|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
"قراصنة الجبّانة"
ليس غريباً أن يُمارس السجّان
القمع ، أمّا أنْ يمارِسه الطبيب أو الممرّض !! أنْ تقوم ملائكة الرحمة ، كما
يسمّونها ، بدور ملائكة العذاب !! لم أسمَع بمثْل هذا إلاّ في أقبية التحقيق ، و ما
رأيته بأمّ عيني في جبّانة الرملة التي تحمِل مجازاً اسم مستشفى ..
كان كايد "الحُفيش الدرزيّ"
ممرِّضاً على رأس عمله من شاكلته ، تستطيع أن تقول عنهم إنهم شرطة .. سجّانون ..
أمْن .. منتفعون .. متربصون .. قد تحسِن الظنّ و تقول موظّفون ، أما أنْ تقول عنهم
ممرّضين فهم أبعدُ ما يكون عن هذا الوصف ! رغم أنّهم يلبِسون "البياض" و يسلّمون
الدواء و يقيسون الضغط و الحرارة .. يجامِلون و يبتسمون و في نفس الوقت تدور أعينهم
على كلّ صغيرةٍ و كبيرة .. يتجسّسون بكلّ حواسهم ، يرْأَفون على أسيادهم كما يرأفون
على أولادهم .. يقدّمون بين يديْ مولاهم ضابط الأمن أسمى آيات الولاء و الخدمة و
يتزلّفون له تماماً كالخاتم في الإصبع .. ألغوا أنفسهم فتحوّلوا إلى أدواتٍ طيّعة
لا تعرف إلا الاستجابة للأوامر و السيْر على صراط تعليماته الصارمة .. كان الشباب
يسمّون "كايد" بالسَّلَق لتطابقه مع وظيفة الكلب السَّلَق .
ألقى "السَّلَقُ" القبضَ على
رسالةٍ كانت في جيبِ أحد الأسرى المغادرين .. قرأَها بإمعان .. وجد فيها ضربةً
لمولاه .. حلّلها بحاسة شمّه الخبيثة كما تتشمّم الكلاب المدرّبة .. "إنها قصة
الحمام و الصياد .. ماذا يقصد بالحمام و من هو الصياد ؟ إنّهم السجناء و السجّان..
تروي القصّة عن الحمامة الهزيلة التي استطاعت الخلاص من الشبكة التي ضُرِبت عليها و
على زميلاتها .. إذن فهو يرمز إلى عمليّة هربٍ من السجن .. إنها فرصتي في الكشف عن
هذه النوايا قبل استفحال الأمر .. سأُظْهِر براعتي الأمنية .. سأشرح كلّ تحليلاتي
الدقيقة عن هذه القصة الملغومة .." .
استلَم ضابط الأمن الرسالة مع
تحليلاتها العمياء .. أصدر أوامره "للسَّلَق" بأنْ يكثِّف عيون المراقبة على المرضى
المحتجزين فيما يسمّى بالمستشفى : "خذوا انتباهكم من كلّ من يكتب أو يقرأ .. يرقُد
في هذه الجبانة عشرون مريضاً .. ثمانية ثابتون و الباقي يأتونه و يغادرون.. يأتي
المريض من سجنه فيُجرى له الفحص المطلوب أو المعاينة من قِبَل الطبيب المختصّ ثم
تنتهي ضيافته و يرحل على وجه السرعة ..
هذه النقطة التي يلتقي بها
المرضى من كلّ السجون لا بدّ من مراقبتها أمنياً و تشديد الخناق عليها .. و يجب أن
يكون المريض مسكيناً لاجئاً إلى هذا المستشفى مجرّداً من كلّ شيء سوى مرضه .. هذه
هي القاعدة التي ينطلق منها أمنهم .
يستفتح المريض منذ دخوله
بمقابلة مع ضابط الأمن .. و يتبارد عليه بأسئلةٍ تشبه وجهه البارد .. ولد مائِع ..
يتحفّز خلف مكتبه كطالب مدرسة متذاكي على أقرانه .. يبتسم ابتسامةً صفراء يظهر في
ثناياها المكر اللئيم و الخبث الدفين .. يذكر الناظر إليه بالقصيدة المدرسية "برز
الثعلب يوماً في ثياب الواعظينَ" .. يسأل : عندك مشاكل ؟! ألك مطالب ؟ أسئلة
روتينية تظهر من خلالها الرسالة بوضوح .. نحن لك بالمرصاد حتى و لو كنت في فراش
المرض !! ..
قصّ "السَّلَق" أثَر رسالة
الحمام و الصياد .. عرَف من كتبها بسهولة لأنّ المسألة لم تكن في الخفاء .. كتبتها
في العلن ، و قرأتها على زملائي في الغرفة ، ثم بعثتها برسالةٍ مكشوفة .. لم تكنْ
سرّاً فوصَل إلى مصدرها بسهولة .. وجّه عيون الرصد عليَّ .. وضعني تحت عدسة المجهر
.. لاحظَ أنّ جُلّ وقتي في القراءة و الكتابة .. ظاهرة غريبة في المستشفى .. المرضى
مُستغرِقون في بحر آلام .. بعضهم يهرُب منها إلى التلفاز و البعض الآخر إلى التفاعل
الاجتماعي .. الوداع و الاستقبال و تقصّي أخبار الأصدقاء المنتشرين في كافّة السجون
.. أما أنْ تجِدَ من يقرأ أو يكتب فلا يكون هذا إلا نادراً و في أوقاتٍ قصيرة ..
وضَع "السَّلَق" نصب عينيه عدة تساؤلات .. "ما هذا الإنسان الذي يقرأ بنهم ؟!! ..
يكتب دون توقّف .. كأنّه مولدٌ كهربائيّ .. يحشو رأسه الكثير من الكتب ... " أذكر
أنّي قرأت كتاباً بعد أن طُردت من المدرسة .. ما هو سر هذا الرجل ؟ حاستي السادسة
تقول لي إنّ هناك ترقية من ورائه .. سأدَعُه يكتب على راحته .. و سأنقضّ عليه في
الوقت المناسب .. أحمِل على كتفي نجمتين ، كم من الناس أوقعت في شباكي .. ذاك الشاب
الذي طفِق يكتب "و يكبسل" وقتما وصل إلى هنا .. في الصباح وضعت يدي على جيب بنطاله
المعلق خلسةً و هو نائم.. سحبتها كما تسحب الشعرة من العجين ، رسائل ما هبّ و دبّ ،
خلال دقائق كانت بين أيدي الضابط .. "برافو ، إطلع درجة" .. درجة تلوَ الدرجة على
أكتاف هؤلاء (المخرّبين) .. هيه .. هذه هي الحياة كل شاطر و شطارته" ..
كنْت ناظراً للظلام الذي يلفّ
الغرفة ألتجئ إلى جوار الباب .. كان ضوءُ الممرّ الخارجي يتسلّل من شبك الباب ..
أفتح كتابي و أقرأ أو أكتب أو أصلّي .. ذات مرّة وجدت خيالاً يتحرّك على صفحة كتابي
.. رفعت رأسي و إذا "بالسَّلَق" يرقُب ما أقرأ .. ابتسمت.. بادلني ابتسامتي
بابتسامة زرقاء كالحة .. خاطبني بلسانه .. حَمَل .. يحمل قلب ذئب .. هذا الضوء يتعب
عينيك!! ريّح نفسك و الصباح رباح .. هززت رأسي و لم أجِِبْ .. يُتابع .. ماذا تقرأ
؟! "أجبت باقتضابٍ حتى يفهم استيائي .. رواية .. أتحبّ أن تقرأها .. ناولته إياها
.. تفاجأ من هذا الردّ .. تصفّحها بأطراف أصابعه .. زمّ شفتيه .. أعادها مرة أخرى ،
استرق النظر فرآني غارقاً في الكتابة .. بعد دقيقتين كان ضابط الأمن يقف على الباب
فوق رأسي .. رماني بأسئلته الباردة و انسحب بهدوء ..
ضابط الأمن يسألُ ممثّل المرضى
.. لماذا يتناوبون في هذه الغرف على الباب ؟ رددت عليه ببساطة : إنهم يُصَلُّون أو
يقرأون على ضوء الممرّ الخارجي . انتابني شعورٌ بأنهم قد بيّتوا أمراً .. كنت
أيّامها على وشك الانتهاء من هذه المجموعة القصصية .. مجموعة سجّلت فيها بعض ما
شاهدته من آلام و آهات هؤلاء المعذّبين في هذه الجبّانة .. محكومٌ عليهم فيها
بالموت مع وقف التنفيذ .. أو موتٍ بالتقسيط المتعِب .. حبّذا لو كان موتاً مريحاً
على قاعدة "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة فليحدّ أحدكم شفرته و ليُرِحْ ذبيحته" ..
اتفقت مع أحد الإخوة بعد
انتهائي مباشرة من كتابة القصة الأخيرة على أن ننسخ نسخةً ثانية من باب الاحتياط ،
باشرنا العمل على طاولةٍ في إحدى الغرف هو ينسخ و أنا أوقف .. داهمنا صوتُ
"السَّلَق" على حين غفلة .. و كأنّه يعوي على فريسته .. "تفتيش .. اتركوا كلّ شيء
في مكانه" .. نظَرتُ إلى الوراء .. وجدته متمترساً بثلةٍ من جنود "البوسطة"
المعروفين بشراستهم .. هكذا فجأة ينظر "كايد" الممرّض ، الحمل الوديع ، موزّع
الرحمة و الدواء إلى شرطيٍّ شرس يصبُّ جحيم حقده الدَّفين على رؤوس ضحاياه : المرضى
، العاكفون على آلامهم .. لم يكنْ لي مفرّ حتى أعطِي الانطباع بأنّ ما لديّ في غاية
الأهمية .. تركتها ببساطة و خرجت .. كنت حينها أتمزّق و كأنّك تنزع طفلاً من بين
يديْ أمه .. قلّبوا كلّ شيء . المرضى و أغراضهم .. لم يتركوا شيئاً في مكانه إلا
نفلوه و بدّدوا شمله .. خلَطوا الحابل بالنابل .. حشرونا في غرفة الطعام حتى انتهوا
من عبثهم .. عاثوا في أمتعة المرضى فساداً .. جلست على أعصابي و الدماء تفور فيّ و
دم المرضى .. الضغط يرتفع و يشتدّ .. البخّاخات تسارع بها الأيدي إلى أفواه الذين
يعانون من آلام صدورهم .. الغضب يكتسح ساحات النفوس ، العيون ترقُب ساعة الفراغ من
هذا التفتيش !! فتّشوا أجسادَنا بعد الفراغ من أغراضنا تفتيشاً دقيقاً .. بالماكنة
الإلكترونية ، بأيديهم الشيطانية .. شرّ البليّة ما يضحِك .. كانوا يلبسون على
أيديهم القفّازات البلاستيكية الطبّيّة .. أيدٍ إجراميّة يخافون عليها من التلوّث
؟! ..
عُدْنا إلى ملابسنا المبثوثة
نُضمّد جراحها و نلمّ شعثها .. أُعِدْنا إليها ، و وضعناها في خزائنها .. كانت تشكو
بصمت .. و كان المرضى يشتمون و يسبّون ، سارعت بدوري إلى دفاتري .. كانت الفاجعة
الكبرى بانتظاري .. صادرها القراصنة .. قراصنة الفكر و الكلمة .. قراصنة المشاعر ..
و الأحاسيس، قتلة الأدب و الذوق .. قتلة الحب و الحياة ..
وقفنا أمام المعادلة المُرّة
.. "لا يمكن لشرطة العذاب أن تقوم بالطب و الدواء كما لا يمكن للشياطين أن تأخذ دور
الملائكة" ..
الآن تسأل و تخضع لمحاكم
التفتيش .. تحت رحمة من لا يرحم .. تعكّرت أجواء نفسي و نفوس المرضى و اجتاحنا
الهمّ و الغم من كلّ جانب .. حاولت معها تلطيفاً بالحوقلة و الاحتساب عند الحسيب و
الوكيل الذي لا يغفَل عمّا يعمل المجرمون .
باءت كلّ محاولات إرجاعها
بالفشل .. لم تنفَعْ معهم الطرق الدبلوماسية الهادئة بداية الأمر ، و لم تنفع
المطالبة شديدة اللهجة و التهديد باللجوء إلى المحاكم .. نهاية الأمر ما العمل ؟!
شَحَنْتُ همّتي بعد أن رجعت إلى سجني و خرجت من براثنهم المسمومة حاولت تجميع
مشاعري التي كانت ملتحمة مع مشاعر المرض .. رفعت شراع قلمي و بدأت أكتب و أستعيد
أفكاري من جديد ..
و السلام عليكم و رحمة الله و
بركاته
|