الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

2- تأثير القدس على المدن الإيطالية  في عصر النهضة

 

من الواضح مما سبق أن التعايش مع القدس كان في القرون الوسطى تعايشا روحيا أكثر منه واقعيا وماديا بمعنى أن التقليد المادي والمعماري والفني منه بصفة خاصة كان محدودا إذا ما قورن بعصر النهضة، حيث أصبحت المشاركة الروحية أكثر مادية، وأن العناصر المعمارية للقدس الأرضية أصبحت أكثر وضوحا سواء في الأعمال الفنية أو الاقتباس المعماري أو في الأدب المعماري.

 

ففي الأعمال الفنية كان التأثر بالتخطيط العمراني لمدينة القدس، خاصة بقبة الصخرة وموضعتها الحضرية، كان جليا وواضحا. ففي لوحة المدينة المثالية(71)، للفنان الإيطالي بيارو دالا فرانسسكا Piero Della Francesca، (شكل-14)

إضغط للمشاهدة

 والتي أنجزها سنة 1470م، والتي عرفت بأنها الصورة الإنسانية للقدس الجديدة ، تظهر قبة الصخرة في وسط اللوحة بوضوح تام. كما أن اللوحة تجمع بين العمارة الدينية القادمة من القدس والعمارة المحلية الرومانية. أما العمارة الدينية فتتمثل بقبة الصخرة باعتبارها الهيكل المزعوم، ولما كانت قبة الصخرة عنصر رئيسي في النسيج المعماري للقدس العربية الإسلامية، فإن اللوحة تجمع أيضا بين القدس السماوية والقدس الأرضية في شكل قبة الصخرة، وعليه فإن المدينة المثالية يجب أن تكون على صورة القدس الجديدة، التي تحوي على عناصر سماوية وأرضية، أي مزيج  من القدس السماوية والأرضية الممثلة بقبة الصخرة. المقامة على منصة مكشوفة، لا يحيط بها مباني، يرتقي إليها بدرجات، مغطاة بقبة، وثمانية الشكل أو اسطوانية بالمواصفات السابقة.

 

كما ظهر تصور آخر للمدينة المثالية (شكل-15) لفنان مجهول(72) ويعود تاريخها إلى نهاية القرن الخامس عشر، يتوسط مركزها ساحة مربعة الشكل مقام عليها هيكل اسطواني الشكل متأثر بقبة الصخرة(73).

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

 

ولكن تأثير قبة الصخرة يظهر بوضوح تام في لوحة تسليم المفاتيح لبطرس Delivery Of Keys To St. Peter ، التي رسمها الفنان الإيطالي(74) بيرجينو Perugino سنة 1481م (شكل-16)

، حيث يظهر الهيكل المزعوم على شكل قبة الصخرة في وسط ساحة مكشوفة، ومرفوع على منصة يرتقى إليها بدرجات. كما يظهر في مقدمة اللوحة الرسول بطرس يتسلم المفاتيح في إشارة واضحة إلى أن روما هي القدس الجديدة. وأن الهيكل المزعوم الذي هو على شكل قبة الصخرة بخصائصها المعمارية، وموضعتها الحضرية في اللوحة، ليست إلا تقليد واضح للقدس الأرضية التي هي القدس العربية الإسلامية.

 

ويتجلى تقليد القدس الأرضية وتأثير قبة الصخرة على النسيج المعماري للمدن الإيطالية في لوحة زواج العذراء (شكل-17) للفنان الإيطالي روفائيل(75) Raphael Sposalizio ، التي رسمها سنة 1504م، حيث يظهر الهيكل المزعوم، على شكل قبة الصخرة، وبوضوح أكثر من إظهارها في لوحة تسليم المفاتيح. كما أن وضع قبة الصخرة كخلفية لزواج العذراء يعزز دعاوى روما بأنها القدس الجديدة في صورتيها السماوية والأرضية. أما السماوية فبتصويرها للهيكل المزعوم في مركز المدينة، وأما الأرضية فبتقليدها لقبة الصخرة عمرانيا بموضعتها الحضرية، ومعماريا بشكلها المثمن الأضلاع وقبتها النصف دائرية. وبهذا يتضح لنا تأثير التخطيط العمراني للقدس العربية الإسلامية على التخطيط العمراني للمدن الإيطالية، وهذا ما دعا بعض رسامي الخرائط والمصورين الإيطاليين والأوروبيين إلى تصوير القدس وتوضيح نسيجها المعماري، والتركيز على عناصره الرئيسية، لتكون مرجعا لتقليدهم ومصدرا لإلهامهم. فكان من أهم هذه التصاوير، المنظور الجوي (شكل- 18) الذي رسمه الفنان بيرنارد فون بردنباخ(76) Bernhard von Bredenbach للقدس سنة 1486م، حيث سيطرت قبة الصخرة في اللوحة على النسيج المعماري للمدينة، ولكن باعتبارها الهيكل المزعوم. فإذا أخذنا بعين الاعتبار، أن السنة التي أنتجت فيها اللوحة هي 1486م، كانت القدس في أوج تطورها العمراني والمعماري العربي الإسلامي- كما بينت سابقا في عرضي للتخطيط العمراني للقدس- الأمر الذي يعني أن تأثيرها المادي العمراني على المدن الإيطالية، وغيرها من المدن الأوروبية، كان أقوى من تأثيرها الديني السماوي، وهذا يتضح من الحضور المعماري لقبة الصخرة في أعمال الفنانين والمعماريين الإيطاليين. كما يوضح أن الهوية المعمارية العربية الإسلامية للقدس قد فرضت حضورها في المدن الإيطالية سواء كان ذلك بتأثيرات دينية أو فنية، وهذا ما يقر به مؤرخو الفن والعمارة في الغرب، وما تبناه الأدب المعماري واقتبسه المعماريون في عصر النهضة.

 

ففي الأدب المعماري نجد أن رجل الدين الإيطالي السابق البرتي(77) Alberti (1404-1472م)، (الذي كان يعمل كاتبا في قسم المحفوظات في البلاط البابوي) والذي أصبح معماريا فيما بعد، وأكبر منظر معماري في عصر النهضة، قام بإسقاط نظريات العمارة الكلاسيكية على الهيكل المزعوم باعتباره قبة الصخرة. كما اقتبس المعماري الإيطالي دوناتوا برامنتي(78) Donato Bramante (1444-1514م) الذي قام بتصميم كنيسة الهيكل الصغير Tempietto (The Small Temple) ، (شكل-19) سنة 1511م. والكنيسة وإن كانت اسطوانية الشكل، إلا أن موضعتها الحضرية

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

إضغط للمشاهدة

 في أقدس الأماكن في روما، وهو الموقع المفترض لصلب القديس بطرس، وهذا يربطها بالقدس باعتبار أن كنيسة القيامة شيدت على موقع صلب المسيح. كما أن موقعها المركزي في روما يربطها بموقع قبة الصخرة المركزي في القدس. وكذلك رفع الكنيسة على منصة والوصول إليها بدرجات، وتسقيفها بقبة، خلافا لأسقف الكنائس البازيلكية الجمالوني، ما هو إلا تقليد لقبة الصخرة واقتباسا منها باعتبارها الهيكل المزعوم. ناهيك عن أن البرتي اعتبرها الهيكل المزعوم الذي هو قبة الصخرة في تصوره وتصور غيره من معماريي عصر النهضة الإيطاليين(79) مثل: فرانسسكو جيورجي Francesco Giorgi وجياكومو سولداتي Giacomo Soldati.

 

وبهذا يتضح لنا مدى تأثير قبة الصخرة على النسيج المعماري للمدن الإيطالية، ومدى حضور هذا التأثير في الأعمال الفنية، وفي الأدب المعماري (نظريات العمارة) والأعمال المعمارية لمعماريي عصر النهضة في المدن الإيطالية، وذلك نتيجة الخطأ الشائع باعتبار قبة الصخرة هي الهيكل المزعوم. إن هذا الخطأ يمكن استيعابه وتفسيره في المسيحية باعتبار أن ارتباطها بالهيكل المزعوم ارتباطا رمزيا، وليس طقسيا إيمانيا كما هو في اليهودية. أما ما يصعب تفسيره فهو تبني اليهودية لقبة الصخرة واعتبارها الهيكل المزعوم، وهذا سيكون موضوعنا التالي.

 

تأثير قبة الصخرة على يهود البندقية

 

اعتبارا من منتصف القرن السادس عشر، تبنت دار جستنياني للنشر في مدينة البندقية بإيطاليا صورة قبة الصخرة (باعتبارها الهيكل المزعوم) كشعار لها، حيث قامت واعتبارا من سنة 1545م بإصدار مجموعة كتب يهودية تضع على غلافها شعارها وهو قبة الصخرة باعتبارها الهيكل المزعوم، يعلوها شريط كتابات عبرية تقرأ: "المجد لهذا البيت الأخير"(80)، وعلى القبة كتب بالعبرية الهيكل، والشعار مؤطر من جوانبه الأربعة بنفس العبارة السابقة كما هو موضح في (شكل-20). ومن الكتب التي ظهرت على غلافها كتاب المشناة لموسى بن ميمون (1550-1551م) الذي صدر في البندقية (شكل 21). وظهرت أيضا في سنة 1609 على غلاف كتاب الهجاداة(81) Haggadah الخاص بيهود البندقية، ولكن ليست بصورة منفردة بل في وسط تجمع سكني، محاط بسور سداسي الشكل، به بابان وستة أبراج (شكل 22أ)و (شكل 22ب) وفي مقابل أحد البابين صورة المسيح راكبا على حمار وأمامه النبي اليسع ينفخ بالبوق ويهمان بدخول المدينة، والتي عرفت بأنها القدس المسيانية، وذلك في إشارة واضحة إلى النبؤات اليهودية عن المخلص، المسيا المنتظر.

 

كما ظهرت صورة قبة الصخرة باعتبارها الهيكل المزعوم على ستارة خزانة التوراة في كنيس البندقية، وكذلك على بعض المنتجات الحرفية كالصواني والأطباق. ولقد تكرر ظهور قبة الصخرة في أعمال الفنانين(82) اليهود حتى وقتنا الحاضر.

 

ويبدو واضحا أن استعمال قبة الصخرة من قبل اليهود، أمر لافت للنظر ومستغرب، وذلك لأن اليهود يعرفون أن الشكل المعماري لقبة الصخرة مختلف عن وصف الهيكل المزعوم، الوارد في العهد القديم. وللتغلب على هذا التناقض وتبرير تبنيهم شكل قبة الصخرة لهيكلهم المزعوم، استندوا إلى نبؤة النبي حجي (حجي 2: 9)، والتي تنص على أن الهيكل القادم، الذي سينزل من السماء مع المسيح اليهودي، ليس على شكل الهيكل القديم!؟ وهذا التفسير غير صحيح لأنه يتعارض مع نبؤتي حزقيال ودانيال. حيث ورد في نبؤة الأول وصفا يتطابق مع وصف الهيكل القديم. كما أن بناء هيرود للهيكل المزعوم كان بعد نبؤات حزقيال ودانيال وحجي!؟ ولما كان هيرود لم يزد في مساحة الهيكل السابق، واعتمد مقاساته وشكله، أي انه لم يغير في شكله كما يزعم جوزيفيوس وكل المؤرخين والآثاريين اليهود، فإن التفسير اليهودي المستند إلى نبؤة حجي غير صحيح.

 

أضف إلى ذلك أنه لا يوجد في النبؤات اليهودية ما يعرف بالقدس المسيانية أو قدس سماوية بل قدس أرضية سينزل عليها الهيكل ويتموضع في المكان المخصص له كما تزعم المصادر اليهودية. وعليه فإن تصوير اليهود لهيكلهم القادم المزعوم على شكل قبة الصخرة، له أبعاد ومرام دينية وسياسية ربما تهدف إلى تعزيز الحضور اليهودي في الكنيسة الكاثوليكية، من خلال موافقتها على تصوراتها الخاطئة باعتبار قبة الصخرة هي الهيكل المزعوم. بل ربما يكون اليهود هم وراء إشاعة هذا الخطأ تمهيدا لتسهيل عملية اختراقهم للكنيسة لتنفيذ مآربهم الدينية والسياسية اللاحقة، وهي الاستيطان في فلسطين وتهويدها، وتهويد القدس وجعلها عاصمة للدولة اليهودية، وهذا ما تحاول اليهودية تحقيقه في وقتنا الحاضر، بعد الاستيلاء على فلسطين، ولكن بمساعدة المسيحية اليهودية البروتستنتينية مع موافقة مسيحية غربية.

 

إن ما يعنيني هنا هو أن القدس العربية الإسلامية فرضت حضورها العمراني والمعماري على المدن الأوروبية والإيطالية بصفة خاصة، وشكلت مصدرا لأسس التخطيط العمراني استند إليه المخططون والفنانون والمنظرون والمعماريون في إيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية. كما أن الديانتين السماويتين وظفتا أهم عنصر معماري في النسيج المعماري للقدس العربية الإسلامية وهي قبة الصخرة كرمز في إنتاجهم الفني والمعماري، وبهذا التوظيف تكون الديانتين السماويتين اليهودية والمسيحية قد اعترفتا بالهوية المعمارية العربية الإسلامية لمدينة القدس، وتبنتاها بكل صراحة ووضوح، كما بينت على مدار هذا البحث، وكما هو واضح في الإنتاج المعماري والفني للمعماريين والفنانين الإيطاليين ويهود البندقية. وهذا بدوره يؤكد رأينا بأن الصراع الحضاري على القدس قد حسم لصالح الحضارة العربية الإسلامية.