|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
جلال رمّانة
"من أصحاب الأخدود"
وصلت كتلةٌ لحميّة مشويّة إلى
مستشفى الرملة .. منذ سنين طويلة و المرضى القابعون هناك لم ترَ أعينُهم لحماً
مشوياً .. كانوا في حالة شوقٍ شديدٍ لطعام الشواء .. ارتدّت إليهم أبصارهم و غرقوا
في دهشةٍ عظيمة ، عميقة و مذهلة زاغت فيها الأبصار .. كانت هذه الكتلة المشويّة
تأخذ شكلَ إنسان .. كانت كتمثال الجبص المصنوع بإهمال .. تعرّجت النتوءات اللّحمية
بشكلٍ بارز و مخيف .. غادرت أخاديدها ، عُقِدت حواجب غضبها ، أخرجت ماءها و صديدها
، اختلط جلدها بلحمها ، و كشفت السِّتر الذي خفي فيها .
كان رأسٌ في هذه الكتلة ..
رأسٌ وُضِع على صدر المنسَف حتى يُظهِر كرم الضيافة .. قرضوا من أذنه اليسرى ..
كانوا كأنّهم قد غفلوا عن جنبه الأيسر فالتهمته النيران .. كان كأنّهُ أُلقِيَ في
نار النمرود فلم تكن عليه برداً و سلاماً .. بل كانت ناراً و جحيماً .. أكلته من
كلِّ جانب .. كأرضٍ أصابها حسبانٌ من السماء فأصبحت صعيداً زلقاً .. هكذا عايَنَ
المرضى ضيفهم عند نزوله منزلهم .. كانوا بأشدّ الحاجة إلى أن يُطعَّم المستشفى
بالعناصر الشابّة القويّة كي تُعين الحالات الصعبة على مرضها .. تخدمها و ترفع
معنويّاتها ، إلا أنّ هذا الجثمان يحتاج إلى طاقمٍ كاملٍ للقيام على خدمته .. إنهم
شديدو الرغبة للقيام بهذه المهمة إلا أنّ "العين بصيرة و اليد قصيرة" .. مع هذا فقد
اجتاحتهم رياح التصميم لعمل المستحيل ..
لم يتصوّر "أبو حسن" أن هذا
الجسم المسجّى في غرفته هو لجلال رمّانة .. ذلك الشاب الذي تابع أخباره قبل عدة
شهور .. قالوا في الأخبار إن سيارةً كانت قد أُعِدّت للتفجير قد احترقت بسائقها في
القدس .. ها هو بين يديه يتلظّى في جحيم آلامه .. تصوّر الحريق لم ينطفئ من يومها
.. ما زال يصبُّ بشواظه في أعماق هذا الرجل .. غامت عيون "أبو الحسن" .. سالت دموعه
.. هانت عليه آلامه و أمراضه القاسية أمام هذا الجسد المحترق .. رمقه "جلال" بعيونه
التي يشعُّ منها الصبر و التسليم لأمر الله .. "هتف به بصوت مخنوق" :
- فصبرٌ جميل و الله المستعان
.. يا شيخ ..
حملوه مع آلامِه حتى سجّوه على
سريرٍ كان فاغراً فاهًا و يقف محتفّزاً في انتظاره .. التفّوا حوله .. سمِعوا صوته
الذي كان يخرج من أعماق بحرٍ لجيّ .. أرهفوا له آذانهم .. إن كومة اللَّحم هذه
تتكلّم !! العيون تلمع في محاجرها ، تدور عليهم و ترسِل إليهم رسائل شوقٍ و محبّة
.. عرّفوه على أنفسهم مسرِعين .. كانوا يريدون سبر شخصية هذا الرجل الفريد .. ما
الذي جرى له ؟! لماذا احترقت به السيارة بالضبط ؟! أين الخلل ؟! أخذوا حوله مواقعهم
و علامات الاستفهام ترتسم في عقولهم و قلوبهم .. قرأها بسهولة .. تعالى على نيرانه
التي تضرب بسياطها جسده المهترئ .. قال له "أبو حسن" بشفقة أمّ على ولدها :
- ما رأيك أن تنام الآن و
ترتاح من عناء السّفر ؟
"أجاب مسرعاً" :
- أنّى لي النوم .. هل توفّر
لي آلامي هدوءاً للنوم ، إنها آلامٌ مشاغبة لا ترحم .. لا تنام و لا تُنيم ..
"أبو همّام" و "أبو ياسر" لاذا
في صمتٍ مخيف .. اقشعرّت أبدانهما لحظة وصوله .. ما زالت ترتجف قلوبهما .. تتعاقب
صور النار ذات الوقود .. الجسد الذي غرِق في لهيبها .. الآلام التي تقبِض على زمام
روحه ، عقدت تشوّهات هذا الجسد ألسنتهم و باتت أعيُنُهم تدور كالذي يُغْشى عليه من
الموت ..
خرج "أبو حسن" عن جبهة الصمت
.. لم يتمالك أعصابه .. عبّر بلسانه و قال :
- هل عالجوك ؟! ماذا فعلوا معك
بعد إنقاذك من الحريق ؟ تراهم قد تفنّنوا في تعذيبك !!
رفع "جلال" رأسه قليلاً ..
أشار إليهم بوضع وسادةٍ يسنُد بها رأسه .. ابتسم ابتسامة الضاحك الباكي .. لم تفهم
ابتسامته إلا من بريق عينيه .. بدأت كلماته تخرج ببطءٍ شديد .. كانت كأنّها تُدفَع
على ميدان الموت و هي مكرَهة ..
- هذه قصة طويلة .. بدأت عندما
وقفت بسيارتي في شارع يافا في القدس .. وجدت نفسي في خضم نيرانٍ عاتية تحيطني من
كلّ جانب .. دخلت عالم الموت .. غِبْتُ عن وعيي .. غرقت في غيبوبةٍ يوماً أو بعض
يومٍ كمقولة أصحاب الكهف .. لا أدري كم كانت .. فجأة شعرت بأني في عالمٍ أستطيع
التواصل مع مفرداته .. حاولت فكّ رموزها .. وقع الخوف في قلبي .. هل أفتح عينيّ ؟
هل أنا في حياة البرزخ ؟ .. (القبر إمّا روضةٌ من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)
.. النار ما زالت تتميّز من الغيظ و ترميني بقضّ الآلام و قضيضها .. إذن قد أكون في
حفرة من حفر النار ، لطفك يا ربّ .. قد أفتحُ عينيّ فأجدُ أمامي منكراً و نكيراً أو
الشجاع الأقرع ، قد أجدُ جنّة ربي و لكن الجنّة لا يوجد فيها آلام .. بعد تردّدٍ
طويل ، تمالكت نفسي ، شددت على أعصابي و توكّلت على ربي .. فتحت عينيّ فإذا
بممرّضةٍ تقف إلى جواري و ترقبني من كلّ جانب .. عرفت أني في مستشفى و أنّي ما زلت
في هذه الدنيا .. أيقنت بأنّي بسبعة أرواح كالقطط .. خُيِّل إليّ بأنّ هذه الممرضة
يابانية .. سألتها فضحكت .. نقلوني إلى الطابق السادس حيث العلاج المكثّف .. وصلني
محقّق المخابرات ليعالجني من خلال خبراته الأمنيّة .. و للحقّ أقول إنه كان لطيفاً
أو مثَّل عليّ ذلك بادئ الأمر .. كان يطْعِمني و يسقيني .. كانت يدايَ معصوبتين
فكانتا يداه عيوناً لي .. كانت له حاجةٌ يريد الوصول إليها بأقصر الطرق .. قال لي :
- أنت متهم بمحاولة تفجير
سيارةٍ مفخّخة في سوق "محني يهودا" ..
رددت له اتهامه في نحره .. قلت
له :
- لماذا فجّرتم بي سيارتي ؟!
ماذا تريدون مني ؟!
تحوّل الحمل الوديع .. رجل
الخير و الإحسان ، ملاك الرحمة ، إلى ضبعٍ جائع ينشب أنيابه في فريسته .. تحوّل
بسرعة إلى شيطانٍ مريد .. أيُعذّبني لأخذ الاعتراف الذي يريد .. الجسد يتعذّب و لا
يتّسع لأية إضافةٍ من العذاب .. و مع هذا حاول هوايته اللعينة .. ضغط بالوسادة على
وجهي .. غابت عنّي أنفاسي .. أحداث انفجاراتٍ دوّت في أعماقي .. كبتُّها و لم أخفّف
عنه غيظه بأية أنّة .. تعملقتُ بفضل ربي على هذا القزم المنزوع من كلّ صفةٍ إنسانية
.. ذرع الغرفة و الغضب يتأرجح به .. ضربَ كفاً بكف .. أغلق النافذة و فتح المكيّف
على الهواء الساخن .. كان يتحرّك بعصبيةٍ و جنون .. لم يستوعبْ أنْ يرى إنساناً
محروقاً من رأسه حتى أخمص قدميه يحافظ على مقاومةٍ تردّ كيده في نحره ، كنّا في شهر
آب اللهّاب .. اجتاحتني سحب الهواء الساخن من المكيّف الملعون .. صعّدَتْ من درجة
احتراقي .. كانت درجة ثالثة فأصبحت أرى أنها رابعة أو خامسة على إيقاعات التيّارات
الحارّة .. الممرّضات يضعن الثلج تحت إبطي و يسكُبْن الماء البارد على صدري ..
يناشدون درجة حرارتي التي بلغت اثنتين و أربعين أن تنزل قليلاً .. هذا "المحترم" لا
يلقي بالاً إلاّ إلى الاعتراف و تلبيس ما يريد من أوهامه الباطلة .. كنتُ أشعر و
كأنّ سقف جمجمتي قد غادر رأسي .. دماغي تتشظى في كلّ الاتجاهات ، كنت كمَنْ يهْوي
في وادٍ سحيقٍ فيتقطّع إرباً و تأكُل الطَّير من رأسه . و هذا الغبيّ يسأل أسئلته
الحمقاء .. كانت الحرارة تشتدُّ عليّ فأَهْذي بما هبّ و دبّ .. أعود إلى المخيّم ..
حياة الطفولة التي لم يكنْ فيها طفولة .. السعي وراء الرزق و التردُّد بين المدرسة
و سوق الخضار .. أزقّة المخيّم التي لا ترحم و صفعات الاحتلال التي تطال كرامتنا و
تزاحمنا في أدنى حقوقنا الإنسانية .. تجرّدنا من كلّ شيءٍ و سُلبَتْ منّا أملاكنا ،
ديارنا ، إرادتنا و أرواحنا .. لا تريدنا إلا جسداً خاوياً تفرِّغ به لعناتها و
أحقادها ..
أنْصَتَ الجميع كأنّ على
رؤوسهم الطير .. أنْصَتَ "أبو حسن" كتلميذٍ نجيب .. عقد لسانه و خاف من أن تُظهِر
كلماته دموع عينيه و أحزان صدره .. شعر "جلال" بأنّ القوم يريدونه متابعة قصّتِه
كاملة .. حارَ في أمره .. خانته لغته محدودة المعاني و الكلمات .. أنّى له أن يصيب
حقيقة آلامه .. "الذي يأكُلُ العصيّ ليس كالذي يعدّها" .. تابع يقصّ عليهم نبأه
الأليم ..
زارتني المحامية "ليئا تسيمل"
.. كنت في حالة هذيان ، لم أركّز معها في إجاباتي .. طالبَتْ لي من المحكمة بطبيبٍ
نفسيّ .. حضر الطبيب .. كان دبّاً ماكراً .. كتب تقريره و انصرف .. فيما بعد
استغلّت محكمة اللّد العسكرية هذا التقرير ضدّي .. كم كنت في ذاك الوقت العصيب
بحاجةٍ إلى من يقِفُ معي .. تزورني في خيالي صور أمّي و إخواني .. أسْتَبْشر و
أتفاعل و أتحرَّ .. كانت كلمات المواساة في حينها تعدل الدنيا و ما فيها .. رغم أن
ذكر الله كان زادي .. و عون الله لم يغبْ عنّي لحظةً واحدة .. إلاّ أنّ كلمة مواساة
لها معناها و وقعها في النفس .. قالت لي فتاة عربيّة اجتازت الحصار المفروض عليّ ..
"يروح الشرّ عنّك يا خوي" .. ترنّمت روحي على أنغام هذه الكلمة الساعات الطوال ..
كمْ كانت جميلة كلمة "يا خوي" .. حشدت خلفها كلّ أهلي و ربعي و إخواني .. أثلجت
صدري بارك الله فيها ..
نقَلوني إلى غرفة العمليات تحت
الحراسة المسلّحة .. دخل معي شرطيّ بلباس ممرّض .. أمره الطبيب بفكّ قيودي من
السرير .. أخبرني الطبيب بقرار بتر أصابع يدي اليمنى .. طلب موافقتي .. لم يكنْ
أمامي خيارٌ آخر وافقت و احتسبتها عند الله علّها تسبقني إلى الجنّة .. خدّروني و
رحتُ في عالم الغيب .. أفقْت من ضربات البنج فوجدت اللفافات البيضاء قد ملأت جسمي
.. يداي و رجلاي .. بطني و ظهري .. سلَخوا قطعاً كبيرة من جلد الفخذ و البطن و
زرعوها في يدي اليمنى و الكتف و الخاصرة ، كانت عمليّة زراعةٍ عشوائيّة طالت مناطق
شاسعة من جلدي علِمت - فيما بعد - أنّهم بعدما عجِزوا عن الوصول إلى مآربهم التفّوا
على أقرب المقربين إلى .. أختى و زوجتي .. اعتقلوهم ثم أفرَجوا عنهم .. لم يأخُذوا
منهم حقاً و لا باطلاً ..
زارَني طبيبٌ إيرلنديّ تابعٌ
للصليب الأحمر .. احتجّ بشدةٍ على القيود التي ربطت رجلاي بالسرير كعادتهم دائماً
.. واجهوه بذرائعهم المعهودة .. الأمن ، الهرب .. يا جماعة هذا لا يستطيع الوقوف ..
و لا حتى الزّحف .. كيف سيهرب ؟
ضربوا بكلامه عرض الحائط ..
أعطاني بطاقته للاتصال به وقت الحاجة .. صادرها المحقّق فوراً بعد أن اختفى الطبيب
عن الأنظار .
أمّا عن آلامي التي أسأَلُ
الله أن لا يذيقها لمسلمٍ ، فقد كان أشدّها عندما دخلت عليَّ أربع ممرضات ..
أخبروني بأنّي سوف أُنْقل إلى هنا (مستشفى الرملة) .. بدأوا بنزع اللفافات البيضاء
.. كانت قد تصلّبَتْ بعد أن امتصّت الدم من لحمي ..
سلخوها عن جلدي المسلوخ ..
سحبوها و سحبوا معها روحي رغم جَلَدي و محاولاتي الشديدة كظْمَ ألمي إلا أنّي ملأت
المستشفى صراخاً .. سخِرَت مني شرطيّة حاولت تقليد صراخي و الرقص على جراحي .. رأيت
قوله تعالى : "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون" .. أضاءَت لي هذه الآية
ظلماتهم التي أحاطوني بها .. أصدقُكُم القول إنّي شعرت بالموت عدّة مرّات .. نازعت
روحي أشلاء جسدي و لكنّ أجلَ الله لم يأتِ بعد .. "قُتِل أصحاب الأخدود ، النار ذات
الوقود" ..
كبَّلوني بأصفادهم .. حملوني
في سيارة إسعافٍ ثم هبطوا بي إلى هنا .. تشهّدت عدّة مرّات ، كانت تتلوّى روحي في
جسدي كلّما ضربت عجلات سيّارتهم مطبّاً .. أو دعست قدَم السائق على الفرامل ..
الحمد لله أنْ استقرّ بيَ المقام عند إخواني .. ما أسوأ غربة المريض .. أشعُر الآن
أنّي بين أهلي و أحبابي ..
هتَف أبو حسن بكلمات خرجت من
ينابيع المودّة و الرحمة التي تملأ صدره:
- الحمد لله على سلامتك .. و
لا يهمّك ، نحن أهلك و إخوانك و أحبابك .. لا تحمل همّاً .. المؤمِن للمؤمن
كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً ..
- الحمد لله لا يُقْلِقني الآن
سوى شيءٍ واحد .. كيف سأتكلّم مع أهلي ؟ .. كيف سينظُر إليّ أولادي و أنا هكذا ؟ ..
عليّ أن أنقُل نفسيّاتهم إلى ما يجعلهم يستوعبون الذي جرى لي .
"هتف أبو حسن مطمئناً" :
- الصبر و احتساب الأجْر عند
أرحم الراحمين ..
أردف جلال مبتسماً :
- إنّي بفضل الله عليّ أملك
روحاً مرِحَةً سأغدِق عليهم من خيرات روحي بما يعوّض عليهم تشوّهات جسدي !! ..
تردّدت الدعوات في الصدور ..
قوّاك الله .. ثبّتك الله .. شفاك الله .. صبّرك الله ..
4/6/1999م
|