|
سلسلة دراسات منهجية في القضية
الفلسطينية (2)
المشروع الصهيوني
والكيان الإسرائيلي
د. محسن محمد
صالح
الأستاذ
المشارك في الدراسات الفلسطينية
وتاريخ العرب
الحديث
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
بسم الله الرحمن
الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تسعى سلسلة "دراسات منهجية في
القضية الفلسطينية" إلى توسيع دائرة الاهتمام الثقافي والشعبي بالقضية الفلسطينية.
وهي سلسلة من الدراسات العلمية الموثقة التي تتناول الجوانب المختلفة في القضية
الفلسطينية بما يجعلها مدخلاً لمن يرغب ـ فيما بعد ـ في الانطلاق إلى ميادين
التخصص.
ويتحدث هذا الكتاب عن المشروع
اليهودي الصهيوني والكيان الإسرائيلي. ويناقش الكتاب الخلفيات الدينية والفكرية
للمشروع الصهيوني، فيعطي فكرة عامة عن الديانة اليهودية، وعن اليهود في القرآن
الكريم. ويشرح خلفيات ظهور المشروع الصهيوني في أوربا، ويعرِّف بمفكري الصهيونية
وروادها الأوائل، ويتناول إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية وتطورها حتى وقتنا
المعاصر، ودورها في إنشاء الكيان الصهيوني. كما يوضح الفكر الصهيوني (الأيديولوجية
الصهيونية)، واتجاهاته ومدارسه المختلفة من سياسية واشتراكية ودينية وثقافية.
ويناقش الفصل الثاني من هذا
الكتاب النظام السياسي في الكيان الصهيوني، والأحزاب السياسية وتوجهاتها وأحجامها
الشعبية وعضويتها في الكنيست (البرلمان) "الإسرائيلي". ويبين الأوضاع السكانية
والاقتصادية والعسكرية في الكيان "الإسرائيلي". كما يناقش الأوضاع السكانية لليهود
في العالم. وتُختتم الدراسة بمناقشة النفوذ اليهودي العالمي مع التركيز على النفوذ
في الولايات المتحدة وروسيا (الاتحاد السوفييتي) سابقاً.
نسأل الله أن يكون هذا العمل
خالصاً لوجهه الكريم
المؤلف
الفصل الأول
الحركة الصهيونية والفكر الصهيوني
الديانة
اليهودية:
تقوم الديانة اليهودية حسبما
يذكر اليهود أنفسهم على جملة أصول:
1. عقيدة توحيد الله.
2. عقيدة الاختيار الإلهي لبني
إسرائيل، شعب الله المختار، أبناء الله وأحباؤه.
3. عقيدة توريث الأرض المقدسة
فلسطين لإبراهيم عليه السلام ونسله من بني إسرائيل.
4. عقيدة المخلص المنتظر أو
المسيا أو الماشيح كما يسمونه[1].
وحسب التيار اليهودي العام،
وكما ذكر موسى بين ميمون، والذي يُعدُّ أحد أعظم علمائهم وفقهائهم، فإن اليهود
يؤمنون بأن الله واحد ليس له مثيل، وأن العبادة تليق به وحده، وأنه مُنـزّه عن
التجسيد وعن أعراض الجسد، وأنه الأول والآخر، وأنه عالمٌ بأحوال البشر. وأنه يجازي
الذين يحفظون وصاياه ويعاقب من يخالفها، وأن هناك حياة بعد الموت. وأن اليهود
يؤمنون بشريعة موسى، وأنها غير قابلة للنسخ. كما يؤمنون بعقيدة المخلّص المنتظر.
ولا تزال الأصول الثلاثة عشر للدين اليهودي، التي ذكرها موسى بن ميمون، تمثل مرجعاً
أساسياً لليهود لفهم دينهم[2].
غير أن دراسةً أكثر دقة لعقائد اليهود وفرقهم وتوراتهم وتلمودهم مع العودة إلى ما
ذكره الله سبحانه وتعالى عنهم في القرآن الكريم، ستظهر مدى التشويه الذي لحق بمفهوم
التوحيد، ومدى تحريف التصور عن الله سبحانه، كما سنرى في الصفحات التالية.
ويدعي اليهود أن عقيدتهم هي
عقيدة القلة المثالية المختارة، وأن الرسالة اليهودية العالمية هي نشر السلام بين
بني الإنسان، وتنحصر العقيدة اليهودية في بني إسرائيل وحدهم، أي أن هناك تطابقاً
بين العقيدة والقومية. وحسب اختيار التيار العام لليهودية والمتبني في الكيان
اليهودي فإن اليهودي هو المولود لأم يهودية بغض النظر عن إيمانه أو تدينه[3].
أما الكتب
المقدسة عند اليهود فهي:
أولاً : العهد القديم (تناخ)
Tenakh ويتكون من 39 سفراً، والقسم الأول منها هو
التوراة Torah، وهو الأسفار الخمسة الأولى، والقسم
الثاني هو أسفار الأنبياء Nebee- im، ويتكون من 21
سفراً، والقسم الثالث هو الصحف والكتب Ketubim ،ويُعنى
بالحِكَم - والأمثال والمزامير والأخبار التاريخية الخاصة باليهود بعد خراب الهيكل
وبه 12 سفراً. وتنسب جمع هذه الأسفار إلى عزرا الكاتب عام 444 ق.م، أي بعد وفاة
موسى عليه السلام بما يزيد عن 700 سنة.
ثانياً: التلمود Talmud،
ومعناه التعاليم أو الشرح والتفسير وهو مجموعة من الشرائع المدنية والاجتماعية
اليهودية المتوارثة، ويتكون من المشنا Mishna أي
التثنية، أو الإعادة، وتعني في العبرية الحفظ والتعليم، وهي تشكل النص أو المتن، و
القسم الثاني هو الجيمارا Gemara وتعني الإتمام وهي تمثل
الشرح أو التفسير، وقد جمعت المشنا حوالي سنة 200م[4].
وقد تعرضت اليهودية للتحريف
والتبديل عبر التاريخ، ذلك أن الله سبحانه لم يتعهد لهم بحفظ توراتهم، وعاش اليهود
معظم فترات تاريخهم تحت دول وحضارات مختلفة حاولت فرض هيمنتها عليهم، وتأثروا
بالثقافات والتقاليد المتعددة التي عايشوها، في أزمان وبقاع شتى.
وفضلاً عن التيار الذي حاول
المحافظة على الأصول التي أشرنا إليها، فإنه قد ظهرت فرق أخرى خصوصاً في الفترة 200
ق.م - 1000م، وأبرزها:
1. القراؤون
Karaites وظهروا في العراق في القرن الثامن الميلادي، وهم لا
يعترفون بشرعية التلمود، ويلتزمون بحرفية نصوص التوراة.
2. الفريسيون
Pharisees، وهم يمثلون الجماهير الشعبية، وهم الذين يؤكدون على
الزهد وصفاء النفس، ويرى فيهم اليهود آباءهم الروحيين. وهم يؤمنون بالتوراة
والتلمود ويؤكدون على العيش وفق تعاليم التوراة دون التزام بحرفية نصوصه، وعُرفوا
بجرأتهم في الاجتهاد والاستنباط، ويؤمنون بالبعث واليوم الآخر، وقد اتهمهم عيسى
عليه السلام بالنفاق وأكل المال الحرام حسب أناجيل النصارى.
3. الصدوقيون
Sadducees وهم يمثلون الطبقات الغنية المتنفذة والارستقراطية.
وترجع بداياتهم إلى عهد الحكم الفارسي (القرن 6- 4 ق.م)، وكان منهم كبار الكهنة
(الحاخامات والأحبار)، الذين احتكروا الحكم في أمور الدين والدنيا عند اليهود منذ
الحكم الفارسي. وهؤلاء ينكرون البعث الجسماني ويوم القيامة، كما ينكرون الملائكة
والروح، ويرفضون العمل بالتلمود، لكنهم يتمسكون بحرفية شديدة بالتوراة ، ويرفضون كل
أمر لم يثبت بنص بوصفه بدعة مستحدثة. وتصورهم للألوهية تصور قومي ، فالإله هو رب
إسرائيل حصراً وهم شعبه، وشجع إنكارهم للبعث أفرادهم على الانغماس في اللهو والترف
والإباحية.
4. الأسينيون
Essenes وهؤلاء يمثلون ظاهرة دينية اجتماعية أقرب إلى الرهبنة
المسيحية، فيعيشون حياة الزهاد القائمة على الجمع بين العبادة وإلغاء الملكية
الخاصة وشيوعية المال واشتراك الجميع فيه كل حسب حاجته. وقد أنشأوا لأنفسهم تجمعات
اشتراكية في أماكن متفرقة قائمة على التعاون في العمل والاشتراك في الانتاج والمال،
وتعود نشأتهم إلى فترة المسيح عليه السلام[5].
وفي الواقع المعاصر ينقسم
اليهود إلى قسمين رئيسين من الناحية الدينية[6]:
القسم الأول: يهود قوميون، أي
على أساس الانتماء العرقي، وهم يرون أن يهوديتهم تكمن في قوميتهم وفي أسلوب حياتهم،
وميراثهم الثقافي الاجتماعي، وهؤلاء فقدوا صلتهم بالعقيدة اليهودية والتعاليم
الدينية ، ويوصفون بأنهم ملحدون أو علمانيون، ويذكر المسيري أن هؤلاء يمثلون أكثر
من نصف يهود أمريكا، وأن نسبتهم أكثر من ذلك في يهود الاتحاد السوفييتي (سابقاً).
القسم الثاني: يهود يؤمنون
بصيغة ما من صيغ العقيدة اليهودية، وهم ينقسمون بدورهم إلى ثلاثة أقسام رئيسية :
1. اليهودية الأرثوذكسية: وهي
وارثة اليهودية الحاخامية أو التلمودية، وهي امتداد للصيغة اليهودية التي سادت بين
الجماعات اليهودية في القرون الوسطى وحتى أواخر القرن التاسع عشر، وهي الصيغة
الرسمية المعتمدة في الكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين، وأتباعها يؤمنون بالتوراة
وأنها مرسلة من الإله، وأن كل ما جاء فيها ملزم.
2. اليهودية الإصلاحية: وهي
التي تَحدّت اليهودية الحاخامية ، وأتباعها يمثلون مدرسة الاستنارة Haskalah
التي تحكِّم العقل في كل شيء، وتحاول أن تفصل بين ما هو ديني فتحترمه وتلتزم به،
وبين ما هو قومي فترفضه، ولذلك كانت ترفض فكرة العودة إلى فلسطين وفكرة المسيح
المنتظر، كما ترفض فكرة الشعب اليهودي وتدعو إلى اندماج اليهود في البلاد التي
يعيشون فيها. وأبرز روادها موسى مندلسون Moses Mendelssohn،
وقد ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر. وفي منتصف القرن التاسع عشر كانت هذه الحركة
قد فشلت في اجتذاب اليهود إليها في أوروبا، وبعد ذلك وجدت لنفسها متسعاً في أمريكا.
ومن الملفت للنظر أن هناك يهوداً إصلاحيين في أمريكا ينتمون الآن إلى الحركة
الصهيونية، ولهم نسبة تمثيل عالية فيها، أي أن هؤلاء حافظوا على الدور المحوري
للعقل، لكنهم عادوا لإعطاء ولاءهم ودعمهم للكيان الصهيوني في فلسطين.
3. اليهودية المحافظة: وهي
تحاول أن تجمع بين اليهودية الأرثوذكسية وبين اليهودية الإصلاحية وقد تزعمها ساباتو
مورياس Morias (1823 - 1901). وسلمون شيختر
Shechter (1830- 1915)، وهي تؤمن بالوحي السماوي لبني إسرائيل،
وتتخذ موقفاً إيجابياً من فكرة العودة وإقامة الدولة اليهودية، كما تؤمن بالبنية
العامة للتقاليد المتوارثة عن الحاخامات، لكنها تحتفظ بحق تفسيرها وتأويلها تبعاً
للمصلحة ومقتضيات العصر. وهي على سبيل المثال تقبل الجمع بين الجنسين في الصلوات،
وأداء جزء من الصلاة بالإنجليزية، وإدخال آلة الآرغن إلى المعبد، والذهاب للكنيس
بالسيارة أو أي وسيلة آلية وهو ما لا تجيزه الأرثوذكسية.
ويرفض المحافظون عقيدة البعث
ويوم القيامة، وهناك مدرسة كبيرة داخل اليهودية المحافظة دشنها مردخاي كابلان
M.Kaplan ترى أن العقيدة اليهودية تعبيرٌ عن الروح
الثابتة للشعب اليهودي، وأنها جزء من الإرث الحضاري العام التي تعد العقيدة أحد
عناصره، شأنها في ذلك شأن اللغة والأدب وسائر الفنون. وبذلك يكون الشعب اليهودي هو
مصدر الدين، ويكون الدين عبارة عن فولكلور قابل للتطور، شرط أن يصدر عن صميم الشعب
اليهودي. وهي صورة تلغي بذلك مفهوم الألوهية وقيمة التشريع الإلهي. وبشكل عام تؤمن
اليهودية الإصلاحية والمحافظة بحق المخلوق في التصرف وفق ما عليه العقل أو مقتضيات
العصر، فيغير ويبدل الشرائع، بل ويسقطها أحياناً، ولذلك فهم لا يلتزمون الوصايا
والنواهي ولا شعائر السبت، إلا الطعام الشرعي وعلى نحو جزئي ومن قبيل الفلوكلور.
وقد أباحت اليهودية المحافظة والإصلاحية ترسيم النساء حاخامات، وأباحتا الشذوذ
الجنسي بين الذكور والإناث، بل ويرسم الشواذ والسحاقيات حاخامات. ويذكر د. المسيري
أن الأغلبية الساحقة من اليهود في العالم هي إثنية أو إصلاحية أو محافظة.
تُرى ما الذي
يجمع بين هؤلاء؟ إنه باختصار شعورهم جميعاً بأنهم يهود!!
إن أولئك الذين يؤمنون
بالتوراة والتلمود وحياً إلهياً، أو أولئك الذين يرونها مجموعة من الخرافات
والأساطير يتفقون في النهاية أنها هي التي شكلت الوعي الجمعي العام لليهود، وكانت
العامل الحاسم في تشكيل معالم حياتهم عبر العصور. وهناك شعور عام لدى اليهود أنهم
فئة خاصة من البشر، لكنهم يختلفون في تفسير ذلك، إن كان بسبب تميزهم الديني واختيار
الله لهم، أو بسبب ما يرونه "إمكانات خاصة وعبقرية"، تميزوا بها عن غيرهم، أو بسبب
حَمْل اليهود أنفسهم لبذور العدواة ضدهم أينما حلُّوا، بحيث كانوا دائماً جسماً
غريباً مرفوضاً من غيرهم. إن هذا الشعور بأنهم فئة خاصة أدى إلى تكريس ظاهرة الخوف
والشك في الآخرين، فضلاً عن الاستعلاء عليهم، مما دفع عامة اليهود إلى التعاون
للحفاظ على أمنهم وتحقيق مصالحهم، من خلال السعي إلى السيطرة على المؤسسات السياسية
والاقتصادية والإعلامية في البلاد التي يعيشون فيها. ولجأوا إلى العمل الهادئ الخفي
لتحقيق هذه المصالح، لأنهم يعلمون أن قلتهم العددية تمنعهم من العمل المكشوف
الصارخ، وقد تثير العداء ضدهم.
اليهود في
القرآن
يلفت نظر قارئ القرآن الكريم
العدد الكبير من الآيات والمساحة الضخمة من المصحف التي تتحدث عن اليهود أو بني
إسرائيل. فالآيات التي تتناول يعقوب (إسرائيل) عليه السلام وأولاده، الأسباط (ومنهم
يوسف عليه السلام)، وموسى عليه السلام وقصته مع فرعون وبني إسرائيل، وكذلك قصص داود
وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، كثيرة جداً. ولعل مجموع هذه الآيات لا
يقل عن نصف القرآن الكريم تقريباً. وفي هذه الآيات الكثير من العبر والعظات
والخبرات والتجارب والدروس التي ينتفع بها المؤمنون في أمورهم الإيمانية والتربوية
والسياسية والخُلقية. كما تكشف الأخلاق والطبائع العامة لليهود، ووسائل التعامل
معهم[7].
وقبل أن نخوض في تفاصيل
أخلاقهم وأوصافهم، فإننا نُنبِّه إلى ما درج عليه العديد من الكتاب المسلمين عند
الحديث عن اليهود بما يفهم منه القارئ أن هذه الصفات والأخلاق هي صفات فطرية أو
"جينية" تولد معهم ويتوارثونها، ولا سبيل إلى تغييرها فيهم، وأنهم كلّهم كذلك.
ويطرحون ذلك بوصفه الفهم الشرعي السليم. ويبدو لنا ـ والله أعلم ـ أن هذا يخالف
الفهم الشرعي السليم، وذلك بناء على النقاط المختصرة التالية:
ـ قوله صلى الله عليه وسلم
«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»[8].
فالأصل أن المولود يولد على فطرة التوحيد، أما الدِّين فيكتسبه من أبويه أو من
محيطه الاجتماعي.
ـ أن الإسلام دعا اليهود
إلى الدخول فيه والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وهي دعوة مفتوحة قائمة إلى يوم
القيامة. قال تعالى مخاطباً بني إسرائيل: ﴿وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً
لِّمَا مَعَكُمْ﴾[9].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى
وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾[10].
وقد دخل في الإسلام عدد من اليهود الذين أصبحوا من كرام الصحابة مثل عبد الله بن
سلام، وأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، ولو كان اليهود "مفطورون" على الكفر وغير
قابلين للتغيير لما دعاهم الإسلام لدعوته، ولما دخل أمثال هؤلاء في دينه، ولجاز
للبعض أن يتهمهم بالنفاق وإخفاء الكفر.
ـ إن الخطاب القرآني لقوم
معينين أو لوصفهم لا يُقصد منه دائماً أنه يشمل الجميع ودون استثناء لأحد. وإنما قد
يشير إلى سلوك عام في فئة معينة قد يكون لها شواذها. كما أن هذا السلوك أو بعض
الصفات قد تختلف من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر. فقد كان سلوك بني إسرائيل مع
موسى عليه السلام مثالاً للجبن والخوف والعجرفة، فلما كتب الله عليهم التيه أربعين
سنة نشأ جيل جديد صلبٌ من بني إسرائيل أنفسهم، هو الذي قاده نبي الله يوشع عليه
السلام وانتصر بهم على أعدائه. وليس كل بني إسرائيل في عهود ما قبل الإسلام كفار
سيئون فقد خرج من بينهم الأنبياء والأولياء والشهداء.
والخطاب القرآني العام ينسب
الفعل إلى من قام به، وإلى من وافق عليه، أو سار على دربه، على أساس الانتماء
للجماعة التي قامت بالفعل. فقد خاطب القرآن يهود المدينة بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ
تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ﴾[11]
مع أنهم لم يقوموا بأنفسهم بقتل أي نبي، وتعدَّد الخطاب لهم باتخاذ العجل: ﴿ثُمَّ
اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾[12]
ورفع جبل الطور فوق رؤوسهم ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾[13]
وغير ذلك. والقرآن هنا لا يحدّد أشخاصاً بعينهم وإنما يخاطبهم بحكم الانتماء إلى
الفئة التي قامت بالفعل ومن سار على دربها.
ويبدو لنا أن الصفات الذميمة
التي ذكرها القرآن في حق اليهود مرتبطة بمدى التزامهم بمجموعة التعاليم المحرفة
المذكورة في التوراة والتلمود، وما رسخ في وعيهم وقلوبهم من تراث وتقاليد تؤكد على
عقلية الاستعلاء والشعب المختار وغير ذلك. وهم يتفاوتون في هذه الصفات حسب إيمانهم
الديني، وتأثيرات البيئة والتراث عليهم. ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما يؤيد هذا
التفاوت فقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْه بِقِنطَارٍ
يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ
إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾[14]
واليهود من أهل الكتاب طبعاً، وهم بالتالي يتفاوتون في درجات الأمانة.
وعلى ذلك، فإن الرؤية
الإسلامية لليهود ليست رؤية منغلقة معادية من زاوية عنصرية، كما فعل الغرب النصراني
أو أوربا بعقائدها العنصرية والقومية والتي أحدثت ما يسمى بـ "العداء للسامية"، وهو
العداء لليهود لمجرد أنهم يهود. فالرؤية الإسلامية رؤية عالمية منفتحة مبنية على
التسامح ومراعاة الحقوق الدينية والمدنية لأتباع الديانات الأخرى. وبالتأكيد، فإن
المسلمين يحبون في الله ويبغضون في الله، ويوالون الله ورسوله، ويبرؤون مما سوى
ذلك. ولكن ذلك لا يمنعهم من العدل، وإعطاء الحقوق، وحفظ الحرمات. ولذلك، وجد اليهود
الأمن والحماية تحت رعاية الدولة الإسلامية، بينما كانوا يعانون من التمييز
والاضطهاد في أوربا وغيرها. غير أن هذا، لا يعني أن نُسِّلم لليهود بأية حقوق في
فلسطين أو أرض الإسلام، وإنهم ـ أو غيرهم ـ عندما يحتلون أرضنا فيجب قتالهم،
واسترداد حقوق المسلمين.
ولا يمنع ما سبق من ملاحظة
أخيرة، هي أن السلوك اليهودي العام ـ كما يشهد الواقع ـ ما زال على عدائه للمسلمين.
وأن الغالبية الساحقة لليهود تؤيد المشروع الصهيوني في فلسطين، واغتصاب أرض
المسلمين. ولا تزال الكثير من المعاني التوراتية المحرفة والتلمودية والتراث
العنصري تؤثر بعمق في تفكيرهم وتعاملهم ونظرتهم للآخرين.
لقد كانت حروب المسلمين طوال
القرون الماضية متركزة على الصراع مع دول أوربا المسيحية الصليبية. ولم ينشغل
المسلمون طوال تاريخهم (بعد العهد النبوي) بحرب اليهود. ولم يفعلوا ذلك إلا بعد ما
جاء اليهود الصهاينة أنفسهم غاصبين محتلين لأرض المسلمين. إن سماحة الإسلام
وإنسانيته جعلت رسول الله r يقف من مجلسه عندما مرّت به
جنازة يهودي، وعندما ذكر له أنها جنازة يهودي، قال: «أليست نفساً»؟![15]
وقد عاقب عليه السلام بني قينقاع والنضير وقريظة ويهود خيبر على ما اقترفوه بحق
الإسلام والمسلمين. لكن ظلَّت لليهود من أهل الذمة أحكامهم وحقوقهم الدينية
والمدنية الكاملة. وتوفي عليه السلام ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير
أخذها عليه السلام رزقاً لعياله[16].
وعلى أي حال، فإن سوء الفهم
الذي ذكرناه ناتج عن حالة "التعميم" التي يتعامل بها بعض العلماء والمفكرون عندما
يتحدثون عن اليهود وبني إسرائيل. أي أنهم يتعاملون مع الظاهرة العامة أو الغالبة
على اليهود كما يحاول أي باحث عندما يصف المظاهر العامة لقوم أو حزب أو طائفة من
الناس، فيوصف العرب مثلاً بالكرم، ويوصف الإنجليز بالدهاء، واليابانيون بالجد
والمثابرة، وهكذا. وعندما تتم مراجعة هؤلاء العلماء فإنك تجدهم يفرقون تماماً بين
اليهود بوصفهم أهل كتاب وذمة وبين اليهود المعتدين الغاصبين، كما يفرقون بين أنبياء
بني إسرائيل وصالحيهم، وبين من أصرُّوا على الكفر. وإنما لجأنا للإشارة إلى هذا
الأمر هنا لكثرة ما أخذت تردده الدعاية الصهيونية ـ الغربية من اتهام الإسلام
والمسلمين "باللاسامية" والعنصرية وفق التعريفات الغربية لهذه المعاني.
أما نظرة
القرآن الكريم لليهود فيمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: اليهود أو بنو إسرائيل
قبل الإسلام صنفان: صنف مؤمنون صالحون وصنف ظالمون عصاة فاسقون. وقد مدح القرآن
مؤمنيهم كما ذمّ فاسقيم. ولا يتعامل القرآن مع بني إسرائيل أو اليهود بوصفهم جنساً
أو قوماً، يُقبل بأكمله أو يُرفض بأكملة، وإنما باعتبارهم أفراداً ينتمون إما إلى
معسكر الإيمان أو معسكر الكفر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي
إِسْرَائِيلَ . وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا
صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[17].
وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ
طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا .
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ
بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . لَّكِنِ
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾[18].
ثانياً: إن الظاهرة الغالبة
على بني إسرائيل السابقين كانت الكفر والعصيان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ
لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ
مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾[19].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ
الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[20].
وقال تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ
يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾[21].
وقال تعالى: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾[22].
ثالثاً: ذمَّ الله سبحانه
عدداً من سلوكيات وأخلاق تلك الفئة الغالبة من اليهود، وكشف العديد من صفاتها حتى
يتنبه المؤمنون في التعامل معها:
1. شدة العداوة للمؤمنين
وبغضهم: قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ
الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾[23].
وقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي
صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ .
هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ
بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ
عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ
اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[24].
وقال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ﴾[25].
2. قتل الأنبياء والرسل: قال
تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ
رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا
كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾[26].
وقال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾[27].
3. تحريف التوراة وتزييف كلام
الله والافتراء عليه: قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ
كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن
بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[28].
وقال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾[29].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[30].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾[31].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾[32].
4. اتخاذ الآلهة والوقوع في
الشرك: فقد عبدوا العجل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ
لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾[33].
وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا
كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾[34].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ
وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ﴾[35].
5. نشر الفتنة والفساد: قال
تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ
فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[36].
6. الغيرة والحسد وعدم حب
الخير للمؤمنين: قال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن
تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾[37].
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن
بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾[38].
7. نقض المواثيق والعهود: قال
تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ
اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ
الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾[39].
وقال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾[40].
وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾[41].
8. الاستهزاء بالدين وشعائره:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ
اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن
قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء﴾[42].
9. أكل الربا والمال الحرام:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[43].
وقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾[44].
10. قسوة القلوب: قال تعالى:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾[45].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾[46].
11. الجبن وحب الحياة: قال
تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾[47].
وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن
نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ ... ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن
نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا
إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[48].
وقال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ
مِن وَرَاء جُدُرٍ﴾[49].
12. وحدتهم ظاهرية وحقيقتهم
اختلاف: قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾[50].
13.الذلة والمسكنة: قال تعالى:
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ
اللَّهِ﴾[51].
قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ
مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾[52].
رابعاً: نبه الله سبحانه إلى
أن الصراع مع اليهود مستمر وأن عدواتهم دائمة: قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾[53].
وقال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾[54].
خامساً: أشار سبحانه إلى
مرحلتين من علو بني إسرائيل في الأرض كما في فواتح سورة الإسراء يرافقه فساد كبير.
قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ
فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[55].
سادساً: ذكر الله سبحانه أن
ضرراً وأذى سيصيب المؤمنين بسبب كيد هؤلاء اليهود وعلوهم، ولكنه ضررٌ عارض سينتهي
بالتزام المؤمنين بدينهم وتحقيق وعد الله سبحانه لهم بالنصر. قال تعالى: ﴿لَن
يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ
لاَ يُنصَرُونَ﴾[56].
وخاطب سبحانه بني إسرائيل مخبراً لهم عما سيفعله المؤمنون بهم ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ
الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾[57].
وهناك رأيان لهما وجاهتهما في
فهم العلو اليهودي الحالي إن كان هو العلو الأول أو الثاني. فيرى كثيرون أن العلو
الحالي هو العلو الثاني، لكن يختلفون في العلو الأول، فيرى بعضهم أنه كان في أثناء
دولة بني إسرائيل في فلسطين، التي قضى عليها الأشوريون والبابليون (قُضي على مملكة
إسرائيل سنة 722ق.م على يد الملك الأشوري سرجون الثاني، وقضي على مملكة يهودا سنة
586ق.م على يد الملك البابلي نبوخذ نصر). ويرى آخرون أن العلو اليهودي الأول كان في
عهد النبي r عندما قُضي عليهم في المدينة وخيبر. وهناك
من يرى أن العلو اليهودي الحالي هو العلو الأول مدللين أن علو بني إسرائيل أيام
داود وسليمان عليهما السلام لم يكن فساداً ولا إفساداً، وبعد ذلك كان شأن اليهود
ضعيفاً غير مؤثر بين الحضارات والأمم سواء عندما استمرت مملكتهم أو حكمهم الذاتي في
فلسطين، أو حتى في العهد النبوي إذ كان شأنهم ضئيلاً مقارنة بفارس والروم وغيرها،
وإن تحقق فيه فساد إلا أنه لم يشمل الأرض. أما الآن فيرون أن فسادهم وإفسادهم يشمل
الأرض كلها، من خلال قوتهم ونفوذهم الدولي، وتأثيرهم في مراكز القرار في أقوى دول
العالم.
جذور ظهور
المشروع الصهيوني
لقد بدأت معالم مشروع إنشاء
الدولة اليهودية على أرض فلسطين بالاتضاح وفق برنامج ورؤية محددة عندما أنشأ اليهود
بقيادة ثيودور هرتزل المنظمة الصهيونية العالمية في بال بسويسرا، في 27-29 أغسطس
لعام 1897، حيث انعقد مؤتمرها الأول، وقرر العمل على إنشاء هذه الدولة.
تُرى؟ ما الذي جعل اليهود
ينتبهون لأنفسهم فجأة، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ليبدءوا السعي لإنشاء
كيانهم الغاصب في فلسطين؟ ما الذي دفعهم إلى العمل السياسي المبرمج بعد أن انقطعت
صلتهم عملياً بفلسطين منذ سنة 132م، أي قبل ذلك بألف و 800 عام تقريباً؟، ولم يبق
من الذكرى سوى تاريخ مضطرب مشوش إلى جانب الشعوب والحضارات العظيمة التي حكمت
المنطقة، ولم يسكن هذه الأرض قبلهم سوى أقلية قليلة لا يؤبه لها عاشت كغيرها من
الطوائف في ظل التسامح الإسلامي. بل، وما الذي يدفع يهود الخزر "الأشكناز"، وهم 80%
من يهود العالم في عصرنا، إلى التفكير في فلسطين دولة ووطناً، وهم لا يرتبطون بها
تاريخياً على الإطلاق، فلا هم من أحفاد بني إسرائيل القدامى، ولا هم سكنوا هذه
الأرض أو استوطنوها قبل ذلك أبداً؟!وذلك حسبما تشير دراسات عدد من الباحثين اليهود
أنفسهم أمثال آرثر كوستلر وغيرهم. ويبرز تساؤل آخر عن كيفية تحول عقلية اليهود الذي
كانوا يؤمنون طوال الفترة الماضية أنهم استحقوا الشتات بسبب خطاياهم، وأن عليهم
انتظار قدوم المسيح الخاص بهم "الماشيح"، أو "المسيا"، وعند ذلك يجوز لهم الذهاب
والاستقرار في فلسطين لإقامة كيانهم؟
إنه لا يمكن توضيح كل ذلك إلا
بفهم عدد من التحولات الهامة التي حدثت في التاريخ الأوروبي الحديث خصوصاً منذ مطلع
القرن السادس عشر الميلادي، وكان أبرزها:
1. ظهور البروتستانتية
وانتشار "الصهيونية غير اليهودية"[58]:
فقد أحدثت البروتستانتية بوصفها حركة إصلاح ديني بعثاً للفكر العبري اليهودي، عندما
ركزت على الإيمان بالعهد القديم "التوراة"، والإيمان بأن اليهود سيُجمعون في فلسطين
من جديد للإعداد لعودة المسيح المنتظر، الذي سيقوم بتنصيرهم، وبالتالي يبدأ عهد
يمتد لألف سنة من السعادة.
وقد تطور الاهتمام بالتوراة
بين البروتستانت (الذين شكلوا أغلبية السكان في بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا
ونصف سكان ألمانيا. . )، باعتبارها كلمة الله والمرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد. ومن
خلال قراءتهم للتوراة التي طبعت ونشرت بكل اللغات الأوروبية ارتبطت فلسطين في
الأذهان بكونها "أرض الشعب المختار "اليهود"، وأصبح اليهود بالنسبة إليهم هم "
الفلسطينيون" الغرباء الموجودون في أوروبا؟!، وفي سنة 1621 ظهر أول كتاب معروف في
بريطانيا حول توطين اليهود في فلسطين لمؤلفه البريطاني السير هنري فنش، H.
Finch بعنوان البعث العالمي الكبير أو عودة اليهود.
وقد تكرس هذا الأمر في عقائد
الأوروبيين وفكرهم وأدبهم وفنهم، وظهر في كتابات مشاهيرهم أمثال: مارتن لوثر
M. Luther ( 1483- 1546)، وإسحاق نيوتن I. Newton
(1643- 1727)، وجان جاك روسو J. Rousseau (1712-1778)،
وبريستلي J. Priestly (1733- 1804)، وغيرهم. وهذا أصبحت
فكرة ضرورة إعادة فلسطين لما يسمى أصحابها "اليهود" شائعة.
وقد ظهرت انعكاسات هذه الفكرة
(فضلاً عن الروح الصليبية)، في أذهان القادة البريطانيين السياسيين والعسكريين
الذين تولوا احتلال فلسطين 1917- 1918، وإعطاء وعد لليهود بإقامة وطن قومي لهم في
فلسطين من أمثال رئيس الوزراء لويد جورج، وملك بريطانيا جورج الخامس وقائد القوات
البريطانية التي احتلت فلسطين اللنبي، وعَدَّت شخصيات بريطانية نفسها بمثابة
"الأداة التي أرسلها الرب لتحقيق الوعد وإرجاع الأرض المقدسة إلى بني إسرائيل".
وهذا ما يعرف بالصهيونية غير
اليهودية، حيث وجدت الفكرة الصهيونية أرضاً خصبة وبيئة مناسبة واستعداداً شعبياً
وسط مسيحيي أوروبا خصوصاً البروتستانت لقبولها ونموها وتحققها.
2. التغيرات السياسية في
أنظمة الحكم الأوروبية: خدمت الثورةُ الفرنسية (ضد الحكم الملكي سنة 1789) اليهودَ
بشكل مباشر وغير مباشر. فقد أخذت تتغير طريقة تعامل أنظمة الحكم الأوروبي مع اليهود
الذين كانوا يُعاملون باستحقار أو كفئة من الدرجة الثانية، ويسكنون في أحياء خاصة
بهم "جيتو". فشهد القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية والوسطى عملية "تحرير"
لليهود، وتحطيم أنظمة الجيتو، ومعاملة اليهود كمواطنين كاملي الأهلية و الحقوق بشكل
مساو للآخرين. وانعكس ذلك إيجاباً على قدرة اليهود في اختراق هذه المجتمعات، وتحسين
مكانتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وتأثر اليهود منذ أواخر القرن
الثامن عشر بما يعرف بحركة الاستنارة "الهسكلا"، في أوساطهم. وكان أبرز مُنظِّريها
موسى مندلسون M. Mendelssohn (1726- 1786)، وهوفيلسوف
يهودي ألماني. وقد دعت هذه الحركة إلى أن يحاول اليهود الحصول على حقوقهم المدنية
كاملة عن طريق الاندماج في المجتمعات التي يعيشون في وسطها، ويكون الولاء للبلاد
التي ينتمون إليها وليس "لقوميتهم الدينية". ويرون أن ذلك ممكن بفصل الدين اليهودي
عن القومية اليهودية، حتى تتلاءم مع الأنظمة العلمانية في أوروبا. وقد استمرت هذه
الحركة قوية حتى 1880، وأسهمت من جهتها في إنهاء أنظمة الجيتو، والانعزالية
اليهودية، والاستفادة من الإمكانات الأوروبية المتاحة، وزيادة النفوذ اليهودي[59].
وفوق ذلك فقد تمكن اليهود من
خلال سيطرتهم على المنظمات الماسونية من ضمان قدر أكبر من النفوذ على رجال السياسة
والاقتصاد والإعلام في عدد من البلدان مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. بل
وتمكن يهود الدونمة من اختراق المؤسسات العثمانية والسيطرة على حزب الاتحاد والترقي
الذي قام بإسقاط السلطان عبد الحميد الثاني، وتسبب بشكل كبير في إنهاء الطابع
الإسلامي للدولة العثمانية، بل وإلغاء الخلافة نفسها فيما بعد.
3. انتشار الظاهرة القومية
في أوروبا: فقد انتشرت الحركات القومية في أوروبا وأصبح كل مجتمع أوروبي يؤكد على
قوميته الخاصة ويبرز مزاياها، واختلافها عن الآخرين، فتوحَّد الألمان تحت زعامة
بسمارك، وتوحَّد الإيطاليون تحت زعامة كافور، وركزت القوميات الألمانية والسلافية
(الروسية خصوصاً) على الروابط العضوية، وكانت ترى تميّزها عن غيرها والاختلافات -
وليس المساواة - مسألة جوهرية، وبالتالي صنف اليهود في ألمانيا والمناطق السلافية
في أوروبا الشرقية وروسيا على أنهم "أغيار" غرباء مما منع من فرص اندماجهم. وقد زاد
من تفاقم الوضع تضاعف أعداد السكان اليهود خصوصاً في أوروبا الشرقية (بولندا
بالذات)، بشكل طرح مشكلة الفائض السكاني اليهودي وإمكانية استيعابه. وقد خدمت
الظاهرة القومية في أوروبا الفكرة الصهيونية في اتجاهين
الأول: أن اليهود أنفسهم أخذوا
يتساءلون عن كيفية تحقيق هويتهم القومية، ووجدوا أن هذا غير ممكن ما لم يتجمعوا من
شتاتهم على أرض محددة "فلسطين"، حتى تكتمل مواصفات دولتهم القومية، لأنهم وضعهم في
أوروبا هو وضع "شعب بلا أرض".
الثاني: أسهمت ظاهرة القومية
في فشل حركة الهسكلا "التنوير" أو الاندماج في أوروبا الشرقية، مما شجع اليهود على
البحث عن بدائل أخرى، سواء بالانكفاء على الذات وانتظار المخلص "المسيح المنتظر"،
أو المشاركة في الحركات الثورية في سبيل تغيير الأوضاع، أو بالهجرة إلى أوروبا
الغربية وأمريكا، أو بالسعي لتحقيق قوميتهم الخاصة.
4. ظهور "اللاسامية" ونشوء
المشكلة اليهودية: وهي مرتبطة بالنقطة السابقة، إذ إن الوضع في روسيا أسهم بشكل
أساسي في تفجير المشكلة اليهودية ، فلم يتفاعل يهود روسيا كثيراً مع حركة التنوير
"الهسكلا"، وقاوموا عمليات الدمج والتحديث الروسية التي تميزت بالفوقية، والتي نفذت
عن طريق القسر والإرهاب، والتي لم تعتمد المساواة أساساً لإنهاء انعزالية اليهود
وحياة الجيتو. ثم إن الطبيعة اليهودية المحافظة المتشككة أسهمت في تفاقم الوضع
هناك. كما أن مشاركة اليهود بفاعلية في قيادة الحركات الثورية اليسارية زادت من
عداء السلطات القيصرية الملكية الروسية ضدهم، وانفجرت العداوة ضدهم بشكل مكشوف إثر
اغتيال قيصر روسيا الكسندر الثاني سنة 1881، والتي اتهم فيها اليهود. فبدأت موجة من
الإجراءات العديدة القاسية ضد اليهود سميت اللاسامية، أي توجيه العداء لليهود
لكونهم ينتمون إلى العرق السامي، وصاحب هذه الإجراءات أحياناً أحداث دموية، مثل
مذابح كيشينيف، ومن أمثلة القوانين التي أخذت تصدر تباعاً: حق السكان الروس في طرد
اليهود من قراهم، واليهودي الذي يغادر قريته لا يسمح له بالعودة، ومنع تشغيل اليهود
في المناطق الريفية، واليهودي الذي يهجر مهنته للعمل في التجارة يسقط حق إقامته في
روسيا، وتحريم إقامة اليهود في موسكو، وحرمان اليهود من حق الانتخاب والترشيح
لمجالس البلديات. وقد أدى كل ذلك إلى ظهور ما يعرف بـ" المشكلة اليهودية"، إذ إن
ملايين اليهود أصبحوا يبحثون عن فرصة للخلاص مما هم فيه، كما تمكنوا من تحويل عواطف
يهود أوروبا الغربية وأمريكا نحوهم، وبدأت أعداد هائلة من اليهود في الهجرة إلى
أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والجنوبية[60].
وبلغ عدد اليهود الذين تركوا
بلدانهم الأصلية (خصوصاً روسيا وأوروبا الشرقية)، خلال الفترات 1881- 1914، نحو
مليونين و 367 ألفاً، تمكن 28 ألفاً منهم من النفاذ إلى فلسطين، رغم الإجراءات
العثمانية لكبح هجرتهم[61].
ووجدت الحركة الصهيونية في هذه الأجواء فرصة خصبة للعمل بالدعوة إلى أنه لا يمكن حل
مشكلة اليهود بمجرد الهروب منها (الهجرة)، و لكن الحل الجذري يكمن في إقامة كيان
آمن مستقل يحكمه اليهود أنفسهم، و أيدت أوروبا الغربية هذه الفكرة تخفيفاً من عبء
الهجرة اليهودية إلى أرضها، واستجابة لعواطفها الدينية البروتستانتية، وتحقيقاً
لأهداف سياسية واستراتيجية أخرى.
وعلى ذلك فإن العداء لليهود في
أوروبا أسهم بشكل لا يقل عن العواطف المؤيدة لليهود في تأسيس الحركة الصهيونية،
لأنه أوجد مشكلة فعلية يجب السعي مباشرة وبسرعة لحلها، وقد تمكن اليهود من استثمار
ذلك بشكل كبير، وكان على أهل فلسطين والعالم الإسلامية أن يدفعوا فاتورة مشاكل
اليهود ومعاناتهم في أوروبا؟!!
5. بروز العوامل
الاستراتيجية والسياسية: كان نابليون بونابرت N. Bonaparte
(1769- 1821) أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين
سنة 1799، وذلك في أثناء حملته المشهورة على مصر، وبمناسبة هجومه على فلسطين وحصار
عكا. ورغم أن نص البيان الذي أصدره لليهود تهيمن عليه الروح الدينية، إلا أن بعض
الباحثين يرون أن ذلك كان ينسجم مع اهتمامه السياسي في الاستفادة من اليهود في خططه
الاستعمارية[62].
وقد فتحت حملة نابليون على مصر وفلسطين عيون بريطانيا على المنطقة فافتتحت قنصلية
لها في القدس، كلفتها بتوفير الحماية لليهود بشكل عام وليس لليهود البريطانيين فقط[63].
وعندما تمكنت بريطانيا من السيطرة على قبرص 1878 وعلى مصر 1882 أصبحت الدولة
الاستعمارية الوحيدة التي لها قواعد في شرق البحر المتوسط، وكان لقناة السويس أهمية
كبرى كشريان حيوي للمواصلات البريطانية مع مستعمراتها في الهند وجنوب شرق آسيا
وغيرها، وخشية من بروز خطر إسلامي على هذه المصالح أو قدوم أي استعمار منافس
(فرنسي، ألماني، روسي..) إلى المنطقة، ظهرت أهمية احتلال فلسطين لتأمين الجناح
الشرقي لقناة السويس وقد أشار إلى الجانب الاستراتيجي عدد من قادتهم ومفكريهم
وكتابهم، من أمثال كتشنر، وكيرزون، ولويد جورج، وثومبسون[64].
6. فكرة الدولة الحاجزة
وإضعاف العالم الإسلامي وإبقائه مفككاً: وهي مرتبطة بالنقطة السابقة لما لهذا الأمر
من أهمية استراتيجية كبرى لدى الدوائر الغربية، لكننا وضعناها في نقطة منفصلة لأن
لها أبعاداً دينية وتاريخية وحضارية.
فقد عاش العالم الإسلامي
وأوروبا المسيحية ثلاثة عشر قرناً من الصراع والتنافس والحروب، سواء كان ذلك على
الجبهة الإسلامية البيزنطية، أو الحروب الصليبية، أو الصراع على الأندلس (إسبانيا
والبرتغال)، أو الصراع العثماني الأوروبي، وبشكل عام كانت الكفة راجحة بأيدي
المسلمين طوال أحد عشر قرناً، وكان الأوروبيون لا يكادون يفرحون بسقوط دولة مسلمة
إلا وتظهر مكانها دولة أشد قوة، وما كانوا يسددون ضربة للعالم الإسلامي، إلا ويجدون
أن المسلمين يستوعبون الصدمة ويقومون بحيوية متميزة برد الصاع صاعين وتحقيق نجاحات
أكبر. فما أن انتهت دولة الراشدين التي فتحت الشام ومصر وأرمينيا من أيدي النصارى،
حتى قامت الدولة الأموية التي فتحت شمال إفريقيا والأندلس وجنوب فرنسا. وبعد قيام
الدولة العباسية تم فتح صقلية، واستوعب المسلمون صدمة الحروب الصليبية فقامت الدول
النورية والأيوبية والمملوكية بتدمير الصليبيين ودحرهم. وجاء العثمانيون ليفتحوا
آسيا الصغرى (الأناضول) والقسطنطينية، وليسقطوا الامبراطورية البيزنطية، ويفتحوا
بلاد شرق أوروبا مما بدا رداً عملياً على سقوط الأندلس، وإبرازاً للحيوية الإسلامية
المتدفقة، والتي ظلت على أَلَقها وريادتها حتى القرن الثامن عشر.
لقد كان هناك دائماً دولة
للمسلمين تكون القوة الأولى في العالم، أو أحد القوى الكبرى على الأقل، ويبدو أن
الضعف العثماني وتفكك قوة المسلمين وتأخرهم الحضاري، خصوصاً في القرن التاسع عشر،
قد أعطى الغرب الأوروبي المثقل برصيد تاريخي من الخصومة والعداء فرصةً ذهبية لا
تعوض، فكان السؤال البارز هو كيفية ضمان ألا تظهر قوة إسلامية كبرى تحل مكان الدولة
العثمانية حال سقوطها، وتهدد من جديد مصالح الغرب ومطامعه؟؟، ولذلك كانت هناك فكرة
الدولة الحاجزة التي تغرس في قلب العالم الإسلامي وعند نقطة اتصال جناح العالم
الإسلامي في آسيا بجناح العالم الإسلامي في إفريقيا، بحيث يفصل بينهما كيان غريب
معاد يمنع أي وحدة أو نهضة إسلامية محتملة، ويكون رأس رمح لضرب أي نمو حضاري قوي في
المنطقة. أو على الأقل فإنه سيشغل العالم الإسلامي بمشكلة طويلة معقدة تستنـزف
طاقاته وجهوده وتبقيه إلى أبعد مدى ممكن في فلك التبعية والضعف و الحاجة للعالم
الغربي. وكما سيكون الغرب بحاجة ماسة لهذا الكيان لخدمة هذه الأهداف، فإن هذا
الكيان سيكون بدوره بحاجة ماسة للغرب لضمان وجوده ونموه واستمراره، مما يوجد علاقة
تحالف استراتيجي راسخ بين الطرفين يكون شعارها ضمان ضعف وتفكك وتخلف العالم
الإسلامي.
وقد تكرست فكرة الدولة الحاجزة
في توصية مؤتمر لندن الاستعماري الذي عقد سراً في لندن خلال الفترة 1905- 1907،
بدعوة من حزب المحافظين البريطاني واشتركت فيه مجموعة من كبار علماء التاريخ،
والاجتماع والجغرافيا، والزراعة والبترول والاقتصاد، وناقش سبل تحقيق المصالح
الغربية والهيمنة على المنطقة الإسلامية وغيرها. ورفع المؤتمر توصياته إلى رئيس
الوزراء البريطاني آنذاك (كامبل بنرمان C. Bannerman)
وقد أكد فيها أن إقامة حاجز بشري قوي وغريب في منطقة شرقي البحر المتوسط وعلى مقربة
من قناة السويس، قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها، هو
التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة[65].
وقد أدركت الحركة الصهيونية أن
مشروعها في إنشاء دولة يهودية في فلسطين لن يكتب له النجاح إلا برعاية دولة كبرى
وحمايتها، ولذلك عرضت مشروعها هذا في ضوء المصالح التي يمكن أن تجنيها القوى
الاستعمارية الكبرى، وهو ما أكده رئيس المنظمة الصهيونية العالمية هرتزل لوزير
المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلن عندما التقاه سنة 1902 وقال له إن قاعدتنا يجب
أن تكون في فلسطين، والتي يمكن أن تكون "دولة حاجزة" بحيث تؤمن المصالح البريطانية[66].
وهكذا، فإن تضافر العوامل
السابقة مجتمعة هيأ الظروف المناسبة لبدء المشروع الصهيوني وإكسابه طبيعة عملية
لينشأ بعد ذلك ما يعرف بـ"القضية الفلسطينية".
المنظمة
الصهيونية العالمية
الصهيونية هي حركة سياسية تسعى
لحل المشكلة اليهودية عن طريق ما يسمى "إعادة" توطين اليهود في فلسطين "أرض
الميعاد"، وإنشاء الدولة اليهودية فيها[67].
وحسب مصطلحات الصهاينة أنفسهم فإنها "حركة وطنية لإعادة الشعب اليهودي إلى وطنه،
واستئناف السيادة اليهودية على أرض إسرائيل. وإن اليهود من كل الاتجاهات يميناً
ويساراً، متدينين وعلمانيين تجمعوا لتشكيل الحركة الصهيونية وعملوا معاً لتحقيق
أهدافها"[68].
ويحمل التعريف الصهيوني للحركة
الصهيونية الكثير من التضليل، فهي لا تنطبق عليها مفاهيم الحركات الوطنية التي تنبع
وسط شعب موجود في أرض معينة ويواجه تحديات داخلية أو خارجية. كما أن لفظة الشعب
اليهودي تحمل تضليلاً كبيراً، فاليهود بتشكيلهم الحالي ينتمون إلى عرقيات وقوميات
مختلفة، وأغلبيتهم الساحقة من يهود الخزر الذين يعودون إلى قبائل تركية تترية
قديمة، فضلاً عن يهود العرب والفلاشا السود وغيرهم والتضليل نفسه ينطبق على مصطلح
"أرض إسرائيل" الذي يلغي نحو أربعة آلاف عام من التاريخ المعلوم،لم تكن فيه الأرض
تعرف بهذا الاسم، ولم تكن تحت سيادة اليهود، وإذا ما أراد اليهود الخزر العودة إلى
أوطانهم، فلربما كان الأولى بهم التحدث عن مناطق شمال القوقاز بين البحر الأسود
وبحر قزوين.
وعلى أي حال، فإن كلمة صهيونية
قد تحولت إلى مصطلح سياسي على يد الكاتب النمساوي ناثان برنباوم N.Brinbaum
(1864- 1937) ليعبر عن تحول النـزعات والتطلعات الدينية
اليهودية التقليدية - التي بدأت في الظهور منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي -
إلى حركة سياسية[69].
وقد كان ذلك سنة 1893 عندما نشر كتابه باللغة الألمانية:" الإحياء القومي للشعب
اليهودي في وطنه بوصفه وسيلة لحل المشكلة اليهودية"، ويُرجع آخرون هذا المصطلح إلى
برنباوم نفسه عندما استخدم اللفظة لأول مرة في مقال كتبه سنة 1886 بعنوان التحرر
الذاتي Selbest – Emanzipation.[70]
مفكرو
الصهيونية وروادها الأوائل:
انقطع آخر تواجد لليهود على
جزء من أرض فلسطين يحتمل صبغة سياسية في سنة 135م، ومنذ ذلك الوقت ا حتفظ متدينو
اليهود بنوع من الصلة والأشواق الروحية، التي لم تكن تعبر عن نفسها بأكثر من
الزيارة أو الهجرة الفردية، مستفيدة من سماحة الإسلام والحكم الإسلامي، الذي بدأ
سنة 636م، ودون أن تمثل إطلاقاً مشروعاً سياسياً، أو أدنى خطر على هوية الأرض
وسكانها المسلمين.
وكان شبتاي زفي
Shabbetai Tzvi (1626 - 1676)، الذي ولد في أزمير في تركيا وعاش
في رحاب الدولة العثمانية، وادعى أنه المسيح الذي ينتظره اليهود، من أوائل من دعا
إلى تجديد الهيكل في القدس، وإلى تحطيم قيود الذل والانحطاط واحتلال المركز اللائق
بين أمم العالم، وتكوين لجنة تمثل اليهود في 15 بلداً، وتتخذ القرارات لتنفيذ هذا
المشروع، بحيث يكون واجباً على اليهود جميعاً قبولها والخضوع لها، ودعا إلى أن يتم
ذلك بالتنسيق مع فرنسا، أما الأرض التي دعا إلى استعادتها فهي فلسطين وإقليم الوجه
البحري من مصر. ودعا اليهود " ألا يدخروا وسيلة أو تضحية في سبيل الوصول إلى هذه
الغاية، أي الرجوع إلى بلادنا حيث يمكن أن نعيش في ظل شرائعنا الخاصة". غير أن
الدولة العثمانية سجنته فأعلن إسلامه لكنه ظل على وفائه ليهوديته[71].
أما الحاخام يهودا القالي
(القلعي) Alkalai ( 1798 - 1878) المولود في سراييفو
(عاصمة البوسنة)، فقد تصور في سنة 1843 أن الحل العملي "لاسترجاع" الأرض المقدسة هو
في الدعوة لعقد جمعية عامة كبرى لليهود، وإقامة صندوق قومي لشراء الأراضي وإقامة
صندوق مماثل لجباية الضرائب من اليهود. كما دعا إلى "عودة" اليهود كلهم، ولكن بشكل
تدريجي متأن حتى يتم إعداد الأرض وتحضيرها، وهي الآراء التي تبنتها ونفذتها الحركة
الصهيونية فيما بعد. كما دعا القالي إلى تشكيل مجلس للحكماء يكون باستطاعته فرض
طاعته واحترامه على اليهود[72].
وكان الحاخام زفي هيرش كاليشر
Zevi H. Kalischer (1795-1874) الذي عاش في بروسيا
(ألمانيا سابقاً) أحد رواد الصهيونية الكبار، قضى معظم حياته في تورن في بولندا،
وفي عام 1862 نشر كتابه "البحث عن صهيون" Drishot Tziyon
وكان أول كتاب يظهر في شرق أوروبا يتحدث عن الاستيطان الزراعي اليهودي في فلسطين.
وقد أكد فيه أن بداية الخلاص اليهودي هي بالجهد الإنساني، وكسب موافقة الأمم على
جمع اليهود في الأرض المقدسة، وأن العمل في الأرض المقدسة هو جهد مقدس، وقد حث على
الاستيطان في فلسطين وإقامة منظمة تتولى ذلك[73].
أما موزس هس Moses Hess
(1812 ـ 1875) فهو ألماني بدأ حياته يسارياً اشتراكياً مقرباً من كارل ماركس، غير
أن فشل ثورة 1848 في ألمانيا وتأثره بالفكر القومي الإيطالي دفعه إلى نشر كتابه
"روما والقدس" Rome and Jerusalem the last National Question
سنة 1862. ويعدّه بعض الكُتّاب واضع الأساس الفلسفي للصهيونية، وهو يتساءل إذا كان
للإيطاليين وطنيتهم فلماذا لا يكون ذلك لليهود، وإذا كان عدلاً تحرير روما فلماذا
لا يكون ذلك للقدس. وهو يؤمن أن لكل شعب معناه الروحي ومهمته في التاريخ، وهو يرى
أن اليهود لا يستطيعون تحقيق رسالتهم إلا من خلال نهضة قومية على قطعة أرض، وعليهم
أن يحققوا ذلك على "أرض الميعاد"[74].
ومن رواد الصهيونية الكبار
الروسي البولندي[75]
ليو بنسكر Judah Leib (Leon) Pinsker (1821-1891) مؤسس
وزعيم حركة أحباء صهيون Hibbat Zion، أصدر كتابه "التحرر
الذاتي" بالألمانية Autoemanzipation، حيث دعا إلى إيجاد
قومية يهودية تتيح لهم العيش على أرض واحدة محددة، كما دعا إلى إقامة منظمة مركزية،
أو شركة مساهمة لشراء الأراضي[76].
ويعد ثيودور هرتزل
Benjamin Ziv (Theodor) Herzl، (1860- 1904) والد الحركة
الصهيونية ومؤسسها الفعلي، وهو يهودي مجري نمساوي[77]،
ولد في بودابست، وقد بدأ حياته اندماجياً (أي مؤيداً لحركة الاستنارة "الهسكلا"،
وعمل في الصحافة، لكنه تحول للصهيونية عام 1894. وفي فبراير 1896 نشر كتابه "الدولة
اليهودية" باللغة الألمانية Der Judenstaat، ونظر
للمسألة اليهودية بوصفها مسألة قومية، ودعا إلى إقامة جمعية لليهود وشركة يهودية،
ورأى أن إنشاء الدولة اليهودية هو الجواب الحقيقي لمشكلة "اللاسامية" والعداء ضد
اليهود، غير أن شخصية هرتزل الديناميكية العملية جعلته ينطلق لتحقيق ما كتبه على
أرض الواقع، فكان إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية[78].
وبالطبع فهناك مفكرون ورواد
صهاينة آخرون لا مجال للحديث عنهم من أمثال: آحاد هاعام (آشر جينـزبرغ)، (1856-
1927)، Ahad Ha’am، وأهارون ديفيد جوردن A.
Gordan (1856- 1922)، وليلينبلوم Y. Lilienblum،
وسمولنسكين P. Smolenskin (1842- 1885).
وتعد جمعيات أحباء صهيون أحد
الإرهاصات السياسية التي وفرت قواعد عريضة ومتينة للمنظمة الصهيونية العالمية في
شرق أوروبا خاصة. وقد بادر لتأسيس أول جمعية لأحباء صهيون الحاخام صموئيل موهيليفر
(1824 - 1898) سنة 1882 ثم توالت فروعها في الانتشار، و التفت حول المفكر الصهيوني
ليو بنسكر وانتخبته في مؤتمرها الأول عام 1884 رئيساً لها. وتجلى عملها في دعم حركة
الاستيطان اليهودي في فلسطين وتشجيع الهجرة وإقامة المستوطنات، وتمكنت من تحقيق
موجة الهجرة الأولى في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، وإنشاء المستعمرات
الصهيونية الأولى في فلسطين، أمثال بتاح تكفا، وريشيون لازيون، وروش بيناه، وزخرون
يعقوب، والجديرة. وكان معظم هؤلاء المهاجرين اليهود من روسيا وبولندة، غير أن هذه
الجمعيات التي غلب عليها الطابع الديني لم تفلح في تشكيل منظمة عالمية متماسكة، لكن
260 فرعاً لها انضمت للمنظمة الصهيونية العالمية عند إنشائها مما شكل عنصر إثراء
كبير ودفعة هائلة للمشروع الصهيوني[79].
إنشاء المنظمة
الصهيونية العالمية:
لم يضف هرتزل كثيراً إلى
أطروحات أحباء صهيون لكنه تجاوزهم وتفوق عليهم تنظيمياً، وعَدَّ منذ البداية منظمته
"دولة على الطريق"، وتصرف كرؤساء الدول والحكومات، واختلف عن أحباء صهيون في أنه
رفض فكرة أن المشروع الصهيوني من خلال عملية متقطعة لإنشاء المستعمرات، وإنما عبر
استقلال سياسي كامل لهذه العملية أي بوجود هيئة تمثيلية سياسية لليهود، ثم إنه ربط
نجاح المشروع بوجود دعم وحماية من القوى الكبرى أو أحدها، وهو ما يعرف بالصهيونية
السياسية.
وقد انعقد المؤتمر الصهيوني
الأول في 29- 31 آب/أغسطس 1897 في مدينة بال Basel
بسويسرا بحضور 204 مندوبين من معظم أرجاء العالم (ثلثهم من روسيا)، وتم انتخاب
هرتزل رئيساً. وفي بال تم الإعلان عن إقامة المنظمة الصهيونية العالمية
World Zionist Organization (W.Z.O.) ، وتم وضع البرنامج
الصهيوني التي ستقوم هذه المنظمة بتنفيذه. وتم تلخيص هدف الصهيونية في إقامة وطن
قومي لليهود في فلسطين، يضمنه القانون العام: أي برعاية وقبول عالمي. ولتحقيق هذا
الهدف تم تلخيص البرنامج في الخطوات الأربع التالية:
1. تشجيع استيطان العمال
الزراعيين والصناعيين اليهود في فلسطين.
2. تنظيم اليهود، وتوثيق
الصلات بينهم، عبر مؤسسات مناسبة، على الصعيدين المحلي والعالمي، كل منها حسب
قوانين البلد المعني.
3. تنمية الحس والوعي القومي
اليهودي، وتعزيزهما.
4. المباشرة في اتخاذ خطوات
تمهيدية للحصول على موافقة الدول حيث يكون ذلك ضرورياً، لتحقيق هدف الصهيونية[80].
وقد ظل هرتزل رئيساً للمنظمة
الصهيونية حتى وفاته في 3 يوليو/ تموز 1904. وانعقدت في عهده ستة مؤتمرات صهيونية،
وخلال سنة واحدة من إنشاء هذه المنظمة تضاعف عدد الجمعيات اليهودية المنتمية إليها
ثمانية أضعاف (800%)، ثم استمرت في الاتساع. وتشكلت الأجهزة الإدارية للمنظمة من:
1. المؤتمر الصهيوني الذي يعد
السلطة العليا للحركة الصهيونية ويشارك فيه المندوبون المنتخبون من قبل الأعضاء في
مختلف أنحاء العالم، وينعقد مرة في السنة، (أصبح ينعقد مرة كل أربع سنوات بعد ذلك)،
وهو الذي ينتخب رئيس المنظمة والمجلس العام واللجنة التنفيذية.
2. المجلس العام: وهو السلطة
العليا التي تنوب عن المؤتمر الصهيوني في حالة غيابه.
3. اللجنة التنفيذية: وهي
قيادة المنظمة ويتم انتخابها من أعضاء المجلس العام (لجنة العمل الكبرى).
وقد اتسع الشكل التنظيمي
للحركة الصهيونية وتعقد مع مرور الزمن، غير أن المؤسسات الأساسية الثلاث السابقة
ظلت على حالها مع اختلاف في الأعداد وبعض الصلاحيات. وخلال عهد هرتزل تم إنشاء
البنك الصهيوني (صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار)، والصندوق القومي اليهودي
(الكيريت كايمت)، الذي هدف لاستملاك الأراضي، وشركة بنك أنجلو- فلسطين فرعاً
للصندوق القومي[81].
وقد ركز هرتزل جهده في تحقيق
دعم سياسي عالمي للمشروع الصهيوني في فلسطين، وقام باتصالات واسعة شملت قيصر
ألمانيا والسلطان العثماني وملك إيطاليا، ووزراء ومسئولين بريطانيين ونمساويين
وروس، وبابا روما، فضلاً عن عدد كبير من الشخصيات السياسية وأصحاب البنوك
والأثرياء، لكنه مات دون أن يحقق هدفه في رعاية دولة كبرى لمشروعه.
ولم تنفع مقابلاته مع السلطان
عبد الحميد (مايو 1901، فبراير ويوليو 1902) في إقناعه بفتح باب الهجرة إلى فلسطين،
حيث أصر السلطان على تحديد الهجرة، وأن تكون في أجزاء من الدولة العثمانية من غير
فلسطين، وأن تكون بإشراف عثماني. وبذلك أدرك هرتزل أن طريقه إلى فلسطين مسدود ما
دام العثمانيون هناك[82].
وقد اضطر هرتزل بسبب المصاعب
العملية التي واجهها إلى التفكير في حلول مؤقتة لعلاج المشكلة اليهودية، ففكر في
استعمار قبرص بوصفها خطوة في اتجاه فلسطين، ولكنه ووجه بمعارضة قوية خصوصاً من
أحباء صهيون فعدل عن الفكرة. كما ناقش مع تشمبرلن J. Chamberlain
وزير المستعمرات البريطاني في 1902 مشروع الاستيطان في العريش في منطقة سيناء (حيث
كانت مصر تحت الاستعمار البريطاني منذ 1882)، ووافق تشمبرلن على دراسة احتمالات ذلك
لكن المشروع جوبه بمعارضة مصرية وعثمانية قوية أفشلت المشروع. وفي عام 1903 عرض
تشمبرلن على هرتزل الاستيطان في شرق إفريقيا (مشروع أوغندة)، وقد وافق عليه هرتزل
كارهاً، وقدم توصية للمؤتمر الصهيوني السادس 1903 بقبوله بوصفه خطوة مرحلية ومؤقتة،
دون التخلي عن فلسطين. وفي أجواء انتشار حمى الاستعمار العالمي في ذلك الوقت، رأى
هرتزل أن يحصل اليهود على مستعمراتهم أولاً ليستخدموها منطلقاً وأساساً يقفون عليه
للحصول على فلسطين، وقد لقي معارضة شديدة في المؤتمر لكنه نجح في تمرير القرار
بأغلبية 295 صوتاً مقابل 178 معارضاً و 78 ممتنعاً، وتقرر إرسال بعثة استكشافية إلى
أوغندا. غير أنه قد تم استبعاد هذا المشروع نهائياً بعد وفاة هرتزل في المؤتمر
الصهيوني السابع الذي عقد في 1905، وتقرر التركيز فقط على فلسطين، ومن الجدير
بالذكر أنه قد ظهرت مشاريع استيطانية يهودية أخرى في ليبيا والأرجنتين والإحساء
(شرق السعودية) وغيرها، لكن البوصلة ظلت مصوبة في النهاية نحو فلسطين[83].
وإذا كان هرتزل قد فشل في
تحقيق أهدافه الكبرى فإن إنشاءه للمنظمة الصهيونية العالمية يعد بحد ذاته إنجازاً
كبيراً. ثم إنه نجح من خلال اتصالاته الدبلوماسية في جعل المشكلة اليهودية قضية
عالمية، كما تمكن من تثبيت مكانة وأهمية هذه المنظمة في أعين عدد من الحكومات
الأوروبية، فضلاً عن حلِّه لعدد من مشكلات اليهود في روسيا والنمسا، متعلقة بهجرتهم
أو تنظيم أعمالهم هناك.
==============================================
هوامش الكتاب
[1] عرفان عبد الحميد فتّاح، اليهودية:
عرض تاريخي والحركات الحديثة في اليهودية (عمان: دار عمار، 1997)، ص14-15.
[5]
المرجع نفسه، ص93-107.
[6]
حول تقسيمات اليهود، انظر: المرجع نفسه، ص145-168، وعبد الوهاب المسيري، "يهود
العالم"، في دليل إسرائيل العام، ص472-473.
[7]
حول اليهود في القرآن الكريم، انظر مثلاً: محمد عبد السلام محمد، بنو إسرائيل
في القرآن الكريم، ط2 (الكويت: مكتبة الفلاح، 1998)، وصلاح الخالدي، حقائق
قرآنية حول القضية الفلسطينية، ط2 (لندن: فلسطين المسلمة، 1995)، وانظر حول
اليهود وتاريخهم وممارساتهم: توفيق الواعي، اليهود: تاريخ إفساد وانحلال ودمار
(بيروت: دار ابن حزم، 1995).
[8]
رواه البخاري، وأحمد، وابن حبان.
[15]
رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد، وورد في مصنّف ابن أبي شيبة ومسند ابن
الجعد.
[16]
كما ورد في صحيح البخاري، وابن حبان، والترمذي، وابن ماجة، وموطأ الإمام مالك،
ومسند الإمام أحمد.
[18]
سورة النساء: 160-162.
[24]
سورة آل عمران: 117-118.
[48]
سورة المائدة: 22-24.
[58]
انظر بالتفصيل حول الصهيونية غير اليهودية في: ريجينا الشريف، الصهيونية غير
اليهودية: جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، سلسلة
عالم المعرفة، رقم 96 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر
1985).
[59]
حول حركة الاستنارة "الهسكلا"، انظر: عرفان عبد الحميد، مرجع سابق، ص149-162.
وعبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص79-108.
[60]
انظر عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص88-91، و ص96-99.
[61]
وليم فهمي، الهجرة اليهودية إلى فلسطين (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب،
1974)، ص36.
[62]
ريجينا الشريف، مرجع سابق، ص106-107.
[63]
المرجع نفسه، ص122-123، وانظر أيضاً:
Albert Hyamson,
Palestine under the Mandate 1920-1948 (Great Britain: Methuen, 1950),
pp.7-8.
[64]
انظر ريجينا الشريف، مرجع سابق، ص145، وكامل خلة، مرجع سابق، ص41، و ص59،
وبربارة حداد، "المواقف البريطانية في فلسطين بين عامي 1918-1920"، مجلة شئون
فلسطينية، ع17، يناير 1973، ص116-118، وتقرير بيل، ص32.
|