|
الأسس الدينية لتأثير القدس على المدن الإيطالية
1-
مكانة القدس الدينية وأثره على هويتها المعمارية
القدس هي المدينة اليبوسية
الكنعانية العربية التي شيدت حوالي سنة 3000ق.م. وتعاقبت عليها ديانات سماوية ثلاث،
وهي: اليهودية حوالي (993ق.م- 70م) منها 73 سنة كحضور
سياسي، ممثلا بحكم النبيين داود وسليمان،
وباقي المدة عبارة عن حضور شعائري بشري ضمن التركيبة السكانية للمدينة التي شملت
السكان الأصليين وهم اليبوسيون العرب والبابليون (حيث أخليث المدينة من اليهود طوال
فترة الاحتلال البابلي 586ق.م- 539ق.م) واليونانيون والرومان.
والمسيحية (القرن الأول الميلادي وحتى سنة 636م)
حظيت في القرون الثلاث الأخيرة منها باعتراف سياسي من البيزنطيين، وتواصل حظورها
حتى الآن كما سأبين لاحقا. والإسلام (636- حتى الآن)،
حيث حسم الصراع الحضاري على المدينة وكل فلسطين لصالح الحضارة العربية الإسلامية،
على الرغم من اعتراف الإسلام بالحضور المسيحي في المدينة ومشاركتهم الفعلية في
إدارة شؤونها، وعلى الرغم من الاحتلال الصليبي لها (1099-1187م)، والاحتلال اليهودي
لها منذ سنة(1967م
– الآن)
وعلى الرغم من كل محاولات اليهود تغيير تخطيطها
العمراني، وتحجيم الحضور العربي والإسلامي بها.
فالقدس إذن لها مكانة مركزية
في الديانات السماوية الثلاث، وكما هو معروف فإن
المدينة اكتسبت هويتها المعمارية من هويتها الدينية،
فالمباني الدينية هي الأكثر دلالة والأقوى حضورا في النسيج المعماري لأي مدينة،
ولما كانت القدس مركزا دينيا، فإن مبانيها الدينية هي الأقوى
تعبيرا
عن هويتها المعمارية، والتي
سأحددها من خلال تعاقب الديانات السماوية الثلاث عليها مبتدئا باليهودية. وسأبين
فيما يلي من عرض وتحليل أن المركزية اليهودية مزعومة ومدعاة، وأنها حاجة نفسية وليس
ضرورة دينية، على النقيض من المسيحية والإسلام.
اليهودية
إن الوجود اليهودي في القدس
حصل بعد حوالي خمسة قرون من نشأة الديانة اليهودية في التيه. فبناء الهيكل المزعوم
تم حسب الزعم اليهودي، في عهد النبي سليمان، وبعد 480 سنة من خروج اليهود من مصر
(ملوك أول 6: 1). ولقد فندنا الإدعاء اليهودي بوجود الهيكل المزعوم، بالبراهين
الهندسية والأدلة المنطقية في بحثنا الموسوم(5): بالهوية المعمارية وأثرها في تحديد
الهوية السياسية لمدينة القدس- قبة الصخرة أم الهيكل المزعوم، وبينت أنه حاجة نفسية
أكثر منه ضرورة دينية، أضف إلى ذلك أن القدس لم يرد ذكرها في التوراة أي الأسفار
الخمسة التي نزلت على النبي موسى، وهي الخاصة بسن الشريعة وطقوس العبادة اليهودية.
وإنما ورد متأخرا في أسفار(6) الأنبياء والأسفار التاريخية المتأخرة. فلو كان للقدس
مكانة حقيقية في الدين اليهودي لورد ذكرها في الأسفار الخمسة الأولى (التوراة)،
وليس في الأسفار المتأخرة والموضوعة، أي غير المنزلة من الله عز وجل. والقارئ
للمزامير الخاصة بالقدس يخلص إلى أن مكانة القدس عند اليهود عاطفية وليست دينية.
كما أن جميع التنقيبات الآثارية والتي بدأت سنة 1838م وحتى وقتنا الحاضر، لم تسفر
عن اكتشاف أي دليل مادي مقنع يدل على الوجود اليهودي في القدس.
استنادا إلى ما سبق فإن الوجود
اليهودي في القدس لم ينشأ عنه لا مبان دينية، ولا حتى مبان عامة أو سكنية، يمكن من
خلالها تحديد هوية معمارية ووصفها باليهودية. وحتى لو افترضنا جدلا وجود الهيكل
المزعوم، فهو بحد ذاته لا يشكل هوية معمارية، لأن اقتصار الديانة اليهودية على مبنى
عبادة واحد لا يشكل حضورا مميزا في النسيج المعماري للمدينة. كما أن اليهود لم
يكونوا العنصر البشري الوحيد الذي يسكن في المدينة بل كان يسكنها العرب اليبوسيون،
وسكنها اليونانيون والرومانيون،
كما أن اليهود لم يأثروا على هاتين الثقافتين بل تأثروا بهما.
وعليه فإن الوجود اليهودي كان
وجودا عابرا لم يخلف أي آثار معمارية أو مادية، والسبب في ذلك هو أن اليهود لم
يكونوا أصحاب صنائع، ناهيك عن أن تكوينهم النفسي القلق، لا يساعدهم على الاستقرار
ومن ثم على الإنتاج. فبقي ارتباطهم بالقدس عاطفيا إلى أن استطاعوا أن يقحموا أنفسهم
في قدسية المدينة من خلال تبني الديانة المسيحية للتوراة اليهودية وباقي أسفار
العهد القديم. فالمسيحية إذن هي التي وفرت لهم ارتباط ديني في القدس، فقوت الارتباط
العاطفي بها إلى أن تمكنوا من تحويل الارتباط العاطفي إلى ارتباط مادي، بمساعدة
المسيحية البروتستنتينية كما
سأبين في عرضي للمسيحية والتي ستكون موضوعنا التالي.
المسيحية
نشأت الديانة المسيحية في
بداية القرن الأول الميلادي، وفي الوسط اليهودي الذي لم يتقبل الديانة الجديدة فاضطهدوا
المسيح عليه السلام وصلبوه في مدينة القدس. وكان من جملة من اعتنق المسيحية
الحواريين الاثنى عشر (الرسل)، ولقد أخذ الحواريون على عاتقهم نشر الدين المسيحي
خارج القدس وفلسطين نتيجة لاضطهادهم وملاحقتهم، وكان ينظر للمسيحية في بدايتها على
أنها حركة إصلاح(7) يهودية وليست ديانة جديدة. وبقيت المسيحية غير معترف بها،
واتباعها مطاردون، إلى أن اعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطين (280-337م) المسيحية
في سنة 306م، وبنى أول كنيسة في القدس، وهي كنيسة القيامة سنة 326م. وبهذا اكتسبت
المسيحية أول اعتراف سياسي بها، وأصبحت القدس مركزا للمسيحية إلى جانب المراكز
المسيحية التي تأسست في روما وإنطاكية والإسكندرية.
وبعد الخلافات التي حصلت في
مؤتمر نيقيه سنة 325م حول طبيعة المسيح، انقسمت الكنيسة إلى قسمين رئيسيين هما
الكنسية الغربية الكاثوليكية ومركزها روما، والكنيسة الشرقية الأرثذوكسية التي
تعددت مراكزها في الشرق. ثم انشق عن الكاثوليكية كنيسة جديدة في بداية
القرن السادس عشر، حيث عرفت بالكنيسة البروتستنتينية.
بعد الانقسام الأول في الكنيسة
بدأ البحث في صحة الأناجيل وفي قانونية الكتب اليهودية التي استشهد ببعضها المسيح.
فتم الاتفاق على أربعة أناجيل(8) هي: انجيل
مرقس وانجيل لوقا، ثم انجيل
متى وأخيرا انجيل يوحنا، وأهملت باقي الاناجيل(9)
كإنجيل الناصرين وأنجيل
الأبيونيين، وانجيل العبرانيين، وانجيل المصريين وانجيل بطرس
وانجيل برنابا وغيرها. وبعد الاتفاق على الأناجيل
والأسفار كسفر الرسل، وسفر يوحنا اللاهوتي ورسائل الرسول بولس وغيرها تم جمعها
وتسميتها بالعهد الجديد والذي يتكون من 27 سفرا. وأضافوا العهد الجديد إلى العهد
القديم. والذي يتكون من التوراة الأسفار الخمسة الأولى التي نزلت على موسى، وأسفار
الأنبياء وبعض الأسفار التاريخية اليهودية. والعهد القديم يتكون من 46 سفرا في
الكنيستين الكاثوليكية والأرثذوكسية. أما البروتستنتينية فقد اختصرته إلى 39 سفرا
كما هو الحال في الديانة اليهودية. تعاملت الكنيستين الكاثوليكية والأرثذوكسية مع
العهد القديم كرموز وليس كطقوس وممارسات. أما البروتستنتينية فقد تبنت(10) معظم
كنائسها المزاعم والدعاوى اليهودية، وخاصة دعاواهم في القدس التي فشلوا في جعل
الكنيستين الكاثوليكية والأرثذوكسية تتبناها، وإن كانوا قد حققوا بعض الاختراقات
فيهما أهمها: إقحام صلاة دمار
القدس(11) في الكنيستين وخصصوا لها يوم في السنة، سموه أحد دمار القدس
Destruction of Jerusalem Sunday في القرن الرابع الميلادي في
بعض الكنائس الغربية، وبحلول القرن الحادي عشر كانت جميع الكنائس الغربية، واتباعها
في الشرق، يقيمون هذه الصلاة. واللافت للنظر أن القدس كانت مدينة عامرة وتحت
السيطرة المسيحية، وبقي المسيحيون يحكمونها إلى أن حررها العرب المسلمون سنة 636م
من البيزنطيين، حيث استمر الحضور المسيحي في المدينة (باعتراف إسلامي كما سأبين
لاحقا) يمارس كامل حريته الدينية ومشاركا في إدارة المدينة. فكيف كان المسيحيون
يصلون على دمار مدينة عامرة هم يسكونها وكانوا يحكموها، حتى القرن السابع
الميلادي!؟ ثم شاركوا في إدارتها وما زالوا!؟ كما أن مثل هذا المفهوم، حتى لو كان
رمزا، أي تصوير القدس وكأنها مدينة مدمرة ومهجورة (لم يسكنها المسيحيون العرب
ويحكمها المسيحيون البيزنطيون) ولم يمارسوا حريتهم الدينية ويشاركوا في إدارتها بعد
أن حررها العرب المسلمون سنة 636م، يتكرر في صلاة السحر(12) حيث يقرؤون من سفر
(إشعيا 45: 8) ثم يرددون بعد القراءة: "سيشرق الرب عليك يا أورشليم". ويتكرر هذا
المفهوم أيضا في صلاة الغروب(13) الثانية، إذ يقرؤون المزمور 109: "…
بسط الرب سلطانك من أورشليم…".
هذا الحضور اليهودي في
المسيحية لم يقتصر على ما سبق فحسب بل تجاوز ذلك، إلى درجة أن الكنيسة في إنكلترا
خصصت سنة 1188م (بعد تحرير المسلمين للقدس بعام) طقوسا جديدة للعبادة، حيث وجدوا أن
الطقوس القديمة لم تكن مقنعة في تحديد مواقفهم من القدس ومن المسلمين. فابتدعت
الكنيسة طقسا جديدا أسمته (14) The Clamor Pro Terra Sancta
، يتكون من برنامج أسبوعي "لتحرير القدس". والمرجح أن ممارسته بدأت في إنكلترا
بكنيسة Westminster Abbey ، يقرؤون فيه مزمورا كل يوم
على مدى أسبوع. وعمت ممارسة هذا الطقس دول أوروبا حيث ظل سائدا وممارسا حتى نهاية
القرن السادس عشر الميلادي. فقراءة المزامير توضح مدى الحضور اليهودي في المسيحية.
هذا الحضور اليهودي في
المسيحية لم يقتصر على الصلاة، بل تجاوز ذلك إلى الزعم بأن قبة الصخرة هي الهيكل
المزعوم(15). حيث باشر اليهود بزراعة هذه الأكذوبة في الوعي المسيحي، ابتداء من
القرن التاسع الميلادي. وقد تعزز هذا الزعم بعد احتلال الصليبين للقدس سنة 1099م،
وتحويلهم قبة الصخرة إلى كنيسة سموهاTemple Solomon أو
Templum Domini وبقيت قبة الصخرة كنيسة (شكل-8أ)
إلى أن حرر صلاح الدين القدس سنة 1187م، إلا أنها بقيت في الوعي المسيحي هيكل
سليمان حتى نهاية عصر النهضة كما سأبين لاحقا.
 |
|
إضغط للمشاهدة |
والحقيقة أن الحضور اليهودي في
المسيحية أكبر من أن يحصر في هذا البحث، ولكن سأكتفي بالإشارة إلى دور الكنيسة
البروتستنتينية التي فجرت الانطلاقة الكبرى "للمسيحية اليهودية"، "وأعادت الاعتبار
لليهود، باعتبارهم هم الأصل وأبناء الرب"(16). وبنشاط المسيحية اليهودية ظهرت في
بداية القرن التاسع عشر حركتان(17) دينيتان، انبثقتا من دراسة النبؤات في العهدين
القديم والجديد، وكان محور اهتمامها هو التسريع بالمجيء الثاني للمسيح وهما: الحركة
الألفية Millennialist والحركة الأخروية
Eschatology. ولما كانت نبؤات حزقيال ودانيال ويوحنا اللاهوتي
تنصبان على عودة اليهود إلى القدس، فالأولان حزقيال ودانيال يتنبأن بمجيء المسيح
اليهودي المخلص، الذي سيقود اليهود ليحكموا العالم. والثاني، يوحنا اللاهوتي، يتنبأ
بالمجيء الثاني للمسيح النصراني الذي سيحول العالم إلى المسيحية، وأولهم اليهود حيث
تشترط النبؤة أن يكونوا موجودين في القدس وفلسطين قبل مجيئه ليبشر بينهم، وينصر
منهم (144.000) شخص لينضموا إليه في "محاربة الشر القادم من الشرق في معركة هرمجدون
(مجدو) (يوحنا اللاهوتي 4:7- 5،14: 1-2) حيث سينتصر المسيح ويحكم العالم ألف سنة
والتي يسمونها بالألف السعيدة (يوحنا اللاهوتي 20: 2-7). والنبؤة تذكر أن يوحنا
اللاهوتي لم ير في القدس النازلة من السماء هيكلا (يوحنا اللاهوتي 21: 22-23).
واللافت للنظر أن النبؤتين تعطيان لليهود "دورا مركزيا في خطة الرب لنهاية
العالم!؟".(18)
إن ما يعنيني هنا هو أن
المسيحية بتبنيها العهد القديم سواء على مستوى الرمز(19) كما هو الحال في
الكاثوليكية والأرثوذكسية، أو بالاعتقاد كما هو الحال في البروتستنتينية قد عززت
دعاوى اليهود في القدس وجعلت مكانتها في اليهودية مساوية لمكانتها في المسيحية على
الرغم من زيف دعاوى اليهودية وعدم قدرتها على خلق هوية معمارية في القدس كما بينت
سابقا.
بقي أن أشير إلى أن مفهوم مجيء
المسيح المخلص في اليهودية ونزول الهيكل مبنيا معه من السماء، وكذلك فكرة المجيء
الثاني للمسيح النصراني، قد
ولدا فكرة القدس السماوية والقدس الأرضية. حيث بدأ مفهوم القدس السماوية كنبؤة في
سفر (يوحنا اللاهوتي 2: 1-26) ثم تطورت لتصبح مفهوما لاهوتيا وفلسفيا عند القديس
اغسطين في مؤلفه مدينة الله(20)، ثم انتهت بمفهوم مادي. أما الفلسفي فهو كما يحدده
أغسطين أن هناك مدينتان تكونها محبتان: محبة الذات لدرجة الاستخفاف بالله، ومحبة
الله لدرجة ازدراء الذات. فالأولى أرضية والثانية سماوية، ومهمة الأولى حفظ الأمن
والنظام، وتمهيد الطريق للمدينة السماوية وهي الكنيسة التي تتكون من الذين اختارهم
الله للخلاص. ومن خلال وصف رؤيا يوحنا اللاهوتي، والمفهوم الفلسفي لأغسطين، اجتهد
المعماريون والمخططون والنقاد والمؤرخون في وضع تصور مادي للمدينة السماوية، التي
هي القدس السماوية. أما الأرضية فهي القدس الكائنة في فلسطين بأسوارها وشوارعها
ومبانيها وتضاريسها، أي بنسيجها المعماري وعناصرها
الحضرية.
أما مجمل التصورات الحسية
والمادية للقدس السماوية(21) فهي: مجاز أو رمز وليست نموذجا محددا، كما أنها ليست
تصورا لوصف محدد. ويمكن تصورها "ككنيسة" أو "قصر" أو "مدينة" أو "بوابات السماء"،
وقد تكون "مجموعات كنائس"، لكن في كل الأحوال ليست ذات صفات شكلية محددة، أي أنها
ليست نموذجا لشيء محدد، وبتعبير آخر ليست طرازا. وهذا يخالف رؤية يوحنا اللاهوتي
الذي وضع لها وصفا مجردا فحددها كمدينة مربعة، ارتفاعها مساو لطول ضلع مربعها ويبلغ
12000 غلوة، وطول سورها 144 ذراع إنسان. ولها اثني عشر أساسا، واثنى عشر بابا،
ثلاثة في كل ضلع (شكل-7ج) ومكتوب عليها أسماء بني إسرائيل... لكنه لم يصف أو يحدد
نسيج معماري للمدينة سوى أنه لم يرى
هيكلا بها، كما ذكرت سابقا (يوحنا اللاهوتي 21: 9-36).
 |
|
إضغط للمشاهدة |
واللافت للنظر أن هناك تناقضا
بين طول محيط المدينة والبالغ (4×12000)= 48000غلوة، وبين طول سورها البالغ 144
ذراعا؟ كما أن هناك تناقضا آخر وهو ارتفاع المدينة والمقصود هو ارتفاع السور مساو
لطول ضلعها والبالغ 12000 غلوة؟ وكذلك الأمر بالنسبة لعدد الأساسات والبالغ 12
أساسا؟ على أن ما يعنيني هنا ليس التناقضات بل أنه من فكرة القدس السماوية والقدس
الأرضية تكونت فكرة المدينة المثالية(22) في القرون الوسطى خاصة (القرون 11-14)
وعصر النهضة. وكان لتزاوج هذين المفهومين تأثير كبير على المدن الإيطالية في القرون
الوسطى وعصر النهضة، ولما كانت القدس العربية الإسلامية، بتخطيطها العمراني ونسيجها
المعماري وهويتها المعمارية العربية الإسلامية هي القدس الأرضية، فإن تأثيرها كان
واضحا في المدن الإيطالية في القرون الوسطى وعصر النهضة، كما سأوضح لاحقا.
وبهذا يتضح لنا أن مكانة
القدس في المسيحية مرت في ثلاث مراحل: الأولى تمتد من بداية المسيحية وحتى اعتراف
الإمبراطور قسطنطين بها سنة 306م، ولم يتمكن المسيحيون فيها من إحراز أي حضور في
القدس، كما لم يتمكنوا من إحداث أي وجود مادي لهم بها. والمرحلة الثانية من سنة
306م وحتى سنة 636م عندما حررها العرب المسلمون، وقد استطاعت المسيحية تحقيق حضور
سياسي وإحداث وجود مادي كثيف كان أهمه بناء كنيسة القيامة، ومجموعة أخرى من
الكنائس، بحيث أصبح للقدس هوية معمارية مسيحية. وأما المرحلة الثالثة فتمتد من سنة
636م وحتى وقتنا الحالي، وفيها تحولت الهوية المعمارية من مسيحية إلى عربية
إسلامية، دون المساس بالوجود المسيحي بشريا أو ماديا، فبقيت للقدس مكانتها الروحية
في المسيحية، لكن انحسرت هويتها المعمارية المسيحية لتصبح عربية إسلامية، على الرغم
من الاحتلال الصليبي لها (1099-1187م)، وعلى الرغم من احتلال اليهود لها من سنة
(1967- الآن)، كما سنرى على مدار هذا البحث.
لكن المسيحية ومن خلال قناعتها
الدينية أولا، ومساعدتها السياسية والمادية لليهود ثانيا، وفرت لليهودية موطأ قدم
في القدس خاصة وفلسطين عامة. أي أن المسيحية، خاصة المسيحية الصهيونية منها، عززت
دعاوى اتباع اليهودية في القدس، بحجة خدمة دعاوى المسيحية الصهيونية الممثلة
بالتسريع بالمجيء الثاني للمسيح كما بينت سابقا. كما أن مجمل دعاوى اليهودية
والتبني المسيحي لها جعل للقدس مكانة مركزية جغرافية إضافة إلى مركزيتها الروحية،
فالقدس هي مركز العالم جغرافيا
 |
|
إضغط للمشاهدة |
، كما صورها هنريك بونتنك Heinrich Bunting
سنة 1581م. (شكل-1) فمكانة القدس في المسيحية إذن مكانة روحية وعاطفية، ذات وجود
مادي، وحضور سياسي، مكنها من خلق هوية معمارية مسيحية في القدس، في الفترة
(326-636م)، انحسرت بعدها لصالح الحضارة العربية الإسلامية، وانطوت تحت هويتها
المعمارية العربية الإسلامية، والتي ستكون موضوعنا التالي.
الإســـلام
للقدس مكانة خاصة ومميزة في
الإسلام، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، مسرى الرسول صلى الله عليه
وسلم، ومكان عروجه إلى السماء حررها العرب المسلمون سنة 636م-15هـ، وحسموا الصراع
الحضاري حولها لصالح الحضارة العربية الإسلامية. وتنوع النسيج المعماري في المدينة،
فظهرت المساجد والمدارس والخانات
والزوايا والتكايا والبيمارستانات والأضرحة والأسبلة والأسواق، وأصبحت الهوية
المعمارية للمدينة هوية عربية إسلامية، على الرغم من الحضور العمراني المسيحي
الممثل بالكنائس. وبقيت هذه الهوية مسيطرة على الرغم من الاحتلال الصليبي واليهودي،
اللذان أشرت اليهما سابقا، والحضور المسيحي واليهودي المكثفين. فالأول ازداد نشاطا
مع الإرساليات التبشيرية منذ منتصف القرن التاسع عشر، والذي حاول جاهدا تغيير
الواقع المعماري للقدس ليضعف الهوية المعمارية العربية الإسلامية، حيث زاد عدد
الكنائس الغربية في المدينة وتوزعت داخل نسيجها المعماري، وبولغ في حجمها وفي إظهار
عناصرها المعمارية، فالإمبراطور الألماني وليم الثاني، صمم بنفسه برج كنيسة المخلص
Redeemer أثناء زيارته للقدس سنة 1898م، وزاد في
ارتفاعه(23) ليصبح أعلى بناء في المدينة، بالرغم من عدم تناسبه مع حجم الكنيسة.
وكان الهدف من ذلك هو إظهارها معماريا وجعلها نقطة الاستقطاب البصري في المدينة
بدلا من قبة الصخرة المشرفة. ولكن النتيجة كانت سلبية لانعدام النسب بين البرج
والكنيسة الأمر الذي دفع المعماري الإنجليزي(24) بيرسفورد بايت Beresford
Pite ليصفه بأنه بشع، وتمنى على الجيش البريطاني الذي احتل
فلسطين سنة 1916م، أن يهدم البرج حتى يزول التشويه الذي أحدثه في النسيج المعماري
للقدس.
أما الحضور اليهودي فقد تزامن
مع الحضور المسيحي الغربي، لكنه تركز خارج الأسوار وباتجاه الغرب فنشأت عدة أحياء
يهودية(25) كان هدفها تغيير التركيبة السكانية (الواقع
الديمغرافي) للمدينة، ومن ثم
التخطيط العمراني ونسيجها المعماري، تمهيدا لإزالة هويتها المعمارية العربية
الإسلامية، أو على الأقل
مزاحمتها.وهذا لم يتحقق، ولن
يتحقق، لأن موضعة الحرم الشريف،
وقبة الصخرة تحديدا جعلها العنصر الأقوى حضورا في النسيج المعماري للقدس. فهي نقطة
الاستقطاب البصري دون منازع، فالفضاء المحيط بها يعزز شخصيتها البصرية ويؤكد الهوية
المعمارية العربية الإسلامية للقدس، ناهيك عن الأداء الوظيفي اليومي والمتواصل
للحرم الشريف مع السكان، والذي بدوره يعزز حضور الهوية المعمارية العربية
الإسلامية، خاصة إذا أضفنا توافد
المصلين المسلمين إلى الحرم أيام الجمع بواقع 250.000- 300.000 مصلي، حيث يطغى
الحضور الإسلامي على ما عداه. وتتأكد الهوية المعمارية العربية الإسلامية بجميع
عناصرها وبأجلى صورها.
عرضت فيما سبق لمكانة القدس
الروحية في الديانات الثلاث وبينت انعكاساتها المعمارية وتأثير كل دين في تشكيل
هويتها المعمارية، ووضحت أن اليهودية عجزت عن خلق هوية معمارية، وأن المسيحية
استطاعت تشكيل هوية معمارية في الفترة المحصورة بين القرنين الرابع والسابع
الميلادي، وأنها بتبنيها العهد القديم، ومساعدة اليهود سياسيا وماديا عززت دعاوى
اليهود في القدس خاصة وفلسطين عامة. ثم عرضت للإسلام وبينت أن الصراع الحضاري حسم
لصالح الحضارة العربية الإسلامية التي شكلت هوية معمارية عربية إسلامية مميزة لم
يستطع لا الاحتلال الصليبي، ولا اليهودي نزعها أو حتى مزاحماتها. وبهذا أكون قد
بينت الارتباط الروحي بالمدينة الذي شكل وما زال يشكل الخلفية النظرية التي حكمت
تخطيطها العمراني ونسيجها المعماري، واللذان سنتعرف عليهما من خلال استعراض تاريخ
المدينة، وبيان كيف اكتمل تخطيطها العمراني في الحضارة العربية الإسلامية، وكيف
أصبحت القدس العربية الإسلامية هي القدس الأرضية التي فرضت حضورها على المدن
الأوروبية، والإيطالية بصفة خاصة. وسأعرض فيما يلي للمراحل الأربعة التي مر بها
تاريخ المدينة.
|