الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

التخطيط العمراني لمدينة القدس واثر قبة الصخرة على المدن الايطالية في القرون الوسطى

 وعصر النهظة قبة الصخرة للهوية المعمارية للديانات السماوية الثلاث

 

 

الدكتور بديع العابد


 

مقدمة

 

ارتبطت إيطاليا ارتباطا وثيقا بفلسطين، فالبحر المتوسط كان في عرف القدماء بحرا مغلقا، تتنازع السيطرة عليه دول الجنوب تارة، ودول الشمال تارة أخرى. وقبل ظهور الديانة المسيحية كانت فلسطين خاضعة لسلطة روما السياسية، وبقيت كذلك إلى أن تحررت على يد المسلمين سنة 636م (15هـ). فكان التواصل بجميع أشكاله قائما بين المركز روما والطرف فلسطين. وهذا الاتصال يسر انتقال المسيحية منذ نشأتها إلى روما، حيث انتقل "الرسول" بطرس Peter إليها وبدأ بتأسيس الكنيسة بها. ومع هذا الانتقال بدأ مركز المسيحية يتحول شيئا فشيئا من القدس إلى روما. حيث اكتسبت بداية صفتها المؤسسية بعد مؤتمر نيقية(1) سنة 325م، فأصبحت روما مع مرور الوقت مركز السلطة الدينية المسيحية في العالم. ولم يبق للقدس إلا مكانتها الروحية، التي لم تستطع روما والفاتيكان فيما بعد نزعها عن القدس، وذلك لسببين: أولهما أن القدس هي موطن المسيح ومركز دعوته، وثانيهما أن المسيح صلب ودفن بها وقام منها في العرف المسيحي، مما جعلها قبلة أنظار المسيحيين.

 

وبزوال الخطر اليهودي من القدس، وتمكن المسيحية (الكنائس الشرقية) من تأكيد حضورها في المدينة والسيطرة على كنيسة القيامة، تحولت أنظار روما والفاتيكان إلى القدس مرة أخرى للسيطرة على كنسية القيامة، أو على الأقل مشاركة الكنائس الشرقية في إدارة الكنيسة، وباقي الأماكن المسيحية المقدسة في المدينة. فكانت الحروب الصليبية، واحتلت القدس سنة 1099م. وسيطر الفاتيكان على كنيسة القيامة وانفرد بإدارتها. وحول الصليبيون المسجد الأقصى إلى سكن لجنودهم، الذي عرفوا "بفرسان الهيكل". كما حول الصليبيون قبة الصخرة إلى كنيسة، وأطلقوا عليها اسم هيكل سليمان Solomon Temple  أو Templum Salomonis  أو Templum Domini . والواقع أن هذه التسمية الخاطئة، أي تسمية قبة الصخرة بالهيكل(2) المزعوم تعود إلى القرن التاسع الميلادي، أي قبل الاحتلال الصليبي، وذلك من قبل بعض الحجاج المسيحيين، كما سيتضح لنا لاحقا في هذا البحث. وبقيت سيطرة الصليبيين على القدس حتى سنة 1187م، حيث حررها صلاح الدين، وطهر الحرم الشريف ورفع الصليب عن قبة الصخرة، وأعاد للقدس هويتها العربية الإسلامية، وغادر البطريرك الكاثوليكي القدس، وعاد البطريرك الأرثوذكسي ليتولى إدارة كنيسة القيامة مع باقي الكنائس الشرقية. في هذه الفترة الزمنية، وتحديدا منذ تأسيس الكنيسة وحتى تحرير القدس، تنازع الخيال أو الوعي المسيحي مفهومين(3) للقدس: أحدهما سماوي والآخر دنيوي، وعرفت القدس فيهما بالقدس السماوية والقدس الأرضية (الحقيقية).

 

كان المفهوم الأول نتاج رؤى دينية(4)، أما الآخر فكان أمرا واقعا ملموسا، ممثلا بعناصر حضرية: مبان وطرق وأسوار وإدارة، وكذلك بنسيج عمراني يحوي المباني السكنية والتجارية والإدارية والدينية الخ.

 

فالقدس الأرضية كانت في العرف المسيحي واقعا يعاش، أما القدس السماوية فهي رؤيا وتصور غير محددة العناصر الحضرية والعمرانية والمعمارية. بل ترك هذا التحديد لرجال الدين وللمصورين والمعماريين. وكانت تصوراتهم في الأعم الأغلب خاضعة للتخطيط العمراني للقدس الأرضية ومتأثرة به. فكانت مصدر إلهام للمعماريين والمصورين الإيطاليين بصفة خاصة والأوروبيين بصفة عامة، وذلك في الفترة الواقعة في نهاية القرون الوسطى (476م- 1453م) وعصر النهضة (القرن 14-16م). ولما كانت القدس الأرضية (في العرف المسيحي) مدينة عربية إسلامية، لها هويتها المعمارية العربية الإسلامية، المميزة بقبة الصخرة والمسجد الأقصى. ولما كانت قبة الصخرة بشخصيتها البصرية، العنصر الأكثر حضورا في النسيج العمراني للمدينة، وهي العنصر الذي ادعى الحجاج المسيحيون خطأ بأنه الهيكل المزعوم في القرن التاسع الميلادي، وهي نفس العنصر الذي حوله الصليبيون إلى كنيسة وسموه "هيكل سليمان"، كما أسلفت. فلم يخل تصور معماري أو فني لمدينة القدس من سيطرة قبة الصخرة عليه. كما سيطرت قبة الصخرة إما بشكلها المعماري أو بموضعتها الحضرية وشخصيتها البصرية على معظم التخطيط العمراني للمدن الإيطالية وهذا ما سأعرض له في هذا البحث.