الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

 

مدفن الأحياء

وليد الهودلي

 

علاء الدين البازيان

"زيارة إلى بحيرةِ طبريا"

 

انتهت استعدادات الزيارة .. وضع لمساته الأخيرة على تجهيزاتها ، وقف على باب غرفته ينادي كي يفتَحوا له .. بدأت تحضيراته قبل الزيارة بأربعٍ و عشرين ساعة .. شراء الهدايا المتواضعة .. ترتيبها و الكتابة عليها .. أُكتب يا "أيمن" هذا القلم لابن أخي محمد و هذا لأخته .. أكتب عليه - إهداء إلى ابنة أختي الحبيبة "أسماء" .. من عمّك علاء البازيان - أبو كمال - يتساءل أيمن :

- دائماً تفضِّل "أسماء" و تميّزها عن غيرها ؟!

- قلت لك أكثر من مرة .. إنها ليست مجرّد ابنة أخ .. إنها صديقة عمري ، تملِك زمام قلبي و تتبوّأ عرش مملكتي .. إنها أعزّ حبيبٍ على نفسي ..

- هنيئاً لها يا عمّ ...

يحاوِل "أبو كمال" في بناء مشروعاته أن يعتمد على نفسه .. يخدُم نفسه بنفسه دون مساعدة أحد .. أما إذا اضّطر فإنه يحاول حصْرَها في أضيق نطاق .. أن تكون أسيراً فإنه يعني أن تتقيّد حركاتك و سكناتك إلى أبعدِ حدود .. فكيف بكَ إذا كنْت أسيراً و كفيفاً في نفس الوقت ، جرّب ذلك لمدة خمس دقائق .. أغمِض عينيك و حاول أن تُسافِر من "برشك" إلى دورة المياه لقضاء حاجتك .. إحسب معاناتك و عدّد حوادث الطرق التي سوف تداهمك في هذا السفر الطويل .. عدْ مكانك و احمد الله على أنْ حباك بالأَسْر و جعل عينيْك حرّة طليقة تلتقط كلّ يومٍ بلايين الصور الملوّنة و المحمّضة في مختبراتها العملاقة .

يحلق ذقنه لوحده .. يساعده أيمن أو أحد الإخوة الموجودين في تحديد حدود السوالف و الشوارب .. يصبح على حمامٍ دافئٍ يختار له الوقت المناسب .. يخرج الرياضيّون و يستمرّ النائمون في نومهم .. يغتنم "أبو كمال" الفُرصَة كي يلِجَ إلى الحمّام ، يحكّ عقله قبل أن يحكّ جلْده .. من سيزورني اليوم ؟! أسماء .. ؟! الوالدة .. ؟! مجموعة استفساراتٍ إيّاك تنسى أيّاً منها يا علاء !! ..

أسماء تريد قصّة ، تريد نكتة .. أخباري لا جديد فيها ، فمنذ أربعة عشر عاماً و أنا على نفس المنوال ، أقارِع بين جدران السجن ، أتفاعل مع الأخبار السياسيّة و الأوضاع الاجتماعية التي تحيطني .. أسمع الأخبار و التحاليل .. الأسرى يثُْرون كلّ خبرٍ و يتناولونه من أبعاده ... أسمع و أسمع ثم أدلو بدلوي .. الأخبار راكدةٌ لا جديد فيها .. تختصر الزيارة شيئاً فشيئاً .. ينتهي الحمَّام و تبدأ رحلة انتقائي الملابس الخاصة بالزيارة .. يتطلّب الأمر فحصَ الطقس و الانتباه ، في الأخبار ، إلى النشرة الجويّة .. التهيئة النفسيّة و الجسميّة تمضي على قَدمٍ و ساق .

سيناريو الزيارة تكتمل حواراته .. اللّباس ، المقاس المناسب ، الهدايا على يمينه مرتّبة ترتيباً دقيقاً ، شذى عطره يفوح من ثنايا ملابسه .. وقف شامخاً برأسه إلى أعلى .. تعمَّم بنظارةٍ سوداء كبيرة غطّت نصف وجهه الأعلى .. غابت حبيبتاه في أعماق بحرٍ لُجّيّ .. بدت صلعته البيضاء و قد استضاءت بشعرها الخفيف الأبيض اللامع ، كأنّها طائرة تتأهب للإقلاع .. تاقت إلى سماء الحريّة ، و لم تتمكّن إلا من قبسٍ يسير تتطلّع منه إلى العالم الخارجي عبر هذه الزيارة القصيرة .

فُتِح له الباب ، خطى خطواته القصيرة و الواثقة باتجاه زيارة الأحباب ، سأل و هو يحاوِل أن يلمِس درجة الحرارة و أشعّة الشمس في وسط الظلام الذي يسبح به :

- كيف الطقس يا أيمن ؟!

- جوّ ربيعيّ دافئ ..

- أشعر بنسمة بردٍ تخترق حصوني .. ارجع و أَحضِر لي السترة الشتوية .. غرفة الزيارة باردة .

هزّ أيمن رأسه .. تراجَع خطواتٍ إلى باب الغرفة .. طلب السترة .. عاد إليه و علّق :

- هذه علامة الشيخوخة ، أبا كمال .. عظامُك لم تعدْ تحتمل البرد .

- "الدفا عفى" يا أيمن .. يا الله هيّا بنا .

- ها قدْ وصلنا الدرج ..

يتحسّس بقدمه الدرجة الأولى ، هبط عليها ببطءٍ ثم تابع بخفّة و حيوية تعبّر عن غبطته بالزيارة المنشودة .. وقف على الباب الأوّل ينتظر .. ضغط له أيمن على الزرّ .. ردّ صوت السمّاعة .. إلى أين ؟ .. إلى الزيارة ؟

فُتِح الباب و تابع نزول الدرج .. وقف عند استراحة الباب الثاني ثم واصل . وقف عند نقطة التفتيش .. فتّشوه مع هداياه ، خلَطوا له كلّ ترتيباته .. فتح الباب قبل الأخير حيث غرفة الانتظار .. عادَ أيمن أدراجه بعد أن تركَه فيها .. انتظر اكتمال النّصاب ، ثلاثون أسيراً في الفوج الواحد .. ثلاثون تَمخُر أصواتهم و أصوات زائريهم غرفة الزيارة .. يعلو ضجيجها و يخترق صخبُها النفوس .. تذوب كلمات الأحباب في الآذان و بالكاد يتسنَّى لها الوصول إلى القلب .

وجد "أبو كمال" نفسَه وجهاً لوجه أمام "أسماء" و جدّتها .. الأم و حفيدتها .. الحبيبة الكبيرة مع الحبيبة الصغيرة .. تشابكت الأصابع .. تلاشت القبلات على الشيك الحديدي الذي لا يدرك فقه القلوب .. تبادلوا السلامات المعهودة ، الابتسامات البرّاقة و الكلمات التي تُذوّب القلوب و تخترق حصونها المنيعة .

مشاعر فرحة تشتعلُ من مرارة اللقاء ما تلبِث أن تكتنفها المرارة و حزن الفراق .. نشوةٌ عارمة تنتظر ساعة نضوجها القريبة .. تنضج فيقطفها السجّان بمنجله الأسود .. يدور به على عنق الأسير و يعيده إلى سلاسل قيده ..

كانت "أسماء" قبطان هذه الزيارة .. مسكت بدفّتها بحزمٍ و شرعت تتحدّث بطلاقة ..

- "أخذنا عمّتي في رحلة .. رحلة بعيدة كثير .. إلى بحيرة طبرية ، مَيْ و شجر و سمك ، لعبنا و سبحنا .. شوينا اللحم و الدجاج ، أكلنا و شبعنا ، شربنا الكولا ، رحْنا طريق الغور ، مليانة برائحة الورد و زهر البرتقال .. يا الله يا عمّي ما أجمل فلسطين .. الجوّ دافئ و حلو كثير .. يا ريت يا عمّي لو كنت معنا" .

غرق "أبو كمال" في ثنايا كلمات حبيبته الصغيرة .. هذا الوجه الصغير الذي يتأرجَح بين جدائله يشعّ على عالم الظلام الذي يطبِق عليه من كلّ جانب .. كان يرى حُزمةً من الضياء تنطلق من هذا الوجه البريء فتصيب قلبه .. يتناثر الضياء فتبرق دنياه .. تتكاثف السحب ، تهطل أمطار ذكرياته العزيزة و تنزل جبال الثلج و البرد .. السوق الضيّقة ، هرايس ، حلويات ، قطايف ، فوانيس رمضان ، ليالي القدر و بريق الملائكة التي تعانق أرواح الصالحين ، النشاط المدرسيّ ، فتوّتي الشرسة التي كنت أتميّز بها عن غيري .. كنّا نتغلّب على فرق الحارات المجاورة .. نفوز بعضلاتنا و نفرض النتيجة التي نريدها ، اشتعل شبابي و تعاظمتْ فتوّتي ، كانت الحياة واسعة ، جميلة ، تلبِس أحسن حلِيّها خاصة هذه الأيام الربيعية .. تنعّش القلب بدفء جوّها و جمال طبيعتها الخلاّبة .. الرحلات المدرسيّة كانت بداية الربيع ، نغادِر إلى النبّي موسى ، أريحا ، البحر الميت ، طبريا ؟! لا لم أصلْ إلى ما وصلت إليه "أسماء" .. تستمرّ في حديثها المضيء ، تضيء عليّ عالم ذكرياتي القديمة .. تحضِرُه على طبقٍ من ذهب ، لا أريد أن أتذكّر تلك اللحظة التي فقدت فيها بصري .. تقابل الصفّانْ و احتدمت المعركة .. صفّ صور شبابي و عالمي المنير ، مقابِل صفّ سجني و عالمي المظلِم .. أجِدُ أنّ عالمي القديم يتلاشى أمام زحفِ عالمي الجديد ، رغم كلّ محاولات الإنعاش من حبيبتي "أسماء" ، ما زلْت أسمع دويّ الانفجار .. انفجرت العبوة التي كنت أعدّها بعد التحاقي بصفوف الفدائيّين .. غِبْت عن نفسي و عن الدنيا .. وجدت نفسي و لم أجدْ الدنيا .. ناشدت حبيبتيّ و أنا قابع على سرير الموت بعد أن اجتزت عدة عمليات جراحيّة .. لم تسمَع مناشداتي و لا توسّلاتي لها .. وجدتها قد هجَرتني إلى الأبد .. لم تترك لي كلمة وداع .. لم توصِني بنصائحها و إرشاداتها التي لم تبخَل عليّ بها طيلة أيّام حياتي معها .. أصبحت كمن يريد أن يتعرّف على تفاصيل حاسوبٍ إلكترونيّ دون أيّ دليل أو معرفة مسبقة .. غرقت في الظلام و طارت بي روحي عبر أنفاق و دهاليز لا نهاية لها .. رفعت إِحدى يَدَي .. وضعت راحتي على جبيني .. أنزلتها باتجاه حبيبتي ، تردّدتُ .. هيّأتُ شجاعتي لتلقى الأمر بأريحيّةٍ تامَّةٍ رغم أنهم أرادوا أن يصدموني بها ، قالوا بوقاحة تامة : فقدت بصرك و ستُقْطَع رِجْلُك ! كنت أريد أن أتأكّد بأطراف يدي .. بعد تردّدٍ طويلٍ هبطت يدي باتجاه تلك الأنوار .. وجدتها صحراء قاحلة بلا عيون .. أين ذهب الماء ؟! من رَدَمَ عيونها و قتل الحياة فيها ؟! حاولوا مساومتي على إحدى عينيّ التي لم تغادر مكانها .. علاج هذه العين مقابل الاعتراف ؟! السجن و انطفاء العين أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه .. كم تمنّيت الشهادة في تلك اللحظات .. كانت روحي ترفرف بعيداً عن عالم الجسد و المادة .

لاحظت جدّة أسماء جبين ولدها الذي تصبّب عرقاً .. ضغطت على يد حفيدتها ، أرادت إنقاذ الموقف .. همست :

- إحكي له عن علاماتك في المدرسة ... ردّت بسرعة :

- بس أخَلِّص من الرحلة .. ؟! قل لي عمّي .. عندما تخرج من السجن أريدُ منك أن تأخذني رحلة كلّ يوم جمعة ! - إن شاء الله .. سآخذك إلى حديقة الحيوانات .

- هل تنتظريني حتى أخرج من السجن ؟!

- سأنتظرك و سأذهب معك إلى أمريكا حيث كان أبي ، هزّت جدَّتها رأسها ..

نزلت دمعتها و هي تمسِّد على رأس حفيدتها .. أرادت أن تفصِح عن أحزانها فلم تستطع لوجود حفيدتها .. وزَّعت أحزانها بين والد هذه الحفيدة الذي لاقى منيّته في غربته الطويلة .. و وضعت ما تبقّى من ثقل أحزانها هنا على أعتاب هذا السجن البليد .. تذكرُ عندما جاءوا بها مع والده للاطمئنان عليه في المستشفى بعد إصابته مباشرة .. غطّى وجهه بقطعة قماش .. كان غارقاً في دمائه .. أخفى فقدان بصره .. قال لهم إنهم منعوه من كشف وجهه .. اكتفوا برؤية الإصابات الظاهرة و اللفافات البيضاء التي كانت تغطّي يديه و ساقيه و رأسه .. سمعوا صوته و سمع صوت بكائهم .. سحبوهم من عنده و بقيَ شبحَ أُمّه يلازمه في أعماقه .. ابيضّت عيونهم من الحزن بعد أن تأكّدوا من فقدان بصره ..

و تذكَّروا عندما خرج لهم من حبسته الأولى في تبادل الأَسرى سنة 1985م ثم عاد ليحمِل الحكم المؤبّد من جديد بعد فترة وجيزة .. يفقِد البصر و تبقى البصيرة المقاومة التي تفعل فعلها في هذه النفس الأبيّة ، فترفُضُ الانصياع لمراسيم الاحتلال البغيض .. تواصَل مع النضال ، تواصَل الروح مع الجسد .. لم يَفُتّ من عضده فقدانُ بصره .. بل رفع من درجات التحدّي أضعافاً مضاعفة . أصبحت تداعيات التراجع و الفتور عن أداء واجب المقاومة تبدو إليه ممكنة في حالةٍ واحدة فقط .. حالة زوال الظلام الذي يغرَق فيه ، أو زوال الاحتلال الذي أغرق البلاد و العباد في ظلامه .. هو هكذا عنيدٌ لا يلين و لا ينثَني أمام العواصف مهما بلغت من هيجانها .

أوشكت الزيارة على الانتهاء .. رفضوا مراراً إعطاءه زيارة بلا شبكٍ يلامِس فيها بعيون راحته أهداب "أسماء" أو راحة أمّه ، أسماء تحدّثت و تحدّثت و عمّها يصارع أمواج ذكرياته .. موجٌ فوق موجٍ يلتحفها و يتدثّر بهديرها الجارف .. تتغلّب أيامه العجاف على أيّامه السِّمان .. قدّم لها وصاياه المعهودة .. المدرسة .. جدّتك .. و جدّك .. أرسل معها تحياته و سلاماته ، انسحب بهدوء بعد أن قَبّل أصابع أمه .. و حاول أن يرمي بقبلة حارة إلى حبيبته الصغيرة قبّل الحديد علَّه يوصل إليها حنينه بأمانة لم يعهدها فيه من قبل .

انتهى حظّه من عالمه الخارجي .. عاد إلى السجن و السجّان ، يبحِر ذيول العشرين عاماً .. مضت بمراراتها القاتمة في ثنايا الموت البطيء يجدّد صلته بالحياة و العالم الخارجي لحظات الزيارة ثم يعود إلى أحشاء مأساته .. يُشوى في بطن الحوت الذي يبلع و لا يشبع .. يقاوِم عصارته النتنة بكلّ ضراوة و يضيء شمعةً في ظلماته الثلاث إضافة إلى ظلمةٍ رابعة كانت من نصيبه وحده .

اجتاز الأبواب الثلاثة .. وقَفَ في الساحة على ضفّة التيّار البشري الذي يدور دورته .. جاءَه "أيمن" مع صديقٍ آخر .. وضعوا أيديهم بيديه و التحموا بالركب الدائر ، كان كمَنْ يعود من فلك الخارج إلى فلك الداخل .. كانت ظلمةٌ أضاءت له حبيبته الصغيرة .. هذا ظلامٌ حالك .. جعل يمشي و يترنَّم بوقع خطواته على أنغام صوت "أسماء" الذي ما زال يتردّد في جنبات صدره ..

- كيف الزيارة "أبو كمال" ؟

- الحمد لله .. كانت زيارة نوعية .. رحت فيها بعيداً .. رحت إلى طبريا و أبعد من ذلك بكثير ..

ثم شرع يطوف بهم في عالم الزيارة الفسيح ..