الدستور الأردنية ، العدد 9095 ، 16/12/1992 ، ص24 .
وعلى صعيد الوفد الفلسطيني
لمفاوضات السلام ، فقد ألقت عملية أسر ضابط صف حرس الحدود من قبل الوحدة الخاصة في
كتائب القسام بظلالها على محادثات السلام العربية - الإسرائيلية التي استؤنفت في
واشنطن يوم الاثنين الموافق 14/12/1992 مع أن الجانبين قالاً أنهما ما زالا ملتزمين
بالمفاوضات . إذ صرح حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني في المباحثات أن الخطف
وعواقبه "ألقت ظلالاً من الحزن والسخط على مداولاتنا" (166)[القدس العربي ، العدد
1119 ، 16/12/1992 ، ص1 .] ، ونقلت محطة التلفزيون الأمريكي بالكابل (CNN)
في نشرة أخبارها الساعة الثانية عشرة ظهراً بتوقيت غرينتش أن عبد الشافي أدان عملية
قتل الجندي الإسرائيلي من قبل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وذلك خلال جلسة
المفاوضات بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي . وقد تأكد هذا الخبر من خلال التصريح
الذي أدلى به حيدر عبد الشافي للإذاعة الإسرائيلية في وقت لاحق ، حيث أعرب عن "أسفه
إزاء أي جريمة ترتكب عمداً سواء كان الأمر متعلقاً بهذا الرجل (طوليدانو) أو
الفلسطينيين الذين تغتالهم فرق الموت" ، في إشارة إلى الوحدات الخاصة الإسرائيلية
التي تعمل بثياب مدنية في الأراضي المحتلة وتطلق النار دون سابق إنذار .
(167)[الشرق الأوسط ، العدد 5131 ، 17/12/1992 ، ص3 .
وفي نفس السياق ، اعتبر زياد
أبو زياد (مقرب من فتح) عضو اللجنة التوجيهية للوفد الفلسطيني المشارك في مفاوضات
واشنطن أن مقتل ضابط الصف الإسرائيلي يبعث على الأسف شأنه شأن مقتل أي إنسان آخر ،
وقال أبو زياد لوكالة فرانس برس : "نأسف لفقدان حياة أي إنسان أياً كانت جنسيته أو
دينه" . ويبدو أن أعضاء الوفد الفلسطيني المشارك في مفاوضات السلام يريدون إثبات
مقدار كبير من "الانتهازية السياسية" لإقناع الكيان الصهيوني أن في صفوف
الفلسطينيين من يرفض نهج حركة حماس . فقد استمر زياد أبو زياد في تصريحاته
الاستسلامية قائلاً : "إن حادث القتل الأخير هو جزء من الأحداث التي تشهدها المنطقة
والتي تسببت في إزهاق أرواح من الجانبين . وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تدرك أن
الطريق الوحيد للخروج من هذا الوضع هو التعامل بجدية مع العملية السياسية والإسراع
في التوصل إلى حل عادل للنزاع من أجل حقن الدماء" . (168)[الحياة اللندنية ، العدد
10903 ، 16/12/1992 ، ص4 .
كان يمكن اعتبار تصريحات
زياد أو زياد شخصية لولا أن شخصية أخرى مقربة من حركة فتح في قطاع غزة وهو أسعد
الصفطاوي عقب على عملية قتل طوليدانو "بأنهم - أي الخاطفين - أساؤوا لأنفسهم ولحركة
حماس ، وإن هذا الأمر يناقض مبادئ الإسلام" . وأضاف الصفطاوي في لقاء أجراه مع
التلفزيون الإسرائيلي بأن "حركة حماس حظيت قبل يومين بتعاطف من قبل الشارع
الفلسطيني ، بسبب اختطاف الجندي إلا أن قتله أدى إلى استياء" على حد زعمه .
(169)[نفس المصدر رقم 133 .
الحركة
الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948 :
ناشد الشيخ عبد الله نمر
درويش مختطفي رقيب أول حرس الحدود المحافظة علي حياته مطالباً الحكومة الإسرائيلية
في نفس الوقت بالإفراج عن الشيخ أحمد ياسين لدواع إنسانية ، وقال الشيخ عبد الله في
مقابلة خاصة أجراها معه مراسل التلفزيون الإسرائيلي كايد ظاهر :
في "الواقع أقول للمختطفين
حافظوا على حياة هذا الرجل ، هذا الجندي ،
هذا الشرطي ، إن له أماً وله زوجة وله أولاد ، وأنتم لكم
مطالبكم ، هذه هي المعادلة ، هذا الجندي له أم وزوجة وأولاد . وأنتم لكم مطالب وفي
قمة مطالبكم تحرير الشيخ أحمد ياسين ، الذي له أيضاً زوجة وأولاد أنتم لكم مطالب
والجندي له عائلة وله أم ، هذه المعادلة لا يمكن حلها عن طريق القتل إنما عن طريق
التفاوض ، توجهوا بمطالبكم ، وعلى حكومة إسرائيل أن تتوجه هي الأخرى بجواب ، أنا
آمل أن تكون حكومة إسرائيل من الحكمة بشكل يدفعها لكي تعلن عن استعدادها للتفاوض ،
الاستعداد للتفاوض هذا بحد ذاته يطمئن قليلاً . كلنا أنا وأنت والجميع في حالة
اضطراب نحن لا نريد أن نسمع بعد ساعة أو ساعتين خبر أن الجندي قد قتل ، لا نريد هذا
الخبر لا نريد أن نسمعه والحكومة لا تريد أن تسمع ، إذن فلتحاول أن تصدر بياناً على
الأقل ، إنه نحن على استعداد للتفاوض ، قرأت اليوم في الصحافة أن الحكومة على
استعداد لمثل هذا التفاوض ، إذا علموا أن الجندي ما زال حياً لذلك أنا أدعو جميع
الأطراف المختطفين بأن يبرهنوا على أنه ما زال حياً ويحافظوا عليه حياً ، وأدعو
الحكومة الإسرائيلية بأن تنظر لقضية الشيخ أحمد ياسين نظرة إيجابية ، فإن هذا العمل
إنساني قبل أن يكون أي شيء آخر بغض النظر عن حادث الاختطاف نفسه . أنا ما كنت أريد
حادث الاختطاف حتى تدرس قضية الشيخ أحمد ياسين" .
ورداً على سؤال عن رأيه في
القرابة العائلية بين المخطوف والسيد شموئيل طوليدانو المستشار الأسبق لرئيس
الوزراء للشؤون العربية ، قال الشيخ : "إن هذا الأمر يدعوني لتكرير النداء للحفاظ
على حياة الجندي لأن السيد شموئيل طوليدانو هو من رجال السلام البارزين في إسرائيل
ووجهات نظره حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني معروفة للجميع ومقبولة في كثير من
جوانبها من قيادات فلسطينية كثيرة" . (170)[نشرة أخبار السابعة والنصف مساء في
التلفزيون الإسرائيلي يوم 14/12/1992 .
أعضاء الكنيست
العرب :
شجبت جميع الكتل السياسية في
الكنيست عملية أسر وقتل ضابط صف حرس الحدود ، ودعت هذه الكتل الأجهزة الأمنية
الإسرائيلية لاستخدام القبضة الحديدية ضد حماس بلا هوادة أو رحمة ، وقال عضو
الكنيست عبد الوهاب دراوشة (الحزب العربي الديمقراطي) إن قتل الجندي لا يخدم الشعب
الفلسطيني ، وتتنافى مع القيم الإنسانية ، ودعا في ختام لقائه مع مراسل التلفزيون
الإسرائيلي إلى تهدئة الخواطر ومنع أعمال انتقامية ضد مواطنين عرب أبرياء .
أما عضو الكنيست وليد صادق
(ميرتس) فقد صرح للتلفزيون الإسرائيلي بأن "الحادث هو مؤسف ، مقتل الفلسطيني هو
مؤسف ، مقتل كل إنسان هو مؤسف ، يجب أن نتعالى عن هذه الحوادث ونضع أصبعنا على
الجرح الذي يؤدي على هذه الحوادث ، كلما اقتربنا إلى الجواب الصحيح إذاً كلما
اقتربنا إلى الحل المنشود ، فسوف نعالج الموضوع بشكل كلي لا يمكن معالجة الموضوع
بشكل فردي . من الممكن أن يكون هناك تباطؤ في عملية السلام نظراً للعواطف التي تسود
ردود الفعل على هذا الموضوع ، ولكن يجب أن نكون على مستوى المسؤولية وأن نعالج
الموضوع بكل حكمة وعقلانية بحيث أننا لا نصل إلى حد لسفك الدماء والقضاء على أنفس
بشرية بريئة" . (171)[نشرة أخبار السابعة والنصف مساء في التلفزيون الإسرائيلي يوم
15/12/1992 .
وكان أعضاء حركة ميرتس العرب
العاملون في مجال حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة قد أصدروا بياناً ناشدوا
فيه مختطفي الشرطي الإسرائيلي نيسيم طوليدانو عدم المس به والمحافظة على حياته
وكرامته كإنسان ، وأضافوا بأنهم يعملون جاهدين من أجل المحافظة على حياته وكرامته
كإنسان ، وأضافوا بأنهم يعملون جاهدين من أجل المحافظة على حقوق الإنسان وكرامته في
كل مكان وخاصة في الضفة الغربية والقطاع .
وتوجه عضو الكنيست أسعد أسعد
(درزي من الليكود) بطلب من وزير الشرطة للسماح له بالتوجه إلى قطاع غزة والاجتماع
إلى زعماء حركة حماس بهدف العمل على إطلاق سراح طوليدانو . (172)[نفس المصدر رقم
170 .]
وكان مدير سجن اشعورت قد رفض
السماح لعضو الكنيست طلب الصانع (الحزب العربي الديمقراطي) بزيارة الشيخ أحمد ياسين
على الرغم من حصوله على إذن مسبق ، فبعد التنسيق مع مكتب وزير الشرطة وصل الصانع
إلى السجن في الساعة الراعبة بعد ظهر يوم الأحد 13/12/1992م إلا أن مدير السجن
أبلغه معتذراً بأن الزيارة لن تتم . فقام الصانع بالاتصال بمكتب الوزير من السجن ،
وأكد له المكتب وجود تصريح بالزيارة كما هو متفق عليه ، وبعد جدال بين إدارة السجن
ومكتب الوزير أبلغ عضو الكنيست بأنه لن يتمكن من زيارة الشيخ أحمد ياسين دون أي
تفسير وأن عليه مراجعة مكتب الوزير في وقت لاحق . وقد بعث طلب الصانع برقية إلى
وزير الشرطة موشيه شاحل يستهجن فيها هذا العمل الذي وصفه بأنه يثير الشبهات حول ما
تحاول إدارة السجون إخفاءه ومس بعمله كعضو كنيست . (173)[الرأي الأردنية ، العدد
8164 ، 16/12/1992 ، ص16 .
الشيطان
الغربي يدين كتائب القسام :
لم تقم أي دولة من الدول
التي تتغنى بالمبادئ والحفاظ على حقوق الإنسان بشجب أو حتي التعبير عن استنكارها
للإجراءات التي تمارسها وما تزال السلطات العسكرية الإسرائيلية على الرغم من
مخالفتها الواضحة لاتفاقيات جنيف وحقوق الإنسان ، ولكن عندما يتعلق الأمر بممارسة
شعبنا المجاهد لحق من حقوقه المشروعة في مكافحة الاحتلال ورفع الظلم الواقع عليه ،
تتسابق هذه الدول في إصدار بيانات الإدانة والشجب وتصف مقاومة المحتل بالإرهاب
والإجرام الدولي وتترحم على "الضحايا اليهود" الذين يسقطون جراء هذه المقاومة
متجاهلة أن هؤلاء "الضحايا" هم جنود وضباط الجيش والشرطة وحرس الحدود الإسرائيلي
الذي يمارسون أبشع أنواع القمع والاضطهاد تجاه المدنيين الفلسطينيين في الضفة
الغربية وقطاع غزة تحت مرأى ومسمع العالم أجمع .
ففي واشنطن ، وصفت الإدارة
الأميركية مجاهدي كتائب الشهيد عز الدين القسام الذين خطفوا الرقيب أول نيسيم
طوليدانو بأنهم "أعداء السلام" وطالبت بالإفراج الفوري عن الجندي الإسرائيلي . فقد
صرح الناطق باسم وزارة الخارجية جوسنايدر بأن "الولايات المتحدة تأسف لهذا العمل
البشع وتدعو إلى الإفراج فوراً عن الجندي الإسرائيلي من دون إلحاق أي أذى به" .
واعتبر سنايدر أن "الخاطفين أعداء السلام" واصفاً عملية الخطف بأنها "عمل إرهابي
ينبغي إدانته . (174)[السفير اللبنانية، العدد 6361 ، 15/12/1992 ، ص11 .
وفي لندن ، أدانت الحكومة
البريطانية أيضاً عملية قتل الرقيب الإسرائيلي ولكنها تمنت ألا يعطل هذا الحادث
عملية السلام العربي - الإسرائيلية . وقالت وزارة الخارجية البريطانية في بيان لها
عقب الإعلان عن العثور على جثة طوليدانو : "نحن ندين بشدة هذا العمل غير الإنساني
ولكن يجب ألا يسمح للمتطرفين بالنجاح في أهدافهم بتعطيل عملية السلام" . كما رفض
مسؤول بريطاني التعليق على تعهد رئيس الوزراء الاسرائيلي بشن حرب بلا رحمة على حركة
حماس ، مكتفياً بالقول أن "سياستنا هي إدانة كل أعمال العنف الإرهابية اينما وقعت"
. (175)[الشرق الأوسط ، العدد 5133 ، 17/12/1992 ، ص3 .
أما في باريس ، فقد طالبت
الحكومة الفرنسية بمواصلة عملية السلام الجارية حالياً في واشنطن . وقال المتحدث
باسم وزارة الخارجية دانيال برنار "إن الإعلان عن هذا الاغتيال أثار مشاعرنا ،
وإننا ندينه بشدة" . وأضاف برنار "لا يمكن لهذا العمل الجديد إلا أن يثير حلقة
العنف في وقت لا نرى فيه سوى حل واحد يعالج بشكل دائم مشاكل المنطقة ألا وهو إحراز
تقدم في عملية السلام الجارية حالياً" . (176)[نفس المصدر السابق .
|