الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

 

مدفن الأحياء

وليد الهودلي

 

أبو الحسن أبو هدوان

"الشيخ  المحتسب"

 

أخيراً ، و بعد مسيرةٍ طويلة و مُضنية ، وصلت إلى مستشفى الرملة .. قطعتُ هذه المسيرة في ثمانية شهور .. المسافة بين عسقلان و الرمّلة ستون كيلومتراً ، و لكنها تحتاج إلى هذا الزحف السلحفائيّ المميت .. تحتاج إلى مراجعاتٍ عديدةٍ لطبيب السجن ، و بعد صراعٍ طويل ، هادئ و دبلوماسيّ و صاخب و ضاغط .. يُكتب التحويل لإجراء الفحص اللازم ، فهذا الطبيب لا يستجيب قلمه إلا للمريض اللَّحوح الذي يضغط عليه مرضه ، و يوعزه إلى هذا النضال الطويل .. يضع الطبيب ورقة التحويل في أدراجه الباردة كي تدخل مرحلة حجز الدّور ، لا أريد أنّ أطيل عليكم و أَتِيْهُ بكم في التفصيلات المملّة ، فأنا مرضي بسيط ، و الفحص المُزمَع على تشييد صرحه سهل .. فما يُعمَل في العالم الخارجي في يومٍ واحد ، يحتاج إلى هذه المراحل العسيرة ، و هذا الوقت المديد أطال الله في عمره .. المهمّ ما رأيته في المستشفى مع أصحاب الأمراض الصعبة .. الأرواح التي تنتظر ملك الموت بفارغ الصبر ، و تشعر أنه على وشك الأخذ بيدها و الرّحيل من وسط هذه الأدغال التي تناوشته فيها وحوشها ...

كان أوّل ولوجي المستشفى الصغير مع "أبو حسن" محمد أبو هدوان .. نزلت في غرفته ، أخذني بالأحضان و عيناه تلمع خلف دموعها .. وقفت صورته منذ أوّل معرفته به شاخصةً خلف شبحه اليوم .. كانت الصورة الأولى لشخصٍ آخر .. رجلٌ ممتلئ الجسم .. رحْبٌ مشرقٌ يفيض حيوية و قوّة .. لعينيه نور مميّز .. يَفرض الهيبة و الجلال .. تخترق حواجز الأجساد و تعمل في القلوب عملها .. صوتٌ جهوريّ له رنّةٌ موسيقيةٌ عاليةٌ تهتزّ لها المشاعر .. تجد فيه للوهلة الأولى النخوة و الأصالة ، الإباء و عزة النفس .. و كلّ هذا لم يمنعه من أنّ يرطّب القلوب بما لذّ و طاب من النكات و التعليقات التي تسرّ الحاضرين .. أما صورة اليوم فقد ذوت في شحوبها .. هدّها المرض و لم يترك سوى آثارٍ باهتة لا يجد بصيصها إلا أصحاب القلوب المرهفة .. أنفاس تتلاحق بسرعة .. قلب يرتجف ، ترتجف معه الكلمات .. تخرج ضعيفة رغم ما فيها من رحمةٍ و حنان .. ذرت الرياح شعر الرأس و اشتعل شعر اللحية شيباً .. غابت حيويته و سكنت حركته .. أصبح كالرسم الذي يعاد بالتصوير البطيء ..

جلست على حافة سريره .. وجّهت له علامات استفهامي ..

- كيف الحال "أبو الحسن" ؟ ..

- حالي كما ترى .. الحمد لله على كلّ حال ..

- تذكر أيامنا "أبو الحسن" سنة 92 .. في عسقلان ؟

- الله يرحم تلك الأيام .. أيام كانت الأمراض بعيدة عني ..

كان في سريره و كأَنّ صخرة كبيرة تربض على صدره .. يتفلّت من ثقلها .. يجدُ راحة في الحديث عن آلامه خاصة مع أصحابه القدامى .. القابعين معه في هذا المستشفى المعزول .. ملّوا الحديث لبعضهم البعض عن أوجاعهم .. ما أن يحلّ بهم ضيفٌ إلا و يبثّون شيئاً مما يعتمل في صدورهم .. تعمّدت إدارة السجن وضع هذا المستشفى في ظروف قاسية .. فتضيف آلاماً جديدة إلى آلامهم .. آليّة العمل تصعِّد الأوضاع النفسية الصعبة للأسير .. فإذا كان الطبّ الحديث تنسجم فيه الأبعاد النفسية مع العضوية فإن هؤلاء يكرّسون الانفصام التام .. ضغطٌ نفسيّ مع علاجٍ عضويّ .. مركّب صعبٌ تعضُّ عليه إدارة السجن بالنواجذ .. كيف يُعقَل مثلاً أن تجري عملية قلبٍ مفتوحٍ لمسنّ جاوز الستين و أرجله مقيّدة بالسرير إضافة إلى الحراسة المسلّحة .. أي طبّ مجنونٍ هذا ؟! قال لي أبو حسن منفعلاً عندما سألته عن العناية الطبية ..

- خذ هذه القصة التي حدثت معي .. أخرج دفتراً ، قلّب أوراقه بسرعة .. سأعطيك التاريخ بالضبط .. في 14/4/98 تعرّضت لنوبة قلبية حادّة .. حوّلوني إلى مستشفى برزلاي / عسقلان .. كان معي أربعة حراس بأسلحتهم الرشاشة .. أفقت من إغمائي .. نظرت إلى الساعة فإذا بموعد صلاة المغرب يقترب .. تذكّرتُ أني لم أُصَلِّ العصر .. طلبت منهم فكّ قيدي حتى أتوضّأ و أصلّي .. رفضوا بشدة .. أخذوني إلى دورة المياه و أنا مقيّد اليدين و الرجلين .. قلت لهم بلغتهم :

- كيف أتمكّن من الاستنجاء ؟! كيف أقضي حاجتي ؟! ردّوا بكلمتهم اللئيمة التي لا يعرفون غيرها .. ممنوع . تيمّمت و أردت الصلاة واقفاً فرفضوا .. لم أتمكّن من الصلاة إلا و أنا مستلقٍ على ظهري .. مربوطاً بسريري من اليدين و الرجّلين .. أتُصدِّق أنّ كلّ هذا خوفاً من أن أهرب ؟! .. كيف سيهرب كهلٌ في الستين من عمره و نوبة قلبيه تُفتِّت شرايين صدره ؟ .. كانت وخزاتٌ تدقُّ نصالها في وسط صدري فتنتشر بسرعة إلى كافة ذرّات جسمي .. كانت كصخرةٍ صلدة تُلقى في بركة ماء .. تتناثر شظايا الماء و تنتشر أمواج الألم حتى تصلَ إلى أطراف البركة . أنا لا أصدّق أنّ هذا اللؤم كي لا أتمكّن من الهرب .. إِنه ضغط نفسيّ مدروس و ممنهج .. يطالعك حقدهم دوماً في كلّ لحظة و يقول لك : لا تَنْسَ أنك سجين و أنا سجّانك هنا واقفٌ على رأسك .. قلت لهم : أنتم أربعة أصحّاء و ما شاء الله عليكم .. اسحبوا أسلحتكم و رشاشاتكم و اتركوني أصلّي لله رب العالمين ، ربي و ربّكم .. إذا تحرّكت غير حركات الصلاة فلا تتوانوا بإطلاق النّار عليّ .. "ممنوع ، قلنالك ممنوع" .. أنا لا أردي كيف سينفع الدواء مع السجّان ؟ .. كيف يداوي الذئب الحمل ؟ .. يقولون في الطبّ إنّ الراحة النفسية ضروريّة للمريض .. أنا لا أطالب براحة نفسية لأنّ هذا يستحيل تحقيقه و روح الأسير تحسّ بوخزات الأسلاك الشائكة كُلّما سافرت بأحلامها أو عادت من سفرها .. أنا أطالب فقط بوقف عملية التحطيم النفسي و تقديم العلاج المطلوب ..

وقفتُ معه وقفةً طويلة مع العلاج و الإهمال الطبيّ المقصود . كان يشدّد على كلمة المقصود ، تدفعها النّصال التي غرست في رمال صحّته المتحركة .. كان يُبديها كراهية سوداء يرفعها عالياً كي لا تغيب عنّا .. كنت أستعيد ذكريات ضحايا هذا الإهمال .. و حتى الكثير من الأسرى الأصحّاء واجهوا هذه الحقيقة .. كان أحد الأطباء الأذكياء لسنوات طويلة يعالج بأحد أمرَيْن .. "الأكمول" أو الماء .. علاجٌ سحريّ لا يخطئ أبداً .. كانت طبيبة أسنان تنقضّ على فريستها كوحشٍ كاسر .. لا تعرف إلا القلع و الضرب على الأسنان بيدٍ من حديد .. "يحيى الناطور" ، رحمة الله ، غرق في آلامه عدة شهور من غير أن يصلوا إلى التشخيص الدقيق للمرض ، و الأخطر من هذا أنهم قالوا إن مرضه نفسيّ .. "إشرب ماءاً" ..

وضع أبو حسين دواءه في كفّه .. و عدَّ لي ما يزيد عن العشرة أنواع :

- هذه مسكّنات ، و هذه لتوسيع شرايين القلب ، و هذا للتنفّس .. منذ ثلاثة عشر شهراً و أنا أبلع من هذه السموم .. طلبت تقريراً طبّياً فجاءني ليبشّرني بابتلاءاتي .. و بعيداً عن التعقيد ألخّصها لك .. القلب بحاجة إلى "أُفرهول" .. تعرّضت إلى جلطة سنة 96 ، اتساعٌ كبيرٌ في حجرة القلب اليسرى ، إمالة حادة و تصلّب في الشرايين .. منذ فترة طويلة و أنا أنتظر عملية القلب المفتوح فتح الله قُبورهم .. و عندي يا سيديّ العزيز تليّفٌ في الكبد .. و فشل كلويّ جزئيّ و سكّري .. يكفيك هذا أم تريد المزيد ؟ .. الالتهاب الرئويّ أعاذك الله منه .. لا أستطيع الاستغناء عن جهاز التنفّس الكهربائي .. قل الله يعافيك يا "أبو حسن" ...

قلت له بعد أن فاجأتني هذه الكوارث ..

- و لكن هكذا داهمتك كلّ هذه الأمراض دفعة واحدة ..

ندّت عنه آهة عميقة و قال :

- لو كانت المتابعة الطبّية جيّدة أو مقبولة لما تدهورت صحّتي بهذا الشكل . أذكر أنني أصبت في سجن نفحة في العام 89 بالتهابٍ كلويّ حادّ ، و عولجت بشكلٍ أفضل من هذه الأيام .. و لكنهم فيما بعد أهملوا الأمر .

أثقلت على صدري هذه الكُربات .. انقبضتُ بمجرّد سماعها ، فكيف بمن يعاني منها و تنفجر آلامها في جسمه ليل نهار ؟! .. نظرت في دفتره .. وجدت به باباً للهروب قليلاً من قراقع ضربات الموت الذي رأيت يده و هي تلتفّ على عنق هذا الرجل .. تنتظر الأمر لوقف هذه الأنفاس الطاهرة .. (و لكلّ أجلٍ كتاب) .. قلت له :

- ماذا في هذا الدفتر ؟ ..

ابتسم لي ابتسامة واسعة ملأت حنايا قلبي .. رأيت في عينيه أنه فهم ماذا أريد .. قال في نفسه .. "لا بأس هؤلاء الشباب تذهلهم أوضاعنا الصحية ، و نحن و للحقّ أقول تنشرح صدورنا عندما نجد الأذن التي نفرغ فيها شيئاً من همومنا .. و لا بأس بذكر بعض الأمجاد الغابرة" .. أسند ظهره و أخذ يقلّب أوراق دفتره .. لمحت بعض ما كتب فيه .. محمد حسن أبو هدوان .. الحكم مؤبّدٌ على خلفية عمليات عسكرية .. تاريخ الاعتقال سنة 85 .. مَضَتْ أربعة عشر عاماً .. لاحظ قراءتي فأخذ يقلّبها ببطء .. خمس بناتٍ و ثلاثة أولاد.. الأولاد تزوّجوا و البنات إلا واحدة .. وضعت يدي على يده لأوقف سيره السريع في عالم ذكرياته .. سألت :

- كلّهم تزوّجوا و أنت في السجن ؟!

- نعم و أنا على "برشي" .. تصوّرت حفلاتهم في خيالي ..

- إلا واحدة .. أكيد هي آخر العنقود ..

- لا إنها ابنتي الكبيرة .. حرّمت على نفسها الزواج ما دمت في الأسر ..

- و لكن هذا مخالفٌ لسنّة الحياة ..

- أصرّت على هذا .. إنها متعلّقة بي منذ صغرها .. حبّها لي طغى على كلّ شيءٍ في حياتها .. تحبّني حبّ يعقوب ليوسف .. حبسةٌ قطعت أوصال أعزّ الروابط .. أمّي رحمها الله كان أملي في هذه الحياة أن أحظى بوداعها الأخير .. زارتني في سنة 93 زيارة خاصة .. جثوت على أقدامها أقبّلها و أبكي ..

أوقفته إلى موضوعٍ آخر عندما رأيت الدموع في عينيه ..

- و ماذا في الدفتر عن هذه الذكريات الأليمة ؟ ..

- فيه كلّ شيء .. حتى النوادر البسيطة و القهقهات العابرة .. طيلة الحبسة و أنا أكتب .. و على فكرة ليس هذا الدفتر الوحيد ..

- ما هذا ؟! .. حبّة أسكدنيا بعد أربعة عشر عاماً .. أكلت حبّة تين و رمانة بعد ثلاثة عشر عاماً .. كوز صبر .. 25 رأساً حلقتها في ثلاث ساعات 25/3/93 رقمٌ قياسيّ ..

- ما زلت أذكر حَلقاتك يا "أبو حسن" .. و ما زال شذى عطرك يروي شعر رأسي .. أَسأل الله أن يفكّ أسرك و يعيدك إلى أحفادك حتى تحلِق لهم ..

- صدّقني أن كلّ أملي قبل كلّ شيء أن أصلّي ركعتين في المسجد الأقصى .. فكما ترى أنا في العقد السادس من عمري .. "أكرمني" الله بكلّ هذه الأمراض .. أحمد الله و أشكره و أسأل الله القَبول و أن يضعها في ميزان حسناتي .. و الأعمار بيد الله .

- و أولاد الأولاد .. و ما أعزّ من الولد إلا ولد الولد .. يا "أبو حسن" .

- لا يوجد ما هو بعيد على الكريم .. يا سلام لو أتمكّن من طباعة قبلة على جبين أبنائي و بناتي .. الله كريم .. أتصوّر نفسي و قد رفعني أولادي على بساط أحد بيوتهم ، و جمعوا لي أحفادي كافة ، لقد بلغوا الآن سبعة عشر حفيداً أريد أن يحيطونني إحاطة السوار بالمعصم ، و أن يطبقوا عليّ بأنفاسهم ..

- الصغار دوشة يا "أبو حسن" ..

- خلّيهم يلعبوا فوق رأسي و يفتحوا طاقة في "نافوخي" ، ساعتها أقوم مثل الحصان .

- نسيت شريكة حياتك .. أين ذهبت أم حسن ..

- آه .. آه .. إنها تاج رأسي ، و لا يمكن أن أنسى فضلها الذي أحاطتني به طيلة حياتها معي .. إنها ينابيع حبّنا جميعاً أنا و أولادي و أحفادي .. أريد أن أقتعد مكاناً بينهم و لو للحظة واحدة قبل أقتعد نعشي على أكتفافهم ..

- ربنا كريم يا "أبو حسن" ..

- و لا أَنسى قبل كلّ شيء ، لا يملأ عليّ قلبي إلا أن أخرّ ساجداً في رحاب المسجد الأقصى .. سجدة أذوب فيها في ميدان عشقي لله و أذوِّب فيها قهر هذه السجون الظالم أهلها ..

- اللهم آمين .. اللهم آمين .

 

20/4/1999م