|

" نهاية الصراع ... انتصار الحق على الباطل"
وحدة الإعلام
المقاوم - 10/8/2005م
الفهرس
مقدمة

إن من معالم
الصراع بين الحق والباطل "انتصار الحق على الباطل في نهاية الصراع"
.. فبعد أن يتراوح المؤمنون في هذا الصراع بين النصر والهزيمة ،
ويطول البلاء على المؤمنين، ويشتد الكرب. يتمخّض عن هذا كله
انتصاراً واضحاً ، وساحقاً للحق وأهله ، على الباطل بكل أشكاله
وألوانه .
فينصر الله
الضعفاء من المؤمنين ، ويمكّن لهم في الأرض ، ويعز الله جنده، ويثبّت
أولياءه ، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً ، وتدين الأرض بأهلها لله
الواحد القهار .
ويُعلي الله
كلمته ، ويرفع رايته ، ويهزم أعداءه ، ويجعل الدائرة عليهم ،
والهزائم تترى تلاحقهم في كل مكان .. وفي أثناء ذلك .. يسقط الطغاة
،-المتجبرون المتكبرون في الأرض - ويكثر بعد ذلك أتباع هذا الدين ،
وتنتشر الفضيلة ، وتحارب الرذيلة ، ويعمّ الخير، ويزول الشر .
ومن آثار ذلك
-أيضاً - أن يعيش الناس في ظل هذا الدين في مأمن وسلام، وحب ووئام ،
بعد أن ذاقوا الخوف والجوع والحروب والويلات .
والقرآن
الكريم بيّن هذا المعلم في آياته : بوسائل مختلفة ، وأساليب متنوعة،
وطرقاً متعددة ، فتارة بآية قرآنية صريحة، وتارة أخرى بإشارة قرآنية
خفية ، وفي موضع بقصة قرآنية ، وفي موضع أخر بمثلٍ قرآني .. بل ومن
الواقع والتاريخ نماذج متعددة ، وصوراً جليّة تكشف عن هذه الحقيقة
مما لا يترك مجالا للشك أو حتى للاحتمال في عدم وقوعها .. بل هو
اليقين الثابت ، والحق الجازم ، والسنة الجارية .. بل هو وعد الله ،
والله لا يخلف الميعاد .
وفي هذا
الورقات سنتطرق لما ورد في كتاب الله ، من آيات ، وقصص ، ونماذج ،
وحقائق ، قرآنية تؤكد هذا الأمر وتقرره .. حتى يطمئن السائرون على
هذا الدرب ، والماضون على هذا الطريق ، وتبعث الأمل فيمن اشتد عليه
الكرب ، وأظلم عليه الطريق ، لنقول له : بأن نصر الله قادم ، وفرجه
قريب ، وما بعد طول الظلام إلاّ انفلاق الصباح ، وما بعد العسر إلاّ
اليسر ، وما بعد الضيق إلاّ الفرج ..
وتأتي مناسبة
الكتابة في هذا الموضوع ، ما نشهده هذه الأيام من الانسحاب المذل
للعدو الصهيوني من قطاع غزة والذي تقرر بتاريخ 15/8/2005م ، فهي
مناسبة تستحق الفرح بهذا الانتصار من جهة ، ومن جهة أخرى فإننا نرى
ما تعرض له الشعب الفلسطيني بل وواقع المسلمين اليوم وما يتعرض له -
في كل مكان - من محن وابتلاءات ، وضيق وكرب ، مما يستدعي نوعاً من
العلاج يخفف الآلام ، ويلملم الجراح ، ويواسي المستضعفين .. وفي
القرآن العظيم الزاد المعين على هذا الطريق ، وفيه من آيات التثبيت
ما يجعل البلاء قُربة يتعبد الله بها ، ويرى مع شدة المحنة لذة
الإخلاص . فالقرآن نورٌ وضياء ، ودستور ومنهاج ، وأملٌ وحياة ، يبعث
النفس على الاستعلاء على الباطل مهما عَظُم وتجبر وانتعش .
وعليه نتقدم
للشعب الفلسطيني وللأمتين العربية والإسلامية عامة ، وللمقاومة
الفلسطينية خاصة بالتهنئة بهذا النصر العظيم .. ونقدم بهذه المناسبة
هذا الجهد المتواضع وهو عبارة عن دراسات قرآانية بمناسبة انسحاب
العدو من قطاع غزة..
وتجدر الإشارة
إلى أننا حرصنا على التعليق على الآيات القرآنية من كتائب "في ظلال
القرآن" لسيد قطب – رحمه الله -، وجعلنا فهرساً في نهاية الورقات
لموضع هذه النصوص المقتبسة من كتاب الظلال لمن أراد الرجوع إليها ..
هذا وتتضمن
السلسة الورقات الثلاث التالية :
الورقة الأولى :
الآيات القرآنية في انتصار الحق على
الباطل ، والإيمان على الكفر ، ووعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين،
وسنة الله في أخذ الكافرين والظالمين.
الورقة الثانية : نماذج وقصص قرآنية
على انتصار الله لرسله، وأوليائه ، ولعقيدة التوحيد ، ولبيته الحرام
.
الورقة الثالثة :
تكاليف النصر وأعباؤه .
هذا ونسأل
الله التوفيق والسداد ، ونسأله تعالى أن يرنا الحق حقاً ، وأن يرزقنا
إتباعه ، وأن يرنا الباطل باطلاً ، وأن يرزقنا اجتنابه ، كما نسأله
نصراً مؤزراً ، وفرجاً معجلاً ، اللهم آمين .
الورقة الأولى : الآيات القرآنية في
انتصار الحق على الباطل .
وتشتمل على
الحقائق القرآنية التالية :
أولا : الآيات الواردة في انتصار الحق على الباطل
صراحة.
ثانياً : الآيات الواردة في انتصار الإسلام
وهيمنته على باقي الأديان.
ثالثا : الآيات المبينة لوعد الله للمؤمنين
بالنصر والتمكين.
رابعاً: الإشارات القرآنية في نصرة المؤمنين
وهزيمة الكافرين .
خامساً : بيان سنة الله في أخذ الكافرين
والظالمين .
أولاً : الآيات الواردة في انتصار
الحق على الباطل صراحة .
جاء في كثير
من الآيات القرآنية تقرير انتصار الحق على الباطل ، بل أمر الله
رسوله الكريم أن يعلنها واضحة صريحة بقوله تعالى :
{ وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان
زهوقا } الإسراء (81) .
"بهذا
السلطان المستمد من الله ، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته ،
وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه ، فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت ، ومن
طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق ..
{ إن الباطل
كان زهوقا } .. حقيقة لدنية يقررها
بصيغة التوكيد ، وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة .
فالباطل ينتفخ وينتفج وينفش ، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ، ومن ثم
يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً ،
ولكنه هش سريع العطب ، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبو
سريعاً وتستحيل إلى رماد ، بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتبقى ،
وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء .
{ أن الباطل
كان زهوقا } .. لأنه لا يحمل عناصر
البقاء في ذاته إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد
غير طبيعية ، فإذا تخلخلت تلك العوامل ، ووهيت هذه الأسناد تهاوى
وانهار . فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده . وقد تقف ضده
الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان .. ولكن ثباته واطمئنانه
يجعل له العقبى ويكفل له البقاء ، لأنه من عند الله الذي جعل " الحق
" من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول .
{ أن الباطل
كان زهوقا } .. ومن ورائه الشيطان ،
ومن ورائه السلطان . ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى . وما من
مؤمن ذاق طعم الإيمان ، إلا وذاق معه حلاوة الوعد ، وصدق العهد . ومن
أوفى بعهده من الله ؟ ومن أصدق من الله حديثاً ؟ " . (1)
وبمثل هذا
التوجيه الرباني ، يأمر الله نبيه أن يلقي هذه الحقيقة قذيفة في وجه
الباطل وأهله .. إذ يقول الله تعالى :
{ قل : إن
ربي يقذف بالحق علاّم الغيوب ، قل جاء الحق وما يبديء الباطل وما
يعيد } سبأ (48،49) .
أي فهذا "
الذي جئتكم به الحق . الحق القوي الذي يقذف به الله. فمن ذا يقف للحق
الذي يقذف به الله ؟ إنه تعبير مصور مجسم متحرك . وكأنما الحق قذيفة
تصدع وتخرق وتنفذ ولا يقف لها أحد في طريق .. يقذف بها الله " علاّم
الغيوب " فهو يقذف بها عن علم ، ويوجهها على علم ، ولا يخفى عليه
هدف ، ولا تغيب عنه غاية ، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سد
يعوقه . فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور ! ...
جاء هذا الحق
في صورة من صوره ، في الرسالة ، وفي قرآنها ، وفي منهجها المستقيم .
قل : جاء الحق . جاء بقوته. جاء بدفعته . جاء باستعلائه وسيطرته
{ وما يبديء الباطل وما يعيد }
.. فقد انتهى أمره . وما عادت له حياة ، وما عاد له مجال ، وقد تقرر
مصيره وعرف أنه إلى زوال .
إنه الإيقاع
المزلزل ، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى ، وأنه لم يعد
هناك مجال لشيء آخر يقال . وإنه لكذلك . فمنذ جاء القرآن استقر منهج
الحق واتضح . ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح
الحاسم الجازم . ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال
والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق . إنما هي غلبة على المنتمين
إلى الحق . غلبة الناس لا المبادئ . وهذه موقوتة ثم تزول . أما الحق
فواضح بين صريح " . (2)
وبمثل هذا
التقرير يقول الله تعالى في - آية أخرى - :
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو
زاهق } الأنبياء(18) .
إذاً " هذه
هي السنة المقررة ، فالحق أصيل في طبيعة الكون ، عميق في تكوين
الوجود . والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلاً ، طارئ لا أصالة فيه
، ولا سلطان له ، يطارده الله ، ويقذف عليه بالحق فيدمغه . ولا بقاء
لشيء يطارده الله ، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه ! ولقد يخيل
للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم
الخبير . وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب ،
ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب . وإن هي إلا فترة من الزمان ،
يمهد الله فيها ما يشاء ، للفتنة والابتلاء . ثم تجري السنة
الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ، وقامت عليها
العقائد والدعوات سواء بسواء .
والمؤمنون
بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده ، وفي أصالة الحق في بناء الوجود
ونظامه ، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه .. فإذا
ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة ،
وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسوا أن ربهم يربيهم ، لأن فيهم ضعفاً أو
نقصاً ، وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر ، وأن يجعلهم ستارة
القدرة ، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون
فيها الضعف .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصّر الله عليهم فترة
الابتلاء ، وحقق على أيديهم ما يشاء . أما العاقبة فهي مقررة :
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه
فإذا هو زاهق } والله يفعل ما
يريد".(3)
بل جعل الله
تعالى انتصار الحق على الباطل من محض إرادته - سبحانه - ولا راد
لحكمه وقضائه .. كما في قوله تعالى:
{ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر
الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون }
الأنفال(7،8).
وقوله تعالى
:{ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره
المجرمون } يونس (82) .
وقوله تعالى
- أيضاً - :{ويمح الله الباطل ويحق
الحق بكلماته ، إنه عليم بذات الصدور}
الشورى (24) .
وهذا كله
موقوت بأمر الله : { فإذا جاء أمر
الله قضي بالحق ، وخسر هنالك المبطلون }
غافر (78) .
وهذه الآيات
جملة تقرر بوضوح إرادة الله في انتصار الحق على الباطل ، وأن الحق
أصيل وغالب ، وأن الباطل ضعيف طارئ لا أصل له ولا أساس .. وأن الله
وراء المعركة القائمة بين أهل الحق ، وأهل الباطل ، وهو - تعالى -
الذي يقودها بإرادته ، ويحكم في نهايتها بانتصار الحق على الباطل ..
وبهذا تطمئن النفوس ، وتهدأ الضمائر ، ويزول الشك ، ويحل محله اليقين
، فالله مع أهل الحق ينصرهم ويؤيدهم ، ويعينهم ، ولا ينسى عباده ،
ولا يتخلى عنهم ، بل يقف إلى جانبهم ، فيحق الحق ويبطل الباطل ،
ويمحوه ، حتى لا يعود له أثر ولا وجود.
* * *
ثانيــاً : الآيات القرآنية التي
تبين انتصار الإسلام وهيمنته على باقي الأديان .
لقد أتم الله
نعمته على المسلمين ، بإكمال الدين ، ورضي لهذا الدين أن يسود ، وأن
يقود ، وأن يهيمن على باقي الأديان..
قال تعالى :
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا }
المائدة (3) .
ولقد وعد
الله تعالى عباده المؤمنين أن يمكن لهذا الدين في الأرض ، وأن ينصر
هذا الدين وأهله ، وأن يجعله عزيزاً قوياً لا تغلبه قوة ، ولا تعلوه
ديانة .. قال تعالى : { وعد
الله الذين آمنوا منكم ، وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم في الأرض كما
استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ،
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً ، ومن
كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }
النور (55-56) .
وعبثاً يظن
أهل الباطل انهم قادرون على القضاء على هذا الدين الذي ارتضاه الله
لعباده .. رغم جهودهم الجبارة وكيدهم ومكرهم على مدى الزمان ..
ولقد صور
الله تعالى هذه المحاولات البائسة الكثيرة منهم - لضرب هذا الدين -
بصورة تبين مدى ضعفهم في مواجهة هذا الدين وهذا الحق الذي جاء من عند
الله تبارك وتعالى ..
قال تعالى :
{ يريدون أن يطفئوا نور الله
بأفواههم ويأبى الله إلا إن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وهو الذي
أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
} التوبة (23،33) .
"إن أهل
الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق ، وعبادة أرباب
من دون الله . وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح
للإيمان بالله واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين
الحق ، ويريدون إطفاء نور الله في الأرض المتمثل في هذا الدين ، وفي
الدعوة التي تنطلق به في الأرض ، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة
البشر ..
{ يريدون أن
يطفئوا نور الله بأفواههم } .. فهم
محاربون لنور الله . سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن ، أو
بما يحرضون به أتباعهم وأشياعهم على حرب هذا الدين وأهله ، والوقوف
سداً في وجهه - كما كان هو الواقع الذي تواجهه هذه النصوص وكما هو
الواقع على مدار التاريخ - .
وهذا التقرير
- وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك- هو كذلك يصور طبيعة
الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور الله المتمثل في دينه الحق الذي
يهدي الناس بنور الله .
{ ويأبى الله إلاً
أن يتم نوره ولو كره الكافرون } ..
وهو
الوعد الحق من الله ، الدالّ على سنته التي لا تتبدل ، في إتمام نوره
بإظهار دينه ولو كره الكافرون .. وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا
، فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق ،
في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان !
ويزيد السياق
في هذا الوعيد وذلك الوعد توكيداً :
{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره
على الدين كله ، ولو كره المشركون } ..
" (4)
وبمثل ذلك
يقول الله تعالى في آيات أخرى : {
يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره
الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون } الصف (8،9) .
وقوله تعالى
: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيداً }
الفتح (28) .
" فلقد ظهر
دين الحق ، لا في الجزيرة وحدها ، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها
قبل مضي نصف قرن من الزمان . ظهر في إمبراطورية كسرى كلها ، وفي قسم
كبير من إمبراطورية قيصر ، وظهر في الهند وفي الصين ، ثم في جنوب
آسيا في الملايو وغيرها ، وفي جزر الهند الشرقية ( أندونيسيا ) ..
وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن
السابع الميلادي .
وما يزال دين
الحق ظاهراً على الدين كله-حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من
الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض . وانحسار قوة
أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في
هذا الزمان.
أجل ما يزال
دين الحق ظاهراً على الدين كله ، من حيث هو دين ، فهو الدين القوي
بذاته ، القوي بطبيعته ، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله ! لما في
طبيعته من استقامة مع الفطرة ، ومع نواميس الوجود الأصيلة ، ولما فيه
من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح ، وحاجات العمران والتقدم
، وحاجات البيئات المتنوعة ، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات
السحاب!
وما من صاحب
دين غير الإسلام ، ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى
يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة ، وقدرته على قيادة البشرية
قيادة راشدة ، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة ..
{ وكفى بالله شهيداً }
..
فوعد الله قد
تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل قرن من الزمان بعد البعثة
المحمدية . ووعد الله ما يزال متحققاً في الصورة الموضوعية الثابتة ،
وما يزال هذا الدين ظاهراً على الدين كله في حقيقته . بل إنه هو
الدين الوحيد الباقي قادراً على العمل ، والقيادة ، في جميع الأحوال
.
ولعل أهل هذا
الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم ! فغير أهله
يدركونها ويخشونها ، ويحسبون لها في سياستهم كل حساب ! " (5)
" وما تزال
لهذا الدين أدوار في تاريخ البشرية يؤديها ، ظاهراً بإذن الله على
الدين كله تحقيقاً لوعد الله ، الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل
، مهما بلغوا من القوة والكيد والتضليل ! ولقد كانت تلك الآيات
حافزاً للمؤمنين المخاطبين بها على حمل الأمانة التي اختارهم الله
لها بعد أن لم يرعها اليهود والنصارى . وكانت تطميناً لقلوبهم وهم
ينفذون قدر الله في إظهار دينه الذي أراده ليظهر ، وإن هم إلا أداة ،
وما تزال حافزاً ومطمئناً لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد ربهم ، وستظل
تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر حتى يتحقق وعد الله مرة
أخرى في واقع الحياة بإذن الله " . (6)
* * *
ثالثــا : الآيات التي فيها وعد من
الله للمؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض.
وعد الله
تعالى في - كثير من آياته - المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ، بل
وكتبه على نفسه وجعله حقاً عليه أن يؤيد المؤمنين وينصرهم ، ويقف إلى
جانبهم .. ذلك بأنهم يمثلون الحق المنزل من الله عز وجل ، والله
تعالى ينصر الحق وأهله ، وينتقم من الباطل وأهله .
ومن الآيات
التي تذكر طرفاً من هذا الوعد الرباني بنصرة المؤمنين ما يلي :
* قال تعالى
: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا
المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون }
الصافات (171-173).
" الوعد واقع
وكلمة الله قائمة ، ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض ، وقام بناء
الإيمان ، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين . ولقد ذهبت
عقائد المشركين والكفار ، وذهبت سطوتهم ودولتهم ، وبقيت العقائد التي
جاء بها الرسل . تسيطر على قلوب الناس وعقولهم ، وتكييف تصوراتهم
وأفهامهم . وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى ما يسيطر على
البسر في أنحاء الأرض . وكل المحاولات التي بذلت لمحو العقائد
الإلهية التي جاء بها الرسل ، وتغليب أية فكرة أو فلسفة أخرى قد
باءت بالفشل حتى في الأرض التي نبعت منها ، وحقت كلمة الله لعباده
المرسلين . إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون .. هذه بصفة
عامة ، وهي ظاهرة ملحوظة في جميع بقاع الأرض ، في جميع العصور . وهي
كذلك متحققة في كل دعوة لله ، يخلص فيها الجند ، ويتجرد لها الدعاة .
إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق وقامت في طريقها
العراقيل . ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار ، وقوى لدعاية
والافتراء ، وقوى الحرب والمقاومة ، وإن هي إلا معركة تختلف نتائجها.
ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله . والذي لا يخلف ولو قامت
قوى الأرض كلها في طريقه . الوعد بالنصر والغلبة والتمكين . " (7)
* وقال تعالى
- مؤكداً هذا الوعد - : { إن الذين
يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلين ، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .
إن الله قوي عزيز } المجادلة (20،21) .
- وكذا قوله
تعالى : { فانتقمنا من الذين
أجرموا ، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين }
الروم (47) .
- ومثلها في
المعنى قوله تعالى : { ثم ننجي
رسلنا والذين أمنوا ، كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين }
يونس (103) .
" وهذا وعد
الله الصادق الذي كان والذي لابد أن يكون على الرغم فيما قد يبدو
أحياناً من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق . فالذي وقع بالفعل
أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك . واستقرت العقيدة في
الله في هذه الأرض ، ودانت لها البشرية بعد كل ما وقف في طريقها من
عقبات الشرك والوثنية ، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك
والإلحاد. وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الإلحاد والشرك إلى الظهور
في بعض بقاع الأرض- كما يقع الآن في الدول الملحدة والوثنية - فإن
العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة بصفة عامة . فضلاً على أن فترات
الإلحاد والوثنية إلى زوال مؤكد ، لأنها غير صالحة للبقاء ، والبشرية
تهتدي في كل يوم إلى أدلة جديدة تهدي إلى الاعتقاد في الله والتمكين
لعقيدة الإيمان والتوحيد". (8)
* وقال تعالى
- بصيغة الجزم - : { إنا لننصر
رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، يوم لا
ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار }
غافر (51،52).
" إن وعد
الله قاطع جازم : { إنا لننصر
رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا .. }
.. بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجرمن أرضه
وقومه مكذباً مطروداً ، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب ، وفيهم من
يلقى في الأخدود ، وفيهم من يستشهد ، وفيهم من يعيش في كرب وشدة
واضطهاد .. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ ويدخل
الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ، ويفعل بها الأفاعيل ! ولكن الناس
يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في
التقدير .
إن الناس
يقيسون بفترة قصيرة من الزمان ، وحيز محدود من المكان، وهي مقاييس
بشرية صغيرة . فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة
من الزمان والمكان ، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ، ولا بين مكان
ومكان. ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها
تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . فليس
لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها . وأول ما يطلبه منهم
الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها !
والناس كذلك
يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم
. ولكن صور البصر شتى . وقد يتلبس بعضها بصورة الهزيمة عند النظرة
القصيرة ..
إبراهيم عليه
السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها ..
أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة ؟ ما من شك - في منطق العقيدة -
أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى
وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من
بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب ! ..
والحسين -
رضوان الله عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب ،
المفجعة من جانب ؟ أكانت هذه نصراً أم هزيمة ؟ في الصورة الظاهرة
وبالمقياس الصغير كانت هزيمة . فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس
الكبير فقد كانت نصراً . فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب
والعطف ، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين - رضوان
الله عليه - يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعون من المسلمين
وكثير من غير المسلمين ! وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته
ودعوته ولو عاش ألف عام كما نصرها باستشهاده . وما كان يملك أن يودع
القلوب من المعاني الكبيرة ، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة ،
بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه ، فتبقى حافزاً محركاً
للأبناء والأحفاد . وربما كانت حافزاً ومحركاً لخطى التاريخ كله مدى
الأجيال .
ما النصر ؟
وما الهزيمة ؟ إننا في حاجة أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور .
ومن القيم . قبل أن نسأل : أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في
الحياة الدنيا !
على أن هناك
حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة . ذلك حين تتصل
هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة . لقد انتصر محمد -
صلى الله عليه وسلم - في حياته . لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة
هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض . فهذه العقيدة لا يتم تمامها
إلا أن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعاً . من القلب
المفرد إلى الدولة الحاكمة . فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في
حياته ، ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويترك هذه العقيدة
مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة . ومن ثم اتصلت صورة النصر
القريبة بصورة أخرى بعيدة ، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة
الحقيقية . وفق تقدير الله وترتيبه . " (9)
* وكما وعد
الله تعالى المؤمنين بالنصر فإنه وعدهم كذلك بوراثة الأرض والاستخلاف
فيها ، والتمكين لدينه .. وهذا واضح في آيات الكتاب نذكر منها ما يلي
:
- كقوله
تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من
بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }
الأنبياء (105) .
- وقوله
تعالى : { ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا في الأرض ، ونجعلهم أئمة ، ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم
في الأرض } القصص (5،6).
- وقوله
تعالى : { وقال الذين كفروا لرسلهم
لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن
الظالمين ، ولنسكننهم الأرض من بعدهم ،ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}
إبراهيم (13،14) .
- وقوله
تعالى : { وعد الله الذين آمنوا
منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم
، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً
} النور (55) .
" ذلك وعد
الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم
- أن يستخلفهم في الأرض . وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم . وأن
يبدلهم من بعد خوفهم أمناً .. ذلك وعد الله .. ووعد الله حق .. ووعد
الله واقع . ولن يخلف الله وعده .. " (10)
* * *
رابعــاً : مواضع متفرقة من آيات
الكتاب تقرر هزيمة الكافرين ، وانتصار الله - عز وجل - لعباده
المؤمنين .
لقد ذكر الله
تعالى في كتابه الكريم آيات عديدة متفرقة ، تؤكد في معناها ومدلولها
على أن هزيمة الكفار محققة ، وأن الله لا يعجزه أن يهلك الكافرين
والظالمين ، وأنهم بكفرهم هذا لن يضروا الله شيئاً ، وأن ما يتعرض له
المؤمنون من الأذى - على أيدي الكافرين - ما هو إلا ابتلاء يتبعه نصر
الله للمؤمنين على الكافرين .
ومن هذه
الآيات والإشارات القرآنية ما يلي :
* قال تعالى
: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم
أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، وأولئك هم وقود النار . كدأب
آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا ، فأخذهم الله بذنوبهم ،
والله شديد العقاب . قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس
المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا : فئة تقاتل في سبيل الله ،
وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين ، والله يؤيد بنصره من يشاء ،
إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } آل
عمران (10-13) .
" إن هذه
الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل ، وتهديدهم بمصير الكفار قبله
وبعدهم . وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك .. فهو يذكرهم فيها
بمصير آل فرعون . وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني
إسرائيل . ولكن هذا لا يمنحهم حقاً خاصاً إذا هم ضلوا وكفروا ، ولا
يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا ، وأن ينالوا جزاء الكافرين
في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين أنجاهم الله منهم !
كذلك يذكرهم
مصارع قريش في بدر - وهم كفار - ليقول لهم : إن سنن الله لا تتخلف .
وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش . فالعلة هي
الكفر . وليس لأحذ على الله دالة ، ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح
!
{ إن الذين كفروا
لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، وأولئك هم وقود
النار } ..
والأموال
والأولاد مظنة حماية ووقاية ، ولكنهما لا يغنيان شيئاً في ذلك اليوم
الذي لا ريب فيه ، لأنه لا إخلاف لميعاد الله. وهم فيه :
{ وقود النار }..
بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص " الإنسان " ومميزاته ، ويصورهم
في صورة الحطب والخشب وسائر " وقود النار " .. لا بل أن الأموال
والأولاد ، ومعهما الجاه والسلطان ، لا تغني شيئاً في الدنيا :
{ كدأب آل فرعون
والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم ، والله شديد
العقاب } ..
وهو مثل مضى
في التاريخ مكروراً ، وقصه الله في هذا الكتاب تفصيلاً : وهو يمثل
سنة الله في المكذبين بآياته ، يجريها حيث يشاء . فلا أمان إذن ولا
ضمان لمكذب بآيات الله .
وإذن فالذين
كفروا وكذبوا بدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآيات الكتاب الذي
عليه بالحق ، معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء .. ومن ثم
يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينذرهم هذا المصير في الدارين
، وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب ، فلعلهم نسوا مثل فرعون
والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد :
{ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم
وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا : فئة تقاتل في سبيل
الله وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من
يشاء . إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } ..
وقوله تعالى
: { يرونهم مثليهم رأي العين }
يحتمل تفسيرين : فإما أن يكون ضمير "يرون" راجعاً إلى الكفار ، وضمير
"هم" راجعاً إلى المسلمين ، ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا
يرون المسلمين القليلين "مثليهم".. وكان هذا من تدبير الله حيث خيل
للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة ، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم .
وإما أن يكون
العكس ، ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين " مثليهم "
هم - في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم - ومع هذا ثبتوا
وانتصروا .
والمهم هو
رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره .. وفي هذا تخذيل للذين كفروا
وتهديد . كما أن فيه تثبيتاً للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم
فلا يرهبونهم ..وكان الموقف يقتضي هذا وذاك ..وكان القرآن يعمل هنا
وهناك..
وما يزال
القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة . وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة .. إن
وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله ، قائم
في كل لحظة . ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم
كذلك في كل لحظة . وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء
حقيقة قائمة لم تنسخ ، وسنة ماضية لم تتوقف .
وليس على
الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ، و تثق في ذلك الوعد ،
وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله ، ولا
تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله ، المدبر
بحكمته ، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة :
{ إن في ذلك لعبرة
لأولي الأبصار } ..
ولا بد من
بصر ينظر وبصيرة تتدبر ، لتبرز العبرة ، وتعيها القلوب . وإلاّ
فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!"(11)
* ومن الآيات
التي تدخل تحت هذا الباب - أيضار - قوله تعالى :
{ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به
سلطاناً . ومأواهم النار ، وبئس مثوى الظالمين }
آل عمران (151) .
" والوعد من
الله الجليل القادر القاهر ، بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ،
كفيل بنهاية المعركة ، وضمان لهزيمة أعدائه ونصر أوليائه ..
وهو وعد قائم
في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان . فما يلقى الذين كفروا الذين
آمنوا حتى يخافوهم ، ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم . ولكن
المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين. حقيقة الشعور بولاية
الله وحده ، والثقة المطلوبة بهذه الولاية ، والتجرد من كل شائبة من
شك في أن جند الله هم الغالبون ، وأن الله غالب على أمره ، وأن الذين
كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه !
وما دام
أولئك المشركون يشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، من الآلهة
والعقائد والتصورات فهم يرتكنون إلى ضعف وخواء ، وهم أبداً خوارون
ضعفاء ، وهم أبداً في رعب حيثما التقوا بالمؤمنين المرتكنين إلى الحق
ذي السلطان ..
وأننا لنجد
مصداق هذا الوعد كلما التقى الحق والباطل .. وكم من مرة وقف الباطل
مدججاً بالسلاح أمام الحق الأعزل . ومع ذلك كان الباطل يحتشد احتشاد
المرعوب ، ويرتجف من كل حركة وكل صوت - وهو في حشده المسلح المحشود -
فأما إذا أقدم الحق وهاجم فهو الذعر والفزع والشتات والاضطراب في
صفوف الباطل ، ولو كانت له الحشود ، وكان للحق القلة، تصديقاً لوعد
الله الصادق :{ سنلقي في قلوب
الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً }
.. " (12)
* وقال تعالى
- أيضاً - : { لن يضروكم إلاّ أذى
، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ، ضربت عليهم الذلة أين
ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت
عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء
بغير حق ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }آل
عمران (111،112) .
" بهذا يضمن
الله للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة ، ضمانة صريحة حيثما التقوا
بأعدائهم هؤلاء ، وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين :
{ لن يضروكم إلاّ أذى . وإن يقاتلوكم يولوكم
الأدبار ثم لا ينصرون } ..
فلن يكون
ضرراً عميقاً ولا أصيلاً يتناول أصل الدعوة ، ولن يؤثر في كينونة
الجماعة المسلمة ، ولن يجليها من الأرض.. إنما هو الأذى العارض في
الصدام ، والألم الذاهب مع الأيام .. فأما حين يشتبكون مع المسلمين
في قتال ، فالهزيمة مكتوبة عليهم - في النهاية - والنصر ليس لهم على
المؤمنين ، ولا ناصر لهم كذلك ولا عاصم من المؤمنين .. ذلك أنه قد
{ ضربت عليهم الذلة }
وكتبت لهم مصيراً . فهم في كل أرض يذلون ، لا تعصمهم إلاّ ذمة الله
وذمة المسلمين - حين يدخلون في ذمتهم فتعصم دماءهم وأموالهم إلاّ
بحقها ، وتنيلهم الأمن والطمأنينة - ولم تعرف يهود منذ ذلك الحين
الأمن إلاّ في ذمة المسلمين . ولكن يهود لم تعاد أحداً في الأرض
عداءها للمسلمين ! .. { وباءوا
بغضب من الله } .. كأنما رجعوا من
رحلتهم يحملون هذا الغضب . { وضربت
عليهم المسكنة } تعيش في ضمائرهم وتكمن
في مشاعرهم ..
ولقد وقع ذلك
كله بعد نزول هذه الآية . فما كانت معركة بين المسلمين وأهل الكتاب
إلاّ كتب فيها للمسلمين النصر - ما حافظوا على دينهم واستمسكوا
بعقيدتهم ، وأقاموا منهج الله في حياتهم - وكتب لأعدائهم المذلة
والهوان إلاّ أن يعتصموا بذمة المسلمين أو أن يتخلى المسلمون عن
دينهم " . (13)
* ومن الآيات
الدالة على ذلك أيضاً قوله تعالى :
{ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً
} النساء (141) .
" وفي تفسير
هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة حيث يحكم
الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين
سبيل . كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا
يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال . وإن غلب المسلمون
في بعض المعارك وفي بعض الأحايين .
وإطلاق النص
في الدنيا والآخرة أقرب . لأنه ليس منه تحديد . والأمر بالنسبة
للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد .. أما بالنسبة للدنيا، فإن
الظواهر أحياناً قد توحي بغير هذا .. ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى
تمعن وتدقيق :
إنه وعد من
الله قاطع . وحكم من الله جامع : أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في
نفوس المؤمنين ، وتمثلت في واقع حياتهم منهجاً للحياة ، ونظاماً
للحكم ، وتجرداً لله في كل خاطرة وحركة ، وعبادة الله في الصغيرة
والكبيرة.. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ..
وهذه حقيقة
لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها ! " (14)
* وقال تعالى
- كذلك - : { إن الذين كفروا وصدوا
عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله
شيئاً وسيحبط أعمالهم } محمد(32) .
وهذا قرار من
الله مؤكد ، ووعد منه واقع : إن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن
يبلغ إلى الناس ، وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أي
وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته
بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه، والوقوف في غير صفه . أو
بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين
على دعوته . وذلك { من بعد ما تبين
لهم الهدى } .. وعرفوا أنه الحق ،
ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد، وأعماهم الغرض ، وقادتهم
المصلحة العاجلة ..
قرار من الله
مؤكد ، ووعد من الله واقع أن هؤلاء
{ لن يضروا الله شيئا ً}
.. وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه
وتعالى . فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله
ولا منهجه ولا القائمين على دعوته . ولن يحدثوا حدثاً في نواميسه
وسننه . مهما بلغ من قوتهم ، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين
فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها وليس
ضرراً حقيقياً لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على
نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة : {
وسيحبط أعمالهم } .. فتنتهي إلى الخيبة
والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام ! " . (15)
وبمثل هذا
التقرير ذكّر الله تعالى نبيه الكريم - في أعقاب غزوة أحد - في قوله
تعالى : { ولا يحزنك الذين يسارعون
في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئاً ، يريد الله ألا يجعل لهم
حظاً في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم . إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان
لن يضروا الله شيئاً ، ولهم عذاب أليم ، ولا يحسبن الذين كفروا إنما
نملي لهم خيراً لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب
مهين } آل عمران (176-178) .
" إن ذهاب
الباطل ناجياً في معركة من المعارك . وبقاءه منتفشاً فترة من الزمان
، ليس معناه أن الله تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب أو بحيث
يضر الحق ضرراً باقياً قاضياً ..
وإن ذهاب
الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان
، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله
ويرديه ..
كلا إنما هي
حكمة وتدبير .. هنا وهناك .. يملي للباطل ليذهب إلى نهاية الطريق ،
وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب
باستحقاق ! .. ويبتلي الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظم الأمر
لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. فهو الكسب للحق والخسارة للباطل ،
مضاعفاً هذا وذاك ! هنا وهناك ! " (16)
* * *
ولقد وردت
آيات كثيرة في كتاب الله : تطمئن المؤمنين ، وتعدهم بنصر الله ،
وتؤكد وتقرر لهم هزيمة الكافرين ، وتبين أن هزيمتهم محققة لا شك فيها
ولا جدال ..
ومن هذه
الآيات :
* قوله تعالى
: { سيهزم الجمع ويولون الدبر }
القمر (45) .
" فلا يعصمهم
تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم . والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار ..
ولقد كان ذلك كما لا بد أن يكون !
وقال
البخاري بإسناده إلى ابن عباس : إن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال
وهو في قبة له يوم بدر : ( أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد
بعد اليوم في الأرض أبداً ) . فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده ، وقال
: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع ، وهو
يقول :{سيهزم الجمع ويولون الدبر
..}.
وفي رواية
لابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة ، قال : لما نزلت { سيهزم الجمع
ويولون الدبر } قال عمر : أي جمع يغلب؟ قال عمر : فلما كان يوم بدر
رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع ، وهو يقول :
{ سيهزم الجمع ويولون الدبر }
فعرفت تأويلها يومئذ !" ) 17) .
* ومنها قوله
تعالى : { أم حسب الذين يعملون
السيئات أن يسبقونا ، ساء ما يحكمون }
العنكبوت (4) .
* وقوله
تعالى : { وسيعلم الذين ظلموا أي
منقلب ينقلبون } الشعراء (227) .
* وقوله
تعالى : { إن الذين يحادون الله
ورسوله أولئك في الأذلين } المجادلة
(20) .
* وقوله
تعالى : { فأيدنا الذين أمنوا على
عدوهم فأصبحوا ظاهرين} الصف (14) .
* وقوله
تعالى : { قد مكر الذين من قبلهم
فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم
العذاب من حيث لا يشعرون } النحل (
26) .
والآيات في
هذا الباب كثيرة ، والعبرة بما تدل عليه ، وما تلقيه في النفس
المؤمنة من الظِلال .. ظلال الطمأنينة .. والثقة بنصر الله تعالى
وتأييده للمؤمنين .. وهزيمته وسحقه للكافرين .
* * *
خامساً : بيان سنة الله في أخذ
الكافرين والظالمين .
دعانا الله
تعالى في كثير من آياته إلى السير في الأرض ، لمعرفة سنته تعالى في
أخذ الكافرين والظالمين ، وذكّرنا بمصارع الغابرين ، والأقوام
السابقين . ليبين الله تعالى لنا أن هذه هي سنته في أخذ الكافرين في
كل زمان ومكان ، مهما عظمت دولتهم ، وقويت شوكتهم ، ذلك أنهم لما
نسوا الله تعالى هانوا عليه فأهلكهم ، ومضت قصصهم عبرة لكل متجبر
ومتكبر وظالم ، وبقيت آثارهم عظة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو
شهيد .. حتى يعلم المؤمن أن أهل الباطل مهما بلغت قوتهم ، وصالوا
وجالوا فلن يعجزوا الله تعالى .. فإن الله لهم بالمرصاد .. وما هو
بالإهمال لهم بل هو الإمهال والإملاء حتى يحين أجل الله وموعده
بأخذهم وإهلاكهم وزوالهم وذهابهم كما مضى بذلك سلف الأولين :
{ وسيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }
الشعراء (227) .
* * *
- أما إن
إهلاك الكافرين والظالمين سنة من سنن الله تعالى فهذا مقرر في قوله
تعالى : { ولا يحيق المكر السيء
إلا بأهله ، فهل ينظرون إلاّ سنة الأولين ، فلن تجد لسنة الله
تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا }
فاطر (43).
- وأما دعوة
الله تعالى لنا بالسير في الأرض ، والنظر في حال الأمم السابقة التي
أهلكها الله ، ففي آيات كثيرة منها :
قوله تعالى :
{ أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ، وما كان الله
ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً}
فاطر(44).
وقوله تعالى
: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً
في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ، ذلك
بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد
العقاب} غافر (21،22) .
وقوله تعالى
: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة . وآثاراً في
الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون }
غافر (82) .
وقوله تعالى
: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض
وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله
ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }
الروم (9) .
وفي هذه
الآيات : " دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين ، وهم ناس من الناس ،
وخلق من خلق الله ، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية .
فسنة الله هي سنة الله في الجميع . وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا
الوجود ، بلا محاباة لجيل من الناس ، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه
العواقب . حاشا لله رب العالمين !
وهي دعوة إلى
إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان وحقيقة هذه
الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون ، كي لا ينعزل جيل
من الناس بنفسه وحياته ، وقيمه وتصوراته ، ويغفل عن الصلة الوثيقة من
أجيال البشر جميعاً ، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعاً ،
ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعاً .
فهؤلاء أقوام
عاشوا قبل جيل المشركين في مكة
{كانوا أشد منهم قوة}.. { وأثاروا الأرض } ..
فحرثوها وشقوا عن باطنها ، وكشفوا عن ذخائرها
{وعمروها أكثر مما عمروها }
فقد كانوا أكثر حضارة من العرب ، وأقدر منهم
على عمارة الأرض .. ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه
إلى ما وراءه : { وجاءتهم رسلهم
بالبينات } .. فلم تتفتح بصائرهم لهذه
البينات ، ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق . فمضت
فيهم سنة الله في المكذبين ، ولم تنفعهم قوتهم ، ولم يغن عنهم علمهم
ولا حضارتهم، ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه :
{فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون}.."(18)
والله تعالى
قد يملى للقرية الظالمة ويمهلها ، ثم يأخذها بعذاب من عنده ، كما
فعل الله ببعض القرى السابقة حينما كذبوا برسلهم ، وفي هذا ما يطمئن
قلوب المؤمنين كما طمأن الله رسوله الكريم من قبل بقوله تعالى :
{ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح
وعاد وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين ، وكذب موسى ،
فأمليت للكافرين ثم أخذتهم ، فكيف كان نكير ،فكأين من قرية أهلكناها
وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد، أفلم يسيروا
في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا
تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }
الحج (42-46) .
وبمثل هذه
الآيات خاطب الله رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - في موضع آخر
فقال تعالى :
{ ولقد
أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ،
فلولا أن جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان
ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ،
حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر
القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين }
الأنعام (42-45) .
" إنها لمواجهة
بنموذج من بأس الله سبحانه ، نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض
ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله ، وكيف تكون عاقبة تضرعهم له ، وكيف
يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة ، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ،
فإذا نسوا ما ذكروا به ، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله
والتضرع إليه ، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت
فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى منه صلاح ، وكانت حياتهم قد فسدت
الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل
بساحتهم الدمار الذي لا ينجو معه ديار ..
{ ولقد أرسلنا إلى
أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا أن
جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا
يعملون } ..
ولقد عرف
الواقع البشري كثيراً من هذه الأمم ، التي قص القرآن الكريم على
الإنسانية خبر الكثير منها ، قبل أن يولد " التاريخ " الذي صنعه
الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد ، صغير السن ،
لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض
! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب
والأغاليط ، وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة ،
والمحركة للتاريخ البشري ، والتي يكمن بعضها في أغوار النفس ،
ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها . وهذا
البعض يخطئ البشر في جمعه ، ويخطئون في تفسيره ، ويخطئون أيضاً في
تمييز صحيحه من زائفه - إلا قليلا - ودعوى أي بشري أنه أحاط بالتاريخ
البشري علماً ، وانه يملك تفسيره تفسيراً " علمياً " ، وأنه يجزم
بحتمياته المقبلة أيضاً .. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن
عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال
ذلك المدعي : إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك
مستساغاً .. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا
يفتري ؟ !
والله يقول
الحق ، ويعلم ماذا كان ، ولماذا كان . ويقص على عبيده- رحمة منه
وفضلا - جانباً من أسرار سنته وقدره ، ليأخذوا حذرهم ويتعظوا،
وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة
، يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيراً كاملاً صحيحاً . ومن وراء
هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ن استناداً إلى سنة الله التي
لا تتبدل .. هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها ..
وفي هذه
الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى .. أمم جاءتهم رسلهم .
فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في
أحوالهم وأوضاعهم .. البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون " عذاب
الله " التي تحدثت عنه الآية السابقة ، وهو عذاب التدمير والاستئصال
..
وقد ذكر
القرآن نموذجاً محدداً من هذه الأمم ، ومن البأساء والضراء التي
أخذها بها .. في قصة فرعون وملئه :
{ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا
جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن
معه . ألا إنما طائرهم عند الله ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا :
مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا
عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ،
فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين }
الأعراف (130-133) .
وهو نموذج من
نماذج كثيرة تشير إليها الآية ..
لقد أخذهم
الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم ، وينقبوا في ضمائرهم وفي
واقعهم ، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ، ويتذللون له ،
وينزلون عن عنادهم واستكبارهم ، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء
بقلوب مخلصة ، فيرفع الله عنهم البلاء ، ويفتح لهم أبواب الرحمة ..
ولكنهم لم يفعلوا ما كان حرياً أن يفعلوا . لم يلجأوا إلى الله ، ولم
يرجعوا عن عنادهم ، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم ، ولم تفتح بصيرتهم ،
ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من
الضلال والعناد :
{ ولكن قست قلوبهم
وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ..
والقلب الذي
لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة !
ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال
الفطرية فيه ، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة ، التي تنبه القلوب
الحية للتلقي والاستجابة .. والشدة ابتلاء من الله للعبد ، فمن كان
حياً أيقضته ، وفتحت مغاليق قلبه ، وردته إلى ربه ، وكانت رحمة له من
الرحمة التي كتبها الله على نفسه .. ومن كان ميتاً حسبت عليه ، ولم
تفده شيئاً ، وإنما أسقطت عذره وحجبته ، وكانت عليه شقوة ، وكانت
موطئة للعذاب !
وهذه الأمم
التي يقص الله -سبحانه - من أنبائها على رسوله - صلى الله عليه وسلم
- ومن وراءه من أمته .. لم تفد من الشدة شيئاً . ولم تتضرع إلى الله
، ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد .. وهنا يملي
لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء :
{ فلما نسوا ما
ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم
بغتة ، فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله
رب العالمين } ..
إن الرخاء
ابتلاء آخر كابتلاء الشدة ، وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة !
والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء
. بهذه وبذاك سواء .. والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء
فيشكر . ويكون امره كله خير .. وفي الحديث : ( عجباً للمؤمن إن أمره
كله خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً
له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) (رواه مسلم ) .
فأما هذه
الأمم التي كذبت بالرسل ، والتي يقص الله من أنبائها هنا . فإنهم لما
نسوا ما ذكروا به ، وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون ، وابتلاهم
بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا .. فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل
شيء للاستدراج بعد الابتلاء..
والتعبير
القرآني { فتحنا عليهم أبواب كل
شيء } .. يصور الأرزاق والخيرات ،
والمتاع ، والسلطان .. متدفقة كالسيول، بلا حواجز ولا قيود ! وهي
مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة!
{ حتى إذا فرحوا
بما أوتوا } ..
وغمرتهم
الخيرات والأرزاق المتدفقة ، واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها -
بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته
وتقواه ، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات ،
وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو
والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب والأخلاق،
وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها .. عندئذ جاء
موعد السنن التي لا تتبدل :
{ أخذناهم بغتة
فإذا هم مبلسون } ..
فكان أخذهم
على غرة ، وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعوا الرجاء في
النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى
أخر واحد منهم .
{ فقطع دابر القوم
الذين ظلموا } ..
دابر القوم
هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم
أولى ! .. و { الذين ظلموا }
تعني هنا الذين أشركوا .. كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن
الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين ..
{ والحمد لله رب
العالمين } ..
تعقيب على
استئصال الظالمين ( المشركين ) بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد
المتين .. وهل يحمد الله على نعمة ، أجل من نعمة تطهير الأرض من
الظالمين ، أو على رحمة ، أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ؟
لقد أخذ الله
قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، كما أخذ الفراعنة والإغريق
والرومان وغيرهم بهذه السنة ، ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ، ذلك
السر المغيب من قدر الله ، وهذا القدر الظاهر من سنته ، وهذا التفسير
الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
لقد كان لهذه
الأمم من الحضارة ، وكان لها من التمكين في الأرض ، وكان لها من
الرخاء والمتاع ، ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع
به اليوم أمم ، مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ، مخدوعة بما هي
فيه، خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء ..
هذه الأمم لا
تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة .
والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء
والسلطان ، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم ، وهي لا تعبد الله او لا
تعرفه ، وهي تتمرد على سلطانه ، وهي تدعي لأنفسها خصائص الألوهية ،
وهي تعيث في الأرض فساداً ، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان
الله ..
- ويتابع سيد
قطب رحمه الله - في ظلاله حول هذه الآيات فيقول عن نفسه :
" ولقد كنت -
في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق
قول الله سبحانه : { فلما نسوا ما
ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء }
.. فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية .. مشهد تدفق كل شيء من
الخيرات والأرزاق بلا حساب ! .. لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما
يتمثل هناك !
وكنت أرى
غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على " الرجل
الأبيض " وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة ، وفي وحشية
كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية
الذي شهر به اليهود بالأرض كلها حتى صار علماً على الصلف العنصري .
بينما الأمريكي البيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى !
وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين ..
كنت أرى هذا
كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة الله ، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب
إلى الغافلين :
{ حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين
ظلموا والحمد لله رب العالمين } ..
وإذا كان
الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت
عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج
الوفير ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب
النفسي ، والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي ، والإنحلال الخلقي ..
الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء
والمتاع ، وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى
جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي
تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، في مقابل شهوة
أو شذوذ .. وهي طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف !
وليس هذا كله
إلا بداية الطريق .. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (
إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما
هو استدراج ) .. ثم تلا : { فلما
نسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}..
( رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ) .
غير أنه
ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم
في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) .. ثم يقذف الله بالحق على الباطل
فيدمغه فإذا هو زاهق .. فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري
سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حبنئذ لا يمثلون الحق ، ولا
يكونون أهله .. وهم كسالى قاعدون .. والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم
لتقر حاكمية الله في الأرض، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون
خصائص الألوهية .. هذا هو الحق الأول والحق الأصيل ..
{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت
الأرض } .. " (19)
وهكذا تتكرر
هذه الآيات والمشاهد في القرآن الكريم تدعو الناس للنظر والتأمل ،
وأخذ العبرة والعظة ، ويلمح المؤمن منها تثبيتاً لفؤاده ، وطمأنة
لقلبه، ويرى آثار قدرة الله تعالى تصيب الكافرين ، وتهلك الظالمين
على قوتهم وكثرتهم .
ولهذا فلا
تغرنك قوة الباطل ولا صولته ، فإنه لا يعجز الله تعالى الذي يقول في
كتابه :
{ ما يجادل
في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغرنك تقلبهم في البلاد ، كذبت
قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ،
وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب }
غافر (4،5) .
فهذا هو مصير
الكافرين على مر الزمان إذا ما أصروا على كفرهم ، وعلى تكذيبهم
بالرسالة ، وعلى مواجهتهم للحق ، فهي سنة ثابتة متكررة لا تتغير ولا
تتبدل ..
قال تعالى :
{ ألم نهلك الأولين ، ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين ، ويل
يومئذ للمكذبين } المرسلات (16-19).
وقال تعالى -
أيضا - { أفلم يسيروا في الأرض
فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين
أمثالها} محمد (10) .
&&&&&
الورقة الثانية: نماذج وقصص قرآنية تقرر
انتصار الحق على الباطل .
وتشتمل على
العناوين التالية :
أولاً : انتصار الله لأنبيائه ورسله .
ثانياً : انتصار الله لطالوت على جالوت .
ثالثاً : انتصار الله للروم على الفرس .
رابعاً : انتصار الله لبيته الحرام .
أولاً : انتصار الله لأنبيائه ورسله
لقد ذكر الله
تعالى في كتابه الكريم ، قصصاً لعدد من أنبيائه ورسله ، في معرض
مواجهتهم لأقوامهم ، وما لا قوه في سبيل دعوتهم من المشاق ، والمصاعب
، والأذى .. وما تعرضوا له من ابتلاءات عدة كادت تودي بحياتهم لولا
تدخل يد القدرة الإلهية في إنجائهم ، وانتصارهم في نهاية الأمر على
أقوامهم ، وتخلصهم من الأذى الملحق بهم .
وهذه القصص
مفادها العظة والعبرة ، والاستفادة منها في كل زمان ومكان بحسبة ،
وهي دروس يستشف منها المسلم ما يعينه على مواصلة المسير مهما اشتد
عليه البلاء ، فله في الأنبياء مَثَلٌ وقدوة ، وله في قصصهم عظة
وعبرة .
وفي هذا
الباب سنقتصر على ما حدث لأولي العزم من الرسل - على وجه الإيجاز -
ونبين من خلال العرض القرآني كيف تدخلت يد القدرة الإلهية لانتصار
هؤلاء الرسل وإنجائهم من أذى أقوامهم .
* انتصار
الله تعالى لسيدنا نوح عليه السلام .
ذكر الله
تعالى في كتابه الكريم قصة نوح عليه السلام - في أكثر من موضع -
وبينت الآيات مدى الجهد الذي بذله سيدنا نوح عليه السلام في تبليغ
رسالة ربه إلى قومه ، وما لاقاه في سبيل دعوته مما بينته الآيات
الكريمة .. كما ذكرت الآيات نهاية هذا الجهد النبوي بانتصار الله
لنوح عليه السلام ولمن آمن معه ، وإهلاك الله تعالى للكافرين .
قال تعالى :
{ كذبت قبلهم قوم نوح . فكذبوا
عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ، فدعى ربه أني مغلوب فانتصر ، ففتحنا
أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر
قد قدر ، وحملناه على ذات ألواح ودسر ، تجري بأعيننا جزاءً لمن كان
كفر ، ولقد تركناها آية فهل من مدكر، فكيف كان عذابي ونذر ، ولقد
يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }
القمر (9-17) .
وقال تعالى :
{ قيل يا نوح اهبط بسلام منا
وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ،
تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل
هذا ، فاصبر ، إن العاقبة للمتقين }
هود (48،49) .
"إن حفنة من
المسلمين من أتباع نوح عليه السلام ، تذكر بعض الروايات أنهم اثنا
عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما كما يقرر
المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن ..
إن هذه
الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - قد استحقت أن
يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجري لها ذلك
الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض ! وأن
يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها
والاستخلاف من جديد ..
.. وهذا أمر
خطير ..
إن طلائع
البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها ، والتي
تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما تعاني الأذى والمطاردة
والتعذيب والتنكيل .. إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلاً أمام هذا
الأمر الخطير ، وأمام دلالته التي تستحق التدبير والتفكير!
إن وجود
البذرة المسلمة أمر عظيم في ميزان الله تعالى .. شيء يستحق منه
سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها
جميعاً،كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم
وتنمو وترث الأرض وتعمرها من جديد!
لقد كان نوح
عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه ، كما قال تعال :
{ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم
مغرقون }..
وعندما لجأ
نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترون عليه كما قال تعالى في
سورة القمر : { كذبت قبلهم قوم نوح
فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } ..
عندما لجأ
نوح إلى ربه يعلن أنه " مغلوب " ويدعو ربه أن "ينتصر" هو وقد غلب
رسوله .. عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده
المغلوب :
{ ففتحنا أبواب
السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد
قدر } ..
وبينما كانت
تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع
المرهوب .. كان الله سبحانه - بذاته العليّة- مع عبده المغلوب :
{وحملناه على ذات ألواح ودسر . تجري
بأعيننا .. جزاءً لمن كان كفر ..}.
هذه هي
الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان
وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية ، وحين " تغلبها " الجاهلية
!
|