|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
ياسر المؤذن
"واحة الديمقراطية"
أنا لست "رون أراد" .. أنا
ياسر المؤذّن أسيرٌ سوريّ عند "جهة معروفة" ؛ "واحة الديمقراطيّة" ، صورة "العالم
الحرّ و المتحضّر في المنطقة" !! أظهرت "إسرائيل" نفسها على أنها ضحيّة الإرهاب ، و
أنّ دماء إنسانيّتها قد سفكها سيف أعداء الإنسانية .. إنها مسكينة ، مقهورة ،
مظلومة ، مستباحٌ فيها مواطنها الذي لا يعرف إلا السّلام و العيش بأمان .. تمدّ
اليد و غصن الزيتون للأيدي التي تريد لها الدمار و الهلاك !! .
و تقول : كان "رون أراد" في
نزهة سياحيّة في سماء الله الواسعة فضلّ الطريق و مرَّ في سماء الجنوب اللبناني ،
سقطت طائرة السلام ، و وقع "الطائر الميمون" في الأسر .. لغاية الآن ، الجهة الآسرة
مجهولة الهوية ، أصبح "رون المبكى الجديد" الذي تُذرَف عليه الدموع .. يثيرون
قضيّته في كلّ المحافل الدولية .. يطالبون به في كلّ اللقاءات السياسيّة يحيون
ذكراه ، تجوب أسراب الطائرات العسكريّة السماء .. يُرسَل إليه صقور الجوّ تحيّاتها
، تعلو الأصوات و تهتف الحناجر باسمه ، تعرِض أجهزة الإعلام المرئية و المسموعة
الأبعاد الإنسانية لابنته و هي ترسم و تكتب رسالة إلى "بابا" .. زوجته التي يقتلها
الأسى و الحنين ، أمّه و أبوه و قلوبهم المقطّعة على ولدهم الحبيب .. هذه هي الدولة
التي تظهر حسّها الإنساني المرهَف تجاه أسيرها الغائب ، و لكننا نجدُها تُغيّب هذا
الحسّ تماماً ، تظهر بوجهها المظلِم ، تلقي من السماء كسف العذاب و الجحيم على رؤوس
الناس في القرى و المخيّمات ، كما ألقت ما ألقت على "قانا" و غيرها نجدها تلقي
ويلاتها أيضاً على أسرانا في سجونها ...
أنا واحدٌ منهم .. سمحوا لي !!
بإحساسهم الإنساني النبيل !! بالاتصال التلفونيّ ، لا أريد استثارة العواطف ، ما
أريده فقط هو أن نتحسّس "إنسانية" هذا العدوّ المحترم ، خاصة إذا أغدقوا بها على
"الجويم" .
كان هذا الاتصال هو الأخطر و
الأعظم في حياتي ، سمحوا لي بعد أن تقدّمت بخمسةٍ و أربعين طلباً عدّاً و نقداً .
ماذا سأقول لأبي و أمّي في هذا الاتصال الذي حُدِّد وقته لنصف ساعة ، الاتصال
الأعظم لأنّه يأتي بعد انقطاعٍ دام ثلاثة عشر عاماً ... أعوام في المقاومة في لبنان
و عشرة في الأسر .. هو الاتصال الأخطر لأنني سوف أدهمهم
بأسوأ نبأ سمعوه في حياتهم ، سأُخبرهم بأوضاعي الصحيّة الخطيرة و المخيفة ، كيف
سأُلْقي عليهم هذه الكارثة ؟! مهما تلطَّفتُ فيها ، و مهما كنت دبلوماسياً و بارعاً
، إلا أنّ المضمون ستلتقطه قلوبهم ، و تتجرّع قسوته و مرارته ، فمهما كانت يد
الطبيب خفيفة و ماهرة فإن الإبرة ستحافظ على وخزتها ، و ستوصِل بلاغتها إلى أعماق
المريض ..
حدّدوا لي موعدَ الاتصال ، و
كلّما اقترب الموعد تصارعت الأفكار .. ماذا أَقول لهم ، و ماذا أُخفي عنهم ؟!
هل أُخبِرهم عن حالة الفشل
الكلويّ التي أَصبحتُ أعاني منها ؟! سيمطرونني بوابل أَسئِلتهم ؛ كيف حصل هذا ؟!
منذ متى ؟! سيسأل أبي عن أدقّ التفاصيل .. هكذا كان منذ نعومة أظفاري فأنا ابنه
البكر ، أول العشرة ، حظيت بحصَّة الأسد من الاهتمام و التقدير ، كان يشاركني بكلّ
شيء ، يصحبني معه إلى مجالس الكبار ، آخاني و صادقني منذ صغري ، كنت أشعر أنني
كبيرٌ في قلبه ، سارَ معي سنوات عمري الأولى يوماً بيوم و لحظة بلحظة إلى أن فرّقنا
نداء الواجب ، التحقت بالمقاومة في لبنان و تركته في معترك الحياة يعمل ليل نهار
لتدبير شؤون العائلة الكبيرة ، سيسألني الكثير ، أمّا أمّي فستسألني دموعها ، سيصل
نهرُ دمعها إلى السمّاعة التي أقبضها بيدي ، كان الله في عونها و عوني على هذه
اللحظات ، لن تستطيع الكلام و سيستغلّ أبي نقطة الضعف هذه ، يجب أن أُحضّر نفسي
لأيّ سؤال ، و حتى يكفي الوقت يجب أن تكون إجاباتي مختصرة و مفيدة ؟
هل أُخبرهم عن إجراءات المحكمة
التي نظرت في التقرير الطبيّ ، و كيف تابعوا الإهمال المتعمّد ؟ و رغم التقارير
المشوّهة فإن الحقيقة ظهرت كفلق الصبح بارزة للعيان .. نظروا في فترة التشخيص
الأخيرة للمرض التي استغرقت خمسة عشر يوماً . كيف بهم لو نظروا في معاناة السنوات
الخمس و التطمينات الكاذبة التي كانوا يتفنّنون في صياغة تبريراتها .. الإجابات
جاهزة لأيّ مرضٍ مهما بلغ .. كانت أعراض المرض الظاهرة للالتهاب في المسالك البولية
، و مع ذلك تجد الإجابة : "مغصٌ طبيعيّ" ، "برد في الليل" .. عيادة كعجائز القرون
الوسطى .. "إشرب الماء" .. "شاي و ليمون" ..
عندما نقلوني نهاية المطاف إلى
مستشفى "برزلاي" في عسقلان ، خلال ربع ساعةٍ و بعد فحصٍ دقيقٍ كان الجواب الدقيق :
فشل كلويّ ، تحتاج إلى غسيل كلى فوراً .. "قطعت جهينة قول كلّ خطيبٍ" .. سدّت
فحوصاتهم الباب على كلّ تبريراتهم المضلّلة ، تساءلوا بعد أن أذهلتهم النتائج :
- أين كنت لغاية الآن ؟!
- في السجن !
- ألم تَعرِض نفسك على الطبيب
؟
- منذ خمس سنوات و أنا "رايح
جاي" على العيادة .. و لم أصِلْ إلى هنا إلا بعد خمسة عشر يوماً ، وصلت معي الأمور
فيها إلى درجة الانهيار الكامل ..
لغاية ليلة أمس كان الطبيب
يماطِل في تحويلي إلى المستشفى ، عمل مني حقل تجارب .. قال سأسقيك كأساً من الشاي و
الليمون و أرقب النتيجة ؟! و لما رأى أني تقيّأتها و بدأت أفقد الوعي مع اصفرار
الوجه و ذهول العينين .. أوصى بنقلي إلى هنا ..
أحدهم و بصوتٍ خافتٍ كلّ ذرّة
في جسمي سمعته بوضوح - قال لزميله :
- له عمر جديد .. لو فقد الوعي
لما أمكن إعادته للحياة .. جاءَنا في اللحظة الأخيرة ، لو تأخّر قليلاً لكان الآن
يحتضر في الموت السريريّ ..
لحسن حظّي أن هذا التأخير
الطويل في تشخيص المرض أمكن القضاة أن يلحظوا حالتي من خلال تعليقات أطباء
"برزيلاي" المكتوبة : اتضحت لهم الأمور .. لم تعترض الجهات الأمنية على إطلاق سراحي
لخطورة وضعي الصحيّ و هذا نادر الحدوث لأنّ احتياطاتهم يبالغون فيها إلى درجة الهوس
كما هو معروف لكلّ من وصل محاكمهم .. لم تعترض إدارة السجون عليّ و أنا أُشكّل
عبئاً كبيراً .. هزّ القضاة رؤوسهم و بدا عليهم الاقتناع بإطلاق سراحي فوراً و
الخلاص من هذا الهمّ الكبير .. وصل اعتراضٌ واحدٌ فقط من مدّعي عام الدولة "ألباكين
روبنشتاين" .. رئيس الوفد (الإسرائيلي) في مفاوضات السلام سابقاً .. قال عبارة
صغيرة و لكنها ضلّلت القضاة بحقدها و سوادها .. "إنه خطيرٌ على أمن الدولة" .. صدر
القرار :
"رغم صعوبة وضعه الصحّي و رغم
الأبعاد الإنسانية المأساوية إلا أنّ عليه البقاء في السجن فترة محكوميّته البالغة
خمسة و عشرين سنة ، ما نوصي لجنة الثلث التي تنعقد لمناقشة وضعه بعد سبع سنين على
أنْ تُراعي وضعه و تطلِق سراحه نظراً لأنه حسن السيرة و السلوك في السجن" .
يُضرب المثل في قلوب الذئاب ،
لا أتصوَّر أنَّ للذئاب قلوباً مثل هذه ، للذئاب قلوبٌ مهما قست و لكني أشكّ أن
يكون لهذه الكائنات قلوبٌ رغم تشكيلاتها العصريّة الزائفة .. محاكم و قضاة .. لجان
و تقارير .. عيادات و مذابح تُذْبَح فيها الضمائر و القلوب ..
عن ماذا أخبرهم في هذا الاتصال
؟! عن معاناة الخمسة عشر يوماً التي سبقت البركان ؟!
في 15/7/98 انقضّت عليَّ
أعراضٌ خطيرة .. رجفة في اللسان و الشفتين .. قيْءٌ متواصل .. فقدانٌ للشهيّة ..
سارعت إلى المشعوِذين في العيادة .. فحصوا و قالوا بثقة مطلقة : "جفاف ناتجٌ عن
الجوّ الخماسيني و ارتفاع الرطوبة" .. أعطوني فيتامينات - حسب ذمّتهم و الله أعلم -
مع بعض الحبوب التي تُعالج الجفاف .. بعد ثلاثة أو أربعة أيام و أنا مواظبٌ على
وصفتهم المقدّسة و أنتظر التحسّن بفارغ الصبر ، تضاعفت الأمور و أخذت منحىً خطيراً
.. انتابتني تشنّجات في العضلات (قالوا لي إنّ هذه ناتجة عن الرياضة .. عليك أنّ
تخفّف من رياضتك ..) ، شعرت حينها بخطورة الأمر .. يستمرّ مغصُ الكلى منذ فترة
طويلة .. و كذلك المعاناة في البول .. مع قيّءٍ و ارتجاج الفم و اللسان .
لعبت بي الهواجس .. انتابني
القلب الذي هبط عليّ من كلّ جانب .. لا يمكن أن يكون كلّ هذا من الرياح الخماسينيّة
و لا السبعينية .. فليست هذه المرة الأولى التي تمرّ عليّ هذه الرياح !! ..
إن الأمر خطيرٌ بلا أدنى شكّ
.. و لا يستطيع أحدٌ أن يقدّر الأمر أفضل مني .. قرّرت الصراع مع هذه العيادة
النكدة .. كنت أتقدّم إليها كطالب يد حسناء في بداية الأمر ، يتمنّعون عليّ عدة
أيام حتى أحظى أخيراً بأن يُلْقوا نظراتهم المشؤومة على هذا الجسد الذي يتقصّف
ألماً .. قرّرت أن أُلْقِي بكلّ ثقلي و أن أواصل نضالي معهم حتى أصل إلى العلاج
المطلوب .. أشعر أن مرضاً خطيراً ألمّ بي و لا حياة لمن تنادي .
في الفاتح من شهر آب لم أستطع
إكمال تلك الليلة الطويلة في غرفتي .. قيْءٌ متواصل –
آلام حادة تضرِب بسكاكينها من كلّ جانب .. دارت بي الدنيا .. شعرت بأنّي مركز السجن
و السجن يدور في فلكي .. تقوقعت "الأبراش" على رأسي .. رأيت نفسي معلّقاً في سقف
الغرفة و أرضها أصبحت سقفاً .. تتأرجَح الغرفة كبندول الساعة .. نقلوني إلى
المشعوذة – العيادة – الساعة
الثانية ليلاً .. وجدت فيها مشعوذها الأكبر .. الطبيب المناوب –
طبيب زنازين التحقيق – أوصاني بشرب الماء –
علِمت فيما بعد بأن الماء في مثل هذه الحالة يُحدِث أضراراً كبيرة .. و الآن بعد
انجلاء الأمر يُمنَع عني أن أشربَ أكثر من لترٍ في اليوم و الليلة .. سقاني في تلك
الليلة قرابة الخمسة لترات .. و علّق لي إبرة التغذية لكن بلا فائدة تُذكَر .. بل
ازداد الأمر سوءاً .. طلبت منه تحويلي إلى المستشفى .. رفض و كأنّ أفعى رقطاء لذعته
.. قال لي : إنّك سليم مائة بالمائة .. لا يوجد داعٍ ..
مكثت يوماً كاملاً و أنا أنتفخ
و الألم يتخبّطني من كلّ جانب .. طلبت منه إمّا العودة إلى الغرفة أو إلى المستشفى
و حمّلته المسؤولية الكاملة عمّا يحدث لي .. أحضر لي الشاي و الليمون كآخر شعوذة
يمارسها عليّ ثم نقلوني أخيراً إلى المستشفى حيث وجدت التشخيص السريع خلال ربع ساعة
.. كان مستشفى آخر ، مستشفى بعيدٌ عن أجواء السجون و طبّ الشعوذة ..
عن ماذا أُخبِر والديّ ؟! هل
أستطيع أنّ أُخفِي عنهم هذه النتيجة التي وصلت إليها ؟! هل وصلتهم أخباري عبر وسائل
أخرى .. الصليب الأحمر و وسائل الإعلام الفلسطينيّ تناقلت بعض أخباري بإمكاني
إخبارهم لو أنّ الأمر لم يصلهم عن البدايات التي مررت بها .. و في اتصالٍ قادم أو
عبر رسالةٍ سأُكمِل لهم بقيّة الحلقات .. أما أنْ أواجههم بالحلقة الأخيرة من
المسلسل فالأمر سينقضّ عليهم كالصاعقة .. أبي قد يتحمّل أَمَّا أمّي فهل تستطيع ؟!
أخشى أن تقوم حالة الفشل الكلوي عندي بإفشال كلّ حياتها عليها .. سترك يا رب ..
اتخذت قراراً حاسماً سأخبرهم
عن البدايات فقط .. الحلقة الأولى و الثانية .. فيما و بقيّة المسلسل يتتابع فيما
بعد .. رفقاً رفقاً يا حادي ..
عندما أصابتني الالتهابات في
المسالك البولية في البدايات كان يسهُل العلاج في مثل هذه الحالات .. لكن لم يكن
تشخيص و لا علاج فانتقلت الالتهابات إلى الكلى نفسها .. غزتها بسرعة .. فرضت شروطها
كاملة حتى أصبحت تُعيد البول عليها كما يتلقّى المهزوم مرارة الهزيمة ..
كنت أعاني من آلامٍ حادة
فأتوجّه إلى المشعوذة فتأبى أن تحوّلني إلى أخصائيّ الكلى و المسالك البولية ،
رَفَضَتْ بشدّة إجراء التصوير أو إجراء الفحص المطلوب . خافت من انكشاف عورتي !!
نسيت نفسي و دخلت إلى الحلقة الثالثة .. يكفيهم أن أخبرهم عن التهاباتٍ في المسالك
.. و الكلى أيضاً .. و نقطة .. البقيّة تتبع .. يعني هذا : خمس سنوات في كلمتين ..
سأطلّ عليهم عبر هذا التلفون
السحريّ لأَسحرهم بأخبار المشعوذة .. صورتي في خيالهم هي لذلك الفتى الذي يشتعل فيه
لهيب الشباب و حماس الثورة .. الشابّ الطموح الذي يحمِل على كاهله عبء تحرير فلسطين
و كأنّ فلسطين خُلِقت له وحده .. فتى السبعة عشر عاماً .. هل تضيفون إليها عشرة
سنين في الأسر و هذه تُحسَب بعشرين على الأقلّ .. أضيفوا معاناة الأسر و معاناة
المرض حتى تجدوا أمامكم كهلاً قد قارب الأربعين .. أطلب منكم أن تستنسخوا صورتي
الأولى فلا تزال روحي هي روح ذلك الفتى .. فالعِبْرة في الروح التي تمتطي هذا الجسد
الفاني ..
قرّرت أن أُخْفي عنهم الكثير
.. قرّرت إخفاء عمليّات الغسيل التي أُواظب عليها ، منها اكتشاف هذا الفشل ..
يوماً بعد يوم .. أعكُف أربع
ساعات .. أُشارِك فيها أعضائي الداخلية بعقلي و قلبي .. تصطفّ أحاسيسي ، و مشاعري
تعزف أوبرا حزينة .. تصلُح لتشيِّع ميتاً يأبى مغادرة الجسد .. يأبى أن يُدفَن و
يزرع مكانه .. فالزراعة تحتاج إلى متبرّعٍ و هذا يحتاج إلى انتظارٍ في دورٍ طويل ..
قال لي أحد الأطباء : .. هل
تتصوّر إن وصلك الدور أنّهم سيقدّمونك على يهوديّ ؟! قال آخر : إنّ لك تسعة أخوة في
سوريا .. بإمكان أربعة منهم التبرّع لك .. ما عليك إلا استدعاء أحدهم .. قلت له :
هكذا بهذه البساطة !! أُحضِر أخي الذي لم أرَهُ منذ ثلاثة عشرة عاماً .. تنتزعون
كليته الحرّة من جسدٍ حرّ يعيش في بلد حرّ .. توقِِعونها في أسر جسد آخر كان قد
وقَع في أسْرِكم ، و ترفضون إطلاق سراحه ؟! كيف تفكّرون ؟! تفكير الغاب يشطح بكم ؟!
..
لن أخبرهم عن يدي التي باتت لا
تستوعب وصلة الغسيل .. وصلوا الشريان بالوريد فأصبحت دائمة الاهتزاز و كأنّ رجراجاً
كهربائياً قد زُرع فيها .. أصبح الغسيل يتمّ من خلال وصل "البربيش" بشريان الصدر ..
ماذا لو ارتسمت صورتي في
أذهانهم و أنا ملقىً أربع ساعات أتَبادل الآراء ؟! أُنادي من أُناشد .. أَشكو لهذه
الآلات الضاغطة و القابضة بلا كللٍ أو ملل .. أُعطيها و تعطيني .. أحياناً أجدُ
فيها أُنسي و تفريغ كتبي .. تأخذ و تعطي (كثيرٌ من بشر هذه الأيام يأخذون و لا
يعطون) .. أحياناً أُخرى أجد فيها بلوى كبيرة تصبُّ في صدري المصيبة التي تفرض
نفسها و لا مناص منها .
صورتي الآن ستقلب الأرض من
تحتهم ، ستطبِق سماءهم على أرضهم فيسيرون في هذه الحياة بلا سماء و لا أرض .. أبي و
أخوتي سيتلقّون هذه الصورة بصمتٍ حزينٍ يرتسم على وجوههم .. و عند أمّي و أخواتي
ستنطلق جداول الدموع من مصادرها بطلاقة .. لن تُحبِس إلا حين يُفرَج عني و تُزرع لي
كلية حياتي .. ليست حياتي وحدي و إنما حياتنا جميعاً ...
كانت صورتي التي أرسمها لهم
عبر رسائلي قبل هذه الطامّة هي صورة الشاب الرياضيّ ، مفتول العضل الذي يملأ وقته
بهجةً و نشاطاً .. كانت أخبار دراستي الجامعية أصل بها إلى مواطن السرور في نفوسهم
.. أُشعِرهم بأن سنوات أسري لن تذهب سدى ، و أنني سأعود إليهم يوماً من الأَيام و
بيدي الشهادة الجامعية .. لكن ، خسارة .. قطعني المرض عنها الآن .. ما أشدُّ ما
يُتْعسِني هذا الانقطاع ..
اقتربت ساعة الصفر .. جاءت
لحظات الاتصال تمشي متردّدة .. تقدّم خطوة و تؤخّر أُخرى .. أحياناً أتمنّى أن تخطئ
العنوان فأُعْفى من سيل هذه المشاعر الملّونة .. اختلطت فيها ألوان قزحٍ الجميلة
بالأَلوان السوداء .. و أحياناً أخرى أتحرّق شوقاً لسماع أنفاسهم مهما كانت ،
مبهجَةً أم حزينة ..
رفعوا لي السماعة بعد أن طلبوا
الرقم .. يكادُ قلبي يخرج من صدري .. يتراقَص بين يدي .. جلدي يقشعر .. أرجلي لا
تكاد تحمِلني .. أنقذني كرسيٌّ بجواري يشكو كثرة مقتعديه .. ألقيت نفسي عليه ..
تحمّلني .. ضاقت بي قدماي ..
أذهلتني المفاجأة .. بعد
الآهات و الكلمات المتلعثمة مع أبي .. فاجأني بأنه يعلم كلّ شيء عنّي حتى أَدقّ
التفاصيل .. دخل صلب الموضوع مباشرة : الفشل الكلوي ... و كأنّ تقريراً طبيّاً
مفصلاً بين يديه .. قال : إن إخوتك كلّهم ينتظرون الإفراج عنك .. كِلياتهم جاهزة و
تنتظر الزراعة في أرضهم المباركة .. جسدك أرض حياتهم و أرواحهم .. يفدونك بكلّ شيء
.. انزاح عنّي ثقلٌ عظيم .. تنفّستُ بعمقٍ .. أراحني من همّ تبليغ أخباري التي لا
تسرّ صديق ..
انتقلت السمّاعة إلى أُمي ..
لم أسمع سوى دموعها .. حاولت كلّ جهدي لأسمع كلماتها ، لم أَستطِعْ .. الوقت يمشي
سريعاً و البكاء يزداد ارتفاعاً .. كلّ كلمةٍ مني تسكب النفط على لهيب عواطفها ..
أَشعلت النار في آباري النفطيّة .. فجّرت مخزون مشاعري التي أتقَنْتُ دفنها منذ
زمنٍ بعيد .. رجوت أن تعود السماعة إلى أبي لوقف سلسلة هذه التفجيرات في أرضي و
أرضها الملغومة .
عاد صوت أبي ، تنحَّت أمي
بنحيبها الصاخب جانباً .. تكلّم أبي و كأنّ فرقة موسيقية خلفه تعزف لحناً حزيناً
يضجُّ بالحنين و الحبّ و الحياة ..
دارت عقارب الساعة بسرعة .. لم
يتبقَّ من الوقت شيءٌ و لم يتبقَّ من الكلام سوى بثّ التحيّات و السلامات ..
عَانَقَ إخواني و أخواتي السمّاعة .. وزّعت عليهم كلماتي المقتضبة .. أنا بخير ،
معنوياتي عالية ، لا تقلقوا ، الفرج قريب و الصحّة مستقرّة و جيدة ، تُفرَج إن شاء
الله .. سأكتب لكم بالتفصيل .. مشتاق إليكم .. و أنتظر رسائلكم .. مع السلامة .. في
أمان الله ..
كان هذا اليوم ، يوم الاتصال
بأهلي يوماً تاريخيّاً في مدار أسري .. ألماً بارزاً لن أنساه ما حييت .. اليوم يوم
استراحتي و غداً "برزيليا" و الأربع ساعات على إيقاعات "البربيش" و الغسيل الصّاخب
.. في واحة الديمقراطية .
|