الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

مقدمة

 

 

عشية الذكرى الخمسين للنكبة و إقامة (إسرائيل) على أرض فلسطين و تشريد أهلها , و في هذه الظروف التي تشتد فيها الهجمة الاستعمارية الصهيونية على الأمة العربية في مختلف بقاع وطنها بعامة و في فلسطين بخاصة متمثلة في الهجمات اليومية على شعبنا العربي الفلسطيني سواء في فلسطينه المحتلة أو في منفاه الإجباري . في هذه الظروف يظلّ جوهر القضية تجربة مأساوية عاشها و يعيشها هذا الشعب نتيجة عمليات التخريب المبرمجة و نزع المقومات الأساسية للهوية الفلسطينية من خلال حركة استيطان يهودية ، في ظلّ سياسات استعمارية غربية مؤيّدة لها أو خاضعة لابتزازها . إنها تجربة تصدّي شعب أعزل لمكائد القوى العدوة و (الصديقة) على حد سواء ؛ إذ عاش الفلسطيني الذي بقيَ على تراب وطنه حياة النفي الداخلي و الاغتراب ، بينما  تاه من اُرغم على المنفى الاجباري  في الأحراش القاتلة للسياسات العربية حتى آل الوضع إلى ما هو عليه .

 

فقد جُيِّرت فلسطين المعروفة بحدودها الجغرافية - أو معظمها - في سنة 1948 إلى ما يسمّى اليوم بـ (إسرائيل) ذات الحدود الغامضة غير المرسومة ، القابلة على الدوام للتوسّع باتجاه حدود "إسرائيل التوراتية !" من النيل إلى الفرات ، في حين بقيت فلسطين التاريخ و الهوية و الصراع تعيش قوية في ضمير سبعة ملايين فلسطيني نثرتهم المأساة على طول الكرة الأرضية و عرضها بعد أن انتزعت منهم أرضهم و ممتلكاتهم انتزاعاً باعتراف موشي ديان لصحيفة هآرتس في 4/4/1969 : "لقد قدمنا إلى هذه البلاد (فلسطين) ، و كانت مأهولة بالعرب لنقيم دولة يهودية ... و ليس ثمة مكان على هذه الأرض لم يقطنه في السابق سكان عرب !" و رغم إدراكها للحقيقة فقد ظلّت (إسرائيل)  و كثير من الحكومات الغربية تتنكّر بعناد للوجود التاريخي المتواصل و الحق الترابي الثابت لثمانية ملايين من المسلمين و المسيحيين  العرب الذين تعرفهم (إسرائيل) و تلك  الحكومات بالفلسطينيين .

 

هكذا حاولت (إسرائيل) القضاء على الوجود الفلسطيني بمختلف مظاهره البشرية و الاجتماعية و الثقافية ، فحجرت على التعليم و الثقافة العربية في الوطن المحتل . و راحت في المنفى تطارد رجال الفكر الفلسطينيين و تغتالهم ، و تعتدي على المؤسسات الثقافية الفلسطينية بالصواريخ و الطرود الملغومة و تنهب محتوياتها ، كما حدث لمركز الأبحاث الفلسطينية أثناء اجتياح الجيش (الإسرائيلي) لبيروت في صيف 1982 .

 

و على الرغم من إنكار القوى المسؤولة مباشرة عن المأساة (بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية و "إسرائيل") للحقوق الفلسطينية فقد سار الشعب الفلسطيني بخطى ثابتة نحو تأكيد هويته في مجالات عدة بصورة أكثر وضوحاً من أيّ وقتٍ مضى في وجه السياسات التي تريد بالتطبيع التدريجي ـ السلمي حيناً و المفروض بالقوة أحياناً ـ لعلاقات الأنظمة أو الحكومات العربية بـ (إسرائيل) تقوية نفوذها السياسي القائم في المنطقة على تجاهل الحق الفلسطيني و تقوية القدرات العدوانية لـ (إسرائيل) . و ليس أدلّ على ذلك من مسلسل الهيمنة الذي بدأ بكامب ديفيد و وصل إلى أوسلو التي لن تعطي ـ في نهاية المطاف ـ الشعب الفلسطيني أكثر من 7 % من أرض فلسطين على شكل كيانٍ هزيل لا يفي بأدنى تطلعاته إلى الحرية و تقرير المصير.

 

و في إطار مسلسل التطبيع انعقد المؤتمر الصهيوني ـ بموافقة و دعوة و افتتاح رسمي ـ في الرباط من 13 ـ 14 مايو 1984 و تلته دورات ما يسمى "بالمؤتمر الاقتصادي لشمال أفريقيا و الشرق الأوسط" . و بهذا تحقّقت مقولات برنامج حزب العمل الصهيوني الدعائية في : "خاطبوا العالم على أنكم المظلومون ... و تجاهلوا تماماً السكان الأصليين !!" حتى وجد اغتصاب فلسطين قبولاً لدى الغرب الذي اعتبر الاستقرار في المنطقة العربية يقوم على دعامتين : "إسرائيل يهودية و لبنان مسيحي و ما عداهما ليس إلا شرقاً عربياً مسلماً لا أمل يرجى منه !" و ليس أدلّ على هذا التأييد من تستر الغرب على التاريخ الإجرامي للصهيونية .

 

فقد نجحت الصهيونية و الغرب بالفعل في تشويه صورة كلّ ما هو عربي و كل ما هو مسلم ، حتى في أحلك ظروف اضطهادهما ؛ إذ ظلت الإذاعة المرئية البريطانية تتستر على ما وصلها من مواد إعلامية عن مذبحة صبرا و شاتيلا ، و عندما لم تستطع الاستمرار في تضليلها المشاهدين عرضت شريطاً يحكي قصة عصابة ترتدي الكوفية العربية و تقوم بخطف الأفارقة و بيعهم عبيداً في منطقة الخليج العربي . أما "الباييس" ، أكثر صحف إسبانيا اليومية انتشاراً ، فبعد أسبوع واحد من المذبحة نفسها نشرت في صفحة تمضية أوقات الفراغ مربعاً للكلمات المتقاطعة يراد البحث فيه عن كلمة مكوّنة من خمسة حروف و مفتاحها فراغ يقع بين كلمتي "العرب .... اليهود" ليجد اللاعب نفسه أمام كلمة واحدة لا بديل لها : "odian" وتعني "يكرهون" !!.

 

كلّ هذا يندرج في إطار التأثير الدعائي الصهيوني الذي يجد طريقه إلى العامة بسبب جهلها الأمور ، و إلى غيرها بسبب عداء الغرب المزمن و غير المبرر للعرب و المسلمين و حضارتهم و دينهم ، إلى درجة التشكيك في قدراتهم على الإبداع و العطاء ، "إذ إن العالم الشرقي لا مكان له في الغرب ، و أكثر ما يقوم به هناك هو دور المعرّب و المخبر ، تاركاً دور البحث و التحري إلى سيده الغربي" [1] .

 

و منذ خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974 لم يعد الحلّ العسكري هو الحل الوحيد المقبول لدى الثورة الفلسطينية ، فدخلت ساحة الصراع السياسي بعد قرنٍ كامل من دخول الصهيونية إليها . و في الحقل السياسي حقّق الفلسطينيون  العديد من الإنجازات فاعترفت بالمنظمة أكثر من مئة دولة و أصبح العالم أكثر تقبّلاً من أيّ وقت مضى لفكرة استعادة الشعب الفلسطيني لجزء من حقوقه الوطنية و بدأت شرائح من الرأي العام الغربي تكتشف المغالطة في منطق  "اعتبار اليهودي الأمريكي الأصل المولود في شيكاغو (إسرائيلياً) يتمتع بحق المواطنة و العيش في فلسطين ، بينما الفلسطيني المولود في يافا أو القدس أو عكا لاجئاً لا حقّ له في العيش على أرض فلسطين" . و بالطبع فقد امتد هذا التفهّم الجزئي للحق الفلسطيني إلى بعض رجال الفكر و السياسة و الأدب  حتى لم يستطع اليهودي الأرجنتيني جاكوبو تيمرمان في كتابه "أطول الحروب" تجاهل حقيقة أن ليس بالإمكان إبادة الشعب الفلسطيني و أن كلّ آلة الحرب العسكرية (الإسرائيلية) بكلّ جبروتها و قسوتها تظلّ عاجزة أمام هذه المهمة . و أن ليس ثمة بديل عن الدولة الفلسطينية" .

 

أما الغرب الذي أوجد المأساة فعلاقته بفلسطين قديمة جداً لكنها راحت تشتد دمويةً منذ الحروب الصليبية و من ثمة الغزو الاستعماري الغربي الذي رفع المأساة إلى درجة الغليان بغرز (إسرائيل) في خاصرة الوطن العربي ، إذ جنّدت بريطانيا العظمى في الثلاثينات من هذا القرن سبعين ألف جندي لإخماد ثورة الشعب الفلسطيني الذي لم يكن يتجاوز عدد سكانه الأربعمائة ألف نسمة ؛ أي بواقع جنديّ لكلّ عشرة مواطنين حتى يتسنى لها تنفيذ مخطّطاتها الاستعمارية .

 

أما الاتصال الفلسطيني بإسبانيا فيعود بجذوره إلى أولئك الكنعانيين الذين أبحروا بسفنهم إلى الشواطىء الإسبانية و أسسوا عليها مدينة قادش الأندلسية ، و عرفهم العالم باسم الفينيقيين . و في وقتٍ لاحق مثّلت فلسطين جزءًا من معايشة عربية إسبانية دامت ثمانية قرون في إسبانيا المسلمة أو ألأندلس ؛ حيث نزل جند فلسطين الفاتحون بلدة شريش الأندلسية  و أعطوها اسم بلادهم . كما ارتبطت إسبانيا المسيحية ارتباطاً روحياً قوياً بمهد المسيح و رسالته ، فتوافدت أفواج الحجيج و الرحالة على فلسطين تاركة  شاهداً حياً تحتفظ به المكتبات الإسبانية و العالمية على عروبة هذا القطر و طابعه الإسلامي .

أما في أمريكا اللاتينية فبتجاوز رواية وصول المصريين القدماء إلى المكسيك و رواية وصول الفينيقيين إلى سواحل أمريكا على المحيط الهادي ، فقد هاجر في القرن السادس عشر إلى أمريكا اللاتينية ثلاثة ملايين عربي أندلسي لم يثقْ ملوك إسبانيا الكاثوليكية في تنصرّهم و عملوا في المناجم و المزارع . و في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين هاجر عددٌ كبير من أهالي بلاد الشام إلى أمريكا اللاتينية فراراً من سوء الأوضاع و عرفوا هناك بالأتراك . أما الفلسطينيون الذين أجبرتهم المأساة على اللوذ بتلك الديار القابعة خلف محيط الظلمات فيبلغ عددهم النصف مليون نسمة منهم حوالي ربع مليون نسمة في تشيلي وحدها و تتوزّع البقية على أقطار أخرى مثل كولمبيا و الباراغواي و البيرو و الأرجنتين و كوستاريكا و هندوراس ... الخ  و كلهم يرنون إلى الوطن السليب أو كما يقول الشاعر الكولمبي  ديوميدس داثا :

"شُرّدوا من أوطانهم

فنذروا أبناءَهم فدائيين فلسطينيين"

فالواقع الدامى الذي تعيشه القارة الصابرة في ظلّ الاستغلال الاستعماري و التخريب الصهيوني جعلها ترتبط جرحاًَ و هدفاًَ بفلسطين .

و بالمقابل فحضور إسبانيا المعاصرة في الفكر العربي بعامة و الفكر الفلسطيني بخاصة ظلّ على شحوبه ـ بسبب وصوله وصولاً غير مباشر عبر لغات غير الإسبانية ـ أقوى من حضور فلسطين المعاصرة في الفكر الإسباني ، إذ ظلّت صورة إسبانيا في الفكر العربي ، و الفلسطيني منه بخاصة مضمخة بشذى الأندلس و تضحيات أعلام الأدب و الفكر و الفن الذين قتلتهم الحرب الأهلية فيها مثل غرثية لوركا و ميغل إرناندث أو سحقهم المنفى مثل رفائيل البيرتي  و بابلو بيكاسو . فهو حضور إيجابي تعمّم عن جهل بواقع إسبانيا المعاصرة ليشمل كلّ ما هو إسباني بما في ذلك أولئك الذين وقعوا تحت تأثير الصهيونية مثل سلفادور دالي الذي أساء في لوحاته "إمرأة عربية" و "العرب" و "حلم محمد" للعروبة و الإسلام .

 

و على أيّ حال فالوعي بالقضية  الفلسطينية ـ بغض النظر عن إيجابية الموقف أو سلبيته منها ـ في إسبانيا و أمريكا اللاتينية اليوم هو أقوى مما كان عليه في أيّ وقت مضى ، و هو وعي يقود إلى الاهتمام بالموضوع الفلسطيني المعاصر اهتماماً ينبع من :

1ـ الوعي بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني .

2ـ معايشة ظروف القهر و النفي و التسلط الاستعماري التي يعيشها الشعب الفلسطيني .

3ـ ضيق العالم بجرائم الصهيونية و عنصريتها .

4 ـ الطابع الشرقي المقدّس لفلسطين .

و يبقى لي أن أذكر أنني قد اقتصرتُ في جمع هذه المادة على النصوص المكتوبة باللغة الإسبانية و تجاهلتُ ما كُتب بلغات أخرى في أمريكا اللاتينية مثل البرتغالية و الإنجليزية و الفرنسية و في إسبانيا مثل البشكنسية و القطلونية و الجاليقية لأنه جِدّ قليل التمثيل في عملنا هذا الذي أردنا به التنبيه على هذا الحضور بما وصلنا إليه من نصوص ، هي بالفعل نموذج لظاهرة موجودة  يمكن تتبّعها و التوسع في دراستها ؛ هذا مع إدراكنا لصعوبة المهمة .