الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

مسار المنظمة الصهيونية العالمية حتى قيام الكيان الصهيوني 1948:

انتخب ديفيد ولفسون D. Wolffsohn (1856- 1914) خلفاً لهرتزل خلال المدة (1905- 1911) وهو من مواليد ليتوانيا، لكنه استقر في ألمانيا منذ 1881 حيث أصبح رجل أعمال ناجحاً، وقد سار على خط سلفه بالتركيز على دعم دولي للمشروع، لكنه لم يستطع أن يملأ الفراغ الذي تركه هرتزل. كما أن صعوبة الحصول رسمياً على الدعم المنشود قد أسهمت في بروز تيار "الصهيونية العملية"، والذي ظهرت بداياته منذ أيام هرتزل، والذي يركز أكثر على المبادرة العملية وبوسائل شتى للهجرة والاستيطان في فلسطين، وبناء الحقائق على الأرض. كما ظهر حاييم وايزمن Chaim Weizmann (1874- 1952)، بأطروحته التوفيقية بين الصهيونية السياسية والصهيونية العملية، فدمج بين الخطين، حيث أعلن أنه "يجب أن نتطلع إلى البراءة [الدعم الدولي]، لكن تطلعاتنا ستتحقق من خلال نشاطنا العملي في أرض إسرائيل". وسيراً في الاتجاه العملي فقد تم تمت الموافقة على اقتراح واربورج بتبني "سياسة التغلغل الاقتصادي"، المعتمد على العمل الصهيوني بصورة منظمة. وتأسس مكتب فلسطين في يافا سنة 1908 ليتولى توجيه العمل الاستيطاني الزراعي، وأنشئت شركة تطوير أراضي فلسطين، كما بدأ إنشاء مدينة تل أبيب.

 

ويعد المؤتمر الصهيوني العاشر سنة 1911 نقطة تحول، إذ سيطر الصهيونيون العمليون على قيادة المنظمة وأجهزتها، وانتخب أوتو واربورج Otto Warburg (1871- 1937)، وهو ألماني رئيساً للمنظمة، واستمر رسمياً في رئاستها حتى عام 1921. وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914، استفاد الصهاينة من ضعف الدولة العثمانية، وتفشي الفساد الإداري فيها، ثم من انقلاب حركة الاتحاد والترقي (الممالئة لليهود والحركة الصهيونية) على السلطان عبد الحميد سنة 1908، فهاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1882- 1914 نحو 55 ألف يهودي[84].

 

وقد أحدثت الحرب العالمية الأولى فوضى في الجهاز الإداري الصهيوني، حيث وجدت قيادات العمل ومؤسساته نفسها متوزعة على بلدان متحاربة، وكان مكتب قيادة الحركة الصهيونية في ألمانيا، حيث عول صهاينة وسط أوروبا على انتصارها في الحرب، وأجروا مفاوضات معها، بدعوى الحصول على الدعم اليهودي و الأمريكي، مقابل ضغطها على حليفتها الدولة العثمانية، لإقامة الوطن اليهودي في فلسطين. ولم تكن اللجنة التنفيذية المكونة أساساً من روس وألمان قادرة على العمل الجماعي، حيث كانت ألمانيا وروسيا دولتان متحاربتان. كما انقطعت صلة مكتب القيادة بروسيا والدولة العثمانية وباقي العالم الغربي. وتعرض المشروع الصهيوني في فلسطين لهزة كبيرة مع ظهور دلائل متزايدة على ممالأة الصهيونية لبريطانيا وحلفائها ضد العثمانيين والألمان، ونَقَص عدد اليهود من 85 ألفاً سنة 1914 إلى 55 ألفاً سنة 1918.

 

وبينما فقدت قيادة المنظمة الصهيونية في ألمانيا فاعليتها ، برز نجم الأستاذ الجامعي الروسي الأصل الدكتور حاييم وايزمن، الذي كان يقيم في بريطانيا، وقام بدور زعيم الأمر الواقع للمنظمة الصهيونية، ونصّب مع رفاقه هناك لجنة سداسية انضم إليها اثنان من أعضاء اللجنة التنفيذية. وسعى إلى التفاوض مع بريطانيا لتبني المشروع الصهيوني مقابل دعم اليهود لها في الحرب، واستخدام نفوذهم في أمريكا لدفع الولايات المتحدة للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا. كما برز في الوقت نفسه لويس برانديس Louis Brandeis (1856- 1941)، الذي قاد صهيونيي أمريكا. ومن خلال الدورين اللذين لعبهما وايزمن وبرنديس والتنسيق بينهما، نجحت المنظمة الصهيونية في استصدار وعد بلفور من بريطانيا، 2 نوفمبر 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي حظي بموافقة حلفاء بريطانيا في الحرب (الولايات المتحدة التي دخلت الحرب في مارس 1917، وفرنسا وإيطاليا)[85].

وقد توافق الاحتلال البريطاني لفلسطين (1918- 1948) تقريباً مع زعامة وايزمن الفعلية للمنظمة الصهيونية (1921- 1946). وقد بدأ المشروع الصهيوني يسترد عافيته وينطلق إلى آفاق أرحب، بعد أن حصل على البراءة الدولية التي كان يحلم بها هرتزل، وبعد أن توفرت الإمكانات العملية للتنفيذ باحتلال بريطانيا - التي تبنت المشروع - لفلسطين، وبسقوط الدولة العثمانية. وقامت بريطانيا بحرمان أبناء فلسطين من حقوقهم السياسية، وبسحق ثوراتهم وانتفاضاتهم، وأدمجت وعد بلفور في صك انتدابها على فلسطين، والذي أقرته عصبة الأمم سنة 1922، ليصبح التزاماً دولياً. كما فتحت بريطانيا أبواب الهجرة والاستيطان اليهودي وبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية الصهيونية في فلسطين، وغضت الطرف عن التشكيلات العسكرية السرية لليهود، الذين أصبحوا عملياً دولة داخل دولة، وبذلك وضعت بريطانيا الكرة في الملعب الصهيوني، وأصبح الأمر يعتمد أساساً على قدرة الحركة الصهيونية على إقناع اليهود بالهجرة والاستيطان في فلسطين.

 

ولم تفوت الحركة الصهيونية الفرصة، فقد ذهبت لجنة صهيونية برئاسة وايزمن إلى فلسطين في إبريل 1918، وشكلت جهازاً إدارياً لليهود فيها، استوعب أمور السياسة والاستيطان، والإغاثة والزراعة والتجارة والصناعة والهجرة والمالية والتعليم والعمل. وفي مؤتمر لندن في يوليو 1920، أقر تعيين وايزمن رئيساً للمنظمة، وقرر إنشاء مكتب مركزي للهجرة اليهودية، كما تقرر إنشاء الصندوق التأسيسي لفلسطين (الكيريت هايسود)، المختص بشؤون الهجرة والاستيطان والتعليم وإنشاء المؤسسات والمشاريع الاقتصادية والخدمات الاجتماعية. وفي المؤتمر الصهيوني الثاني عشر في سبتمبر 1921 تحولت زعامة وايزمن إلى زعامة رسمية، وبلغ عدد أعضاء المنظمة الصهيونية 770 ألفاً[86].

 

وكان صك الانتداب البريطاني على فلسطين قد أشار إلى إنشاء "وكالة يهودية" تمثل اليهود بشكل عام، وقامت المنظمة الصهيونية عملياً بدور الوكالة خلال 1922- 1929. لكن الحركة الصهيونية أرادت أن تلائم نفسها مع صك الانتداب، بتشكيل وكالة يهودية موسعة تمثل اليهود من صهاينة وغير صهاينة، مما يهيئ لها فرصة قبولٍ سياسي بريطاني ودولي أفضل. وقد رأت في ذلك فرصة لتوسيع دائرة نفوذها وتمثيلها لليهود في العالم بإدخال عناصر يهودية مؤثرة (غير منتمية تنظيمياً للحركة الصهيونية) في الوكالة، مما يؤدي إلى مشاركة هؤلاء في المشروع الصهيوني، فيصبحون عملياً صهيونيين وإن لم يكونوا أعضاء عاملين في المنظمة. ثم إن ذلك سيُمكّنها من امتصاص أية معارضة يهودية للحركة الصهيونية، فضلاً عن تجنيد أموال أثرياء اليهود من غير الأعضاء.

 

وبالفعل، فقد تم إنشاء الوكالة اليهودية الموسعة سنة 1929 بحيث تتم مناصفة مقاعد مجلس الوكالة (السلطة العليا للوكالة)، واللجنة الإدارية (تقابل المجلس العام في المنظمة الصهيونية)، واللجنة التنفيذية (تقابل اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية)، بين المنظمة الصهيونية وبين اليهود غير المنتمين إليها. وقد حرصت المنظمة الصهيونية على أن تكون الوكالة أداة طَيّعة بيدها، عبر مجموعة من الإجراءات والقواعد التي ضمنت ذلك، فهناك مثلاً رئيس واحد للمنظمة وللوكالة، واللجنة التنفيذية للوكالة هي عملياً بيد أعضاء اللجنة التنفيذية الصهيونية. وأصبحت الإشارة إلى المنظمة الصهيونية تعني شكلياً مجموع النشاطات الصهيونية خارج فلسطين، والإشارة إلى الوكالة اليهودية تعني شكلياً مجموع النشاطات الصهيونية داخل فلسطين. ومن خلال إنشاء هذه الوكالة تم استقطاب عناصر يهودية شهيرة غير أعضاء في المنظمة، أمثال: البريطاني هربرت صمويل، والأمريكي لويس مارشال، وألبرت أينشتاين العالم الألماني الذي يحمل الجنسية الأمريكية وغيرهم. وقد كان الكثير من هؤلاء زعماء سياسيين ورجال أعمال وعلماء وأصحاب بنوك لم تُمكّنهم ظروفهم ومواقعهم من الانخراط في الحركة الصهيونية، كما لم يكن من السهل على الحركة الصهيونية استيعابهم في أطرها دون أن تتخلى قيادتها عن العديد من مواقعها لأمثال هؤلاء. ويبدو لي أن جُلّ هؤلاء صهاينة قلباً وقالباً، لكم بقاءهم في مواقعهم كان استثماراً أفضل للمشروع الصهيوني. إذ إن جوهر الصهيونية هو دعم إنشاء الوطن اليهودي في فلسطين، وهو ما كان يفعله هؤلاء من منتمين وغير منتمين، وقد استمرت الوكالة مظلة صهيونية وأداة من أدواتها، وتزايد التداخل والانصهار بينهما حتى أصبحا مرة ثانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية تعبيرين لشيء واحد. وفي عام 1947 لم تعد المنظمة الصهيونية بحاجتها للديكور اليهودي المتمثل بالوكالة، فأصبحا عملياً شيئاً واحداً إلى أن أعيد تشكيل الوكالة سنة 1968[87].

 

وقد زادت عملية الهجرة والاستيطان المنظمة من قوة الجماعات اليهودية المهاجرة إلى فلسطين، وأصبح لها تأثير أكبر على المنظمة الصهيونية العالمية وتحديد سياستها وتمكن التيار العمالي اليهودي بقيادة ديفيد بن جوريون David Ben- Gurion (1886- 1973) من فرض نفسه وتحقيق نفوذ واسع بين يهود فلسطين، وتكرست قوة بن جوريون ورفاقه عندما انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية في المؤتمر 18 في 1933، كما أعيد انتخابه سنة 1935 حيث أصبح قطباً مركزياً فيها، و انتخب في 1937 رئيساً للجنة التنفيذية في فلسطين[88].

 

وقد كانت فترة منتصف الثلاثينيات فترة ذهبية للهجرة اليهودية، إذ هاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1933- 1936 ما مجموعه 187.671 يهودياً[89]، وكان أخطر ما فيها هو نوعية المهاجرين، إذ توافقت تلك الفترة مع صعود النازية في ألمانيا، وتمكن هتلر من الوصول إلى الحكم. واستفادت الحركة الصهيونية من ذلك في دفع اليهود الألمان للهجرة إلى فلسطين، وعقدت مع هتلر اتفاقية سرية لترحيل اليهود "اتفاقية هعفاراه" سنة 1933، فهاجرت أعداد كبيرة من اليهود الألمان المتميزين من رجال الأعمال والأثرياء والعلماء في شتى التخصصات مما أعطى دفعة كبيرة للمشروع الصهيوني[90]. ولولا أن الثورة الفلسطينية الكبرى 1936- 1939 عوقت هذه الهجرة لكانت النتائج أكثر كارثية.

 

وقد تعرض المشروع الصهيوني في فلسطين إلى الانتكاس، عندما اضطرت بريطانيا في مايو 1939، تحت ضغط الثورة الفلسطينية، إلى إصدار كتابها الأبيض، بالتعهد بالموافقة على إنشاء دولة فلسطينية خلال عشر سنوات، وتحديد الهجرة اليهودية في السنوات الخمس التالية لإصدار الكتاب الأبيض بـ 75 ألفاً، وبمنع الهجرة بعد ذلك إلا بموافقة فلسطينية، وبوضع قيود مشددة على انتقال الأراضي لليهود[91].

 

وعلى الرغم من أن يهود أوروبا عانوا من السياسات الهتلرية النازية ضدهم خلال الحرب العالمية الثانية 1939- 1945، إلا أن المشروع الصهيوني في فلسطين كان هو المستفيد الأول من ذلك، إذ إن المنظمة الصهيونية العالمية تابعت عملها بصورة فعالة، ووجدت في الاضطهاد النازي مبرراً ودافعاً قوياً للدعاية للمشروع اليهودي في فلسطين. وتمكنت من تضخيم صورة المعاناة اليهودية، وجعلها عقدة أساسية في الشعور واللاشعور الغربي، الذي أصبح يلتمس التكفير عن "ذنوبه" من خلال إنشاء دولة لليهود في فلسطين. وربما لقي بضعة مئات من الآلاف من اليهود حتفهم نتيجة السياسات النازية، لكن الرقم تم تضخيمه إلى ستة ملايين حتى أخذ صورة "الرقم المقدس"، الذي يتهم ويحاكم ويسجن منكره، حتى لو كان بناء على أبحاث أكاديمية موثقة، كما حدث في فرنسا[92].

 

لقد لقي أكثر من 52 مليون إنسان حتفهم في هذه الحرب (التي كان أساسها صراعاً على المصالح بين القوى الأوروبية) منهم 22 مليون روسي، فلماذا تم التركيز - ولا يزال- على اليهود وحدهم بوصفهم ضحايا الحرب؟

وظل السؤال الذي لم يجد جواباً: لماذا يدفع الفلسطينيون المسلمون فاتورة اضطهاد أوروبا لليهود؟، وعلى أي حال، فإن الحركة الصهيونية نقلت مركز ثقلها خلال الحرب العالمية الثانية من لندن إلى واشنطن (الولايات المتحدة)، التي أصبحت القوة الأقدر على رعاية المشروع الصهيوني، والتي خرجت بعد الحرب العالمية كأقوى قوة بشرية في العالم. وكان مؤتمر بلتيمور Biltmore الصهيوني في 8 مايو 1942 العلامة الفارقة لنقل مركز الثقل، وتم فيه صياغة سياسة صهيونية جديدة، ركزت على إقامة الدولة اليهودية، ورفض الكتاب الأبيض لسنة 1939، وإقامة جيش يهودي، وقد وجد البريطانيون في الضغط الأمريكي عليهم لإلغاء الكتاب الأبيض فرصة للتملص من التزاماتهم تجاه الفلسطينيين، فأعلن وزير الخارجية البريطانية بيفن Bevin في 14 نوفمبر 1945 التخلي عن الكتاب الأبيض لتفتح أبواب الهجرة مرة أخرى لليهود[93].

 

وعندما أعلنت بريطانيا عن عزمها على مغادرة فلسطين نشطت أمريكا والاتحاد السوفييتي في الضغط على الأمم المتحدة لاتخاذ قرار بتقسيم فلسطين، فكان قرار 181 في 29 نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية (54% من الأرض)، وعربية (45 % من الأرض) و 1% منطقة دولية. وبذلك اتخذ إنشاء الكيان اليهودي الصهيوني "شرعية دولية"، وبناء عليه أعلن اليهود دولتهم "إسرائيل"، في مساء 14 مايو 1948، والتي توسعت بما شنته من عدوان، وبما لقيته من دعم أمريكي روسي غربي لتشمل 77 % من أرض فلسطين، ولتشرد 800 ألف فلسطيني من وطنهم. وتمكن الكيان الصهيوني من دخول عضوية الأمم المتحدة التي اشترطت عليه للموافقة على العضوية السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما تجاهله هذا الكيان طوال المدة الماضية.

 

وقد ظل وايزمن رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية حتى سنة 1931، ثم تولى الرئاسة ناحوم سوكولوف 1931 - 1935، ثم عاد وايزمن للرئاسة حتى سنة 1946. وكان المؤتمر الصهيوني الـ22 الذي انعقد في 9 ديسمبر 1946، هو آخر مؤتمر صهيوني قبل إنشاء الكيان اليهودي، وبلغ عدد أعضاء المنظمة الممثلين في المؤتمر مليونين و159 ألفاً، مما يشير إلى درجة النفوذ الواسع التي تمتعت به المنظمة، ومع ذلك فإن المنظمة فشلت في انتخاب رئيس لها بسبب الخلافات الداخلية وخصوصاً بين بن جوريون ووايزمن، وقام المجلس الصهيوني العام بتعيين لجنة تنفيذية ائتلافية برئاسة بن جوريون الذي تزايدت هيمنته الفعلية على المنظمة. وخلال هذه الفترة 1946 - 1956 مثل بن جوريون زعامة الأمر الواقع للمنظمة دون أن ينتخب رئيساً رسمياً لها. وأصبحت اللجنة التنفيذية التي يرأسها بن جوريون، أشبه بالحكومة اليهودية المؤقتة. وقام بن جوريون بنفسه بإعلان إنشاء الدولة اليهودية وأصبح أول رئيس لوزرائها، واستدعى وايزمن ليكون أول رئيس للكيان الصهيوني (وهي رئاسة فخرية غير ذات صلاحيات حقيقية)[94].

 

مسار المنظمة الصهيونية العالمية 1948- 2000:

حققت المنظمة الصهيونية هدفها بإنشاء كيان لليهود في فلسطين وبرز بذلك سؤال واضح عن مبرر وجود هذه المنظمة، وما هو موقعها بالنسبة إلى الكيان الصهيوني؟ وما هي الأدوار التي يمكن أن تلعبها؟!

 

كان بن جوريون وتيار صهيونيي الداخل أو "إسرائيل" يَعدُّون المنظمة الصهيونية مجرد "السقالة" (التي تستخدم في البناء) والتي لم يعد لها لزوم بعد إكمال بناء الدولة. وكان يرى أن الصهيونية الحقة هي التي تعني الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. وركّز هذا التيار على مركزية "إسرائيل" في الحياة اليهودية، واستقلالها عن هيمنة المنظمة الصهيونية. أما تيار صهيونيي الخارج، وخصوصاً في الولايات المتحدة فكان يرفض فكرة الانتماء للصهيونية ويعني ويستلزم الهجرة إلى فلسطين، رغم إيمانه بأهمية ذلك، وكان يؤكد أن المنظمة الصهيونية هي التي صنعت "إسرائيل"، وهي قادرة بحكم وجودها في الخارج على القيام بمهمات صهيونية لازمة لا تستطيعها الدولة، بسبب الاعتبارات السياسية والدبلوماسية والدولية الخاصة بأي دولة. وبالتالي، فلا بد للمنظمة الصهيونية من المشاركة في صنع القرار السياسي الداخلي والخارجي للدولة، وبالذات في مجال تمثيل يهود الشتات، والتحدث باسم "إسرائيل" سياسياً، كما أنه لا بد من تحقيق المساواة بين "إسرائيل" والمنظمة الصهيونية العالمية، التي يجب أن تمنح وضعاً خاصاً يضمن لها التأثير في عمليات التخطيط والتنفيذ الصهيونية والإسرائيلية[95].

 

ولم تنكسر حدة التوتر بين الطرفين إلا سنة 1968 عندما حُسمت المعركة لصالح تيار صهيونيي الداخل، واستقال ناحوم جولدمان من رئاسة المنظمة. ولكن حالة التوتر و الجدل لم تكن تعني شلل العمل ، وإنما أمكن التوصل دائماً إلى حلول توفيقية، وظل الجميع ناشطين في دعم المشروع الصهيوني. وبشكل عام فقد استفاد بن جوريون وتياره من إمكانات الدولة ومؤسساتها ومن التعاطف العالمي مع اليهود، ليفرض ما يريد، وفي سنة 1954 تمكن هذا التيار من تثبيت هيمنته الفعلية وظل تيار صهيونيي الخارج يتراجع تدريجياً إلى أن أصبحت المنظمة الصهيونية سنة 1968 أداة في يد "إسرائيل". وقد عقدت المنظمة الصهيونية العالمية مؤتمرها الـ23 لأول مرة في القدس عام 1951، وأقر برنامج "القدس"، الذي أعاد تحديد مهام المنظمة الصهيونية العالمية والتي تمثلت في "توطيد دعائم إسرائيل"، وتجميع "المنفيين" اليهود في "أرض إسرائيل"، وتنمية وحدة الشعب اليهودي. ووافق المؤتمر على تحقيق أعلى درجات التنسيق بين المنظمة و"إسرائيل"، وإعطاء المنظمة وضعاً قانونياً خاصاً في الدولة العبرية بحيث تتابع أعمال الاستيطان واستيعاب يهود "الشتات" وتطوير البلاد[96].

 

وقد انتخب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية سنة 1956 وظل في منصبه حتى 1968، وعلى الرغم من اختلافه مع تيار الداخل، إلا أنه قدم مع صهيونيي الخارج خدمات كبرى للكيان الصهيوني. وسعى ورفاقه لعدم ذوبان يهود "المنفى" في مجتمعاتهم، وأن يشكلوا مراكز قوى تخدم المشروع الصهيوني والدولة اليهودية. ويُعدُّ ازدهار يهود المنفى أمراً مهماً ليشكلوا الدرع الواقي "لإسرائيل" والمعين المغذي لها من الخارج ضمن هدف شامل هو تأمين بقاء الشعب اليهودي.

وبعد المؤتمر الصهيوني الـ27، الذي عقد في القدس في 9 - 19يونيو 1968، تكرست المنظمة الصهيونية بوصفها تابعاً وأداة للكيان الصهيوني، وخفت حدة نقدها وشكواها ورضيت بدورها خصوصاً بعد نجاح "إسرائيل" في حرب 1967 واحتلالها لما تبقى من أرض فلسطين (الضفة والقطاع)، فضلاً عن الجولان السورية وسيناء المصرية[97].

 

وباستقالة جولدمان من رئاسة المنظمة في ذلك المؤتمر لم يتم انتخاب رئيس للمنظمة بعد ذلك وحتى آخر مؤتمر عقدته في ديسمبر 1997، واكتفي باختيار رئيس للجنة التنفيذية حيث تولى هذا المنصب لويس بنكوس حتى وفاته سنة 1973، وخلفه آرييل دولستين رئيساً بالوكالة إلى أن انتخب بنحاس سابير في 1974 وحتى وفاته 1975، ثم عاد دولتسين رئيساً بالوكالة حتى انتخاب يوسف الموجي في 1976، وعاد دولستين للمرة الثالثة رئيساً بالوكالة سنة 1977، وتم تثبيته رئيساً رسمياً في المؤتمر الصهيوني 1978. واستمر في الرئاسة حتى سنة 1987. ثم تولى المنصب سيمحا دينتس 1987 - 1994، ثم خلفه أبراهام بورغ 1994 - 1997[98]، ثم تولى رئاسة اللجنة التنفيذية بعده سالاي مريدور منذ ديسمبر 1997.

 

ومنذ سنة 1968 سلبت "إسرائيل" المنظمة الصهيونية من أهم اختصاصاتها وهو "استيعاب المهاجرين"، عندما استحدثت وزارة الاستيعاب. كما تقرر في المؤتمر الـ27 إعادة فصل الوكالة اليهودية عن المنظمة الصهيونية العالمية، وبدأ ذلك فعلياً منذ يونيو 1971. غير أن الفصل ظل شكلياً لأنه تركز أكثر على توزيع الاختصاصات، بينما ظل رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة هو نفسه رئيس الوكالة، وتولت الوكالة اليهودية التركيز على شؤون جمع التبرعات والهجرة والاستيطان والتنظيم، أما المنظمة الصهيونية فتولت شئون التمثيل والتربية والإعلام الصهيوني والثقافة[99].

 

ويمثل يهود الكيان الصهيوني ويهود أمريكا نحو ثلثي مندوبي المؤتمر الصهيوني (38% ليهود الكيان الصهيوني، و 29% ليهود أمريكا) والباقي ليهود العالم، ويمثل يهود الكيان الصهيوني حسب نسبة تمثيل أحزابهم في الكنيست الإسرائيلي، أما باقي البلاد فتختار مندوبيها وفق الشكل الذي يناسبها شريطة عدم التعارض مع أساليب الديمقراطية. وقد انخفضت نسبة عضوية اليهود في المنظمة الصهيونية العالمية بعد إنشاء الكيان الصهيوني، لتشكل ما معدله 10% من يهود العالم[100]، وهي على أية حال نسبة لا يستهان بها، قياساً بأي تجمع ذي طبيعة دينية أو قومية بالنسبة إلى المحيط الذي ينتمي إليه. وتبقى هي نسبة عالية لتجمع سلبته "إسرائيل" معظم صلاحياته ومبررات وجوده.

 

الفكر الصهيوني (الأيديولوجية الصهيونية)

يختلف الباحثون العرب والمسلمون في النظر إلى حقيقة الصهيونية، فبعضٌ ينظر إليها بوصفها إفرازاً من إفرازات الاستعمار الغربي وأداة من أدواته، وبعضٌ يراها مشروعاً اقتصادياً غربياً، والبعض يرى فيها وسيلة يهودية - أوروبية لحل المشكلة اليهودية في العالم الغربي، والبعض يراها تعبيراً عن الأماني الدينية أو القومية أو الثقافية اليهودية، ويرى كثير من أبناء التيار الإسلامي أن الصهيونية ببساطة هي اليهودية نفسها بما تحمله من جذور عداء وصراع مع الإسلام.

 

وابتداء نرى أن الأفكار السابقة لا تخلو من بعض الحقيقة، أو كثيرها. ولكننا نحاول البدء بالإجابة عن السؤال التالي: هل فعلاً أن الصهيونية هي الديانة اليهودية نفسها ؟ والصحيح - كما يظهر لنا - أن الصهيونية ليست هي الديانة اليهودية نفسها ، لأن الصهيونية:

أولاً: حركة قائمة على الجهد البشري الذي يمكن أن يفهم الدين اليهودي أو يتعامل معه، وفق أشكال ودرجات متفاوتة، فكما أننا لا نستطيع القول أن الإخوان المسلمين أو السلفيين هم أنفسهم دين الإسلام، وكما لا نستطيع أن نقول أن حزب الكتائب المسيحي اللبناني أو الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني هما المسيحية ذاتها، فكذلك لا نستطيع أن نقول أن الصهيونية هي اليهودية.

 

ثانياً: ليس كل من يعمل لمصلحة اليهود هو يهودي متدين ملتزم بتعاليم دينه بالضرورة، لأن هناك من يخدم أبناء دينه بدوافع الانتماء القومي أو الحضاري..، وقد يكون علمانياً فاسداً في المعايير الدينية لملته. ولتوضيح الأمر أكثر مع إدراكنا للفارق، فإن حزب رابطة عموم مسلمي الهند الذي قاده محمد علي جناح للانفصال عن الهند وإقامة دولة باكستان الإسلامية ونجح في ذلك سنة 1947، كان عدد لا يستهان به من أعضائه علمانيين أو غير متدينين. وربما كان لديهم عاطفة صادقة تجاه المسلمين بأن يقيموا دولتهم ويديروا أمورهم بأنفسهم، ولكنهم لم يكونوا معنيين كثيراً بتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، فأنشأوا نظاماً علمانياً، وهو ما سبب المعارضة الإسلامية في باكستان، بزعامة أبو الأعلى المودودي حتى سجن، وكاد يصل الأمر إلى إعدامه. وكذلك الأمر بالنسبة للحركة الصهيونية التي انتهت إليها معظم الأطياف الدينية والعلمانية واليسارية والثقافية اليهودية.

ثالثاً: ليست الصهيونية مقصورة على اليهود وحدهم إذ إن هناك تيارات كبيرة وقيادات مؤثرة في الأوساط المسيحية، وخصوصاً البروتستانت، تؤمن بالصهيونية وتسعى لخدمتها وإنجاح مشروعها، ولعل ذلك يفسر جزءاً من الدعم البريطاني والأمريكي للمشروع الصهيوني، حيث الأغلبية البروتستانتية في البلدين.

رابعاً: لأن بعض اليهود الذين لا يؤمنون بالصهيونية، وهم وإن كانوا قلة قليلة إلا أنهم موجودون، من أمثال جماعة "ناتوري كارتا" التي ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، لأنهم يرون انتظار المسيح الخاص باليهود "الماشيح"، أو "المسيا"، ويؤمنون أن عودة اليهود مرتبطة بالإرادة الربانية، ولا يجوز فرضها أو التعجيل بها.

 

ويخشى بعض أبناء التيار الإسلامي أن مثل هذا الفصل بين اليهودية والصهيونية سيُميِّع التأصيل العقائدي للمعركة مع اليهود الذي احتلوا فلسطين، وليس الأمر كذلك.

فأولاً: إن المعركة حسب المفهوم الإسلامي يجب أن تكون عقدية مستندة إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن طبيعة الغاصب أو خلفياته القومية والعقدية، فاحتلال أي أرض للمسلمين من أي عدو كان يستوجب الجهاد، ولو احتل فلسطين أناس ينتمون لأديان أخرى (كما حدث مع الصليبيين) فالجهاد واجب، والمعركة العقدية قائمة، حتى لو كانوا بوذيين أو هندوس أو مجوس أو غيرهم. كما أن الجهاد واجب لو احتلها أناس ينتمون لقوميات ودول غير مسلمة سواء كانوا بريطانيين أو فرنسيين أو صينيين أو أمريكان أو حتى من الإكوادور.

 

وثانياً: لأننا عندما نقاتل اليهود المحتلين فإننا لا نقاتلهم، من الناحية الشرعية، فقط لكونهم يهوداً، وإنما لأنهم اغتصبوا أرضنا، وانتهكوا حرماتنا، وشردوا أهلنا، فوجب قتالهم لما ارتكبوه من ظلم وإجرام، ولأنهم اختاروا أن يكونوا محاربين. أما اليهود، بوصفهم أتباعاً للديانة اليهودية، فلهم أحكامهم المتعلقة بأهل الذمة في الإسلام. وما داموا مسالمين خاضعين ، فلهم الأمان وحماية دولة الإسلام. وهذا لا ينفي عقيدة الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله المطلوبة من كل مسلم، وهذا ما جرت عليه الحضارة الإسلامية طوال 1400 سنة، والتي أعطتهم الحرية الدينية، ووفرت لهم المأوى والأمان، عندما كانت أوروبا المسيحية تضطهدهم وتذبحهم. أما ما ذكر في القرآن حول بني إسرائيل واليهود وصفاتهم وعداوتهم للذين آمنوا، فهو ما يستوجب المزيد من الحذر والحيطة من احتمال تآمرهم، ومن باب كشف عقائدهم المنحرفة، وإقامة الحجة عليهم. وأما ما ذكره القرآن والسنة من إشارات على علوهم في الأرض وإفسادهم، وحرب المسلمين لهم، فإنها مُبشّرات ومبيّنات تزيد المؤمنين يقيناً بعدما رأوا هذه الأيام صدق ما ذكره القرآن والسنة، كما تزيدهم إيماناً بتحقيق باقي المبشرات بإنجاز النصر عليهم، بعد أن يبذل المسلمون الأسباب ويرتقوا للمستوى الذي يؤهلهم لذلك.

 

ومع ذلك فإن هذا الصراع سيبقى ذا طعم وطبيعة مختلفة عن غيره، أولاً: بسبب طبيعة العدو وما يحمله من إرث تاريخي مليء بالعداء والخصومة، وثانياً: بسبب طبيعة الأرض التي هي أرض مقدسة مباركة في نظر المسلمين، مما يجعل لها مكانة خاصة، تجعلهم دائماً مدفوعين لتحريرها وإنقاذ أقصاها وقدسها من الغاصبين. وهما في الحالتين محفزات تزيد المسلمين إصراراً على حقهم، وتضحية في سبيل مقدساتهم، وهو صراع لن ينتهي ما دام هناك قرآن يتلى، يكشف طبيعة العدو الغاصب، ويزيدنا ارتباطاً بالأرض المقدسة.

 

إن القضية في جوهرها هي أن اليهود اغتصبوا أرض فلسطين، وبالتالي يجب محاربتهم وإعادة الحق إلى أصحابه، ومن المفيد أن نعرف خلفياتهم ومنطلقاتهم وخلافاتهم، وارتباطهم بالعالم الغربي والمشاريع الاستعمارية، لكن هذا لن يُغيِّر من جوهر المسألة. غير أنه مهمٌ للغاية في تحديد الوسائل المكافئة للصراع، ومعرفة عقلية الخصوم وعناصر القوة والضعف لديهم، وتجاوز الأوهام والتعميمات، ووضع الخطط المناسبة لإدارة المعركة. كما يفيد في تصنيف درجات الضلوع والمساندة والتأييد في جبهة الخصوم وحلفائهم (عقدية، اقتصادية، سياسية واستراتيجية).

وبغض النظر عن الخلفيات الأيديولوجية للمدارس المنتمية للحركة الصهيونية، فإن جوهر الفكرة نفسها يستند إلى ادعاءات دينية، فالفكرة الصهيونية تستند على أساس أن:

 

1. اليهود جنس مستقل، وأمة مستقلة من دون الأمم، وهي فكرة ذات جوهر ديني، وليس جوهراً قومياً. فما الذي يجمع اليهودي الخزري الروسي باليهودي اليمني باليهودي الإيراني واليهودي الفلاشا .. وغيرهم، سوى رابطة الانتماء للدين بغض النظر عن درجة الالتزام بالدين نفسه.

2. حق اليهود في فلسطين، وهي فكرة ذات جوهر ديني أيضاً، وقد يختلف اليهود إن كان هذا الحق بناء على وعد رباني، أو حقاً تاريخياً، أو حقاً قومياً، أو ثقافياً أو روحياً. لكن هذه الفكرة انغرست في "الوجدان" اليهودي، وإن وجدت تعبيرها في أشكال مختلفة. وإن اليهودي المتدين والعلماني والشيوعي والقومي، وكذلك اليهودي الأبيض والأسود، كما اليهودي العالم والجاهل والباحث الأكاديمي مستعد لأن يلغي من إدراكه حقيقة وجود شعب آخر متجذر في هذه الأرض منذ (4500) عام، وأن يتجاوز ألفي سنة من الانقطاع اليهودي عن هذه الأرض ليؤكد هذه المقولة.

ويعلم اليهود أن المناقشة العلمية الهادئة وحقائق التاريخ تهدم مقولاتهم القومية التاريخية، لكن الأمر لا يهمهم بقدر ما يهمهم إيمانهم هم "بحقهم" هذا. ولذلك لا يبقى سوى الرجوع إلى الأساس الديني الغيبي الذي انغرس في عقليتهم حتى وإن عبروا عنه بتعبيرات أخرى، ويحتمل أنهم استخدموا تعبيرات علمانية وقومية لثلاثة أسباب:

 

1. لاختلاط وتماثل ما هو ديني وقومي لديهم، لأن قومية اليهودي هي دينه، أي أن الانتماء القومي هو انتماء ديني أساساً.

2. لأنه يغلب على اليهود عدم التدين وعدم الالتزام، والانحلال من التعاليم.

3. لأنهم أرادوا أن يقدموا مشروعهم اليهودي في فلسطين في ضوء المصالح الغربية الاستعمارية، والتي كانت تستند في ذلك الوقت إلى أيديولوجيات علمانية وقومية، وذلك حتى يضمنوا الدعم والمساعدة من العالم الغربي، بتحقيق درجة من التماثل الفكري والحضاري معه.

أما كيف يكون هناك أناس مخلصون لليهود عاملون ليل نهار لخدمة قومهم، وغير متدينين في الوقت نفسه. فقد كثر في هذا الزمان من يخدم قومه بدوافع وطنية أو قومية. ثم إن هذا يجب أن يفهم بالرجوع إلى مفاهيم التدين والكفر والإيمان لدى اليهود، وهي تختلف في جوهرها عن الطريقة التي يعيش بها المسلمون حالات التدين لديهم. فإذا كان الأساس الذي قام عليه الإسلام هو التوحيد "الشهادتين" بهما يدخل المسلم في هذا الدين، وبإنكارهما يخرج. فإن الأساس الذي يفصل بين إيمان اليهودي وكفره ليس مرتبطاً بالإيمان بربه أو التوراة، وإنما بالولاء لليهود وعدم خيانتهم. وقد يفعلون المنكرات والموبقات، ويستهزئون بربهم وشرائعهم، ولكنهم يبقون في حكم شريعتهم يهوداً ما داموا على الانتماء والولاء للجماعة اليهودية. ولا عجب في هذا من قوم قتلوا أنبياءهم، وافتروا على الله سبحانه وتعالى وحرفوا شرائعهم، وسعوا في الأرض فساداً، وتولى أحبارهم بأنفسهم الريادة في ذلك. وانظر كيف تآمر مجلسهم الديني الأعلى على المسيح عليه السلام لقتله، كما تآمر أحبارهم على محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة على الرغم من تأكدهم من نُبوته. إن الموازين هنا مختلفة، فالكذب جائز على غير اليهودي وكذلك سرقة ماله بل وقتله إن أمكن، وفي التلمود أمثلة عديدة على ذلك.

 

أما لماذا الولاء والانتماء هو الأساس؟ فلأن طبيعة نظرة اليهودي إلى نفسه وجماعته مختلفة تماماً عن نظرته للآخرين. فاليهود يؤمنون أن روح الله "تعالى الله عما يقولون" حلَّت في شعبه اليهودي (عقيدة الحلول)، وبالتالي فهم يؤمنون أنهم شعب مقدَّس مختلف، أو كما هو معروف من قولهم أنهم" شعب الله المختار"، أو أنهم ﴿أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾[101]. واليهودية في أساسها دين منغلق على أصحابها لا تسعى للتوسع والانتشار، ويعتقدون أن ربهم "يهوه" هو إلههم الخاص بهم وليس لباقي الأمم. وأن الله خلق الأمم الأخرى "الجوييم" أو "الأغيار" على شكل بشر حتى يأنس بهم اليهود، مع حقهم بأن يفعلوا بهم ما يريدون، ومن هنا جاء التطابق بين العقيدة والقومية لدى اليهود، وأن الهوية اليهودية ترتكز على النسب أكثر منه على الاعتقاد الديني، وأنها دين جماعية عرقية معينة. ولا فرق عند اليهودي بين دينه وقوميته، ولا معنى لأحدهما دون الآخر، فالديانة اليهودية قومية، كما أن القومية اليهودية دين، ولا زال التيار العام لليهود والمعتمد رسمياً في الكيان الصهيوني هو الذي يُعرف اليهودي بأنه المولود من أم يهودية[102].

ثم إن نظرة اليهود إلى مسألة القداسة فيما يتعلق بالله والأنبياء تختلف عن الكيفية التي ينظر بها غيرهم. فإذا كان اليهود شعباً "مقدساً" مختاراً، فإن الله - تعالى عما يقولون - يفقد الكثير من قداسته، فالله في نظرهم يُخطئ ويبكي ويندم ويتعلم التلمود ويلعب مع الحوت، ويحلف الأيمان ويحنث ويتحلل منها، ويناقش الحاخامات في المسائل ويغلبونه[103].

 

كما أن الأنبياء يفقدون الكثير من مكانتهم واحترامهم، فهم غير منـزهين، ويرتكبون الموبقات فينسب اليهود إلى يعقوب عليه السلام السرقة والرشوة والخداع والسكوت عن زنا ابنتيه وأولاده، بل والشرك بربه. وينسبون إلى داود عليه السلام الزنا بزوجة أحد جنوده ثم التسبب بقتل هذا الجندي. كما ينسبون إلى سليمان عليه السلام أن نساءه أوقعنه في الوثنية، وأنه أشرك بربه بتقربه إلى عشتروت إلهة الصيدونيين[104].

 

وهكذا، فعندما يفقد الرب وأنبياؤه قداستهم بينما يبقى الشعب مقدساً، فماذا نتوقع؟، ما هي القدوة والنموذج الذي سيحتذي به هذا الشعب؟ وما هي المعايير الأخلاقية التي ستحكمه؟ إن موازيين التّدين ودرجاته ستكون ذات اعتبارات ودلالات مختلفة. وصحيحٌ أنه سيكون هناك يهود سيركزون على الجانب القومي، وآخرون على الجانب الثقافي...، غير أن إطار الولاء والانتماء للجماعة اليهودية سيبقى المحك الفاصل لديهم.

إن أول حاخام أكبر لليهود في فلسطين "ابراهام اسحق كوك"Abraham Kook، (1868- 1935) الذي عُدَّ أكبر قوة موجهة في الحياة العامة لليهود في عصره، كان يؤمن أن الحركة القومية [أو الصهيونية بتعبير آخر] على الرغم من اتجاهاتها العلمانية البادية على أتباعها، فإنها في التحليل النهائي والأخير ليست إلا حركة دينية في جوهرها وحقيقتها، وأنها تصدر أصلاً عن نزعة دينية "هي الصفة الراسخة لليهود التي اختصوا بها من بين الأمم الأخرى". ويرى أن هذه الحركة القومية هي "حركة روحية خالصة على الرغم من نزعتها العلمانية وميول قادتها التي لا تعكس ظاهرياً روحاً متدينة". ويرى أن السلوك اللاديني البادي للعيان ليس كفراً أو جحوداً وزيغاً عن الدين، بقدر ما هو عدم اكتراث نتيجة قصور في الفهم، أو عجز في الإدراك. وقد أظهر كوك قدراً كبيراً من التفهم والتسامح وحسن المعاشرة معهم لاعتقاده أن " الأرض المقدسة من حيث كونها مظهراً لكل الكمالات الإلهية السامية، سوف تلعب دورها الروحي في تصحيح سلوك هؤلاء المقصرين ظاهرياً"[105]. وقد تمتع كوك بنفوذ واسع في صفوف اليهود الأرثوذكس، وبذل جهداً استثنائياً لإقناعهم بالانضمام للصهيونية[106].

 

إن الفكرة المركزية في الأيديولوجية الصهيونية هي الامتزاج والتداخل الكامل بين القداسة والقومية، وهي تعبر عن نفسها في الإنسان والمكان والزمان، وأهم عناصرها الإنسان أي الإنسان المقدس أو الشعب اليهودي المقدس. وستجد أن رؤية اليهود بوصفهم شعباً مقدساً تتكرر في مقولات هرتزل "الليبرالي"، وبن جوريون العمالي الاشتراكي، وبورخوف الشيوعي، وإن كانت تتخفى دائماً تحت "ديباجات" مراوغة[107].

وكان الحاخام الأكبر كوك يقول: "إن الله قد حلّ في الأمة، وبذا أصبحت إسرائيل مشبعة بروح الله، بروح الاسم المقدس"، ويقول:" إن كل ممتلكات إسرائيل القومية العزيزة على قلوب اليهود - الأرض واللغة والتاريخ والعادات - إن هي إلا أوعية لروح الرب"، وإن "روح إسرائيل وروح الله هما شيء واحد"[108]. أما الحاخام شختر فكان يقول:" عندما وجدت إسرائيل نفسها وجدت إلهها"[109]. وفي رأي الحاخام أيوجين بورويتس فإن ثمة تمازجاً كاملاً بين الله والشعب، ولذلك فحرب 1967 لم تكن مسألة عسكرية بل مسألة لاهوتية، وإن ما كان مهدداً في هذه الحرب، لم يكن دولة إسرائيل أو حتى الشعب اليهودي" وإنما الله نفسه"!!![110].

 

وكان الحاخام لاناو يشير إلى أن البرنامج الصهيوني يدور حول فكرة واحدة" وكل القيم الأخرى إن هي إلا أداة في يد هذا المطلق"، ثم حدد هذا المطلق بأنه الأمة (الشعب اليهودي)[111].

ولا يختلف هذا الطرح عما ذكره التلمود من أن أرواح اليهود تتميز عن باقي الأرواح بأنها "جزء من الله كما أن الابن جزء من والده"[112]. ولذلك فحسب التلمود فإنه إذا ضرب شخصٌ غير يهوديٍ يهودياً فكأنه" ضرب العزة الإلهية"، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق بين اليهود وباقي الشعوب[113].

 

ويذكر المسيري أن ما يسمى "لاهوت البقاء" أو "لا هوت ما بعد أوشويتس" هو الذي يسيطر الآن على التفكير الديني اليهودي. وهو لاهوت ينطلق من القول أن الله قد هجر اليهود أو حتى خانهم "فهو إله شرير"، أو أنه غير موجود أساساً "لاهوت موت الله"، ومع هذا فالشعب اليهودي شعب مقدس (حتى لو مات الله أو خان) - تعالى الله عما يقولون - وأن قداسته لا تنبع من أي مصدر خارج نفسه، وبالتالي واجب الشعب الأساسي هو "البقاء"، وليس إعلان كلمة الحق أو نشر المحبة.... [114].

 

وبالتالي هل يمكن أن ننظر إلى ملحدي وعلماني اليهود بالدرجة نفسها التي ننظر بها إلى ملحدي وعلمانيي المسلمين مثلاً. وبعبارة أخرى: إن حالة المسخ والتشويه الذي تعرضت له العقيدة اليهودية أفرزت بالضرورة أمثال تلك الاختلالات في أتباعها، فإن تنكر أحدهم لربه أو تعاليم دينه فإنه لا يفعل شيئاً كبيراً (كما ينظر المسلمون للمسألة)، ما دام هذا اليهودي على ولائه وانتمائه لهذا "الشعب المقدس"، وهو بذلك يقوم بمهمة "دينية" - وإن لم يكن متديناً - لأن الشعب أصبح مصدر القداسة، وأصبح الدين اليهودي هو التعبير الديني عن روح الأمة اليهودية، وليس العكس.

 

والحركة الصهيونية قدمت نفسها امتداداً لليهودية وليس نقيضاً لها، واستخدم الصهاينة وحتى الملاحدة منهم مقولات دينية [115]، وتعاملوا مع دينهم اليهودي بروح أكثر إيجابية وانفتاحاً من تلك التي أظهرها من ألحد من المسلمين والنصارى. وكان ماكس نوردو Max Nordau القيادي الصهيوني الكبير (والذي كان مقرباً إلى هرتزل، وعمل رئيساً أو نائباً لرئيس عدد من المؤتمرات الصهيونية) يُعدُّ ملحداً، ولكنه عدّ الدين "مصدراً لطاقة بناء كاملة". وكان جابوتنسكي V. Jabotinsky يعد ملحداً أيضاً - وهو مؤسس الصهيونية التنقيحية والأب الروحي لبيغن وتجمع الليكود - وقد تحدث عن نفسه بوصفه بنَّاءً يسهم في بناء معبد جديد لربه الذي أسماه "الشعب اليهودي". أما نحمين سيركين القيادي الصهيوني الاشتراكي فأشار إلى اليهودي المقدس بوصفه نبياً وشهيداً بل ومسيحاً مصلوباً!! وتحدث الملحد موشيه ليلينبلوم قائلاً إن "الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة . . . فلا مؤمنون ولا كفار، لأننا كلنا مقدسون سواء كنا غير مؤمنين أو أرثوذكسيين"[116].

 

 وهكذا فإن هذا المفكر الصهيوني رغم إلحاده إلا أنه لا يزال يعدّ نفسه مقدساً!! وقد حاول المفكر الصهيوني كلاتزكين توضيح الأمر فقال إن اليهودية "تعتمد على الشكل لا على المضمون"، وهذا الشكل الأساسي - كما يقول- هو تخليص الشعب اليهودي للأرض، أما المضامين الروحية والفكرية فهي تختلف بشكل راديكالي وهذا لا يهم لأن "مضمون الحياة نفسه سيصبح قومياً عندما تصبح أشكالها قومية"[117]. ولا يهتم بن جوريون - المؤسس الفعلي للكيان الصهيوني وأول رئيس وزراء - إن كان مَنْحُ اللهِ أرضَ كنعان لليهود حقيقة إلهية أم لا، بل المهم عنده أن هذه الأسطورة مغروسة في وجدان الشعب اليهودي، ويحب أن تبقى سارية المفعول، حتى ولو ثبت غير ذلك"[118]. أي أن مصدر الشرعية عنده ليس بالضرورة الوحي الإلهي وإنما الشعب " الذي حلت فيه الروح الإلهية"، ويكفي أن يقتنع الشعب بذلك ليصبح هذا أمراً مشروعاً وحقاً لا نزاع فيه.

إن الحديث بعد ذلك عن وجودية هرتزل وعلمانيته الصارمة، التي وصلت حد الإلحاد حتى أنه تعمد إنتهاك الشعائر اليهودية عندما زار القدس ، أو عن استهزاء ماكس نوردو بالتوراة وقوله إنها "طفولية بوصفها فلسفة، ومقزرة بوصفها "نظاماً أخلاقياً"، أو عن تلذذ حاييم وايزمن أحياناً بمضايقة الحاخامات بشأن الطعام المباح شرعاً ...[119] إن الحديث عن ذلك كله وغيره ينبغي أن يوضع في إطاره المحدود، فهؤلاء لم يفعلوا شيئاً كبيراً قياساً إلى ما نسبوا فعله إلى ربهم وأنبيائهم، ولأن هؤلاء في نهاية الأمر وفي خلاصة التحليل خدموا التطلعات اليهودية الدينية في فلسطين، وسعوا إلى إنقاذ بني دينهم (قومهم) والارتقاء بهم وبناء دولة لهم. كما اتسعت حركتهم الصهيونية للتيارات الصهيونية الدينية وغيرها، كما اتسعت دولتهم الصهيونية بعد ذلك لهذه التيارات لتعبر عن نفسها، بحرية وتشارك في القيادة السياسية، وتفرض شروطها حسب ما يتيح لها وزنها في النظام الانتخابي الديمقراطي الحر. وبالتالي فإن شيوعية أو علمانية هؤلاء لم تكن "إقصائية" أو "استئصالية"، وإنما متعايشة بل ومتكاملة مع غيرها. وظلت خدمة "الشعب المقدس" هي الرابطة التي تجمعهم، ولذلك لم تخل الوزارة الإسرائيلية منذ إنشاء الكيان الصهيوني 1948 وحتى الآن من وزراء يمثلون الأحزاب الدينية، ويمسكون بوزارات حساسة كالداخلية والتعليم.

 

ومن جهة أخرى، فإن رؤية الأيديولوجية الصهيونية للأرض هي نموذج للتماثل مع اليهودية، وعلى الرغم من أن الحركة الصهيونية في البدايات الأولى، ولأسباب براغماتية عملية لم تمانع في أن تحصل على "مأوى مؤقت"، في غير فلسطين (في أوغندة 1903)، ريثما يتسنى لها الحصول على فلسطين، إلا أنها سرعان ما حسمت أمرها (في 1905) بالتركيز فقط على فلسطين. والفكر اليهودي-الصهيوني يركز على الارتباط العضوي بين الله والشعب والأرض، وحسب الحاخام حاييم لانداو:" إن روح شعبنا لا تستطيع التعبير عن نفسها إلا إذا عادت الحياة القومية إلى أرضنا من جديد"، لأن "القبس الإلهي لا يؤثر في شعبنا إلا وهو في أرضه"[120]. وعندما سئل موشيه دايان (رئيس الأركان ووزير الدفاع ووزير الخارجية سابقاً في الدولة الصهيونية) بخصوص دعاوى الصهاينة الدينية والتاريخية في فلسطين المحتلة قال:" هذا أساس الوجود الإسرائيلي، إنه واحد من العناصر الثلاث التي تشكل إسرائيل وهي الشعب اليهودي والكتاب المقدس وأرض اليهود"، ولذلك "إذا اجتمعت التوراة وأمة التوراة فلا بد أن تكون معها أرض التوراة"[121].

 

ويؤكد الحاخام هاكوهين فيشمان ميمون أول وزير للشئون الدينية في "إسرائيل" أن الصلة بين الشعب اليهودي وأرضه المقدسة هي سر من الأسرار الدينية وأن "اليهود وهم في الشتات لهم صلة مباشرة بها ، صلة سماوية وأبدية". وينبني على ذلك أن وجود الفلسطينيين في نظر اليهود الصهاينة هو وجود هامشي وغير معتبر، ولا قيمة لعدده ولا للمدة التي قضاها في فلسطين، حتى لو كانت أضعاف ما عاشه اليهود أنفسهم. وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكي المتصهين كلينتون فإن مشكلة فلسطين تكمن في أن اليهود عندما رجعوا إلى وطنهم وجدوا أن هناك شعباً آخر!![122]

ومن هنا جاءت مقولات وشعارات اليهود "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، كما كانت تذكر بصياغة أخرى " أرض مقدسة بلا شعب مقدس، لشعب مقدس بلا أرض مقدسة"[123]. وإذا كانت العبارة الثانية تعترف ضمناً بوجود شعب في فلسطين إلا أنها تنـزع عنه الحق لأنه غير مقدس، وعليه أن يسلمها للشعب المقدس ليعود إلى أرضه المقدسة.

 

 

 

 

 الاتجاهات والمدارس الصهيونية:

يظهر للدارس أن الاتجاهات الأيديولوجية الصهيونية ـ على الرغم مما يبدو عليها من خلاف - إلا أنها تلعب أدواراً متكاملة، ولها في نهاية المطاف نسق أيديولوجي واحد. إذ يؤمن جميع الصهاينة بـ" فكرة العودة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولة يهودية، تعبر عن الروح الخالدة للشعب اليهودي، وتكون حلاً للمشكلة اليهودية"، وهذه نقطة البداية والنهاية لهم جميعاً، والركيزة التي تستند عليها تحالفاتهم، أما المحتوى الاجتماعي للدولة فهي مسألة غير ملحة ومؤجلة[124].

 

وهناك أربعة اتجاهات ومدارس صهيونية تتفرع عنها اتجاهات وانقسامات أخرى، فهناك:

المدرسة الأولى: الصهيونية السياسية: وزعيمها الأول هرتزل، وهي التي سعت إلى تحويل المشكلة اليهودية إلى مشكلة سياسية دولية. وترى أن اليهود شعب ذو قومية محددة، وهو غير قادر على الاندماج في المجتمعات الأخرى، ولا يمكن حل مشكلته إلا بأن يصبح شعباً مثل كل الشعوب، ولن يحصل ذلك إلا عن طريق تهجير اليهود إلى فلسطين، ليعيشوا في وطن يهودي تحكمه دولة صهيونية، ولا يمكن تنفيذ هذا الطموح إلا بإشراف المجتمع الدولي وبمساندة القوى الكبرى، ومن أهم دعاة هذه المدرسة جاكوب كلاتزكين (1882 - 1948)، وماكس نوردو[125].

 

وتعد الصهيونية التنقيحية أو المراجعة استمراراً للصهيونية السياسية ويعد فلاديمير جابوتنسكي V. Jabotinsky ، المنظّر الأساسي لها. وهي تُغلّب الجانب القومي على الجانب الديني، كما تؤكد على العنف وسيلة للتعامل مع الفلسطينيين. وهي ذات توجهات ليبرالية رأسمالية، وتتمثل أساساً في تحالف الليكود في الكيان الصهيوني، ويعد بيغن وشامير ونتنياهو وشارون امتداداً لهذه المدرسة[126].

 

المدرسة الثانية: هي الصهيونية العمالية "الاشتراكية": وهي تدّعي أن التركيب الاجتماعي والحضاري اليهودي مختلف عن غيره، وبالتالي فهو غير قادر على الاندماج مع الأوساط الأخرى. وتدعو إلى برنامج عمل قائم على تحقيق الأهداف الصهيونية على أسس اشتراكية. وداخل هذه المدرسة هناك تيار بوروخوف (1881 - 1917) Ber Borochov، الذي حاول توظيف المنهج الماركسي لخدمة الرؤية الصهيونية والذي أكد على حتمية الحل الصهيوني، لتزويد الطبقات اليهودية الهامشية بقاعدة إنتاج!! [قاعدة الإنتاج هنا هي أرض فلسطين!!]. وهناك تيار ناحام سيركين (1868- 1924) N. Syrkin الذي ركز على العنصر الخلقي، ووحدة الرؤية اليهودية.

 

وهناك تيار أهارون جوردون (1856- 1922) A. Gordon الذي ركز على الجانب النفسي، وإلى اقتحام الأرض والعمل.

وقد شاعت أفكار سيركين وجوردون بالذات في الأوساط العمالية اليهودية. وعلى أكتاف هذا التيار قام البناء الاقتصادي والسياسي الفعلي للكيان الصهيوني، فقد ركز على الجانب العملي في الهجرة والاستيطان وبناء المؤسسات والقوة العسكرية فكان من نتاجه تـأسيس الهستدروت والمستوطنات الزراعية (الكيبوتسات)، وقوات الهاجاناه، وهي الأدوات التي استخدمت لإنشاء الدولة الصهيونية[127].

وهذا التيار هو الذي قاد الكيان الصهيوني منذ إنشائه سنة 1948 وحتى سنة 1977 من خلال حزب الماباي Mabai وحلفائه، وما عرف فيما بعد بتكتل حزب العمل، وتتمثل قيادته التاريخية في بن جوريون وموشيه شاريت، وجولدا مائير وليفي أشكول واسحق رابين وشمعون بيريز، وقد نزل في انتخابات سنة 1999 تحت لافتة "إسرائيل واحدة" بزعامة إيهود باراك.

 

المدرسة الثالثة: الصهيونية الدينية: وهي تُغلّب الجانب الديني على الجانب القومي، وتسعى لتطبيق الشعائر اليهودية والشرائع السماوية والاحتكام إلى التوراة. وهي قسمان: القسم الأول: رأى أن الصهيونية السياسية على الرغم من علمانيتها الظاهرة إلا أنها ستسهم بالضرورة في خدمة القيم الدينية. وأنها في التحليل النهائي ليست إلا حركة دينية في حقيقتها وجوهرها، وقد انضم هذا القسم للمشروع الصهيوني منذ بداياته، ومن رُوّاده الأوائل الحاخام كاليشر، والحاخام موهيليفير (1924 - 1898) وكذلك اسحق كوك ولانداو، وأخذ هذا التيار شكله المنظم سنة 1902 بتأسيس حركة مزراحي "مركز روحي". ولخصت رؤيتها في شعار "التوراة والعمل". والامتداد الحزبي الحالي لهذا التيار يتمثل في حزب المفدال "الحزب القومي الديني"، ومن أبرز قادته حاييم شابيرا، ويوسف بورغ، ويتسحاق رفائيل، وزفولون هامر، وقد انشق عنه سنة 1981 حزب تامي، كما انشق عنه سنة 1983 حزب مَتْساد[128].

 

أما القسم الثاني من الصهيونية الدينية: فقد رفض الصهيونية في البداية، بل وحاربها بوصفها مخالفة لتعاليم اليهودية، وكفراً ومروقاً من الدين وتخريباً للأسس الروحية والمادية للطوائف الروحية في العالم، وتمرداً على المشيئة الإلهية، وتعود بداية تكتل هذا التيار إلى سنة 1909، وأنشأ هذا التيار لنفسه حزب "أغودات إسرائيل" سنة 1912. لكنه مع مرور الوقت تبنى الهجرة والاستيطان وتعاون مع المؤسسات الصهيونية، ورأى أن "وعد بلفور" يتسق مع الوعد الإلهي، وسحب معارضته لقيام دولة يهودية، ويشارك باستمرار في الانتخابات والحكومات الائتلافية سواء العمل أو الليكود. وفي الوقت نفسه، يرفض الاعتراف من ناحية دينية بـ"إسرائيل" دولةً يهوديةً، ولا يعترف بعلمها ونشيدها ورموزها ومناسباتها الوطنية، ويرفض خدمة شبانه في الجيش الإسرائيلي !! ومع ذلك يتسع صدر الدولة الصهيونية له ولأمثاله؟! ومن الرموز القديمة الأولى لهذا الحزب يتسحاق هاليفي، وإسحق ليفين. وقد تعرض هذا الحزب لعدة انشقاقات، ومن عباءته خرجت أحزاب شاس سنة 1984، و ديجيل هاتوراه سنة 1988[129].

 

المدرسة الرابعة: الصهيونية الثقافية: وهي ترى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد استمرارية اليهودية هو فقدان اليهود للإحساس بالوحدة والترابط وضعف تمسكهم بقيمهم وتقاليدهم. وهي تركز على توفر المناخ النفسي الملائم لليهود، وتجمّع اليهود في فلسطين لتكون المركز الروحي لليهودية، وإحياء قيمها وثقافتها. والفرق بينها وبين المدرسة الدينية أنه على الرغم من أن كليهما يؤمن بالقيم اليهودية، إلا أن الصهيونية الدينية ترى أن مصدر هذه القيم هو الله، أما الصهيونية الثقافية فترى أن القيم جزء من التراث والثقافة المرتبطة بإنجازات وبتاريخ الشعب اليهودي، أي أن الشعب هو مصدر القداسة. أي أنها ركزت على الجانب الداخلي في المشكلة اليهودية سبيلاً للإحياء اليهودي، وقدمت القومية اليهودية في هيئة رومانسية، ويطلق عليها بعض الكُتَّاب صهيونية عضوية Organic.

وأبرز دعاة الصهيونية الثقافية هو آشر جينـزبرغ (1856 - 1927) Aser Ginsberg ، المشهور بآحاد هاعام Ahad Ha’am، ثم مارتن بوبر، وهذه الصهيونية ليس لها أحزاب محددة في الكيان الصهيوني، لأنها تعبر عن موقف يمكن أن يتبناه أي صهيوني، كالاهتمام باللغة العبرية والثقافة اليهودية[130].

 

وبشكل عام فإن الحركة الصهيونية أثبتت مرونة في استيعاب هذه التيارات التي يظهر عليها التناقض، كما أثبتت التيارات إمكانية التعايش في أجواء الخلاف، بل والاستفادة من تناقضاتها لخدمة المشروع الصهيوني، وظلت الأفكار السياسية (اشتراكية، ليبرالية، شيوعية . . ) مضامين فكرية مضافة إلى بنية الأيديولوجية الصهيونية يمكن حذفها أو الاستغناء عنها أو عن بعضها عند الحاجة دون أن تتأثر البنية الأساسية. فمثلاً نجد أن حزبي المباي الاشتراكي والمبام اليساري حافظا على تحالف "إسرائيل" مع أمريكا والغرب، وأيدا التدخل الأمريكي في فيتنام، ووافقا على الاستثمارات الأجنبية الخاصة في "إسرائيل"، وتحالفا مع الأحزاب الدينية في الحكم. والليبراليون والرأسماليون يتحالفون مع الأحزاب الدينية ، ويأتلفون مع الأحزاب الاشتراكية ، ويقبلون عدداً من السمات الاشتراكية للدولة، كالكيبوتسات، ومؤسسة الهستدروت، ودور الدولة في القطاع العام..، كما أن الأحزاب الدينية مستعدة للمشاركة في الحكم، وتحقيق مكاسب حسب حجمها ، ولا تُصرّ عاجلاً على تطبيق تعاليمها الدينية[131].

 

وهكذا فإن الصهيونية الحقة تمزج بين جميع التيارات (صهيونية توفيقية)، فهي تتحرك دبلوماسياً لتنال التأييد "سياسية"، ويُوجِدُ المستوطنون حقائق على أرض الواقع تجعل التراجع عنها مستحيلاً (عملية)، وتجمع الضرائب وتشجع الرأسمال اليهودي (التنقيحية والمراجعة)، وتزود التنظيمات العمالية بالمساعدات (عمالية اشتراكية)، وتعبر عن فلسفة قومية (لا دينية)، وتقدم نفسها على أنها التعبير الوحيد عن اليهودية والمدافع عن التراث اليهودي (دينية)[132].


 

 
 

الفصل الثاني

الكيان اليهودي الصهيوني ويهود العالم

 

النظام السياسي في الكيان الصهيوني:

جرى الإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني "إسرائيل" في مساء 14 مايو 1948، حيث تمكن خلال حرب 1948 من احتلال 20770 كم2 أي نحو 77% من أرض فلسطين. وكان عدد السكان اليهود في ذلك الوقت 650 ألفاً. وقد تمكن من احتلال باقي فلسطين في حرب 1967 كما احتل مرتفعات الجولان السورية وسيناء المصرية. وضم إليه رسمياً كلاً من القدس الشرقية والجولان السورية لتصبح المساحة الكلية التي يدعيها لكيانه 21946كم2، وليصبح عدد سكانه في نهاية عام 2000 (حسب إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء في الكيان الصهيوني) حوالي ستة ملايين و 369 ألفاً، بينهم أربعة ملايين و 955 ألف يهودي أي 77.8% من السكان، وهناك نحو 201 ألفاً لم يحددوا دينهم ولعل معظمهم من أصول يهودية. أما السكان العرب فيبلغ عددهم مليوناً و 188.7 ألفاً، أي 18.66% من السكان[133]. واسم الكيان الصهيوني رسمياً "دولة إسرائيل"، ويسمونها بلغتهم العبرية "مدينة يسرائيل" Madinat Yisrael، ونظام الحكم برلماني ديمقراطي، والعاصمة الرسمية المُدَّعاة هي القدس منذ سنة 1950. ولا يوجد للكيان الصهيوني دستور رسمي مكتوب، ربما حتى يتجنبوا الخلاف مع بعضهم حول الهوية العلمانية أو الدينية للدولة، وكذلك حتى يتجنبوا تحديد حدود الدولة اليهودية، إذ إن الكيان الصهيوني لم يحدد حدوده الرسمية بعد، مما يكشف عن مطامع مستقبلية في التوسع وضم الأراضي. والصهاينة يفرقون بين "دولة إسرائيل" و"أرض إسرائيل" Eretz Yisrael، ويعتقدون أن دولتهم لا تشمل "أرض إسرائيل" كافة، بل ويعد الكثير منهم بلداً كالأردن أرضاً إسرائيلية محتلة من العرب!!، وظل ذلك جزءاً من برامج حزب الليكود حتى انتخابات سنة 1992.

 

وتتركز السلطات في يد رئيس الوزراء، أما رئيس الدولة فهو منصب رمزي لا يملك سوى صلاحيات شكلية. وهناك مجلس تشريعي واحد "برلمان"، منتخب هو الكنيست Knesset ، ويملك صلاحيات تشريعية واسعة، وسلطات رقابية قوية على أداء الحكومة. وعدد أعضاء البرلمان "الكنيست" منذ إنشاء الكيان الصهيوني وحتى الآن 120 عضواً. وتتم طريقة الانتخاب على أساس أن كل الكيان الإسرائيلي دائرة انتخابية واحدة، وتحصل الأحزاب على مقاعدها في الكنيست بحسب نسبة الأصوات الكلية التي تحصل عليها (مثلاً: 25% تساوي 30 مقعداً وهكذا). ويُضعف هذا النظام من فرص فوز المستقلين أو الشخصيات ذات القاعدة المحلية الصغيرة، بينما يعطي فرصاً أفضل للعمل الحزبي المنظم في إطار قطري، لكن هذا النظام يُضعف من فرص حصول أي حزب على الأغلبية المطلقة لعدد المقاعد وبالتالي فإنه سيضطر للتحالف مع أحزاب أخرى للحصول على الثقة. وهذا يضعف من فرص الاستقرار السياسي، كما يعطي للأحزاب الصغيرة قدرة أكبر على فرض شروطها على الأحزاب الكبيرة، في سبيل تشكيل الحكومة. وهذا ما تفعله الأحزاب الدينية عادة، والتي شاركت في كل الحكومات الإسرائيلية منذ إنشاء هذا الكيان. ومن الجدير بالذكر أن أياً من الأحزاب الإسرائيلية لم يحصل على الأغلبية المطلقة في الكنيست منذ أول انتخابات سنة 1949 وحتى آخر انتخابات سنة 1999[134].

 

ومنذ سنة 1949 وحتى 1996 كان الحزب الذي يفوز في الانتخابات يقرر رئيس الوزراء من بين الفائزين في عضوية الكنيست، ولكن منذ عام 1996 صار يتم انتخاب رئيس الوزراء مباشرة من الناخبين، حتى وإن لم يحصل حزبه على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، وعلى هذا الأساس تم انتخاب نتنياهو 1996، ثم باراك 1999، ثم شارون في فبراير 2001. وعلى ما يظهر فإنه سيتم العودة إلى النظام السابق مرة أخرى في الانتخابات القادمة.

 

الأحزاب السياسية:

يتسم النظام الحزبي في الكيان الصهيوني بعدة سمات:

1. كثرة الأحزاب وتوالي ظهور أحزاب جديدة، ففي انتخابات سنة 1992، شاركت 25 قائمة انتخابية بعضها مركب من ثلاث أحزاب. وتعكس كثرة الأحزاب التباينات والاختلافات الدينية والقومية والاجتماعية والاقتصادية بين اليهود (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى).

2. كثرة الانشقاقات والاندماجات بين الأحزاب، حيث يجد المرء نفسه وكأنه أمام لعبة الحل والتركيب!!، وقد يخرج أفراد أو مجموعات لينضموا إلى حزب آخر، ويشكلوا حزباً جديداً، ثم ليعودوا للتحالف مع رفاقهم السابقين أو خصومهم، بل والاندماج ثانية. وحتى الأحزاب الكبيرة تتحالف أو تندمج أو تَفضّ الشراكة مع غيرها بين فترة وأخرى، حسب أحوال بورصة الانتخابات. غير أن هذه اللعبة عادة ما تتم ضمن تيارات متشابهة إلى حد ما (عمالية - يمينية- دينية).

 

3. معظم الأحزاب الكبيرة والقديمة ليست أحزاب سياسية فقط، وإنما لها أنشطة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وطبية واسعة النطاق، ويعود ذلك إلى خلفيات أدوارها في الهجرة والاستيطان قبل إنشاء الكيان الصهيوني، و هي عندما تتولى الحكومة فإنها لا تتورع عن تقديم الدعم والخدمات لمؤسساتها، مثل المخصصات المالية للهستدروت والكيبوتسات، أو لشبكات التعليم الديني.. وغيرها[135].

 

4. الدور العسكري والأمني في الحياة السياسية، فالجيش يشارك في الانتخابات والمؤسسات الأمنية لها دور أساسي في صناعة القرار السياسي، وفوق ذلك، فإن العسكريين حال تقاعدهم سرعان ما يتحولون إلى قادة سياسيين نشطين في العمل الحزبي، ويتم استيعابهم بسهولة في الأحزاب حيث يتبوءون مناصب رفيعة، أمثال موشيه دايان وإسحق رابين وشارون وباراك ورفائيل إيتان ونتنياهو وغيرهم كثير.

5. قدرة الأحزاب على التعايش والوصول إلى حلول وسط، حيث كل شيء تقريباً قابل للمساومة بين المتدينين والعلمانيين واليساريين واليمينيين..

وحسب التقسيمات التقليدية فإن الأحزاب الإسرائيلية تنقسم إلى ثلاثة معسكرات هي

1- اليسار             2- اليمين         3- والأحزاب الدينية.

 

وهذا التقسيم لا يرتبط بالضرورة بالأطروحات الاشتراكية أو الليبرالية، بل يرجع أساساً إلى الموقف من ثلاث قضايا أساسية هي: مصير المناطق العربية المحتلة، وعلاقة الدين بالدولة، والنظام الاقتصادي. ولذلك نرى حزب شينوي يدرج مع قائمة اليسار مع أن طرحه ليبرالي (يميني)، كما نجد حزب تسوميت يدرج مع أحزاب اليمين مع أن طرحه أقرب إلى حزب العمل (اشتراكي)، لأن تصنيف حزبي شينوي وتسوميت تم أساساً بناء على موقفهما من قضية الأراضي العربية المحتلة، كما أن الكثير يصنف الأحزاب العربية في قائمة اليسار على الرغم من البون الشاسع بينهما[136].

 

أما أهم أحزاب معسكر اليسار فهو "حزب العمل"،[137] ويمكن عدّه استمراراً لحزب مباي، الذي ظل الحزب الأقوى في الساحة الإسرائيلية حتى سنة 1968، عندما اتحد هذا الحزب مع حزبي أحدوت هفعودا بوعالي تسيون، ورافي، وهما حزبان كانا قد انشقا أصلاً عن هذا الحزب. وتوالى على قيادة حزب العمل بعد تشكيله سنة 1968 جولدا مائير، وتبادل اسحق رابين وشمعون بيريز المواقع على قيادة الحزب بين 1974 - 1996، ثم تولى رئاسته إيهود باراك إلى أن استقال بعد هزيمته في الانتخابات في 6 فبراير 2001، وشارك هذا الحزب في انتخابات 1999 تحت قائمة جديدة اسمها إسرائيل واحدة (يسرائيل آخات).

 

ويتبنى الحزب سياسات أكثر ميلاً للاشتراكية (المختلطة بعناصر ليبرالية)، ويبدو في الظاهر أكثر ميلاً إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين والعرب، لكنه لا يختلف عن الأحزاب الإسرائيلية الأخرى في سياسة الاستيطان وضم الأراضي، والموقف من القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني وكذلك في تحقيق الاعتبارات الأمنية..، ويبدو أكثر قدرة على المراوغة واللعب السياسي في الوقت الذي ينشط فيه لتثبيت حقائق يهودية جديدة على الأرض. وعلى الرغم من أنه يطرح نفسه حزباً يسارياً اشتراكياً فإنه يحظى في أوساط الطبقة المتوسطة بتأييد أكبر مما يحظى به في أوساط الطبقة العاملة، لأن أغلبية اليهود الغربيين (الأشكناز) تميل للتصويت له بينما يميل اليهود الشرقيون (السفارديم) (وهي الطبقات الأكثر فقراً)، إلى التصويت لأحزاب اليمين وحزب شاس الديني.

وقد ظل تيار حزب العمل يحكم الكيان الصهيوني 1948 - 1977، ثم شارك في حكومات وحدة وطنية مع الليكود في فترات متقطعة 1984 - 1992، وتولى الحكم بنفسه 1992 - 1996، ثم 1999 - 2001. وقد حصل هذا الحزب على 44 مقعداً في انتخابات 1992، و 34 مقعداً في انتخابات 1996، و 26 مقعداً في انتخابات 1999، مما يشير إلى تضاؤل نفوذ الحزب وتفتت الأصوات على مجموعة أخرى من الأحزاب الصغيرة.

 

ومن الأحزاب المحسوبة على معسكر اليسار حركة ميرتس Meretz.[138] بمعنى "الحيوية"، وهي تكتل يجمع ثلاثة أحزاب هي مبام (تأسس سنة 1948)، وراتس (تأسس 1973)، وشينوي (تأسس 1974)، وهي خليط من الديمقراطية والاشتراكية (مبام)، والليبرالية (شينوي)، والوسط (راتس)، وقد تشكلت سنة 1992، ويجمعها رؤيتها للتسوية السلمية مع العرب. وبرنامجها السياسي يدعو لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في منطقة الضفة والقطاع، ووقف الاستيطان، على أن تكون القدس عاصمة موحدة لـ"إسرائيل"، مع عمل ترتيبات أمنية صارمة في المناطق التي سيتم الجلاء عنها، وقد حصلت هذه الكتلة على 12 مقعداً في انتخابات 1992، و9 مقاعد في انتخابات 1996، و 10 مقاعد في انتخابات 1999. ويظهر أن شينوي عاد للانفصال عن هذا التجمع سنة 1999 ونزل لوحده وفاز بستة مقاعد.

 

أما معسكر أحزاب اليمين فيتكون أساساً من الليكود Likud [139](التكتل)، وهو حزب تأسس سنة 1973 من تكتل حزبي حيروت (الحرية)، والليبرالي (الأحرار)، الذين كانا متكتلين في كتلة غاحل منذ 1965 فضلاً عن حزبين صغيرين هما المركز الحر والقائمة الرسمية، وكذلك مجموعة كانت تنتمي إلى حركة "أرض إسرائيل الكاملة". وقد دعا إلى هذا الاتحاد الجنرال أرييل شارون إثر استقالته من الجيش سنة 1973 وانضمامه لحزب الأحرار. والحزب الأقوى في هذا التجمع هو حزب حيروت الذي كان يرأسه مناحيم بيغن منذ سنة 1948 وحتى 1983، وقد أسسته العصابات الإرهابية المعروفة بـ "إيتسل"، (إرغون تسفائي ليئومي أي المنظمة العسكرية القومية)، وقد تمكن حيروت من ابتلاع باقي أحزاب التكتل ودمجها فيه منذ 1985. والنقطة المركزية في برنامج الليكود السياسي تتمثل في "حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل الكاملة"، وهو بالتالي يعد أكثر تشدداً في موضوع التنازل عن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة للفلسطينيين، ويؤيد الاستيطان ويدعمه بقوة. ويظهر ميلاً أكبر للعدوانية والعنف. وفي الناحية الاقتصادية يمثل التيار الليبرالي - الرأسمالي. وقد تمكن الحزب من الحكم 1977- 1984، ثم اضطر لمشاركة حزب العمل في الحكم 1984- 1992، ثم عاد للحكم 1996- 1999. ورغم أن الحزب حصل على مقاعد أقل من حزب العمل سنة 1996، إلا أن انتخاب "الإسرائيليين" المباشر لنتنياهو زعيم الليكود أعطى المجال لليكود للحكم.

 

وقد عانى الليكود من انقسامات أضعفت قوته كانسحاب ديفيد ليفي (وزير الخارجية في حكومة شامير)، وتأسيسه حركة غيشر Gesher سنة 1996، (ثم عاد للتحالف مع الليكود) ثم تحالف مع العمل ثم انسحب منه!!، وعانى الليكود من انسحاب اسحق مردخاي وزير الدفاع في حكومة نتنياهو وتأسيسه حزب المركز Merkaz سنة 1999، حيث نزل في الانتخابات منفرداً وفاز بستة مقاعد. وقد حصل الليكود على 32 مقعداً في انتخابات 1992 وانتخابات 1996، وفي انتخابات 1999 حصل على 19 مقعداً فقط، مما يؤكد ظاهرة تفتت الأحزاب الكبيرة.

 

ويوجد في معسكر اليمين أحزاب أخرى صغيرة[140]، أهمها حزب تسوميت (مفترق الطرق)، Tsomet، الذي تأسس برئاسة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق روفائيل إيتان، وحزب هتحيا (البعث)، الذي تأسس سنة 1979 برئاسة يغال نئمان رئيس جامعة تل أبيب وقتئذ، وحزب موليدت (الوطن)، الذي تأسس سنة 1988 برئاسة اللواء احتياط رحبعام زئيفي، والأحزاب الثلاثة هذه أشد تطرفاً من الليكود وأكثر وضوحاً وشراسة في العداء ضد الفلسطينيين، ويدعو موليدت مثلاً بشكل مكشوف لطرد طوعي للفلسطينيين من الضفة والقطاع، ووضعهم تحت ظروف لا تحتمل بحيث يؤدي ذلك إلى خروجهم.

 

ومن الأحزاب التي يمكن أن توضع في خانة اليمين حزب "إسرائيل باعالياه" (إسرائيل والهجرة)، والذي يتكون أساساً من المهاجرين الروس الجدد برئاسة ناتان شارانسكي، والذي حصل في انتخابات 1996 على سبعة مقاعد وفي 1999 حصل على ستة مقاعد، وهو يؤكد على دعم الهجرة والاستيطان.

أما الأحزاب الدينية فقد شكّلت عادة القوة الثالثة في البرلمان، وأمكنها وضعها، الذي يمكن أن يتأرجح للتحالف مع اليسار أو اليمين، وترجيح كفة على أخرى، من فرض شروطها في كثير من الأحيان على الأحزاب الكبيرة، ولكن بدرجة معقولة لا تؤدي إلى تحالف الحزبين الكبيرين وبالتالي إهمالها.

 

ومن أقدم الأحزاب الدينية حزب المفدال "الحزب القومي الديني"[141]، الذي تشكل سنة 1956 امتداداً لمزراحي وهبوعيل همزراحي. وشارك جميع الحكومات الائتلافية مع حرب المباي/العمل حتى 1977، وكان يتولى تقليدياً وزارتي الأديان والداخلية، وكان يركز على القضايا ذات الطابع الديني وخدمة جمهور المتدينين اجتماعياً وصحياً وتعليمياً، ويقلل من التدخل في الأمور ذات الصلة بالأمور السياسية والاقتصادية والأمنية. لكنه مع صعود الليكود للحكم بدأ يتحول إلى حزب متطرف سياسياً وقومياً يضع على رأس اهتماماته فكرة "ارض إسرائيل الكبرى". وفي العقود الثلاثة الأولى من قيام الكيان الصهيوني كان الحزب يحصل على 10 - 12 مقعداً ، لكنه تعرض لانشقاقات في الثمانينات من القرن العشرين أضعفته (انشقاق مجموعات شكلت حزبي تامي ومتساد)، فانخفض عدد مقاعده إلى 6 مقاعد سنة 1992، و9 مقاعد سنة 1996، و5 مقاعد سنة 1999، والحزب يتشكل أساساً من اليهود الغربيين الأشكناز، وهو برئاسة اسحق ليفي.

 

ومن الأحزاب الدينية القديمة حزب "أغودات إسرائيل"[142] الذي أشير إليه سابقاً، وهو حزب لم تزد قاعدته الانتخابية منذ إنشاء الكيان الصهيوني عن 2 - 6 مقاعد، وقرارات الحزب المهمة يتخذها "مجلس حكماء التوراة". والحزب أقرب إلى اليمين المتشدد في برنامجه السياسي، لكن عدداً كبيراً من زعمائه النافذين وعلى رأسهم الحاخام اليعزر شاخ مستعدون للقبول بالتخلي عن أجزاء من أرض "إسرائيل" في الوقت الراهن، على أساس أنه لا يوجد ما يشير إلى أن عملية الخلاص الإلهي - بقدوم الماشيح - قد بدأت حسب اعتقادهم، وقد انشق عن هذا الحزب حزب ديجيل هاتوراه (لواء التوراة) سنة 1988، لكن الحزبين أخذا في النـزول في تحالف واحد (يهودت هاتوراه) منذ 1992، حيث حصلا على 4 مقاعد، وفي 1996 على 4 مقاعد أيضاً، وفي 1999 على 5 مقاعد، ويقود هذا التحالف مئير بوروش.

 

وفي سنة 1984 تشكل حزب شاس[143] "شومري توراه سفارديم" أي السفارديون المحافظون على التوراة، بانشقاق عن حزب أغودات إسرائيل. وقد تم ذلك بتشجيع من الحاخام شاخ، والحاخام عوفاديا يوسف الحاخام الأكبر السابق لليهود السفارديين احتجاجاً على سيطرة اليهود الغربيين (الأشكناز) على الحزب. ويسعى شاس لإرساء قواعد الدولة والمجتمع على أسس التوراة، ولكنه أكثر انفتاحاً و"اعتدالاً" في التعامل مع الأحزاب السياسية العلمانية وغير المتدينة، وهو يتحدث بشكلين، الأول: لهجة دينية متزمتة ، و الثاني: صوت طائفي يمثل السفارديين، مُركزاً على الارتباط بالتقاليد وليس على أداء الفرائض، وقد تمكن شاس من النمو بشكل سريع على حساب الحزب القومي الديني وحزب الليكود، ليزيد عدد مقاعده من مقعدين سنة 1984 إلى ستة مقاعد سنة 1992، إلى عشرة مقاعد سنة 1996، إلى 17 مقعداً سنة 1999، ليقترب من الحجم الذي تملكه الأحزاب الكبرى (26 العمل، و 19 الليكود).

وهناك فئة رابعة من الأحزاب في الكيان الصهيوني وهي ما يمكن أن يطلق عليه الأحزاب العربية[144]، ويجمع هذه الأحزاب أمرين، الأول: الدعوة إلى تحصيل الحقوق المدنية الكاملة والمساواة التامة للأقلية العربية في الكيان الصهيوني (الأرض المحتلة عام 1948)، وهي تمثل نحو 20% من السكان، والثاني: تأييد انسحاب الصهاينة من الضفة الغربية والقطاع، وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة عليها. لكننا يجب أن ننبه إلى أن حجم هذه الأحزاب الانتخابي لا يمثل بدقة حقيقية ميول الأقلية العربية أو توازن القوى داخلها، لأن هناك فئات عربية لا تزال ترفض المشاركة في النظام السياسي الإسرائيلي، وتقاطع الانتخابات، وعلى رأسها الفصيل الأوسع في الحركة الإسلامية الذي يرأسه الشيخ رائد صلاح،حيث أن له قاعدة جماهيرية لا يستهان بها، وكذلك حركة أبناء البلد ذات التوجهات الوطنية.

 

أما أقدم الأحزاب المحسوبة على الوسط العربي فهو حزب راكاح (حداش) وهو حزب شيوعي تعود جذوره إلى سنة 1919 عندما أسسه مجموعة من اليهود، وبدأ بعض الفلسطينيين العرب يدخلونه منذ العشرينيات لكنه تعرض لعدة أزمات، كان أهمها خروج معظم الجناح العربي عنه وتأسيس عصبة التحرر الوطني سنة 1943. وبعد قيام الكيان الصهيوني وحد الشيوعيون هناك صفوفهم تحت اسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي)، والذي اعترف بالكيان الصهيوني وقرار التقسيم. ولأنه أيّد الحقوق المدنية للفلسطينيين في أرض 1948 فقد ظهر حزباً مدافعاً عن الأقلية العربية وسط الأحزاب الصهيونية الأخرى، وأصبحت غالبية أعضائه من العرب. وقد انقسم هذا الحزب سنة 1965 حيث شكل الشطر ذو الأغلبية العربية حزب راكاح بقيادة توفيق طوبي ومئير فلنر، بينما ضَمُر الشطر ذو الأغلبية اليهودية حتى اختفى. وفي سنة 1977 شكل الحزب قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، ومع أواخر الثمانينيات أخذ يتأكد الطابع العربي لهذا الحزب وإن بقيت فيه أقلية يهودية ضئيلة. وكان العصر الذهبي لهذا الحزب هو فترة السبعينيات من القرن العشرين إذا حصل في سنة 1973 على 37% من الأصوات العربية وفي سنة 1977 على 51% من هذه الأصوات. غير أنه أخذ بالتراجع، وفي أواخر التسعينيات فَقَدَ مركزه كحزب أول في الوسط العربي. ويرأس الحزب محمد بركة، وقد حصل الحزب على ثلاثة مقاعد سنة 1992، وخمسة مقاعد سنة 1996 (بالتحالف مع التجمع الوطني الديمقراطي)، وثلاثة مقاعد سنة 1999.

 

وفي سنة 1984 تشكلت القائمة التقدمية للسلام وهي حزب مكون من مجموعات عربية ويهودية برئاسة محمد ميعاري ومتتياهو بيليد، وقد فازت بمقعدين في انتخابات 1984 وبمقعد واحد في انتخابات 1988، وعانت من خلافات بين أعضائها العرب واليهود أدت لانسحابات كثيرة من الطرفين، وتحولت منذ أوائل التسعينيات إلى حزب عربي صغير لم يفز بأي مقعد سنة 1992.

 

وكان الحزب الديمقراطي العربي هو أول حزب عربي صرف منذ نشأته، وقد أسسه سنة 1988 عبد الوهاب الدراوشة الذي كان عضواً في حزب العمل الإسرائيلي، وممثلاً له في الكنيست. وهو لا يختلف كثيراً في برنامجه السياسي عن راكاح والقائمة التقدمية في السعي لتحقيق الحقوق الكاملة للعرب في الكيان الصهيوني، وإقامة الدولة الفلسطينية على أرض الضفة والقطاع. وقد حصل في انتخابات 1988 على مقعد واحد، ثم على مقعدين سنة 1992، ثم إنه تحالف مع جناح من الحركة الإسلامية ( عبد الله نمر درويش، وعبد المالك دهامشة)، في انتخابات 1996، باسم القائمة العربية الموحدة التي فازت بأربعة مقاعد، واستطاعت القائمة أن تبرز في انتخابات 1999 كأقوى ممثل للصوت العربي وتفوز بخمسة مقاعد.

وهناك التجمع الوطني الديمقراطي (بلد) بزعامة عزمي بشارة الذي تحالف سنة 1996 مع حداش، لكنه نزل في انتخابات 1999 متحالفاً مع أحمد الطيبي مستشار ياسر عرفات وقوائم أخرى صغيرة وفاز بمقعدين.

 

أما أبرز ملاحظاتنا على اتجاهات الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وأداء الأحزاب:

1. هناك اتجاه نحو تفتت الكتلتين الكبيرتين العمل والليكود، وضعف تدريجي لقاعدتهما الحزبية (انظر الجدول)، وهو يشير إلى نوع من عدم الاستقرار السياسي، كما أن هذا يمكن أن يدفع الحزبين للتحالف حتى لا يدفعا ثمناً باهظاً للأحزاب الصغيرة.

2. هناك ازدياد في نفوذ الأحزاب الدينية، وخصوصاً حزب شاس الذي أخذ يقترب من معايير الأحزاب الكبرى، وهذا لا يعكس فقط ازدياد التطرف لدى المجتمع الإسرائيلي، وإنما يعكس أيضاً ازدياد حالة الانقسام بين اليهود الشرقيين (السفارديين)، واليهود الغربيين (الأشكناز).

 

3. إن تبادل المواقع وضعف أو قوة بعض الاتجاهات الصهيونية لا تعني تحولاً كبيراً في نظرة اليهود للصراع العربي الإسلامي معهم، فالاستراتيجيات لا تزال متشابهة تقريباً، خصوصاً لدى الأحزاب المؤثرة.

4. هناك تراجع واضح في نفوذ الأحزاب الصهيونية في الوسط العربي الذي أخذ يعطي أصواتاً أكثر للأحزاب العربية المحلية، وفي انتخابات 1999 كان هناك 13 عربياً في الكنيست (9 للقوائم العربية ، واثنين لحزب العمل، وواحد لميرتس، وواحد لليكود)، وتتمتع بعض الأحزاب الصهيونية بوضع أفضل وسط الدروز مقارنة بالعرب من المسلمين السنة والنصارى، كما يمكنها الحصول على أعداد لا بأس بها من الأصوات العربية، والجدول التالي يبين نتائج أهم الأحزاب الإسرائيلية في آخر ثلاثة انتخابات[145]:

 

أحزاب أخرى

المركز

شينوي

القائمة العربية الموحدة

حداش

إسرائيل بعالياه

ميرتس

القومي الديني

المفدال

شاس

الليكود

العمل

 

13

-

-

-

3

-

12

4

6

6

32

44

الكنيست الثالث عشر سنة 1992

6

-

-

4

5

7

9

4

9

10

32

34

الكنيست الرابع عشر سنة 1996

29

6

6

5

3

6

10

5

5

17

19

26

الكنيست الخامس عشر سنة 1999

13

-

15

2

3

2

6

6

5

11

38

19

الكنيست السادس عشر سنة 2003


 

وإذا أردنا أن نوضح الفروقات والاختلافات بين الأحزاب الصهيونية في نظرتها لحل القضية الفلسطينية، فإننا نلاحظ أن تيار حزب العمل ومن على يساره يركزون أكثر على المحافظة على نقاء الدولة اليهودية، بحيث تحتفظ الدولة بأغلبية ساحقة يهودية. بينما يركز تيار الليكود على المحافظة على "أرض إسرائيل" دون تفكيكها. وفي الحالتين يُفضِّل التياران الحصول على الأرض دون ضم السكان العرب لكيان الدولة اليهودية حتى لا تفقد صبغتها. وفي الحالتين ينشط الحزبان في عمليات الاستيطان والضم التدريجي للأرض وتهويدها. وفي الوقت الذي يسعى حزب العمل لتلميع صورة الكيان الإسرائيلي في الخارج وإظهارها بوجه حضاري ديمقراطي، فإن هذا الأمر لا يشكل أولوية لليكود إذا ما تعارض ذلك مع تحقيق برنامجه على الأرض، وهو مطمئن إلى السند الأمريكي، وإلى النفوذ اليهودي "ولوبياته" المنتشرة في العالم. وبينما يُبدي حزب العمل استعداداً أكبر للانسحاب من معظم أراضي الضفة والقطاع في التسوية النهائية، حفاظاً على الطبيعة اليهودية للدولة، فإن الليكود ومن على يمينه يراهنون على التمسك بأكبر قدر ممكن من الأراضي، والمحافظة على هوية الدولة اليهودية من خلال وضع الفلسطينيين في ظروف اقتصادية واجتماعية ومعنوية لا تمكنهم من الثبات على الأرض وتضطرهم للهجرة التدريجية.

 

وبينما يستقرئ حزب العمل مخاطر وجود الكيان الصهيوني في أجواء معادية من حوله ستؤدي في النهاية مهما طال الزمن إلى اقتلاعه وتدميره، عندما يمتلك العرب والمسلمون أسباب القوة، فإنه يسعى لعقد تسوية تنهي حالة العداء وتضمن وجوده كياناً طبيعياً في المنطقة. ويسعى لتحقيق الرؤية التوسعية الصهيونية من خلال هيمنة اقتصادية في المنطقة، دون ضرورة احتلالها أو التوسع العسكري فيها، لإدراكه أن الحقائق السكانية الديموغرافية، والأوضاع السياسية إقليمياً ودولياً لا تسمح بمثل هذا التوسع. أما تيار الليكود فإنه لا يستعجل التسوية، لأنه يرى أن الظروف الحالية تعمل لصالح الكيان الصهيوني، وبالتالي فلا يزال هناك متسع لتحقيق شروط أفضل، وانتزاع مكاسب أكبر، وبناء حقائق على الأرض، يستحيل بعد ذلك التراجع عنها.

أما التيار الديني الصهيوني فإن فيه من يؤيد توجه حزب العمل على أساس أن قدسية الإنسان اليهودي مقدمة على قدسية الأرض، فيجوز السلام والانسحاب من الأرض لمنع سفك الدم اليهودي. كما يؤكد على عدم ضرورة التمسك بكل الأرض لأن مسيحهم المنتظر "المسيا" لم يظهر بعد، كما لم تظهر بوادر قدومه إلى الآن). وهناك اتجاه آخر يميل إلى حزب الليكود مؤكداً على قدسية الأرض وعدم جواز التنازل عنها.

 

الأوضاع السكانية في الكيان الصهيوني

حسب تقديرات المكتب الإسرائيلي المركزي للإحصاء (وهو مؤسسة حكومية رسمية) فإن عدد سكان الكيان الصهيوني (الأراضي المحتلة سنة 1948، وشرقي القدس، والجولان) بلغ في يناير 2002 ستة ملايين و 514 ألفاً[146]، ويشمل هذا العدد نحو 190 ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية و20 ألفاً في الجولان، و6500 في قطاع غزة، و190 ألفاً في شرقي القدس.

ويوزع الجدول التالي التركيبة السكانية في الكيان الإسرائيلي حسب أرقام المكتب الإسرائيلي المركزي للإحصاء في نهاية سنة 2000 (بالألف)[147]:

 

 

الفئة

 

يهود

عرب

غير محدد الدين

مسيحيون آخرون

آخرون عرب

المجموع

مسلمون

مسيحيون

دروز

العدد بالألف

4955.4

970

111.4

103.8

201.5

23.7

3.5

6369.3

 

وربما كان معظم أولئك الذين لم يحددوا دينهم من أصول يهودية، وعادة ما يقوم الكيان الإسرائيلي بضم أعدادهم إلى عدد اليهود في إحصاءاته تحت بند يهود وآخرون. وعلى الرغم من أن الكيان الصهيوني مضى على تشكيله أكثر من ثلاث وخمسين عاماً إلا أن معظم اليهود الذي يعيشون الآن في فلسطين المحتلة ولدوا خارجها كما يوضح الجدول التالي (حسب إحصاءات كتاب الحقائق العالمي الذي تنشره المخابرات الأمريكية (CIA) في يوليو 2000)[148]:

 

مواليد فلسطين المحتلة

مواليد آسيا

مواليد إفريقيا

مواليد أمريكا وأوروبا

 

1.215.230

736.150

853.00

1.875.427

العدد

25.97%

15.73%

18.23%

40.7%

النسبة

 

أي نحو ثلاثة أرباع اليهود في الكيان الصهيوني مهاجرون عاشوا في بلدان أخرى، وحملوا جنسياتها وجوازاتها قبل أن يأتوا إلى فلسطين، مع ملاحظة أن معظم أبناء الربع الباقي ممن ولدوا في فلسطين يعودون إلى آباء أو أجداد هاجروا إلى فلسطين، وبعبارة أخرى فإن المجتمع اليهودي مجتمع مصطنع لم تضرب جذوره بعد في الأرض، هذا فضلاً عن أن النسب المشار إليها تدل على الاختلافات العرقية والمذهبية والثقافات في تركيبة المجتمعات اليهودية القادمة إلى فلسطين. كما أن هذا يبين أن الهجرة اليهودية ظلت العامل الأكثر حسماً في الحفاظ على الطبيعة اليهودية للدولة، إذ هاجر إلى فلسطين المحتلة منذ إنشاء الكيان الصهيوني 1948 وحتى سنة 2000 نحو مليونين و 800 ألف يهودي[149]، ولو جمعنا أعداد هؤلاء فضلاً عن ذرياتهم لأدركنا أن اليهود لو استمروا في نموهم الطبيعي (650 ألفاً سنة 1948) لما زادت أعدادهم الحالية عن نحو مليون ونصف تقريباً.

لقد قدم انهيار الاتحاد السوفييتي خدمة هائلة في تثبيت دعائم الكيان الصهيوني سكانياً إذ هاجر إليه منذ 1989 وحتى مايو 2000 مليون يهودي من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة[150].

 

ويبدو أنه قد كان لانتفاضة الأقصى أثر سلبي على معدلات الهجرة اليهودية إلى الكيان الإسرائيلي، إذ حسب الإحصاءات الرسمية "الإسرائيلية" انخفضت الهجرة اليهودية من 76766 يهودياً سنة 1999 إلى 60196 سنة 2000 إلى 43580 سنة 2001، وبلغت في الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2002 ما مجموعه 9940 بانخفاض بنسبة 30% عن الهجرة في الفترة نفسها من سنة 2001[151].

ومن جهة أخرى فإن 28 % فقط من اليهود في فلسطين هم دون سن الخامسة عشر، أما المعدل السنوي للزيادة السكانية فهو 1.58%، ومعدل المواليد السنوي 19.12 لكل ألف، أما معدل الوفيات فهو 6.22 لكل ألف، أما معدل خصوبة المرأة الإسرائيلية فهو2.57 طفل لكل عائلة، وهو بين ثلث إلى نصف خصوبة المرأة الفلسطينية في الأرض المحتلة عام 1948[152]. ولو استمر الوضع على حاله لتحول اليهود إلى أقلية مع مرور الزمن، لكنهم يحافظون على الفارق من خلال معدلات الهجرة العالية إلى الكيان الصهيوني.

 

الأوضاع الاقتصادية في الكيان الصهيوني

حسب إحصاءات 2000 فقد حقق الكيان الصهيوني ناتجاً قومياً مقداره 110.2 بليون دولار أمريكي، وبلغت نسبة النمو للعام نفسه 5.9%، أما المعدل السنوي لدخل الفرد فبلغ 18900 دولار أمريكي وهو من أعلى الدخول في العالم. وتبلغ قوة العمل مليونان و 400 ألف تتوزع على قطاع الخدمات 31.2%، والصناعة 20.2%، والمال والأعمال 13.1%، و التجارة 12.8%، والبناء 7.5%، وغيرها، أما الزراعة وصيد الأسماك والغابات فلا تزيد عن 2.6% ، أما نسبة العاطلين عن العمل فتبلغ 9.1%[153].

 

وتشير ميزانية سنة 2000 إلى إيرادات مقدارها 40 بليون دولار أمريكي وإلى نفقات مقدارها 42.4 بليون دولار أمريكي. وتبلغ قيمة الصادرات السنوية (حسب سنة 2001) نحو 29058.8 مليون دولار أمريكي، والواردات 33303.2 مليون دولار أمريكي، وأكبر شريك تجاري تصدر إليه وتستورد منه هو الولايات المتحدة الأمريكية (38.2% من الصادرات و20.1% من الواردات حسب سنة 2001)، وتبلغ قيمة الديون الخارجية "لإسرائيل" 38 بليون دولار (حسب إحصاءات 2000)، وتتلقى دعماً سنوياً اقتصادياً وعسكرياً من الولايات المتحدة يبلغ ثلاثة بليونات ومائة مليون دولار أمريكي[154].

أما أهم الصادرات الإسرائيلية فهي الآليات والأجهزة الكهربائية والكمبيوتر، والجواهر والأسلحة والكيماويات والفواكه الحمضية، ومن الملفت للنظر أن الكيان الصهيوني هو من أكبر مصدري الألماس في العالم، رغم أنه لا توجد إطلاقاً مناجم للجواهر في فلسطين!. إذ يستورد الصهاينة ما تزيد قيمته عن بليون دولار أمريكي سنوياً من الألماس، ويقومون بتصنيعها وتصدير ما قيمته أكثر من ستة بلايين دولار أمريكي سنوياً، (انظر الجدول المرفق) وهي الصنعة التي ارتبط بها اليهود منذ قرون كثيرة.

 

ويسعى الكيان الصهيوني لكسر حاجز المقاطعة العربية والإسلامية لمنتجاته ومصنوعاته، من خلال عقد العلاقات الدبلوماسية وبرامج التطبيع. وعلى الرغم من أن الشعوب العربية والإسلامية ترفض شراء المنتجات الإسرائيلية، إلا أن الصهاينة يحتالون على ذلك من خلال إعادة التصدير من عدد من البلدان مثل قبرص وسنغافورة، أو من خلال وكلاء عرب ومسلمين يتولون الترويج لمنتوجاتهم، وتشير بعض التقديرات إلى أن الكيان الصهيوني يصدر سنوياً ما قيمته 300 - 500 مليون دولار إلى الدول العربية[155].

 

إن أبرز نجاحات الاقتصاد الإسرائيلي وهو يدخل القرن الواحد والعشرين هو نجاحه في مضاعفة الناتج القومي بنحو سبعة أضعاف خلال سبعة عشر عاماً (15.3 بليون إلى 110.2 بليون دولار أمريكي خلال الفترة من 1983-2000)، وتمكنه من كبح جماح التضخم وتحقيق نسبة نمو مرتفعة خلال التسعينيات، وهو لم يعد تحت رحمة المساعدات الأمريكية والهبات الخارجية التي كانت تشكل نحو 25% من دخله القومي (حوالي 4 بليون سنة 1983)، لتصبح أقل من 4% فقط في سنة 2000، وإن ظل مبلغ المساعدة نفسه دونما تغير[156]. وبلا شك فقد استفاد الكيان الصهيوني من حالة التسوية السلمية مع مصر والأردن و م.ت.ف في تثبيت نفسه، وبناء شبكة علاقات سياسية واقتصادية واسعة، بعد أن كان يعاني من العزلة ومن حالة الحرب.


 

ويوضح الجدول التالي أهم الصادرات الإسرائيلية حسب مكتب الإحصاء الإسرائيلي الرسمي بالمليون دولار الأمريكي[157]:

 

2000

1999

1990

 

702.1

782.3

657.2

صادرات زراعية

1144.1

1136.1

733.2

أقمشة وملابس

3470.9

2987.3

1490

كيماويات ومنتجات كيماوية

1069.9

1028.5

363

مصنوعات بلاستيكية ومطاطية

1124

1012.9

628.4

آليات ومعدات

7341

4225

909.2

إلكترونيات وكهربائيات

1948.9

1709.8

729.3

معدات صناعية للتحكم والرقابة

7939.9

6441.6

3236.1

مجوهرات (ألماس)

1721.9

1327

271.1

ألماس غير مصنع

472.6

463.6

339.6

ذهب، فضة، ومجوهرات أخرى

4468.5

3902.5

2569.4

صادرات أخرى

31403.8

25016.6

11926.6

مجموع الصادرات

- 3063

- 2238.5

- 476.7

صادرات مرتجعة (معظمها ألماس)

28340

22778.1

11499.9

مجموع صافي الصادرات

 

وعلى الرغم من أن هناك جزءاً مرتجعاً من صادرات الألماس قيمته 452.7 مليون دولار سنة 1990، و 2238.5 مليون دولار سنة 1999، و2856.1 مليون دولار سنة 2000[158]. إلا أن صادرات الألماس ظلت الأولى والأهم في القائمة الإسرائيلية وكانت صادرات الألماس تشكل 42.3% من مجمل الصادرات الإسرائيلية لسنة 1970[159]، إلا أن النسبة أخذت بالانخفاض التدريجي مع تزايد صادرات الكيماويات والكهربائيات، غير أنها لا تزال تمثل نحو ربع (25%) الصادرات الإسرائيلية.

 

وتشير الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية (حسب المكتب الإسرائيلي المركزي للإحصاء) أن مجموع الصادرات لسنة 2001 كان 29058.8 مليون دولار (أي أقل بـ 2372 مليون دولار عن سنة 2000)، وهذا يعكس أثر انتفاضة الأقصى، ليس فقط في إيقاف نمو الاقتصاد الإسرائيلي وإنما في تراجعه أيضاً. كما تشير إحصاءات الصادرات في الأربعة أشهر الأولى لسنة 2002 إلى تراجع بقيمة 760.8 مليون دولار عن صادرات الأشهر الأربعة الأولى لسنة 2001.

 

وتعد الصناعات العسكرية من أهم الصناعات في الكيان الصهيوني، وهي مرتبطة بطبيعته الاستيطانية العدوانية القائمة على الاغتصاب والقهر، وتوجد مصانع متطورة تنتج طائرات ودبابات وصواريخ وأسلحة خفيفة، فضلاً عن الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، التي يتسم إنتاجها بالسرية الشديدة، ويستفيد الكيان الصهيوني من درجة التنسيق العالية مع الصناعات العسكرية الصهيونية، وسماح الأمريكان له بالاطلاع على الكثير من أسرارها. وهناك شركات كبرى تتبع وزارة الدفاع، وشركات خاصة أخرى لها صلات وثيقة بهذه الوزارة. وتشير بعض التقديرات إلى أن هناك نحو 120 ألف عامل في هذه الصناعات، كما تشير التقديرات إلى أن نصف عدد العلماء والمهندسين مرتبط بصورة أو بأخرى بصناعة السلاح[160]. والمهم في الأمر أن الكيان الصهيوني جاد في تحصين نفسه، وضمان تفوقه الساحق في المجالات العسكرية على البلاد العربية مجتمعة. ولا تظهر الصادرات العسكرية بشكل واضح في الصادرات الإسرائيلية، غير أن المؤسسات المتخصصة، وما تنقله وسائل الإعلام الصهيونية تشير إلى أن الكيان الصهيوني يحتل المرتبة الخامسة في قائمة أكبر مصدر للسلاح في العالم، بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا، حيث بلغت قيمة العقود التي تم توقيعها عام 1999 ما يزيد عن ألفي مليون دولار أمريكي. وتستطيع الصناعات الإسرائيلية أن تنافس الدول الكبرى خصوصاً في الأسلحة الخفيفة، ومعدات الحرب الإلكترونية وأجهزة التنصت والتشويش والرؤية الليلية، وفي إدخال تحسينات على الطائرات الموجودة[161].

 

الأوضاع العسكرية

على الرغم من صغر القاعدة البشرية الصهيونية في فلسطين (حوالي خمسة ملايين) إلا أن الكيان الصهيوني حافظ على قوة عسكرية ضخمة، تمكنه وفق الاعتبارات المادية من هزيمة الدول العربية مجتمعة، ذلك لأنه يعلم أن وجوده بوصفه قوة محتلة في وسطٍ مُعادٍ مرتبط بمدى قوته العسكرية. ويعتمد الكيان الصهيوني فكرة عسكرة المجتمع فالتجنيد والتدريب يبدأ منذ سن الخامسة عشر من خلال المنظمات شبه العسكرية، ثم من سن 18 - 21 تكون الخدمة العسكرية الإلزامية، ثم خدمة الاحتياط من سن 21- 49 سنة، والتجنيد الإلزامي يشمل الإناث والذكور. وفي سنة 2000 كان عدد الرجال اللائقين للخدمة العسكرية (سن 15 - 49) مليوناً و 227 ألفاً، ومن النساء مليوناً و192 ألفاً[162]. وبسبب التكاليف الباهظة للجيوش الكبيرة المتفرعة، فقد سعت الاستراتيجية الصهيونية إلى التركيز على ثلاثة جوانب:

 

1- جيش عامل محدود، وجيش احتياط كبير (جيش رادع في حالة السلم، وشعب مُجيّش في الحرب).

2- تأهيل وتدريب نوعي للجنود، بحيث يحافظون على لياقة ومعنويات عالية، ويتقنون استخدام الأسلحة ومهارات القتال المختلفة.

3- توفير أفضل الأسلحة، وأرقى التقنيات العسكرية وأكثرها دماراً، لتعوض أي نقص محتمل في الأعداد.

وحسب الإحصاءات شبه الرسمية، فقد حافظت القوات العسكرية على أعداد متقاربة خلال العشرين سنة الماضية، وتشير الأرقام إلى أن الجيش الصهيوني العامل المتفرغ يبلغ نحو 178 ألف جندي، منهم 136 ألفاً قوات برية، و 33 ألفاً قوات جوية، و9 آلاف قوات بحرية. أما قوات الاحتياط فتبلغ 427 ألفاً، وهي قوات ذات تجهيز عالٍ، إذ يمكن أن يتم تعبئتها بشكل كامل، ودخولها بفعالية في الخدمة خلال أربعة أيام. أما أصحاب الأعمار 18- 39 من قوات الاحتياط، فوحداتهم جاهزة بنسبة 80 - 90% ويمكن تعبئتهم جميعاً خلال 48 ساعة. وعلى الرغم من ضخامة الجيش اليهودي الصهيوني حسب الإحصاءات غير الرسمية (605 ألف عاملين واحتياط) إلا أن مؤشرات التجنيد الإلزامي للرجال والنساء، ومن هم في عمر الخدمة العسكرية، تؤكد إمكانية تجنيد ما يزيد عن مليون مقاتل بسهولة خلال الحرب. كما تجب الإشارة إلى وجود وحدات عسكرية خاصة تسمى الناحال، وهي تجمع بين العمل العسكري والاستيطان الزراعي في المستوطنات الاستراتيجية والحدودية، وهي مكونة من 7500 جندي، وكذلك وحدات حرس الحدود المكونة من 6 آلاف جندي[163].

 

وهناك عوامل أثّرت في تحديد الاستراتيجية العسكرية الصهيونية أهمها العامل الجغرافي، فمساحة فلسطين المحتلة صغيرة (27 ألف كم2)، وشكلها طولي ضيق وحدودها طويلة، وهناك العامل البشري، فعدد السكان محدود وضئيل بالنسبة للعرب والمسلمين، والعامل الثالث وجود الكيان الصهيوني اليهودي في وسط مُعادٍ، سواء من حيث المنطقة التي تحتلها، أو الشعوب التي حولها. وقد أضعف ذلك قدرة القوات الصهيونية على المناورة، وعلى تحمل الحروب الطويلة، كما أن أية هزيمة حاسمة ربما تعني نهاية الدولة نفسها، ولذلك أقام الكيان الصهيوني اليهودي استراتيجية عسكرية على الأسس التالية:

1-   عسكرة المجتمع اليهودي في فلسطين، ورفع كفاءة المقاتل ونوعية السلاح.

2-   الحرب الوقائية: بالسعي إلى استباق أي معركة محتملة والمبادأة فيها.

3-   الردع: بمنع الخصم من مباشرة القتال وذلك باستخدام أساليب مختلفة غير القتال، أي منع الدول العربية المحيطة و م.ت. ف عن التفكير أو العمل على إلغاء الكيان الصهيوني .

4-   التفوق: بالسعي إلى الحفاظ على ميزان للقوى يحفظ "لإسرائيل" تفوقها العسكري على البلاد العربية مجتمعة. وضمان ذلك من خلال التعهدات والاتفاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بالحفاظ على هذا الميزان.

5-   نقل المعركة إلى أرض "العدو".

6-   إيجاد عمق استراتيجي من خلال بناء المستوطنات العسكرية، واحتلال أراضي الخصم (مثلاً: الجولان وسيناء) وإيجاد الأحزمة الأمنية مثل جنوب لبنان.

7-   المرونة: حيث تتمتع الوحدات المقاتلة بمرونة عالية، وتمتلك زمام المبادرة والاستقلالية في القرارات التكتيكية، حتى لا يهدر الوقت وتضيع الفرص.

8-   الإقلال قدر الإمكان من الخسائر البشرية، بالاعتماد إلى أقصى حد على القوة النارية والحرب الآلية والطيران[164].

وعلى ذلك فإن الكيان الصهيوني قائم أساساً على نظرية الأمن والعنف وإمكانية الحرب في أي لحظة، ولذلك تبنى مبادئ الحرب القائمة على الهجوم والدفاع والمفاجأة وسرعة الحركة وحرب الصاعقة.

 

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن النفقات العسكرية لسنة 1999 بلغت ثمانية مليارات و 700 مليون دولار، وهو ما يساوي 9.4% من "الناتج القومي الإسرائيلي"[165]. غير أن مؤسسات الدراسات الاستراتيجية المتخصصة تذهب إلى أن الإنفاق أعلى من ذلك. لاستبعاد عدد من النفقات العسكرية من الظهور في الميزانية. كما يشير إلى ذلك المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن IISS، والذي قدر النفقات العسكرية الصهيونية لسنة 1997 بـ11 ملياراً و700 مليون دولار[166]. وكانت النفقات العسكرية مقارنة بالناتج القومي قد وصلت إلى قمتها في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، حيث وصلت إلى نحو 32.8% خلال 1973 - 1975، وفي النصف الأول من الثمانينيات كان معدلها 23.2%،[167] وانخفضت النسبة في التسعينيات إلى نحو 12%، والسبب الرئيس في ذلك الانخفاض لا يعود إلى تخفيض النفقات نفسها وإنما إلى تضاعف الناتج القومي عدة مرات، فبعد أن كان مثلاً في سنة 1983 يساوي 15300 مليون أصبح في سنة 2000 يساوي 105000 مليون دولار. ولو طبقنا النسب لوجدنا أن النفقات العسكرية قد زادت ولم تنخفض. ثم إن حالة التسوية السلمية مع مصر والأردن و م.ت. ف قد قلّلت عملياً من احتمالات الحرب الشاملة، وأعانت الكيان الصهيوني على إعطاء نسب أعلى للاقتصاد والتنمية. وعلى أي حال، فإن الإحصاءات تشير إلى مجموع النفقات العسكرية لدول الطوق مجتمعة (مصر وسوريا والأردن ولبنان)، سنة 1997 بلغ ستة بلايين و 72 مليوناً، أي نصف النفقات العسكرية الإسرائيلية تقريباً، وذلك حسب أرقام المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن IISS، ويبين الجدول التالي ضخامة الإنفاق العسكري الصهيوني (وفق إحصاءات 1997) مقارنة بدول الطوق العربي:

 


 

لبنان

الأردن

سوريا

مصر

الكيان الصهيوني

 

55

104

320

450

178

عدد الجيش بالألف

676

496

2200

2700

11700

النفقات العسكرية بالمليون دولار

200

110

147

42

1983

النفقات العسكرية لكل فرد من السكان بالدولار

 

والأرقام التي نشرها الكتاب السنوي للمخابرات الأمريكية حول بلدان العالم لسنة 2000 لا يظهر أية فروقات ذات معنى عما في الجدول السابق، ولم نستطع الاعتماد عليه لأنه يعتمد الميزانيات المعلنة فقط لهذه الدول .

 

وتقدر القوة العسكرية الإسرائيلية بـ 742 طائرة مقاتلة، و 253 طائرة هليوكبتر، و93 طائرة نقل، و 136 طائرة تدريب، و 3895 دبابة، و 5300 ناقلة، و 1925 قطعة مدفعية، و 58 قطعة بحرية، و3 غواصات، و11 سفينة إنزال[168]. ولا تكمن أهمية هذه الأسلحة في عددها، وإنما في نوعيتها فهي تمثل أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية عالمياً، بسبب الدعم الأمريكي، وتستطيع التعامل بسهولة مع الـ"ستوكات" الموجودة في البلاد العربية، مهما كان عددها. وقد قامت الولايات المتحدة في سنة 2000 باستكمال تزويد القوات الإسرائيلية بـ 25 طائرة مقاتلة هجومية بعيدة المدى من طراز (ف- 15)، كما تعاقدت على تزويد هذه القوات بـ 50 مقاتلة إضافية جديدة متعددة الأغراض (ف- 16 ف فالكون) يتم تسليمها سنة 2001، كما حصلت القوات الإسرائيلية مع نهاية سنة 2000 على ثلاث غواصات هجومية من ألمانيا ماركة "دولفين"، وذلك حسب التقرير السنوي الذي أصدره المعهد الدولي للدارسات الاستراتيجية في لندن.

 

وللكيان الصهيوني قدرات نووية كبيرة ، فمنذ عام 1960 تم إنشاء مفاعل ديمونا النووي بمساعدة فرنسية. وتشير التقديرات إلى امتلاك الصهاينة نحو 200 قنبلة نووية. وتتبنى الدولة الصهيونية سياسة الغموض التام تجاه الأسلحة النووية وترفض الكشف عنها ، لكنها تسكت عن تسريبات إعلامية على وجود أسلحة كيماوية وبيولوجية. ويتعامل الكيان الصهيوني مع هذا النوع من الأسلحة باعتباره الملاذ الأخير لما فيه من آثار كارثية على الجميع، وذلك لقرب مواقع الخصوم من التجمعات السكانية اليهودية الصهيونية نفسها[169].

 

ويشعر القارئ العربي والمسلم بالمرارة والأسى وهو يقرأ مثل هذه المعلومات، والحقيقة أن اليهود الصهاينة يبذلون جهودهم ليل نهار لتثبيت أنفسهم وتوسيع رقعتهم، وتحقيق العلو في الأرض، بينما تفتقد القيادات العربية والإسلامية روح التحدي والمبادرة، والثقة في شعوبها، والسعي الجاد للتحرير. وفي الوقت نفسه يجب أن نعلم أن لدينا من مقومات النهضة ما يكفي، لو استخدم بصورة سليمة، لتحقيق النصر بإذن الله، كما أن لدى الكيان الصهيوني من عوامل الضعف ما لو تم التعامل معه بصورة مناسبة لأدى ذلك إلى تفتته وانحلاله.

 

وقد سعى الكيان الصهيوني إلى تثبيت أسطورة الجيش الذي لا يقهر في العقلية العربية والإسلامية حيث خاض معارك سهلة خصوصاً في 1948، و 1956 و 1967. لكن سبب نجاحه الحقيقي كان يكمن في عناصر الضعف العربي المعنوية والمادية، وعدم توافر إرادة القتال وتوفير أسبابه لدى القيادات العربية. وقد تحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر في حرب أكتوبر 1973 عندما أثبت المقاتل العربي كفاءته في ظروف أفضل. وفشل هذا الجيش في حصار بيروت 1982 بعد أن صمد المقاتل الفلسطيني ثمانين يوماً فيها، كما خرج هذا الجيش بطريقة مخزية من جنوب لبنان تحت ضربات حزب الله والمقاومة الإسلامية هناك وذلك في مايو 2000، بعد أن عاش مرعوباً يقيم في قرى محصنة، فإذا ما تنقل أصبح أهدافاً متحركة للمقاومة. وعانى هذا الجيش والأجهزة الأمنية في قلب فلسطين المحتلة ولا زال يعاني من ضربات المقاومة الإسلامية والوطنية الفلسطينية.

 

إن توفير الطاقة البشرية أو بتعبير آخر الحرص على الحياة هو أحد الأسس الاستراتيجية الصهيونية اليهودية، وهي نقطة ضعفه. فإذا ما ووجه بشعب مجاهد يفضل عيشة العزيز وموت الكريم، ويسعى للشهادة في سبيل الله فإن ذلك بداية العد التنازلي لنهاية الكيان اليهودي الصهيوني.

 

وتشير تقارير ودراسات حديثة إلى حالة من الترهل والتسيُّب في الجيش الإسرائيلي، فتذكر جريدة معاريف الإسرائيلية في عددها الصادر يوم 19 سبتمبر 2000 أنه منذ شهر إبريل 2000 وحتى منتصف سبتمبر 2000 تم تسجيل ما لا يقل عن 4500 حالة فرار وتهرب من الخدمة في الجيش الإسرائيلي، وأن هناك قلقاً شديداً يسود الهيئات القيادية في الجيش بسبب تفاقم هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة[170]. وساق أحد الضباط الكبار مثلاً على حالة الترهل فقال: "استدعينا مؤخراً مائة جندي من أفراد الاحتياط للمناورة ، فقط ثلث الذين تم استدعاؤهم أتوا لقد بتنا في وضع نتوسل فيه أمام جنود الاحتياط أن يأتوا للخدمة لكنهم مع ذلك لا يأتون". وانتقدت مجلة نتيف الإسرائيلية اليمينية في عددها الصادر في ديسمبر 2000 الجيش الإسرائيلي قائلة "إنه ترهل وشاخ، وفقد صلاحيته وأنه واهن الروح والعقل، يقف متستراً بورقة التوت". وترى أن إمكانية تجنيد 400 ألف من الاحتياط ما هي إلا "سخافة تامة". وهناك تقارير أخرى حول حالات الانتحار وتعاطي المخدرات والأمراض النفسية المتفشية في هذا الجيش، فضلاً عن العلاقات اللاأخلاقية مع المجندات واستغلالهن جنسياً[171].

 

وعلى أي حال، فإن هذا يعد انعكاساً لحالة المجتمع اليهودي - الصهيوني في فلسطين الذي يريد أن يستمتع وفق الأنماط الغربية، وأن ينعم بالأمن والاستقرار في الوقت نفسه. لذلك فإن صيحات الجهاد ونماذج الاستشهاد هي أشد ما يؤرقه، وفي الوقت نفسه فلا ينبغي المبالغة في التهوين من شأن العدو الصهيوني وجيشه، لأن الحالة العربية والإسلامية الرسمية تمثل للأسف أوضاعاً أشد تخلفاً وضعفاً.

إن القوة والأمن هي الركيزة التي يستند عليها الوجود الصهيوني، وعندما حُذِّرت جولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني (1968- 1973) يوماً من ضغط الرأي العام العالمي قالت ساخرة: "وهل لهذا الرأي دبابات!!". وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ووزير الدفاع والخارجية فيما بعد موشيه دايان يقول: "ليس لإسرائيل سياسة خارجية، وإنما سياسة دفاعية فقط". أي أن الكيان الصهيوني يضع سياسته الخارجية في خدمة مفهومه الأمني، الذي يشكل المحور المنطلق لما عداه من الأمور[172].

 

اليهود في العالم

يمكن تقسيم اليهود من الناحية الإثنية العرقية إلى ثلاث مجموعات[173]:

1. السفارديم: وهم أساساً يهود الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، الذين يتحدثون لغة "اللادينو" وحينما طردوا من هناك، إثر سقوط الحكم الإسلامي، اتجهوا إلى الدولة العثمانية واليونان وشمال إفريقيا. وللسفارد طريقتهم الخاصة في الصلاة والطقوس الدينية. وقبل ظهور المشكلة اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، كان السفارديم يمثلون الطبقة الأرستقراطية الثرية بين اليهود، وكانوا قد نجحوا في تشكيل شبكة تجارة دولية، واستقر عدد منهم في غرب أوروبا، وقاموا بدور أساسي في تطوير الرأسمالية الغربية، وبرز من بينهم الفيلسوف اسبينوزا B.de Spinoza ورئيس الوزراء البريطاني ديزرائيلي B. Disraeli.

 

2. يهود الشرق والعالم الإسلامي: وهؤلاء يختلفون عن السفارديم بخلفياتهم الثقافية والتاريخية، لكنهم عادة ما يشار إليهم خطأ بأنهم سفارديم. ويعود السبب إلى أن كثيراً منهم يتبعون النهج السفاردي في العبادة، ولعل هناك سبباً آخر هو أن كثيراً من يهود السفارديم هاجروا إلى العالم الإسلامي، وتطبعوا بأجوائه، واختلطوا بغيرهم من اليهود. ومن أهم فئات يهود العالم الإسلامي والشرق يهود البلاد العربية أو اليهود المستعربة، كيهود العراق واليمن الذين كانت لهم مجتمعاتهم القديمة هناك. وهناك جماعات صغيرة من يهود إيران، ومن يهود الأكراد، ومن يهود جبال الأطلس من البربر، كما أن هناك يهوداً هنوداً وصينيين.

 

3. الأشكناز Ashkenaz وهؤلاء أساساً هم يهود شرق أوروبا (روسيا وبولندة)، الذين يتحدثون اللغة اليديشية ولهم طريقتهم المميزة في العبادة والأزياء وقص الشعر. وهم الذين حدث بينهم "الانفجار السكاني" في القرن التاسع عشر حتى صاروا أغلبية ساحقة. وبينهم ظهرت المشكلة اليهودية الحديثة وجميع الحركات اليهودية الحديثة (استنارة ، إصلاحية، محافظة). وحتى الصهيونية التي انضم إليها بعد ذلك السفارديم ويهود العالم الإسلامي. وهم الذين يسيطرون سياسياً واقتصادياً على الكيان الصهيوني، كما أصبحت لهم الغلبة والنفوذ وسط اليهود في غرب أوروبا وأمريكا.

 

وأشكناز باللغة العبرية هي ألمانيا، حيث يُنسب إليها هؤلاء اليهود، غير أن هناك عدداً من الدراسات ومنها دراسات لباحثين وعلماء يهود، تنسب معظم يهود الأشكناز إلى يهود الخزر الذين تعود أصولهم إلى قبائل تركية قديمة، سكنت جنوب روسيا، في المناطق الممتدة بين البحر الأسود وبحر قزوين" شمال القوقاز"، وأنشأت لنفسها مملكة بين القرن السابع والعاشر الميلادي. وقد تهوّد يهود الخزر في منتصف القرن الثامن الميلادي. وحتى الموسوعات اليهودية تؤكد تهوَّد هؤلاء ولا تنفي احتمال أن تشتت يهود الخزر إثر سقوط مملكتهم أدى لهجرتهم إلى شرق أوروبا، واختلاطهم بالأقليات اليهودية هناك. ومن الدراسات المشهورة دراسة العالم اليهودي المعروف آرثر كوستلر A.Koestler التي نشرت 1976 بعنوان : "القبيلة الثالثة عشر: إمبراطورية الخزر وتراثها" The Thirteenth Tribe: The Khazar Empire & its Heritage ، والذي مات هو وزوجته سنة 1993 في لندن في ظروف غامضة، وذُكر أن سبب الوفاة هو عملية انتحار[174].

وحسب الموسوعة البريطانية وغيرها من المراجع، فإن يهود الأشكناز في نهاية القرن العشرين يشكلون الأغلبية الساحقة ليهود العالم، إذ يبلغ عددهم 11 مليوناً (83.33%)، أما السفارديم فيقدرون بـ (700) ألف (5.3%)، ويهود العالم الإسلامي والشرق يقدرون بنحو مليون ونصف (11.39%) من مجموع يهود العالم البالغ (13.2) مليوناً[175].

 

سفارديم

يهود العالم الإسلامي والشرق

أشكناز

 

700.000

1.500.000

11.000.00

العدد

5.3%

11.36%

83.33%

النسبة

 

وكانت نسبة اليهود الأشكناز قد وصلت ذروتها في ثلاثينيات القرن العشرين، أي 91- 94% من يهود العالم البالغ عددهم سنة 1939 نحو 16 مليوناً وخمسمائة ألف. لكن هذه النسبة انخفضت بسبب الانعكاسات المباشرة للحرب العالمية الثانية على الأشكناز الذين يعيشون في أوروبا ومعاناتهم تحت الحكم النازي. واستمرت النسبة في الانخفاض في النصف الثاني من القرن العشرين بسبب انخفاض نسبة المواليد لدى هؤلاء لانعكاسات الثقافات الغربية عليهم، بينما استمر السفارديم ويهود الشرق في التزايد وفق معدلات أعلى[176].

 

وفي فلسطين كان 60% من يهودها سنة 1882 من السفارديم والشرقيين، لكن إنشاء المشروع الصهيوني اعتمد أساساً على هجرة يهود الأشكناز حيث وصلت نسبتهم إلى 77.7 % عند قيام الكيان الصهيوني سنة 1948، بينما انخفضت نسبة يهود السفارديم والشرق إلى 22.3%. لكن سرعان ما عوض يهود الشرق والسفارديم النسبة، فهاجر (567) ألفاً منهم إلى الكيان الصهيوني في الفترة (1948- 1957) خصوصاً من اليمن والعراق والمغرب ومصر وليبيا. ومنذ الستينيات من القرن العشرين أصبحوا يشكلون الأغلبية في الدولة اليهودية، وساعدهم في ذلك نسبة المواليد العالية لديهم التي تزيد عن ضعف أمثالهم من الأشكناز. لكن الأشكناز تمكنوا من تعويض الفارق في التسعينيات من خلال الهجرة الروسية التي زاد مجموعها عن مليون يهودي. والتي تشير التقديرات إلى تقارب أعداد اليهود الأشكناز مع أعداد السفارديم والشرقيين في الكيان الصهيوني مع تفوق بسيط ليهود الأشكناز[177].

وكانت غالبية يهود العالم حتى القرن الخامس عشر من السفارديم عندما بدأت الكفة بالرجحان لصالح الأشكناز، الذين تمتعوا بطفرة سكانية فبلغ يهود العالم في سنة 1800م نحو (2.5)مليون معظمهم (1.750.000) من أوروبا، منهم (1.2) مليون في بولندا وحدها، ثم إن أعداد اليهود زادت إلى عشرة ملايين (أي بنحو 3 أضعاف بينما زاد العالم بضعف واحد 850 مليون إلى 1700 مليون). وتركزت الزيادة السكانية اليهودية في شرق أوروبا، ويعود ذلك إلى تمتع اليهود بمستويات دخل أعلى ورعاية صحية أفضل، وإلى تماسكهم الاجتماعي وزواجهم المبكر، وعدم معاناتهم من الحروب أو من التجنيد الإجباري. وكانت زيادة أعداد اليهود في شرق أوروبا أحد أسباب ظهور المشكلة اليهودية، ومحاولة حل المشكلة "الفائض السكاني"، من خلال الهجرة أو إنشاء كيان خاص باليهود[178].

 

وتشير التقديرات المختلفة إلى أن أعداد اليهود في العالم في نهاية القرن العشرين هو بين 13- 14 مليوناً. ومعظم التقديرات الأقرب إلى الدقة تدور حول 13 مليوناً. ومنها المكتب المركزي للإحصاءات في الحكومة الإسرائيلية. ومن الملاحظ أن أعداد اليهود في العالم ظلت شبه ثابتة في الثلاثين سنة الماضية (1970- 2000)، رغم بعض التضارب في الأرقام. ومكتب الإحصاءات المركزي الإسرائيلي نفسه أعطى رقماً ثابتاً لأعداد اليهود بين 1970- 1996 هو 13 مليوناً، لكنه عاد لتعديل أرقامه بعد ذلك ليقول إن عدد اليهود سنة 1970كان (12) مليوناً و 630 ألفاً، وفي سنة 1998 بلغ 13 مليوناً و100 ألف[179].

 

وهناك مصادر أخرى تشير إلى تناقصٍ فعلي في أعداد اليهود، فحسب الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي، كانت أعداد اليهود سنة 1967 تبلغ 13 مليوناً و838 ألفاً، تراجعت إلى 12 مليوناً و 963 ألفاً سنة 1984، أي أن اليهود فقدوا حوالي 875 ألفاً من أعدادهم، وهو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي اليهودي جورج فريدمان "ظاهرة موت الشعب اليهودي"، غير أن الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لسنة 1994 يشير إلى انخفاض ضئيل جداً خلال السنوات العشر التالية، ويذكر أن أعداد اليهود سنة 1992 كانت 12 مليوناً و913 ألفاً[180].

وبغض النظر عن التضارب في الأرقام، فإن اليهود بشكل عام يُواجهون حالياً أزمة سكانية، حتى إن بعض الدراسات الحديثة التي نشرها أكاديميون متخصصون تتوقع أن عدد اليهود سنة 2080 سيكون بحدود 15 مليوناً، بزيادة مليونين فقط خلال ثمانين عاماً، وتعود أسباب انخفاض أعداد اليهود أو عدم تزايدهم إلى:

 

1-   تزايد معدلات ذوبان اليهود واندماجهم في البلدان والمجتمعات التي يعيشون وسطها (خارج الكيان الصهيوني)، حيث يُخفي الكثير هويتهم اليهودية، أو يتنصرون ليكونوا أكثر قبولاً من المجتمعات الغربية، وتقدر أعداد اليهود الذي أخفوا هوياتهم الحقيقية في الاتحاد السوفييتي السابق بمليون ونصف تقريباً.

 

2-   الزواج المختلط بدرجة لم يشهدها يهود العالم من قبل، حيث تصل النسبة في الولايات المتحدة إلى ما يزيد عن 50%، وأكثر من ذلك في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث يتزوج رجال يهود من غير اليهوديات، وبذلك يخسر أبناؤه الصفة العرقية لتعريف اليهودي (الذي يجب أن يكون لأم يهودية). كما تزايدت أعداد اليهوديات المتزوجات من غير اليهود حيث يحرص الأزواج في كثير من الحالات على اتّباع أبنائهم لمذاهبهم. وسواء تزوج رجال اليهود أو نسائهم زيجات مختلطة فإن نسلهم في الغالب ينشأ غير يهودي أو غير مكترث باليهودية. كما أن نسب أولئك الذي يتهوّدون أو اللاتي يتهوّدْن بسبب تلك الزيجات لا تعوض نسب المتنصرين منهم للسبب نفسه.

 

3-   انخفاض نسبة المواليد اليهود بحيث تعد من أدنى النسب في العالم، إذ إن معدلها السنوي هو 16 لكل ألف، وهو مقارب لنسبة الوفيات. والمرأة اليهودية في الكيان الصهيوني تنجب ما معدله 2.8 من الأطفال، أما في الولايات المتحدة فتنجب ما معدله 1.5 طفل ويعود ذلك إلى أسباب أهمها:

ـ  تفشي قيم المنفعة واللذة والأنانية التي ترى في الأسرة والأبناء أعباء وقيوداً.

ـ  الزواج المتأخر.

ـ  تزايد أعداد الشاذين جنسياً من ذكور اليهود وإناثهم.

ـ تفسخ الأسرة اليهودية وتزايد نسب الطلاق[181].

 

وحتى في الكيان الصهيوني نفسه فإن نسب الطلاق تصل إلى ربع أو ثلث حالات الزواج. وتشير إحصاءات مكتب الإحصاءات المركزي الإسرائيلي لعام 1998 إلى أن 38% من النساء الحوامل في الكيان الإسرائيلي غير متزوجات وأن 32% من هؤلاء الحوامل تحت سن 19 عاماً[182]. وبشكل عام، فإن هذه الأسباب هي انعكاس لتأثير القيم الغربية وحضارتها على اليهود، حيث تتفشى مثل هذه الظواهر، والتي أسهم اليهود أنفسهم في إيجادها.

وإذا ما حاولنا التعرف على توزع اليهود في العالم، فإننا سنجد أن معظم أعدادهم تتركز في الولايات المتحدة (خمسة ملايين و 800 ألف)، وفي الكيان الصهيوني (أربعة ملايين و 847 ألفاً)، أي نحو 81.9% من يهود العالم، ويُظهر الجدول التالي أعداد اليهود في العالم حسب إحصاءات المؤتمر اليهودي العالمي - وهو من أهم المؤسسات الصهيونية - في كتابه الصادر سنة 1998[183]:

 

كندا

أوكرانيا

روسيا

فرنسا

إسرائيل

الولايات المتحدة

 

360

400

550

600

4847

5800

العدد بالألف

هنغاريا

استراليا

جنوب إفريقيا

البرازيل

الأرجنتين

المملكة المتحدة

 

80

100

106

130

250

300

العدد بالألف

 

وفي كُلٍّ من روسيا البيضاء وألمانيا 60 ألفاً، وفي كُلٍّ من المكسيك وبلجيكا 40 ألفاً، ولكُلٍّ من إيطاليا وأوزبكستان وفنـزويلا 35 ألفاً، وفي كُلٍّ من الأورغواي وأذربيجان ومولدافيا وهولندا 30 ألفاً، وفي كُلٍّ من إيران وتركيا 25 ألفاً، وهناك نحو 262 ألفاً آخرين موزعين على باقي دول العالم، أي أن مجموع يهود العالم حسب إحصاءات المؤتمر اليهودي العالمي يساوي 14 مليوناً و 260 ألفاً تقريباً، ومن الواضح أن هذه التقديرات تزيد كثيراً عن تقديرات خبراء اليهود أنفسهم في الكيان الإسرائيلي.

 

وربما يعود السبب في تفاوت التقديرات إلى صعوبة الوصول إلى إحصاءات رسمية دقيقة لليهود في كل بلدان العالم على اختلاف ظروفها السياسية والاجتماعية والقانونية، كما يعود إلى ذوبان وتَخفِّي اليهود، وإعراضهم عن ذكر صفتهم الدينية اليهودية حسب المصالح التي يرتؤونها، وقد يكون من الأسباب أن المؤتمر اليهودي العالمي راعى نسب الزيادة الطبيعية لليهود حسب معدلات المواليد، ولم يحتسب النسب العالية من حالات الذوبان والاندماج أو من حالات الزواج المختلط.

 

ولتوضيح النموذج بشكل أفضل، نسوق بعض إحصاءات الكتاب السنوي لليهود الأمريكان لسنة 1998 حيث يُقدِّر هذا المصدر عدد اليهود في أمريكا بخمسة ملايين ونصف، ويذكر أن من بين هؤلاء نحو مليون ومائة ألف يقولون أنهم دون دين (نحو 20% من يهود أمريكا)، ويضيف أن 52 % من اليهود الذي تزوجوا بعد 1985 تزوجوا من غير يهوديات، وأن ثلثي يهود أمريكا لا يمانعون من زواج أبنائهم من غير يهوديات، وأن 41% من أبناء الزواج المختلط يصبحون غير يهود، بينما 31% يصبحون دون دين بالمرة، ويحافظ 24% فقط على انتمائهم اليهودي[184].

 

ومن الملفت للنظر أن معظم يهود العالم الذين يعيشون خارج الكيان الإسرائيلي يعيشون في المدن الرئيسية في الولايات المتحدة، وعواصم العالم الغربي ومدنه الكبرى، فهناك خمسة ملايين و 275 ألفاً يعيشون في 16 مدينة ، ففي نيويورك وحدها يعيش مليون و 750 ألفاً ، وفي باريس 350 ألفاً (58.3% يهود فرنسا)، وفي لندن 200 ألف (66.7% من يهود المملكة المتحدة)، وفي مدينتي تورنتو ومونتريال الكنديتين يعيش 275 ألفاً (76.4% من يهود كندا)، وفي بيونس آيرس عاصمة الأرجنتين 180 ألفاً (72% من يهود الأرجنتين)[185]. أي أن التركيز ينصب على مدن المال والأعمال والتأثير السياسي والإعلامي، مما يسهل على اليهود تحقيق درجات أعلى من الثراء والتأثير على السياسة العامة للدولة.

 

النفوذ اليهودي العالمي

إن الحديث عن النفوذ اليهودي العالمي ودرجات تأثيره في ميادين السياسة والإعلام والاقتصاد هو من القضايا التي تشغل اهتمامات الكثير من العرب والمسلمين. ويركّز الكثير من كتاب وأبناء الحركات الإسلامية على هذا الموضوع سعياً لتنبيه المسلمين على مخاطره، ودفعاً لهم للتحرك الفعال المضاد لمواجهته. غير أن الحديث عن النفوذ اليهودي قد اتخذ أحياناً درجات من المبالغة تعتمد الانتقائية في الطرح وتُقدِّم اليهود وكأنهم "قدر الله الغالب"!!، وكأنهم يتحكمون في كل شيء، ويديرون كل شيء، ضمن مؤامرة دولية متكاملة بدقة، وبعد ذلك يرتاح هؤلاء المسلمون إلى تحليلات وتعميمات وسوء تقدير تؤدي بهم وبكثير من المسلمين إلى أجواء من اليأس والإحباط من مواجهة تلك المؤامرة. وهذا ما يطرب له اليهود فرحاً في النهاية، عندما تتضخم صورتهم إلى درجة تبعث اليأس والهزيمة في نفوس غيرهم. ولسنا نريد أن نُهوِّن من شأن النفوذ اليهودي العالمي المعاصر، فهو حقيقة واقعية وهي تعبر بشكل عام عن حالة علوهم في الأرض التي وعدهم الله سبحانه وتعالى إياها، وهي تعبر بشكل طبيعي عما تيسر لهم في واقعنا المعاصر من قدرة عالية على التنظيم والتماسك والتعاون في رعاية مصالحهم والقدرة على اختراق المجتمعات التي يعيشون فيها، والنجاح في تحقيق درجات عالية من التعليم، وجمع الثروات واستخدامها سياسياً واقتصادياً وإعلامياً لرعاية مصالحهم وحمايتها.

 

وهذا الجهد البشري الذي قاموا به تنطبق عليه سنن الله سبحانه بإعطاء الناس في الدنيا على قدر جهودهم، وأنه يعطي من متاع الدنيا لمن يحب ومن لا يحب. إن اليهود لم يجلسوا متثائبين أو ناموا متعطلين، ولكنهم عملوا بدأب ليل نهار، ووفق كل الطرق الممكنة، بغض النظر عن حلها أو نظافتها، ليصلوا إلى ما يريدون. وعلا شأنهم بحبل من الله وحبل من الناس ، والله سبحانه يرى ذلك ويعلمه، ويقدر الأمور بلطفه وحكمته ليظهر علوهم وبروزهم. ولعل الله قدر في حكمته أن الكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين، وأن هذا العلو سيكون "الحقنة المؤلمة" التي ستحفز المضادات الحيوية في جسم الأمة الإسلامية المنهوك، الذي رقد قروناً من التخلف والتمزق، لتبعث فيها روح التحدي والحيوية والنشاط، لتقوم بتحرير الأرض المقدسة، وتقوم بقيادة البشرية من جديد، في حضارة تسلم وجهها لله، وتقوم على معاني الإيمان، وتتكامل فيها الجوانب الروحية والمادية.

إن أفضل وسيلة لوضع الأمر في إطاره الصحيح هي فهمنا لجزء من آية في القرآن الكريم، فعندما ادعى اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، رد الله عليهم مباشرة في تتمة الآية قائلاً: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾[186]، فاليهود في بداية الأمر ونهايته بشر ممن خلق. تنطبق عليهم سنن الله سبحانه ويعتريهم الضعف والقصور والنسيان والخلاف وسوء التقدير للأمور، بل ويتسببون لأنفسهم أحياناً بالكوارث والمشكلات وعداء الآخرين. ويُذكرنا القرآن ببعض جوانب قصورهم :

 

ـ  ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾[187].

ـ  ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾[188].

ـ  ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾[189].

وهذه جوانب وصفات لا يمكن لأصحابها أن يُمكّنوا معها (وفق سنن الله سبحانه)، من قيادة البشرية وحضارتها. فالتفرق إيذان بذهاب الريح والقوة، والذليل المتمسكن لا يمكن أن يكون رائداً قائداً، والحريص على الحياة لا يستطيع دفع تكاليف الصراع والمغالبة حتى النهاية، وهناك جوانب أخرى ذكرها القرآن:

ـ  ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾[190].

ـ  ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾[191].

ـ ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾[192].

ـ  ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾[193].

 

وهي صفات ومسلكيات تودي بمن يتبناها ويستخدمها، وتؤجج عداء الآخرين ضده، وتجعل الآخرين في حالة من الغضب والتحفز لاقتناص الفرصة للانتقام ممن امتص دماءهم بالربا، وأشعل الفتنة في أوساطهم، ونكث عهوده، وقسا عليهم. ولعل لهذا صلة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾[194]، فكلما أفسدوا وأشعلوا الفتنة، كلما جاء من يقمعهم ويعذبهم.

وعلى ذلك فإن العلو اليهودي حالة مؤقتة وليس حالة دائمة، لأنها تحمل عناصر فسادها في ذاتها. ولأنها لا تملك مشروعاً حضارياً إنسانياً يخرج البشرية من تيهها وضياعها. ولأنها قائمة على الغصب والظلم، ودولة الظلم ساعة أما دولة الحق فإلى قيام الساعة. ولأن أمور الناس إنما تستقيم بالعدل، فإذا ذهب العدل فقد آذنت الدولة بالزوال.

 

ومن الناحية التاريخية نجد أن غالبية اليهود في أوروبا كانت تشتغل في الوظائف الهامشية غير الإنتاجية، وفي المهن البسيطة، فقد كان 86.5% من يهود روسيا يعملون تجاراً ومرابين، وسيطر اليهود على عملية الربا في أوروبا في الفترة من القرن الثاني عشر وحتى الخامس عشر، وكانت نسبة اليهوديات العاملات في الدعارة في مدن أوروبا أعلى بكثير من نسبة اليهود في المجتمعات الأوروبية. وقد جرّت عليهم مثل تلك الأعمال - فضلاً عن رؤية المسيحية التقليدية عنهم كقتلة للمسيح - بُغضَ عامة الناس، وفضلاً عما سبق فإن مشاركة نسب عالية من اليهود في الحركات الثورية في روسيا (فضلاً عن عوامل أخرى أشرنا إليها سابقاً)، قد جر عليهم غضب السلطات القيصرية في روسيا، فاتخذت إجراءات كثيرة ضدهم كانت إيذاناً بظهور المشكلة اليهودية في أوروبا[195].

 

وفي ألمانيا اعتقد هتلر وكثير من الألمان أن اليهود هم سبب خسارة الألمان في الحرب العالمية الأولى، و أنهم من خلال نفوذهم المالي والصناعي والإعلامي ومشاركتهم في الحركات الثورية قد امتصوا دماء الألمان، وجرُّوا عليهم الويلات. ولسنا نناقش ما إذا كان هتلر محقاً أم لا، ولكننا نذكر أن مهارة اليهود وحكمتهم وخبراتهم وتخطيطهم لم تنفعهم، وتعرضوا لعمليات تصفية بشعة نالت مئات الآلاف منهم.

 

وما أردنا أن نقوله من هذا الاستطراد أن اليهود بشر يخطئون ويصيبون ، وقد ينقلب كيدهم وتخطيطهم في نحرهم، كما أنهم ليسوا جميعاً على قلب رجل واحد، وعندهم كما عند غيرهم من عوامل الضعف و القصور ما ينبئ بدوران الدائرة على من يتآمر منهم على الإسلام وأهله.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى حصون خيبر وقلاعها العشرين قد قال :"الله أكبر، خربت خيبر"، وهو يعلم أنها أقوى حصون الجزيرة العربية، فإن على المسلمين أن يقتدوا بنبيهم عليه السلام، ويكبروا مستبشرين خيراً وهم يرون العلو اليهودي الحالي في الأرض، فهم إن ساروا على طريق نبيهم وبذلوا الأسباب فإن هذا العلو إلى زوال، ثم إن شرط انتصار المسلمين عليهم كما في فواتح سورة الإسراء مرتبط بحصولهم على العلو، فيكون العلو نفسه بشارة لما هو قادم بإذن الله من اتحاد المسلمين وقوتهم وانتصارهم.

 

إن سر النجاح الكبير الذي حققه اليهود في دوائر النفوذ في العالم المعاصر لا يعود إلى طبيعة ذاتية، أو إلى تركيبة جينية خاصة باليهود. وإلا فلماذا تعرضت مجموعاتهم إلى الفشل والاستضعاف "والبهدلة"، طوال القرون الخمس والعشرين الماضية؟، كما أنه لا يعود بالضرورة إلى حجم الأموال والثروات التي امتلكوها، فقد كان هناك دائماً من هو أغنى منهم. إن الأمر الذي يبدو لنا، بعد تقدير الله مرتبط بقدرة العديد من جماعاتهم على العمل السري و العلني المنظم، ودرجة التنسيق العالية بينهم، وقدرتهم على استثمار ما لديهم من أموال في السيطرة على وسائل الإعلام والتأثير في القرار السياسي، ثم في نجاحهم في طرح قضاياهم ومصالحهم في ضوء مصالح الآخرين وبما يتوافق معها. كما أن حالة عداء أو استعداء الآخرين ضد اليهود جعلت الكثيرين منهم يشعرون بالخوف والقلق وفقدان الشعور بالأمان، وهذا أدى بدوره إلى حالة تماسك دفاعي في أوساطهم، مما أعانهم على تحقيق درجات أعلى من العمل المنظم.

 

إن طبيعة منهجنا في هذا البحث لا تمكننا من التفصيل والإطناب، ولذلك فسنكتفي بما نرى أنه يؤدي الغرض والصورة المرادة:

النفوذ اليهودي في أمريكا:

يقدر عدد اليهود في أمريكا بنحو 5.5 - 5.8 ملايين، أي 2% من سكان الولايات المتحدة، ومعظمهم هاجر إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأغلبيتهم الساحقة من يهود الأشكناز القادمين من شرق أوروبا، وينتمي ثلثهم تقريباً إلى اليهودية الإصلاحية أو المحافظة، ويعرف 10% أنفسهم بأنهم أرثوذكس، بينما يقول 24% أنهم مجرد يهود.

تنبع قوة يهود أمريكا في أنهم تمكنوا من تحقيق درجات عالية من التأثير توازي أضعاف حجمهم السكاني، ويمكن أن نجمل كيفية تحقيقهم لذلك بأبرز النقاط التالية:

 

أولاً: اليهود من أكثر الأقليات ثراء في العالم، ومع ذلك فإنهم لا يسيطرون إلا على نحو 10 - 12% من الاقتصاد الأمريكي، ويتركز نفوذهم خصوصاً في الصناعات الخفيفة والمواد الاستهلاكية، ولذلك فإن قوتهم لا تكمن في السيطرة الاقتصادية العامة، وإنما في استثمار ثرواتهم بطريقة مؤثرة سياسياً وإعلامياً. فهم يُعدّون الممولين الكبار لحملات الرئاسة الأمريكية حيث يقومون بتمويل 60% من تكاليفها وخصوصاً في الحزب الديمقراطي، وهذا يوازي 30 ضعف حجمهم السكاني. ولأن حملات الرئاسة الأمريكية باهظة التكاليف (بمئات الملايين)، فإن على أي مرشح أن يسترضي هؤلاء للحصول على دعمهم، وهذا ينطبق أيضاً على مرشحي مجلس الشيوخ والنواب، وإن بتكلفة مادية أقل.

 

وفي الحزب الديمقراطي الأمريكي مثلاً، كان أكثر من 60% من الأموال التي حصل عليها كارتر وكلينتون في حملات الرئاسة من اليهود. وكان هناك أكثر من سبعين يهودياً من أصل 125 يهودياً في المجلس المالي الوطني للحزب الديمقراطي في أيام الرئيس كارتر 1977- 1981، وكذلك فإن أكثر من 60% من الأموال التي حصل عليها نيكسون (عن الحزب الجمهوري)، ليفوز بانتخابات 1972 كانت من اليهود. وفي حفلة واحدة أقامتها الممثلة اليهودية المشهورة بربارة سترايسند في منتصف سبتمبر 1996 جمعت 3.5 مليون دولار لتمويل انتخاب كلينتون، حيث حضر الحفل 700 شخص كانت قيمة اشتراك كل واحد منهم بين خمسمائة إلى 12 ألف دولار[196].

 

إن اليهود يستثمرون هذه الأموال بسخاء لتحقيق مصالحهم وفرض شروطهم كدعم الكيان الصهيوني اليهودي في فلسطين، ومحاربة ما يسمونه الأصولية الإسلامية وغيرها.

ثانياً: يتمتع يهود أمريكا بقدرة عالية على التنظيم وتكوين مجموعات الضغط، فاليهود بشكل عام منظمون في مؤسسات وهيئات نشطة وفعالة، وتتعاون في خدمة قضاياها الكبرى وفق أفضل وسائل الاتصال والضغط والإقناع، وضمن استيعاب كامل للعقلية الأمريكية وطرق التعامل معها. وقد ذكر أحد علماء الاجتماع البارزين ".. أن تكون يهودياً هو أن تنضم لجمعية يهودية"!!.

 

ومن أبرز جماعات الضغط اليهودية اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة "إيباك"، AIPAC، التي تأسست عام 1954 وتضم 4500 شخصية من كبار الشخصيات اليهودية في المجتمع الأمريكي، ويشارك في عضويتها أكثر من 50 ألف عضو يتبرع كل منهم على نحو سنوي منتظم بمبالغ من 25 دولاراً إلى 5000 دولار. وتُصدر صحيفة نير إيست ريبورتس Near East Reports (أي تقارير الشرق الأدنى)، وتُصدر ملحقاً بعنوان "الحقائق والأكاذيب"، وبه متابعات مختصرة للصراع العربي الإسرائيلي، وغالباً ما يكون هذا هو المصدر الأساسي للمعلومات بالنسبة لأعضاء الكونجرس الأمريكي (مجلسي النواب والشيوخ). وتدفع اللجنة تكاليف إرسال 400 نسخة مجانية أسبوعياً لأعضاء الكونجرس وكبار المسؤولين ووفود الدول إلى الولايات المتحدة. ولها هيكل تنظيمي فعال وسمعة قوية، وهي تستخدم الوسائل العقلية والعاطفية، كما تستخدم أساليب الرشاوى والتهديد والابتزاز والفضائح.

وقد أصبح اشتراك الرؤساء الأمريكيين وكبار رجال الدولة والأحزاب في الاجتماع السنوي لإيباك أمراً معتاداً ، حيث يقومون بالتسابق لإلقاء كلمات التأييد والدعم للوبي اليهودي وللكيان الصهيوني.

 

وفي 1980 كان هناك 342 منظمة مرتبطة بالحركة الصهيونية أو موالية لها حسبما أشار الكتاب السنوي لليهود الأمريكيين سنة 1980، ومن بين هذه المنظمات 67 منظمة صهيونية سياسية تعمل مباشرة لصالح الكيان الإسرائيلي، فضلاً عن المنظمات الدينية والثقافية والاجتماعية ومنظمات العلاقات العامة. وينجح اللوبي اليهودي عادة في منع صفقات الأسلحة مع البلاد العربية والإسلامية، إذا رأى أن الأسلحة يمكن أن تشكل خطراً على الكيان الصهيوني أو تُخلُّ بالتفوق العسكري الساحق لـ"إسرائيل" على البلاد العربية. وقد حدث ذلك في صفقات أسلحة نجح اللوبي في منعها في الثمانينات مع السعودية 17 بليون دولار، والكويت بـ 1.9 بليون دولار، ومع الأردن حيث منع بيع طائرات ف- 16 وصواريخ هوك. وبعد ذلك، وخصوصاً في عهد كلينتون، أصبحت وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكيتين تنسقان مع اللوبي الصهيوني لمعرفة مدى ما يُسمح به قبل أن تشرعا في عقد صفقات الأسلحة مع البلدان العربية[197].

 

ثالثاً: لليهود حضور إعلامي قوي وسيطرة على الكثير من وسائل الإعلام الأمريكية، فهم يملكون أو يديرون أهم ثلاث شبكات تلفزيونية أساسية: ABC ، NBC، CBC، ورغم أنه يوجد في الولايات المتحدة نحو 1759 صحيفة يومية و668 صحيفة أسبوعية ، إلا أن اليهود يركزون على أهم الصحف المؤثرة، فلهم نفوذ قوي في أكثر الصحف اليومية توزيعاً وهما "وول ستريت جورنال"، و "الديلي نيوز"، وهم يملكون "نيويورك تايمز" اليومية وهي أحد أشهر الصحف الأمريكية. أما جريدة الواشنطن بوست التي يترأس مجلس إدارتها اليهودي "لاري إسرائيل"، ويسيطر عليها اليهود منذ 1933، فتكمن أهميتها في انتشارها في أوساط الأجهزة الحكومية حيث تحظى بتأثير قوي، ويمتلك اليهود أقوى مجلتين أسبوعيتين في أمريكا والأشهر على مستوى العالم وهما "التايم"، والنيوزويك، ويملك "التايم" اليهودي جون مئير، وتوزع 4.5 مليون نسخة أسبوعياً، أما النيوزويك فيسيطر عليها اليهود منذ 1973 عندما اشتراها مالكوم ماير، ويرأس تحريرها اليهودي ليستر بيرنشتاين، ورئيس مجلس إدارتها ومديرها التنفيذي كلاهما يهوديان. كما يسيطر اليهود على أحد أهم مجلات الاقتصاد في العالم بزنس ويك، فضلاً عن سيطرتهم على مجلات الدعارة والخلاعة مثل بلاي بوي وكيو.

 

ولليهود سيطرة واسعة على شركات السينما الأمريكية والتي تعد الأهم في العالم مثل شركة فوكس التي يملكها اليهودي وليام فوكس، وشركة بارامونت التي امتلكها اليهودي لويس ماير، وشركة مترو جولدن ماير، التي نشأت عن اندماج شركة مترو التي امتلكها لويس ماير وشركة جولدن التي امتلكها اليهوديان صمويل جولدن وأدولف زوكور، كما يسيطر اليهود على شركة يونيفرسال التي يملكها اليهودي كارل ليمل.

 

وتخدم شركات السينما عادة الدعاية الصهيونية اليهودية، وتشوه صورة الإسلام والمسلمين والعرب، وتسهم في صناعة التوجهات السياسية والفكرية بطرق مؤثرة. وفي كثير من الأحيان يتم إبراز ممثلين يهود كأبطال للسينما العالمية وفي مقدمة أبطال السينما اليهود:

 وودي ألين، وبوب هوب، وفرانك سيناترا، وميكي روني، وجاك ليمون، وبول نيومان، وآل باسينو، وكيرك دوغلاس، وغاري غرانت، وجورج سيجال، وبيرت رينولدز، ومن النساء اليهوديات: إليزابيث تايلور، وآن بنكروفت، وبربارة سترايسند،وشيلي دوفال، وكاري فيشر، وسوزان أنسباك، وجيرالدين شابلين، وغيرهم كثير ممن يخرج كل عام ونحتاج ردحاً من الزمن لمعرفة أصله اليهودي. ومن أشهر المخرجين اليهود ستيفن سبيلبرغ صاحب أكثر الأفلام شهرة وربحاً مثل "آي ـ تي"، و"حديقة الديناصورات"، وفيلم "قائمة شندلر"، الذي يبرز معاناة اليهود في العهد النازي وحصل على عدد من جوائز الأوسكار، وفيلم "مغيرو تابوت العهد القديم" الذي يصور المسلمين عملاء للنازية، وبائعي لذة للأجانب.

 

وبالتأكيد، فإن لوسائل الإعلام هذه نفوذ هائل خصوصاً في أنظمة الحكم الليبرالي الديمقراطي الغربي، وتستفيد من ظروف الحريات الواسعة لتوجيه الرأي العام، وممارسة الضغط والتشهير ونشر الفضائح ضد أولئك الذين يمكن أن يعارضوا المصالح اليهودية والصهيونية. وهي ذات تأثير مرعب على رجال الدولة والسياسيين الذين يسعون لاسترضائها، لأنهم لا يملكون القدرة على تحجيمها أو إيقافها[198].

 

رابعاً: لليهود حضور علمي وثقافي واسع يضاهي أضعاف حجمهم، وعامة يهود أمريكا جامعيون، وتذكر دراسة أعدها البروفيسور روبنشتاين W. Rubinstein إنه من بين خمسمائة قيادي على مستوى أمريكا هناك 57 يهودياً. ونسبتهم الأعلى هي وسط قادة الإعلام إذا تصل إلى 25.8%. ويضيف أن 45% من بين أبرز 172 شخصاً من كبار المثقفين والمفكرين على مستوى أمريكا هم من اليهود (أي 77 شخصاً)، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 56% وسط أبرز علماء العلوم الاجتماعية، وإلى 61% في الإنسانيات (العلوم الإنسانية). ويضيف أنه من بين أبرز عشرين عالماً ومفكراً أمريكياً كان هناك 15 يهودياً، وذلك حسب تصنيف أعده مفكرون وعلماء آخرون سنة 1970.

وهؤلاء اليهود يسهمون بشكل قوي في توجيه الثقافة والرأي العام ومناهج التدريس والتربية، ومعظم هؤلاء لا يهتم بإبراز هويته اليهودية، بل يحرص أحياناً على إخفائها، ليكون أكثر قبولاً وتأثيراً في المجتمع.

 

خامساً: يستفيد اليهود من طريقة التصويت في الانتخابات الأمريكية لمضاعفة قوتهم وتأثيرهم الانتخابي، فلأنهم جماعات منظمة متعلمة، فإنهم يشاركون في الانتخابات بنسبة 92% في مقابل 54% بين عامة الأمريكيين فتتضاعف نسبتهم الانتخابية. واليهود أكثر الأقليات تركزاً في المدن، حيث تتضاعف القدرة على التأثير فهم 16% من سكان مدينة نيويورك، و31% من كل سكانها البيض. وفي نظام انتخاب رئيس أمريكا فإن الرئيس الذي يفوز في أي ولاية ولو بنسبة 51% فإنه يحصل على كل مقاعدها (أصواتها) الانتخابية. إذ أن لكل ولاية عدد من المقاعد يمثلها في المجمع الانتخابي العام حسب عدد سكانها الذين يحق لهم الانتخاب، ويتركز اليهود في الولايات المهمة ذات المقاعد الأكثر مثل نيويورك وفلوريدا وكاليفورنيا ، ويكفي أن يكونوا عنصر ترجيح لهذا المرشح أو ذاك ليضمن الفوز بجميع مقاعد الولاية، مما يجعل الصوت اليهودي ذا حساسية وأهمية خاصة لكل مرشح[199].

 

ومن الناحية العلمية فإن غالبية اليهود (نحو 70%) يعطون أصواتهم للحزب الديمقراطي، لأنه يعبر بشكل أفضل عن مصالح الأقليات. غير أن اليهود ذوي تأثير فعال في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي من خلال عضويتهم النشطة فيهما، وتبرعاتهم المالية، وشبكة علاقاتهم الواسعة مع دوائر الضغط والنفوذ فيهما. وفي صراع المرشحين لضمان الفوز بترشيح حزبهم، تحدث منذ البداية عمليات التصفية "والفلترة" لكل مرشح داخل كل حزب، بحيث لا يتقدم للأمام إلا من أعطى تعهدات أفضل وأكثر ليهود أمريكا والمصالح الصهيونية الإسرائيلية، وعند ذلك لا يهتم اليهود كثيراً أيّ مرشح فاز أو حصل على الرئاسة، لأن كليهما قد تمت "فلترته" منذ البداية.

 

سادساً: يحذر اليهود جداً من إثارة النصارى الأمريكان ضدهم، ويفضلون ممارسة تأثيرهم بشكل هادئ ودون ضجيج، ومن وراء ستار. ويحرص كثير منهم على أن لا يبرز هويته أو أصوله اليهودية، ويستفيدون من أجواء الثقافة الأمريكية العامة التي لا تركز على هذه المسائل بقدر تركيزها على المصلحة والمنفعة واللذة. ولديهم مؤسسات ترصد توجهات الرأي العام حول العداء لليهود وما يسمونه "اللاسامية". ويسعون لسحق أي شخصية أمريكية تجرؤ على مواجهتهم أو عدائهم علناً، ويكفي توجيه تهمة "اللاسامية" لأحدهم لتقضي على مستقبله السياسي.

وقد خطا اليهود خطوات إلى الأمام في ممارسة أشكال مكشوفة من النفوذ السياسي في عقد التسعينيات من القرن العشرين (تحت إدارة كلنتون)، ربما لاطمئنانهم الشديد لاستقرار أوضاعهم، ووصل الأمر إلى قمته عندما رشح الحزب الديمقراطي يهودياً أرثوذكسياً متديناً لمنصب نائب الرئيس الأمريكي لانتخابات سنة 2000.

 

ومع ذلك، فإن النفوذ المكشوف وجد معارضة قوية من عدد من الدوائر والشخصيات اليهودية التي حذرت من احتمالات بروز العداء ضد اليهود بسبب ذلك.

لقد أحاط الرئيس الأمريكي كلنتون (يناير 1993 - يناير 2001) نفسه بمجموعة كبيرة من اليهود، فوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت يهودية (ادعت أنها اكتشفت أصلها اليهودي مؤخراً بعد أن حصلت على المنصب!!؟)، ووزير الدفاع وليام كوهين ووزير الخزانة روبرت روبن، ووزير الزراعة دان جليكمان، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA جورج تينت كلهم من اليهود. هذا بالإضافة إلى أن سبعة من أصل أحد عشر عضواً في مجلس الأمن القومي الأمريكي كانوا يهوداً. بالإضافة إلى عشرات الشخصيات الكبيرة في البيت الأبيض والسفارات وغيرها. وحتى الطاقم الأمريكي الذي تولى متابعة عملية السلام العربية الإسرائيلية، فإن معظم أفراده من اليهود أمثال دينس روس، وهارون ميلير، ومارتن أنديك. وكان من النماذج الملفتة للوفد الفلسطيني عشية توقيع اتفاق الخليل (أوائل 1997) أنه عندما قام اليهود لأداء صلاتهم، لم يبق منتظراً في زاوية الغرفة سوى صائب عريقات وجميل الطريفي عضوي الجانب الفلسطيني، أما الباقي من إسرائيليين وأمريكيين فكانوا عشرة من اليهود؟؟[200].

 

سابعاً: يستفيد اليهود من كون 70% من نصارى أمريكا من البروتستانت الذين يؤمنون بالعهد القديم (التوراة)، ويدعمون إنشاء الكيان الصهيوني وفق خلفيات دينية مرتبطة بقدوم المسيح، وبداية العهد الألفي السعيد، مما أشرنا إليه سابقاً. وهم ينسقون مع صهاينة النصارى في خدمة المشروع الصهيوني، ولهؤلاء النصارى نفوذ قوي على السياسة الأمريكية وفي الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وعندما خطب الرئيس الأمريكي بل كلينتون في الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر 1994 عبر عن هذه التوجهات، وقال لهم إن الأمريكيين "أعجبوا من خلال كل معتقد ديني بكم وساندوكم، إن بقاء إسرائيل هام جداً ليس لمصالحنا فحسب، بل لكل القيم العزيزة علينا"، وختم قائلاً:" ينبغي أن تدركوا أن مسيرتكم هي مسيرتنا، وأن أمريكا ستقف إلى جانبكم الآن وإلى الأبد".

 

لقد استطردنا في الحديث عن النفوذ اليهودي في أمريكا لأن أمريكا هي القوة الكبرى في واقعنا المعاصر، ولأنها تتولى بنفسها إدارة شئون الصراع العربي الإسرائيلي، والتسوية السلمية. ولا مجال بعد ذلك للقول بحيادية أمريكا أو نزاهتها، ولقد عبر بات بيوكانان الزعيم اليميني في الحزب الجمهوري، والذي رشح نفسه للرئاسة وواجه معارضة اللوبي اليهودي الصهيوني، عن النفوذ اليهودي قائلاً:" لقد أصبح الكونجرس مثل الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل"![201]. كما نُقل عن الرئيس الأمريكي جورج بوش (1989 - 1993) قوله:" إنني رجل يشعر بالضعف والانعزال، وهو يخاصم قوة عملاقة تتمثل في اللوبي الصهيوني"[202].

 

النفوذ اليهودي في الاتحاد السوفييتي (روسيا):

 اليهود لا يشكلون سوى 7 بالألف (0.7%) من السكان، ومع ذلك فلهم نفوذ ضخم، وسنكتفي بذكر إشارات لضيق المساحة المتاحة. يعود النفوذ الكبير في الاتحاد السوفييتي السابق (روسيا) إلى بدايات الثورة الشيوعية فهناك دلائل على أن تمويل هذه الثورة سنة 1917 جرى على يد أثرياء يهود، أمثال اليهودي الأمريكي جاكوب شيف، وفيلكس واربورغ وغيرهم. وعندما تشكّل المكتب السياسي الأول للثورة الشيوعية كان من بين اعضائه السبعة أربعة من اليهود (تروتسكي، وكامينيف، وسوكولنكوف، وزينونيف)، أما لينين فيذكر أنه نصف يهودي، بينما ستالين متزوج من يهودية. وتشكلت أول حكومة شيوعية من 22 وزيراً كان من بينهم 17 يهودياً. وفي قيادة الدولة والحزب الشيوعي كان هناك 425 يهودياً من بين 532 شخصاً أي 80% [203]. لقد كانت الثورة الشيوعية في أحد أشكالها رداً من اليهود الروس على اضطهاد روسيا القيصرية لهم.

وقد قام العملاء اليهود بتوجيه من الحركة الصهيونية، بتزويد الاتحاد السوفييتي بأسرار القنبلة النووية والمواد اللازمة لصناعتها مقابل دعم ستالين للمشروع الصهيوني في فلسطين. وكان اليهودي الصهيوني أوبنهايمر قد عين مديراً لمركز لوس آلاموس في الولايات المتحدة حيث تم تصنيع القنبلة النووية، وتولى بنفسه تنسيق إيصال الأسرار النووية للروس خلال الفترة 1942- 1944. وعندما انعقد مؤتمر يالطا لتوزيع دوائر النفوذ في العالم على القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، عرّف الرئيس الأمريكي روزفلت نفسه للزعيم السوفييتي ستالين بأنه صهيوني، وسأله إن كان هو صهيونياً أيضاً، فقال ستالين "من حيث المبدأ نعم"[204].

 

وقد وقف الروس بقوة إلى جانب الأمريكان خلف قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة سنة 1947، وعندما جاءت أول سفيرة "لإسرائيل" للاتحاد السوفييتي، وهي الروسية جولدا مائير (التي أصبحت رئيسة للوزراء فيما بعد 1968 - 1974)، استقبلت بحفاوة، وطُلب منها إعداد قوائم بأسماء اليهود السوفيات الذين تحتاجهم "إسرائيل" لترسيخ وجودها[205]. ولا داعي للتذكير بأن المشروع الصهيوني نشأ أساساً في أوروبا الشرقية وخصوصاً روسيا وبولندة، وأن المهاجرين اليهود الذين أنشأوا الكيان الصهيوني جاءوا أساساً من هناك.

ومع أن نسبة اليهود انخفضت مع توالي هجرتهم، في الاتحاد السوفييتي إلى أقل من نصف بالمائة (0.5%) فإنه استناداً إلى إحصائيات 1983 كان اليهود يشكلون 44% من مجموع مرشحي ودكاترة العلوم، و14% من العدد الإجمالي للكتاب السوفييت، و 23% من الموسيقييين، و14% من الأطباء، وكانوا ممثلين في القيادات السياسية بنسبة 10 -20% من هذه القيادات[206].

 

ومع انحلال الاتحاد السوفييتي وتفككه منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين، هاجر إلى الكيان الصهيوني أكثر من مليون يهودي (1989 - 2000) يحمل عشرات الآلاف منهم أرقى التخصصات العلمية، ومن بينهم آلاف من علماء الذرة مما أسهم في ترسيخ الكيان الصهيوني. ومن جهة أخرى، سعى اليهود للهيمنة على الحياة التجارية والمالية في روسيا، وبرزت مثلاً مجموعة "موست بنك" التي يملكها فلاديمير غوسينسكي رئيس مؤتمر المنظمات اليهودية في روسيا، وصاحب أكبر مؤسسة إعلامية غير حكومية، وعلى رأسها القناة التلفزيونية الأكثر أهمية وشهرة NTV. وقد تحدث مدير الديوان الرئاسي السابق نيكولاي يغوروف عن تعاظم النفوذ اليهودي وقال إن هناك وضعاً غير طبيعي تسيطر من خلاله مجموعة "موست" على الكرملين، ويُطرد من ديوان الرئاسة كل من ليس محسوباً على المجموعة، والتي تحالفت مع تاتيانا ابنة الرئيس يلتسين ومدير الديوان تشوبايس[207].

وقد عين يلتسين "بوريس بيريزوفسكي" نائباً لسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي في أكتوبر 1996، وهو يحمل الجنسية الإسرائيلية، وقد كشفت جريدة ازفستيا أصله اليهودي. وبيريزوفسكي يرأس مجلس إدارة عدة مؤسسات صناعية ومالية ضخمة، ويملك أكثر من ربع أسهم مؤسسة التلفزيون القومي[208]. ويستفيد اليهود من حالة الإرباك والانهيار الذي حل بروسيا لتقوية نفوذهم، بينما يراقب كثير من الروس الأوضاع بقلق، وتتعالى الأصوات الآن لتدارك الأمر.

 

أما بريطانيا فيكفي أنها كانت عملياً وراء إنشاء المشروع الصهيوني، وكانت بريطانيا مركز الحركة الصهيونية العالمية وراعيتها منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثانية، وكان من أبرز صهاينتها النصارى الكبار لويد جورج وبلفور ووينستون تشرشل.

إن النفوذ اليهودي الصهيوني قديم متجذر في بريطانيا وسياستها، وقد وجد تعابيره في القرن التاسع عشر في سياسات وأنشطة وزير الخارجية بالمرستون (1784 - 1865)، وفي نفوذ عائلة روتشيلد اليهودية، وفي وصول اليهودي الأصل دزرائيلي إلى رئاسة الوزراء.

ومن اللمحات السريعة التي نشير إليها إنشاء اليهودي جوليوس رويتر وكالة أنباء رويتر في منتصف القرن التاسع عشر وسيطرة اليهود عليها، وامتلاك اليهود لأهم الصحف البريطانية "التايمز"، و"الصنداي تايمز"، و"صن"، و"نيوز أف ذا وورلد"، و"سيتي ماجازين"، وكلها تمتلكها عائلة مردوخ اليهودية. كما يمتلك اليهود الديلي تلغراف التي أسسها اليهوديان موريس ليفي، وليفي لاوس عام 1855. ويمتلك اليهودي ليفونت 280 داراً للسينما في بريطانيا وحدها، كما يتربع اللوريد لوغريد على إمبراطورية الإنتاج التلفزيوني البريطاني ، ويملك شركة ATV للإنتاج التفلزيوني، كما يملك أعرق مسارح بريطانيا مثل المسرح الملكي، ودوري لين، وفكتوريا بالاس، وأبوللو وغيرها، ويملك اليهودي سيدني برنشتاين شركة جرانادا التي تعد أحد أشهر شركات الإنتاج التلفزيوني في بريطانيا[209].

 

وفي حكومة رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، التي هيمنت على السياسة البريطانية 1979- 1991، كان عناك عدد من الوزراء اليهود مثل وزير المالية نيجيل لاوسون ووزير التجارة لورد يونج، ووزير التعليم كيث جوزيف، ووزيرة الدولة للشئون الصحية أدونيا كوري، ومستشار تاتشر السياسي ديفيد هارت[210]، وفي حكومة جون ميجر (رئيس الوزراء 1991 - 1997) كان وزير الخارجية مالكولم ريفكند، ووزير الداخلية مايكل هوارد يهوديان[211].

 

وهناك نفوذ سياسي اقتصادي يهودي ضخم في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا والأرجنتين وغيرها، وهو ما لا يسعنا المجال لتغطيته.

لقد كان هذا النفوذ العالمي انعكاساً طبيعياً للجهود الدؤوبة التي بذلها اليهود، وعلى المسلمين ألا يجلسوا يائسين مبهوتين نادبين حظوظهم ، وإنما عليهم السعي بإصرار وثبات لإدراك ما فاتهم، لأن سنن الله لا تجامل أحداً.


 

 

هوامش الكتاب

[84] حول المنظمة الصهيونية في الفترة 1904-1914، انظر: أسعد عبد الرحمن، المنظمة الصهيونية العالمية، ص69، وشوفاني، "المؤسسة الصهيونية"، في دليل إسرائيل العام، ص417-420.

[85] حول المنظمة الصهيونية العالمية في الفترة 1914-1918، انظر: أسعد عبد الرحمن، المنظمة الصهيونية العالمية، ص70-72.

[86] المرجع نفسه، ص72-77، و ص81-82.

[87] حول الوكالة اليهودية، انظر: المرجع نفسه، ص92-104، و ص110-113، و ص192، وشوفاني، "المؤسسة الصهيونية"، في دليل إسرائيل العام، ص445-447، ومحمد عبد الرؤوف سليم، نشاط الوكالة اليهودية لفلسطين: منذ نشأتها وحتى إقامة دولة إسرائيل 1922-1948 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982).

[88] انظر، شوفاني، "المؤسسة الصهيونية"، في دليل إسرائيل العام، ص427-428.

[89] انظر: عمران أبو صبيح، مرجع سابق، ص18.

[90] انظر: علي محافظة، العلاقات الألمانية الفلسطينية: 1841-1945 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص195-208.

[91] See: Palestine: Statement of Policy. May 1939, Cmd.6019 (London: H.M.S.O., 1939).

[92] انظر مثلاً: مناقشة روجيه جارودي لحقيقة التضخيم اليهودي لمعاناتهم في كتابه: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ط2 (بيروت: دار الشروق، 1998)، ص200-223.

[93] انظر: فلاح علي، مرجع سابق، ص141، و ص181، و ص195-197، و ص203-205، وحرب فلسطين 1947-1948 (الرواية الإسرائيلية الرسمية)، ص26، و ص87، و أسعد عبد الرحمن، المنظمة الصهيونية العالمية، ص116-117.

[94] انظر: أسعد عبد الرحمن، المنظمة الصهيونية العالمية، ص123-125.

[95] المرجع نفسه، ص129-139.

[96] المرجع نفسه، ص144-145، وانظر: ص166-174.

[97] انظر: المرجع نفسه، ص175-185.

[98] انظر: المرجع نفسه، ص198، وشوفاني، "المؤسسة الصهيونية"، في دليل إسرائيل العام، ص459-461.

[99] أسعد عبد الرحمن، المنظمة الصهيونية العالمية، ص193-194.

[100] انظر: المرجع نفسه، ص200-206.

[101] سورة المائدة: 18.

[102] انظر: عرفان عبد الحميد، مرجع سابق، ص16-17.

[103] انظر: محمد عبد السلام، مرجع سابق، ص124-132، وعمر سليمان الأشقر، العقيدة في الله، ط5 (الكويت: مكتبة الفلاح، 1984)، ص256-261.

[104] انظر: محمد عبد السلام، مرجع سابق، ص225-227، وعرفان عبد الحميد، مرجع سابق، ص38، ومحمد علي الزعبي، دقائق النفسية اليهودية (بيروت: د.ن، 1968)، وبولس حنا مسعد، همجية التعاليم الصهيونية (بيروت: دار الكتاب العربي، 1969).

[105] عرفان عبد الحميد، مرجع سابق، ص189-191.

[106] المرجع نفسه، ص193.

[107] عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ط2، ص124، و ص127. (اعتمد الباحث على الطبعة الأولى للكتاب المكونة من جزأين، لكنه اضطر أحياناً للرجوع للطبعة الثانية (ط2)، وهي مختصرة في كتاب واحد، وعندما لا يشير إلى ط2، فإن المقصود هو الطبعة الأولى من الكتاب).

[108] المرجع نفسه، ج1، ص229-230.

[109] المرجع نفسه، ج1، ص231.

[110] المرجع نفسه، ج1، ص231.

[111] المرجع نفسه، ط2، ص109.

[112] صالح محمود صالح، الإنسانية والصهيونية والتلمود (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1982)، ص16.

[113] المرجع نفسه، ص21.

[114] عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ط2، ص128-129.

[115] المرجع نفسه، ص116-117.

[116] المرجع نفسه، ص109.

[117] المرجع نفسه.

[118] المرجع نفسه، ج1، ص118-119.

[119] المرجع نفسه، ج1، ص215.

[120] المرجع نفسه، ج1، ص244.

[121] المرجع نفسه، ج1، ص246.

[122] نشر تصريح كلينتون هذا في الصحف، انظر: الخليج، 9 يناير 2001.

[123] المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص187.

[124] المرجع نفسه، ج1، ص213.

[125] المرجع نفسه، ج1، ص200، وانظر: Gideon Shimon, The Zionist Ideology (Hanover (U.S.A.) University Press of New England for Brandeis Studies, 1995), p.86.

[126] المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص201-202.

[127] المرجع نفسه، ج1، ص203-205.

[128] المرجع نفسه، ج1، ص207، وأحمد خليفة، "الأحزاب السياسية"، في دليل إسرائيل العام، ص157-159.

[129] المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص207، وأحمد خليفة، "الأحزاب السياسية"، في دليل إسرائيل العام، ص160-166.

[130] المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص209، وانظر أيضاً:

Shimoni, op.cit., p.120, and www.wzo.org.il./home/portrait/ahad

[131] المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص213.

[132] المرجع نفسه، ج1، ص212.

 

[133] Central Bureau of statistics, Government of Israel, in: www.cbs.gov.il/yarhon/bl_e.htm, and www.cbs.gov.il/yahran/e2-e.

وهي إحصائية تضم سكان القدس الشرقية (حوالي 200 ألف فلسطيني)، وسكان الجولان (حوالي 30 ألف سوري)، أي أن فلسطينيي الأرض المحتلة 1948 يبلغ عددهم نحو مليون و 200 ألف. وتشير تقديرات المخابرات الأمريكية إلى أن عدد السكان في منتصف سنة 2000 كان خمسة ملايين، و 843 ألفاً بينهم أربعة ملايين و 680 ألف يهودي، أي بنسبة 80.1% من السكان، انظر:

www.cia.gov/cia/publications/factbook/geos/is.html(CIA world fact book 2000)

[134] حول نظام الحكم في الكيان الإسرائيلي، انظر: إلياس شوفاني، "نظام الحكم"، في دليل إسرائيل العام، ص91-121.

[135] انظر: أحمد خليفة، "الأحزاب السياسية"، في دليل إسرائيل العام، ص126-129.

[136] المرجع نفسه، ص128-129.

[137] حول حزب العمل، انظر: المرجع نفسه، ص130-135، ونافذ حسنة، الأحزاب الصهيونية في 100 عام (إسلام أباد: معهد الدراسات السياسية، 1997)، ص21-55، ونرمين غوانمة، إسرائيل: الأحزاب السياسية وتطلعاتها (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1995) ص219-286.

[138] حول "ميرتس" والأحزاب المؤتلفة داخله، انظر: أحمد خليفة، "الأحزاب السياسية"، في دليل إسرائيل العام، ص135-141، ونافذ حسنة، مرجع سابق، ص55-57.

[139] حول "الليكود"، انظر: أحمد خليفة، "الأحزاب السياسية"، في دليل إسرائيل العام، ص141-146.

[140] حول الأحزاب اليمينية الصغيرة، انظر: المرجع نفسه، ص147-156.

[141] حول "المفدال"، انظر: المرجع نفسه، ص157-160.

[142] حول "أغودات إسرائيل"، انظر: المرجع نفسه، ص160-163.

[143] حول "شاس"، انظر: المرجع نفسه، ص164-166.

[144] حول الأحزاب العربية، انظر: المرجع نفسه، ص166-178، ونافذ حسنة، مرجع سابق، ص130-145.

[145] الجدول مركب من عدة مصادر، انظر حول انتخابات الكنيست الثالث عشر والرابع عشر وما قبلهما في: نافذ حسنة، مرجع سابق، ص68، و ص103، و 124، و ص145، و أحمد خليفة، "الأحزاب السياسية"، في دليل إسرائيل العام، ص1،و ص143-144، و ص160، و ص163، و ص166، و ص170، و ص172، و ص174. وغازي السعدي، الأحزاب والحكم في إسرائيل (عمّان: دار الجليل، 1989)، ص90-91.

وحول انتخابات الكنيست الخامس عشر، انظر: فلسطين المسلمة، تموز (يوليو)، 1999، وانظر:

www.agora.stm.it/elections/election /Israel.

www.cnn.com/WORLD/election.watch/meast/Israel.

[146] www.cbs.gov.il/yarhon/b1_e.

[147]  www.cbs.gov.it/yarhan/bl-e

[148] www.cia.gov/cia/publications/factbook/goes/is.html(CIA world fact book 2000)

[149] هاجر إلى الكيان الإسرائيلي منذ 1948 وحتى نهاية 1988 نحو مليون و 900 ألف، انظر، عمران أبو صبيح، مرجع سابق، ص19، وهاجر إليه منذ 1989 وحتى مايو 2000 مليون مهاجر آخر، انظر: الخليج، 8 مايو 2000.

[150] الخليج، 8 مايو 2000.

[151]  www.cbs.gov.il/yahran/e2-e.

[152] CIA world fact book 2000, in:

www.cia.gov/cia/publications/factbook/geos/is.html

[153] Ibid

[154] Ibid

[155] www.Palestine-info.org, 30 Apr. 2000.

[156] See: CIA world fact book 2000, in:

www.cia.gov/cia/publications/factbook/geos/is.html

[157] Central Bureau of statistics, Government of Israel, Exports by Economic Activity, 8,7, in: www.cbs.gov.il/yarhon

[158] Ibid

[159] فضل النقيب، "الاقتصاد" في دليل إسرائيل العام، ص197.

[160] المرجع نفسه، ص205-206، ومحمد زهير دياب، "المؤسسة العسكرية"، في دليل إسرائيل العام، ص306.

[161] انظر: عبد الوهاب المسيري، "صناعة السلاح في التجمع الاستيطاني الصهيوني"، في الخليج، 12 يونيو 2000.

[162] CIA world fact book 2000, in:

www.cia.gov/cia/publications/factbook/geos/is.html

[163] انظر: محمد زهير دياب، "المؤسسة العسكرية"، في دليل إسرائيل العام، ص299-300.

[164] انظر المرجع نفسه، ص291-294.

[165] CIA world fact book 2000, in:

www.cia.gov/cia/publications/factbook/geos/is.html

[166] The Military Balance, 1998/99, International Institute for Strategic Studies, London.

[167]فضل النقيب، "الاقتصاد"، في دليل إسرائيل العام، ص204.

[168] محمد زهير دياب، "المؤسسة العسكرية"، في دليل إسرائيل العام، ص298-300.

[169] انظر: المرجع نفسه، ص300-305، وانظر: الخليج، 14-15 إبريل 2000. وحسب مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية في واشنطن، فإن "إسرائيل" تملك 290 رأساً نووياً، وتأتي خامساً بعد أمريكا وروسيا وفرنسا والصين، أما بريطانيا فلديها 200 رأس نووي فقط. انظر: مجلة الوسط، 29 نوفمبر 1993.

[170] نقلاً عن فلسطين المسلمة، أكتوبر 2000.

[171] انظر: السبيل، الأردن، 2 يناير 2001.

[172] انظر: محمد زهير دياب، "المؤسسة العسكرية"، في دليل إسرائيل العام، ص287.

[173] حول هذا التقسيم، انظر: عبد الوهاب المسيري، "يهود العالم"، في دليل إسرائيل العام، ص470-472.

[174] انظر حول الخزر أيضاً في: www.khazaria.com

[175] www.Britanica.com/bcom/article

[176] انظر: المسيري، "يهود العالم"، في دليل إسرائيل العام، ص479، والموسوعة الفلسطينية، ج1، ص257-258.

[177] انظر الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص257-258، وانظر أيضاً:

www.media.be/cn, & www.Britanica.com/bcom/article

[178] المسيري، "يهود العالم"، في دليل إسرائيل العام، ص478-479، وخالد القشطيني، تكوين الصهيونية، ص98.

[179] www.cbs.gov.il/shnaton/st 02-3.g.f.

[180] انظر: المسيري، "يهود العالم"، في دليل إسرائيل العام، ص482.

[181] حول الأسباب المشار إليها، انظر: المرجع نفسه، ص480-482.

[182] www.cbs.gov.il/s

[183] World Jewish Congress (WJC) (U.S.A.: Learner Publications, 1998), in www.us-israel.org/jsource/Judaism/Jew pop.html.

[184] http//boundaries.org/spring99/stats.htm.

[185] World Jewish Congress (WJC) (U.S.A.: Learner Publications, 1998), in www.us-israel.org/jsource/Judaism/Jew pop.html.

[186] سورة المائدة: 18.

[187] سورة الحشر: 14.

[188] سورة البقرة: 61.

[189] سورة البقرة: 96.

[190] سورة النساء: 57.

[191] سورة المائدة: 42.

[192] سورة المائدة: 64.

[193] سورة المائدة: 13.

[194] سورة الأعراف: 167.

[195] المسيري، الأيديولوجية الصهيونية، ج1، ص89-116.

[196] جريدة الحياة، لندن، 8 أكتوبر 1996.

[197] حول "ثانياً"، انظر بالتفصيل في: ياسر زغيب، إيباك (بيروت: دار الندى، 1998). وانظر أيضاً: مجلة استراتيجيا، ديسمبر 1982، وجريدة القبس (الكويت)، 20 يوليو 1988.

[198] حول النفوذ الإعلامي اليهودي في أمريكا، انظر: زياد أبو غنيمة، السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية، ط2 (عمان: دار عمار، 1989)، ص23-24، وص33-45، وص51-77. وجريدة العرب اليوم (الأردن)، 13 يونيو 1997.

[199] انظر: عبد الوهاب المسيري، "أسطورة الصوت اليهودي"، في القبس، 20 أكتوبر 1988.

[200] انظر: المجتمع، 7 ديسمبر 1996، وياسر زغيب، مرجع سابق، ص92-94، وجريدة القدس العربي، لندن، 5 يناير 1997.

[201] مجلة المجلة، 3 مارس 1996.

[202] نقل هذا التصريح في سياق الأخبار التي نُشرت في 20 مايو 2000 حول عزم جورج بوش الابن أن يخطب في ايباك في 22 مايو 2000، وأن يلتقي رئيس وزراء الكيان الصهيوني باراك، لتفادي ما حصل لأبيه عندما حاول الضغط على "إسرائيل". انظر:

www.Palestine-info.org/news, 20 May 2000

[203] انظر: عبد الله التل، الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، ط2 (بيروت: المكتب الإسلامي، دون تاريخ)، ص42-45.

[204] الدستور، 5 سبتمبر 1996.

[205] المرجع نفسه.

[206] مجلة الشراع (لبنان)، 28 نوفمبر 1988.

[207] الرأي، 26 أكتوبر 1996.

[208] الرأي، 31 أكتوبر 1996.

[209] انظر: زياد أبو غنيمة، مرجع سابق، ص25-32، وص68-69، وص79-80، وص145-151.

[210] الرأي العام، 12 ديسمبر 1988.

[211] الرأي، 17 أغسطس 1996.