الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

2- التخطيط العمراني للقدس

 

المرحلة الأولى

 

يعود تاريخ القدس إلى 3000 سنة ق. م. وورد ذكرها في سفر القضاة (19: 10-11) باسم يبوس، وكذلك في سفر الأيام الأول (11: 4-5). كما ورد ذكرها باسم سالم بإحدى رسائل تل العمارنة(26) المرسلة من حاكمها عبد خيبيا إلى فرعون مصر، ويعود تاريخها إلى القرن 14 ق.م. كما ورد ذكرها في حوليات الملك الآشوري تغلات بلاسر الثالث (744-727ق.م) باسم أورشالم(27). ثم توالى بعد ذلك ذكرها في المصادر التاريخية. أما ما زعم به العهد القديم (التوراة) بأن سبط يهودا حاربوا "اورشليم"(28)، وأخذوها وخربوها بحد السيف وأشعلوا النار بالمدينة، قضاة (1: 8)، وأن النبي داود احتل "أورشليم" التي يسكنها اليبوسيون (صموئيل الثاني 5: 6-9) وسماها مدينة داود وغير اسم حصنها من حصن(29) صهيون إلى حصن داود، فلا سند له من تاريخ، وسأتعامل مع هذا الإدعاء كما لو كان صحيحا لأن جميع المؤرخين يسلمون بهذا الزعم.

 

إن ما يعنيني مما سبق هو التعرف على طبيعة التخطيط العمراني لمدينة يبوس منذ نشأتها وحتى الاحتلال اليهودي لها كمرحلة أولى في التعرف على تخطيطها العمراني، على الرغم من أن العهد القديم لا يشكل في قناعتي مصدرا تاريخيا. واستشهادي به ينصب على الفكرة وليس على السند التاريخي لأنه ليس مصدراً تاريخياً، والتي سأحاول تفنيدها وبيان عدم صحتها على مدار هذا البحث وعليه فإن المعلومات التي وردت في العهد القديم تشير إلى وجود مدينة باسم يبوس، حيث عرفت في المصادر التاريخية الكلاسيكية (اللاتينية واليونانية والرومانية) باسم سالم وأورسالم، وبعد الاحتلال اليهودي باسم أورشالم. وأن هذه المدينة يحيط بها سور وبها حصن ومساكن. وأن الموقع الجغرافي لهذه المدينة كما حدده علماء الآثار(30) هو تل الظهور (أوفل Ophel) (شكل 2أ) و (شكل-2ب) ويقع جنوبي الحرم الشريف،

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

وأن هذه الاكتشافات حددت طول المدينة(31) بـ (350-420) مترا وأفصىعرض لها 150 مترا. علما أن الموقع القديم للقدس كان جبل صهيون، أي التلة الغربية المقابلة للزاوية الجنوبية الغربية للحرم الشريف، وغير الموقع لأسباب دينية وسياسية تتعلق بمزاعم اليهود في الحرم الشريف. وأن تحديد الآثاريين لموقع يبوس الجغرافي استند من ناحية إلى الدعاوى السابقة لقربها من الحرم الشريف، واستند من ناحية أخرى إلى مجموعة من السلاسل الحجرية التي اكتشفت في تل الظهور من قبل الآثاريين الغربيين، أخص منهم الآثارية الإنجليزية كاتلين كينيون Kathleen Kenyon ، التي اعتقدت بأن هذه السلاسل عملت لحماية المساكن من انهيار التربة ولتسهيل بنائها على منحدر تل الظهور. وربما لم يرد في خلد هؤلاء الآثاريين، بأن السلاسل إنشاءات شائعة في فلسطين وكل بلاد الشام، وتعمل لمنع انجراف التربة حتى تبقى صالحة للزراعة. وعليه فإنني لا أميل إلى الرأي القائل بأن يبوس أو سالم كان موقعها الجغرافي هو تل الظهور ومما يعزز عدم قناعتي بهذا الموقع هو ضيق مساحته، فلا يعقل أن يتسع هذا المكان بالأبعاد التي ذكرتها سابقا لكل من سكان المدينة الأصليين والمحتلين اليهود والعمال الأجانب الذين ورد ذكرهم في العهد القديم. وبعملية حسابية بسيطة سنرى أنه من غير الممكن أن تستوعب يبوس هذه الأعداد.

 

ولكي نتعرف على عدد اليهود الذين أقاموا في يبوس علينا ابتداء أن نقدر عدد اليهود. ففي سفر الخروج من التوراة نجد أن عدد اليهود الذين خرجوا مع النبي موسى هو 600.000 "من الرجال عدا الأولاد"، (خروج 12:39). فلو افترضنا أن لكل فرد من الرجال أم أو امرأة وولد أو بنت  فقط ، لكان عدد كل اليهود الذين خرجوا مع موسى هو 1,800,000 فإذا قسمنا هذا العدد على أسباط بني إسرائيل الإثنا عشر لأصبح عدد كل سبط 150,000 نسمة. ولما كانت  يبوس، حسب زعم العهد القديم، من المدن التي سكنها سبطي يهوذا (يشوع 15 – 63) وبنيامين (يشوع 18 – 36). فإن مجمل عدد السبطين هو 300,000 نسمة.                              

 

هذه الإحصائية التقريبية خاصة بعدد اليهود في زمن النبي موسى، وقبل دخولهم فلسطين. ولما كان اليهود لم يدخلوا يبوس (القدس) إلا في زمن داود، بعد حوالي 440 سنة من خروجهم، أي قبل بناء هيكلهم المزعوم بحوالي40سنة، لأن هيكلهم المزعوم بني في زمن النبي سليمان وبعد 480سنة من خروجهم،(ملوك أول 6:1). وهذا يعني  أنهم تكاثروا 11 مرة منذ خروجهم،باعتبار كل مرة جيلا واحدا، واعتبار الجيل 40 سنة. فلو افترضنا أن معدل تكاثرهم  مساويا لمعدل وفياتهم، وتبثنا عدد السبطين الذان سكنا يبوس، والذي  قدرته بـ 300،000 نسمة،    وافترضنا أن نصف هذا العدد أقام في يبوس، وأضفنا إليه عدد العمال الأجانب والبالغ عددهم 153,600 عامل (أخبار أيام ثاني 2 : 18)، لأصبح عدد اليهود والعمال الأجانب فقط وبدون اليبوسيين  303,600 نسمة. فهل يعقل أن تستوعب مدينة كيبوس لا تتجاوز مساحتها 64 دونما هذا العدد من السكان!؟ وهل يعقل أن يقيم مثل هذا العدد من البشر، في مكان ما، ولم يتركوا أي دليل مادي على وجودهم!؟  وهذا بدوره يؤكد أن موقع يبوس كما حدده الأثاريون غير صحيح. فلو دقق الآثاريون الغربيون ومن حذا حذوهم من الآثاريين العرب، في التناقضات بين المصادر الكتابية اليهودية ونتائج الاكتشافات الآثارية، لما وقعوا في هذه الأخطاء الواضحة والصريحة.

 

 ولكن وبصرف النظر عن صحة الموقع الجغرافي من عدمه فإن يبوس أو سالم كما ورد اسمها في المصادرالكتابية والكلاسيكية، هي مدينة مسورة، تقع على جبل سواء كان صهيون أو تل الظهور أو أي مكان آخر وأن نسيجها المعماري يتكون من حصن ومبان سكنية تقع على منحدرات الجبل أو التل. هذا إذن كل ما يمكن أن نستنتجه عن طبيعة التخطيط العمراني ليبوس وهويتها المعمارية الكنعانية الفينيقية قبل الاحتلال اليهودي لها وبهذا أكون قد غطيت المرحلة الأولى في محاولتي للتعرف على تطور التخطيط العمراني للمدينة، وأما المرحلة الثانية فهي فترة الاحتلال اليهودي والتي ستكون موضوعنا التالي.        

 

المرحلة الثانية

 

وتمتد هذه المرحلة من حوالي سنة (993ق. م- 70م) تخللها الاحتلال البابلي والفارسي واليوناني البطلمي (323-198ق.م) واليوناني السلوقي (198-63ق.م)، والروماني (63ق.م-663م)، حيث أحدثت هذه الاحتلالات إضافات وتغييرات معمارية في النسيج المعماري للمدينة، سأعرض لها ولكن دون اعتبارها مرحلة مستقلة، باستثناء الاحتلال الروماني، وذلك لاندثار إضافاتهم المعمارية من ناحية، ولعدم إدعائهم بأي حضور في القدس من ناحية أخرى، كما يزعم اليهود الذين ادعوا تواصل حضورهم في القدس خلال الاحتلال اليوناني والروماني.

 

إن المصدر الرئيسي للتعرف على طبيعة التخطيط العمراني في المرحلة الثانية هو العهد القديم، وبعض المصادر التاريخية الكلاسيكية. أما التنقيبات الآثارية فلم تسفر عن أي دليل مادي يعود تاريخه إلى الوجود اليهودي في يبوس أو سالم والتي غير اليهود اسمها إلى أورشليم أو يوروشلايم. وكل ما دونه العهد القديم عن داود أنه بنى بيتا (صموئيل الثاني5 : 11)، وحول حصن يبوس إلى حصن صهيون، وغير اسم يبوس إلى مدينة داود، وكذلك أقام مذبحا خارج سور يبوس باتجاه الشمال على جبل الموريا (جبل الأقصى) على بيدر اشتراه من يبوسي اسمه أرونة (ارنان)، (صموئيل الثاني 34: 17-24). إذن فالتخطيط العمراني في زمن داود لم يتغير في يبوس. ولكن إذا أخذنا بزعم العهد القديم، فإن نموا عمرانيا خارج سور يبوس قد بدأ ممثلا بالمذبح، هذا إذا جاز اعتبار المذبح مبنى، علما أن المذبح عبارة عن منصة أشبه بمنصة حلبة المصارعة.

 

وحسب زعم العهد القديم فإن ما بدأه النبي داود استكمله النبي سليمان، إذ زعم العهد القديم بأن سليمان قد بنى الهيكل المزعوم أو بيت للرب لسكناه على جبل الموريا (جبل الأقصى)، أي مكان المذبح الذي أقامه داود، (ملوك أول 6: 38)، في الفترة من (957-950 ق.م) تقريبا. كما زعم العهد القديم بناء بيتا له وسور لأورشليم (ملوك أول 3: 1-2)، وكذلك بنى بيت أسماه "بيت وعر لبنان"، أي أرز لبنان، (ملوك أول 7: 1) وبيتا آخر لزوجته ابنة فرعون (ملوك أول 7: 8)، وجميع هذه الأعمال شيدها مهندس صوري فينيقي اسمه حيرام (ملوك أول 7: 12) ولقد فندت هذه المزاعم ونفيتها بالأدلة الهندسية والبيانات المنطقية في بحثي الموسوم: الهوية المعمارية وأثرها في تحديد الهوية السياسية لمدينة القدس، قبة الصخرة أم الهيكل المزعوم. ولو سلمنا جدلا بصحة ما نسبه العهد القديم إلى سليمان، فإن هذه الإنشاءات تأثرت(32) بالعمارة المحلية الفينيقية، وعليه فإن التخطيط العمراني ومفرداته من النسيج المعماري في أورشليم الممتدة شمالا، يحمل الهوية المعمارية المحلية الكنعانية الفينيقية، هذا لو سلمنا جدلا بصحة مزاعم العهد القديم. ومما يدلل على عدم صحة هذه المزاعم أيضا هو أن النمو المزعوم لأورشليم في عهد سليمان لا يحل مشكلة التزاحم السكاني الذي أشرت إليه سابقا. لأن التوسعة الجديدة والتي مساحتها حوالي 143 دونما (أي مساحة الحرم الشريف) والتي تبلغ أكثر من ضعفي مساحة يبوس (شكل-3) خصصت للاستعمالات الدينية والملكية وليس للسكن.

إضغط للمشاهدة

 

استنادا إلى ما سبق، وعلى افتراض صحة مزاعم العهد القديم، فإن يبوس أو "مدينة داود"، أو أورشليم توسعت باتجاه الشمال وأن الإضافات المعمارية المزعومة كانت صورية فينيقية الهوية وليست يهودية. ولما كانت يبوس أصلا كنعانية فينيقية الهوية المعمارية، فإن الوجود اليهودي في أورشليم وفي أوج عظمته، أي عندما كانت أورشليم عاصمة المملكة اليهودية المتحدة، لم يتطور تخطيطها العمراني وفقا لحاجات اجتماعية، بل تلبية لحاجة دينية، وبأمر الرب كما يزعم العهد القديم. كما أن هويتها المعمارية بقيت كنعانية فينيقية على الرغم من الوجود السياسي اليهودي الممثل بداود وسليمان، حيث تفككت المملكة اليهودية بعد سليمان، وأصبحت أورشليم عاصمة مملكة يهودا، ولم يخبرنا العهد القديم عن أي تطور عمراني للمدينة، وبقيت على ما هي عليه حتى دمارها على يد الملك البابلي نبوخذ نصر سنة 586م.

 

ثم يخبرنا العهد القديم عن محاولة إعادة بناء الهيكل المزعوم سنة 516ق.م (عزرا 30: 8)، وكذلك إعادة بناء أسوار أورشليم (عزرا 4: 12-13)، (نحميا 3: 1-33، 4: 7-8، 6: 1-2)، ويخبرنا (نحميا 7: 4) أن المدينة كانت "واسعة الجناب وعظيمة والشعب قليلا في وسطها ولم تكن البيوت قد بنيت".

 

وبهذا يتضح أن المدينة قد اضطرب تخطيطها العمراني وفقدت هويتها المعمارية وأن محاولات قد بذلت لإعادة أعمارها ممثلة في إعادة بناء أسوارها، وهي الأسوار المحيطة بيبوس (مدينة داود) وتوسعة سليمان على جبل الموريا (الحرم الشريف).

 

وكذلك في محاولة إعادة بناء الهيكل المزعوم، كما ورد في سفري عزرا ونحميا وهذه المحاولات ما هي إلا ادعاءات لتعزيز الوجود اليهودي بها، ولا صباغ هوية معمارية يهودية على المدينة بدلا من هويتها المعمارية الكنعانية الفينيقية.

 

والشائع بين الآثاريين(33) أن الأسوار التي أعاد بنائها نحميا بقيت حتى القرن 2 ق.م. أي بقيت طوال حكم البطالمة (353-198ق.م)، وبداية حكم السلوقيين (198-63ق.م). ولم تذكر المصادر الدينية أو التاريخية أي تطور عمراني في أورشليم في الفترة الممتدة بين العودة من السبي البابلي والاحتلال اليوناني حتى بداية الحكم السلوقي، سوى ما أشرت إليه سابقا.

 

ولكن مع بداية القرن 2 ق.م، أي أثناء الحكم السلوقي، ذكر المؤرخ اليهودي جوزيفيوس فلافيوس(34) نقلا عن المؤرخ هيكاتيوس أن كبير الكهنة سيمون قام ببناء سور حول الهيكل المزعوم، وتمكن من فصل منطقة الهيكل عن يبوس التي يسيطر عليها السلوقيين. فأصبحت أورشليم بشخصيتين يهودية في منطقة الهيكل المزعوم، ويونانية بطلمية ثم سلوقية في يبوس، مع هوية معمارية كنعانية فينيقية في قسمي أورشليم. وفي سنة 167 ق.م(35) هدم الملك السلوقي انطونيوس الرابع أسوار الهيكل المزعوم، وأقام في ساحته تمثالاً للإله زيوس، وبنى قلعة أكرا Akra  جنوب شرق الحرم.

 

وفي هذه الفترة تشير المصادر اليهودية إلى انفصال اليهود المتعصبين عن السلوقين وأنهم سكنوا على الهضبة الغربية المقابلة ليبوس والمسماة بصهيون(36). كما تشير هذه المصادر إلى أن اليهود المكابيون الحسمونيون قاموا بثورة على السلوقيين سنة 164ق.م، واحكموا سيطرتهم على صهيون وجبل الموريا (جبل الأقصى) والحرم الشريف. وأنهم شيدوا قصرا وأبراج في شمال غرب أورشليم. وتتبادل السيطرة بين اليهود والسلوقيين إلى أن تمكن السلوقيون من القضاء كليا على المكابين، حيث استمرت سيطرتهم على القدس إلى سنة 63 ق.م عندما احتلها الرومان بقيادة بومبي. إن ما يعنيني هنا هو التوسعة التي حصلت باتجاه الغرب على جبل صهيون (هذا مع عدم التسليم بصحة موقع يبوس كما أشرت إليه سابقا) والسور الذي بناه كبيرا الكهنة جونتان Jonathan وسيمون Simon حول الهضبة الغربية، كما يزعم المؤرخ اليهودي جوزيفيوس. وكذلك تمثال الاله زيوس، في موقع الهيكل المزعوم، وقلعة أكرا Akra التي بناها السلوقيون، وهذا يعني أن السلوقيين قد أحدثوا تغييرا نوعيا في النسيج العمراني لأورشليم، وهو إضافة القلاع والنصب التذكارية، وبالتالي صبغ الهوية المعمارية لأورشليم بالصبغة اليونانية. وكذلك إضافة الأسوار كوسيلة دفاعية حول المدينة وكعنصر مادي وبصري في تخطيطها العمراني، هذا بالإضافة إلى الهوية الثقافية اليونانية التي صبغوا بها المدينة، وهذا بدوره يوضح عدم فاعلية الحضور اليهودي في المدينة.

 

وفي هذه الفترة من الصراعات والحروب بين اليهود والسلوقيين واليهود والرومان فيما بعد، يذكر جوزيفيوس(37) أن سورا ثالثا قد تم إنشاءه كما هو موضح (بالشكل-4)

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

 والحقيقة أن المصادر التي استند إليها الآثاريون والمؤرخون غير مقنعة، إذ لا يوجد أي شواهد مادية أو بقايا آثارية تؤكد صحة مزاعم سفر المكابين وجوزيفيوس، وأن جل آرائهم انحصرت في التخمين. وعليه فإن تسجيلي لهذه الآراء، وتحليلي لها ليس من باب القناعة بها، ولكن مجاراة لهذه المزاعم لأبرهن عدم صحة ادعاءات اليهود بوجود حضور عمراني لهم في القدس، وأن وجودهم لم يكن أكثر من إضافة بشرية غير ذات تأثير حضاري، وتحديدا معماري أو عمراني في المدينة.

 

أما الإنشاءات المنسوبة لهيرود فهي إنشاءات رومانية وليست يهودية، وأما إعادة بناء الهيكل المزعوم فقد فندت هذا الإدعاء كما بينت سابقا. أما الاحتلال الروماني فيشكل نقلة نوعية في التخطيط العمراني للقدس، لكن لن اعتبره مرحلة مستقلة بل تمهيدا للمرحلة المسيحية، وذلك لأن الاحتلال الروماني عاصر نشأة المسيحية، والرومان هم الذين اعترفوا بالمسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي، فأعطوها حضورا سياسيا في المدينة.

 

المرحلة الثالثة

 

كان الاحتلال الروماني حدثا مميزا في التخطيط العمراني للمدينة سواء قبل اعتراف الرومان بالمسيحية وتبنيها سنة 306ق.م، أو بعد هذا التاريخ. فالتخطيط العمراني الموثق بدأ مع احتلال الإمبراطور الروماني هدريان لأورشليم سنة 135م، والذي غير اسمها ليصبح ايليا كابتولينا Aelia Capitolina على الرغم من أن بومبي الروماني احتل القدس سنة 63ق.م، وأعاد الإمبراطور تيطس احتلالها سنة 70ق.م. ودمرها. إلا أن الأمور حسمت لصالح الرومان على يد هدريان، فقد دمر المدينة وأعاد تخطيطها(38) فتحددت عناصرها العمرانية والحضرية بوضوح وكذلك نسيجها المعماري و (الشكل-5) يوضح تخطيط إيليا كابتولينا. حيث تظهر شبكة الطرق وأهمها الكاردوا Cardo، وهو الطريق الممتد من الشمال إلى الجنوب، أي من باب دمشق إلى باب صهيون، وكذلك يظهر الشارعين العرضين في شمال وجنوب المدينة. كما يظهر موقع الحرم الشريف في شرق المدينة خالية من أي بناء باستثناء تمثال جوبيتر(39) الذي أقامه هدريان.

 

واللافت للنظر أن محاولة إعادة رسم مخطط إيليا كابتولينا بناء على المعلومات المتوفرة في المصادر الكلاسيكية (شكل-5) أو بناء على خارطة مأدبا الفسيفسائية والتي عملت سنة 570 (شكل-6)، لم تظهر أي وجود ليبوس (مدينة داود) كجزء من إيليا كابتولينا وكذلك لم تظهر أي وجود للهضبة الغربية (صهيون) كجزء من إيليا كابتولينا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الادعاء بوجود يبوس على تل الظهور، أو أوفل Ophel، كما هو وارد في المصادر اليهودية والغربية ليس صحيحا. إذ لا يعقل أن تتقلص المدينة بهذا الشكل، كما أنه من غير المعقول أن يتلاشى أصل المدينة وان تندثر نواتها، فهذا أمر غير مسبوق في تاريخ العمران، والتاريخ الحضري بصفة عامة. ناهيك عن أن موقع يبوس لم يسكن ولم يلحق بالقدس إلا بعد التوسعات التي حصلت في منتصف القرن التاسع عشر، وحتى بعد أن ألحق بقي موقعا فارغا غير مخصص لأي استعمال حضري!؟ وهذا أيضا يعزز رأينا بأن يبوس لم تكن في هذا الموقع أي في تل الظهور. وان التوسعات التي أشرت إليها سابقا ليست إلا ادعاءات لا أساس لها من واقع ولا سند لها من تاريخ. مما سبق يمكننا القول أن بداية التخطيط العمراني لمدينة القدس تاريخيا وهندسيا هو مخطط إيليا كابتولينا (شكل-5). والتي بقيت رومانية الطابع حتى اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي. وببناء كنيسة القيامة سنة 326م بدأ النسيج العمراني بالتحول تدريجيا في المدينة ليشكل هوية معمارية مسيحية بيزنطية. ومع تزايد عدد الكنائس، خاصة مع إنشاءات(40) الإمبراطور الروماني جستنيان (527-365م) والتي شملت كنيسة العذراء (نيا) Nea، وملجأ للعجزة وملجأ لإيواء الأغراب (حيث استعمل جستنيان أحجار ضخمة جدا صنع لها عربات خاصة، يجر كل عربة 40 ثورا سمينا. قام جستنيان برصف الشوارع لتسهيل حركة العربات). تكون إيليا كابتولينا قد اكتسبت هوية معمارية دينية مسيحية، وبقيت كذلك حتى سنة 614م، حيث احتلها الفرس ودمروا سورها وحرقوا كنائسها، فاختلت شخصيتها الحضرية، وتناقص نسيجها العمراني، واضطربت هويتها المعمارية، حتى سنة 629م عندما استردها البيزنطيون، وشرعوا في إعادة أعمارها والسيطرة عليها إلى أن حررها العرب المسلمون سنة 636م، الموافق 15هـ، وهي المرحلة الرابعة في التخطيط العمراني للمدينة والتي سأتناولها فيما يلي من عرض وتحليل.

 

المرحلة الرابعة

 

الفتح الإسلامي حسم الصراع الحضاري على القدس مرة وللأبد لصالح الحضارة العربية الإسلامية واللافت للنظر أنه للمرة الأولى في تاريخ القدس تتغير هويتها السياسية بسلام وبدون حرب وقتل ودمار. وللمرة الأولى يتم الحفاظ على نسيجها المعماري الديني المسيحي فالعهدة العمرية(41) نصت صراحة وبوضوح تام على حفظ هذا النسيج وعلى التركيبة السكانية للمدينة:

 

"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.".

 

فالقدس أصبحت مدينة ثنائية الديانة، مختلطة الأعراق، ولكن موحدة الهوية والثقافة، وتحكم العلاقة الثنائية معاهدة وأعراف. وما يعنيني هنا هو أن التخطيط العمراني للقدس استقر داخل أسوار إيليا كابتولينا، أي أن تخطيط بيت المقدس (القدس العربية الإسلامية) العمراني هو تخطيط إيليا كابتولينا، ولكن استعمالات الأراضي ومفردات النسيج المعماري وعناصره اختلفت وتغيرت، حيث استجد على الوضع القائم استعمالات جديدة أهمها الاستعمالات الدينية والاجتماعية والتجارية والدفاعية، حتى غلبت على التخطيط العمراني للمدينة، فأصبح النسيج المعماري وجميع مفرداته البصرية عربيا إسلاميا، حتى المباني غير الإسلامية أصبح الجزء الأكبر من عناصرها المعمارية ومفرداتها البصرية عربيا إسلاميا.

 

فأهم موقع في المدينة هو الجزء الجنوبي الشرقي فمساحته تبلغ حوالي 143 دونما، وتعادل حوالي 18% من مساحة المدينة (القدس داخل الأسوار) والبالغة 800 دونم، خصص للاستعمالات الدينية وبني عليه ثالث أهم مبنى ديني في العالم الإسلامي، وهوالحرم القدسي الشريف، والذي يشمل المسجد الأقصى وقبة الصخرة. وميزة هذا الموقع هو أنه يتمتع بفضاء بصري واسع، اكسب المبنيين، خاصة قبة الصخرة، شخصية بصرية قوية، وحضور معماري مميز، مسيطر وطاغي على جميع عناصر النسيج المعماري في المدينة، يستحوذ على الأبصار ويأخذ بالعقول ويستأثر بالقلوب.

 

 ولقد وثقت القدس تخطيطا وعمرانيا في مؤلفات الجغرافيين العرب. وكان أدقهم وصفا هو ابن القدس، الجغرافي البشاري المقدسي، في مؤلفه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم في الفترة المبكرة (335-390هـ، 946-1000م) إذ يقول في مبانيها: "وأما الحسن فلا ترى أحسن من بنيانها ولا انظف منها ولا انزه من مسجدها"(42). كما يذكر في وصفها بعض مفردات النسيج المعماري كالحمامات والفنادق، ويعدد "أبوابها الثمانية"، ثم يصف الحرم الشريف، ويصف مداخله ويوثق جميع المباني فيه، ثم يصف قبة الصخرة والمسجد الأقصى فنيا وإنشائيا بدقة متناهية. لكن الوصف الدقيق لتخطيطها العمراني والتوثيق الشامل لنسيجها المعماري جاء في كتاب مجير الدين العليمي (890-928هـ) الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، فيقول في وصفها: (43)

 

"وأما مدينة القدس الشريف في عصرنا: فهي مدينة عظيمة محكمة البناء بين جبال وأودية، وبعض بناء المدينة مرتفع على علو وبعضه منخفض في واد وغالب الأبنية التي في الأماكن العالية مشرفة على ما دونها من الأماكن المنخفضة وشوارع المدينة بعضها سهل وبعضها وعر وفي غالب الأماكن يوجد سفله أبنية قديمة، وقد بني فوقها بناء مستجد على بناء قديم والبناء مشحون بحيث لو تفرق على حكم غالب مدن مملكة الإسلام لكان حجم المدينة ضعف ما هو الآن، وهي كثيرة الآبار المعدة لخزن الماء لأن مائها يجمع من الأمطار ".

 

ثم يعدد أسواقها ويحدد أماكنها ويذكر أسمائها ويحدد نوعية الأعمال التجارية التي تمارس بها. ثم يحدد حاراتها وخططها ويذكر أسمائها ومواقعها وطرقها الرئيسية والفرعية والمباني المشهورة بكل حارة وخط. ثم يذكر أبوابها ويحدد مواقعها، ثم يذكر آبارها وعيون الماء بها وخزاناتها، وكذلك مقابرها. ثم يصف نسيجها المعماري ويسجل جميع المباني المهمة كالجوامع، والزوايا، والتكايا والمدارس والأضرحة ودور القرآن ودور الحديث والترب والرباطات والبيمارستانات وخلاف ذلك. ثم يوثق المباني المسيحية من كنائس وديارات فيقول: "وفي القدس الشريف من الكنائس والديارات من زمن الروم نحو عشرين مكانا وعمدة النصارى منها: كنيسة القيامة فإنها عندهم بمكان عظيم وبناؤها في غاية الإحكام والإتقان...".(44)

 

وبهذا يكون مجير الدين قد أعطانا صورة واضحة عن التخطيط العمراني لمدينة القدس في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وهذا يتزامن مع عصر النهضة Renaissance في إيطاليا، الذي كانت تعتبر فيه القدس العربية الإسلامية، القدس الأرضية (شكل-7أ) و (شكل- 7ب). حيث أخذ تقليد تخطيطها وعمارتها بعدا معماريا وفنيا أكثر من كونه بعدا دينيا في العصور الوسطى كما سأوضح لاحقا.

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

 

فيما سبق بينت مكانة القدس الدينية والروحية في الديانات الثلاث وبينت زيف دعاوى اليهودية فيها، وحقيقة الوجود العربي المسيحي فيها، ومكانتها الروحية عند المسيحيين الغربيين. ثم بينت أن الصراع الحضاري والديني على المدينة، قد حسم لصالح الحضارة العربية الإسلامية. وأن ملكية القدس حسمت لصالح أبنائها العرب أحفاد الكنعانيين. وأن مكانة القدس تمثل في الوعي الإسلامي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فقدسيتها مصانة، وحرمتها مطلقة. وعلى الرغم من هذه المكانة إلا أن الإسلام اعترف بالوجود المسيحي دينيا وعمرانيا وبتركيبته السكانية بموجب العهدة العمرية. وإن هذه العهدة، وبناء على الطلب المسيحي، منعت اليهود من دخول القدس والعيش فيها، إلا أن اليهود استطاعوا أن يحققوا اختراقات في المسيحية الغربية مكنتهم من تحقيق حضور بشري في القدس، بل واحتلالها في سنة 1967م.

 

وبالجملة فإن للديانتين اليهودية والمسيحية دعاوى في القدس: أرضية وغيبية. أما الدعاوى الأرضية فيقع تحقيقها على اتباع الديانتين أنفسهم، وأما الدعاوى الغيبية فيقع تحقيقها على الله. ولقد بينت أن الوجود اليهودي لم يترك أي أثر مادي في الماضي، وأما الوجود الحالي فهو وجود بشري سياسي، ليس له أي حضور عمراني أو معماري. فالهوية المعمارية الحالية للقدس هي عربية إسلامية، ممثلة بقبة الصخرة والمسجد الأقصى وباقي عناصر النسيج المعماري للمدينة. أي أن اليهود لم يستطيعوا تحقيق أي وجود دنيوي أرضي عمراني أو معماري في القدس. وأما دعواهم الغيبية فتعتمد على نبؤة دانيال الواردة في العهد القديم والتي تزعم بأن الهيكل سينزل من السماء مع المسيح المنتظر. ولكنهم وبمساعدة المسيحية الصهيونية يصرون على أن يكون لهم دور في مشيئة الرب كما بينت سابقا.

 

وأما المسيحية فقد حققت لها وجودا دنيويا أرضيا قبل الإسلام، اعترف الإسلام به وأقره، وضمن سلامته كما بينت، وأصبح جزاء من القدس العربية الإسلامية. وأما الدعاوى الغيبية فتعتمد على نبؤة يوحنا اللاهوتي في العهد الجديد، والتي تقول بأن قدسا سماوية ستنزل من السماء مع المجيء الثاني للمسيح النصراني. هذان المفهومان للقدس: الدنيوي الأرضي والغيبي السماوي يشكلان مدينة الله عند القديس أغسطين والمدينة المثالية في القرون الوسطى كما أشرت سابقا. فالجزء الأرضي إذن، من مدينة الله هو القدس العربية الإسلامية، التي وضح تخطيطها العمراني ونسيجها المعماري، كل من المقدسي ومجير الدين العليمي في الفترة الممتدة بين القرون (10-16) الميلادية. وهي الفترة التي تأثرت بها المدن الإيطالية بالواقع العمراني لمدينة القدس العربية الإسلامية وبنسيجها المعماري، خاصة قبة الصخرة، باعتبارها الهيكل المزعوم كما روج له اليهود. ليعيدوا تشكيل الوعي المسيحي ويوهموه بأن حضورا يهوديا عمرانيا قائم وماثل في القدس الأرضية، وعنصرا مفترضا في مركز القدس السماوية قامت المدن الإيطالية بتقليده تخطيطا وعمارة وفنا. وبهذا أكون قد بينت الأسس الدينية التي شكلت الدافع الرئيسي للمدن الإيطالية للتأثر بالقدس وتقليدها. وسأبين فيما يلي من عرض وتحليل الأسس العمرانية والمعمارية القدس الأرضية التي تأثرت بها المدن الإيطالية وقلدتها كنتيجة للأسس الدينية، في العصور الوسطى وعصر النهضة.