|

" نهاية الصراع ... انتصار الحق على الباطل"
وحدة الإعلام
المقاوم - 10/8/2005م
الفهرس
مقدمة

إن من معالم
الصراع بين الحق والباطل "انتصار الحق على الباطل في نهاية الصراع"
.. فبعد أن يتراوح المؤمنون في هذا الصراع بين النصر والهزيمة ،
ويطول البلاء على المؤمنين، ويشتد الكرب. يتمخّض عن هذا كله
انتصاراً واضحاً ، وساحقاً للحق وأهله ، على الباطل بكل أشكاله
وألوانه .
فينصر الله
الضعفاء من المؤمنين ، ويمكّن لهم في الأرض ، ويعز الله جنده، ويثبّت
أولياءه ، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً ، وتدين الأرض بأهلها لله
الواحد القهار .
ويُعلي الله
كلمته ، ويرفع رايته ، ويهزم أعداءه ، ويجعل الدائرة عليهم ،
والهزائم تترى تلاحقهم في كل مكان .. وفي أثناء ذلك .. يسقط الطغاة
،-المتجبرون المتكبرون في الأرض - ويكثر بعد ذلك أتباع هذا الدين ،
وتنتشر الفضيلة ، وتحارب الرذيلة ، ويعمّ الخير، ويزول الشر .
ومن آثار ذلك
-أيضاً - أن يعيش الناس في ظل هذا الدين في مأمن وسلام، وحب ووئام ،
بعد أن ذاقوا الخوف والجوع والحروب والويلات .
والقرآن
الكريم بيّن هذا المعلم في آياته : بوسائل مختلفة ، وأساليب متنوعة،
وطرقاً متعددة ، فتارة بآية قرآنية صريحة، وتارة أخرى بإشارة قرآنية
خفية ، وفي موضع بقصة قرآنية ، وفي موضع أخر بمثلٍ قرآني .. بل ومن
الواقع والتاريخ نماذج متعددة ، وصوراً جليّة تكشف عن هذه الحقيقة
مما لا يترك مجالا للشك أو حتى للاحتمال في عدم وقوعها .. بل هو
اليقين الثابت ، والحق الجازم ، والسنة الجارية .. بل هو وعد الله ،
والله لا يخلف الميعاد .
وفي هذا
الورقات سنتطرق لما ورد في كتاب الله ، من آيات ، وقصص ، ونماذج ،
وحقائق ، قرآنية تؤكد هذا الأمر وتقرره .. حتى يطمئن السائرون على
هذا الدرب ، والماضون على هذا الطريق ، وتبعث الأمل فيمن اشتد عليه
الكرب ، وأظلم عليه الطريق ، لنقول له : بأن نصر الله قادم ، وفرجه
قريب ، وما بعد طول الظلام إلاّ انفلاق الصباح ، وما بعد العسر إلاّ
اليسر ، وما بعد الضيق إلاّ الفرج ..
وتأتي مناسبة
الكتابة في هذا الموضوع ، ما نشهده هذه الأيام من الانسحاب المذل
للعدو الصهيوني من قطاع غزة والذي تقرر بتاريخ 15/8/2005م ، فهي
مناسبة تستحق الفرح بهذا الانتصار من جهة ، ومن جهة أخرى فإننا نرى
ما تعرض له الشعب الفلسطيني بل وواقع المسلمين اليوم وما يتعرض له -
في كل مكان - من محن وابتلاءات ، وضيق وكرب ، مما يستدعي نوعاً من
العلاج يخفف الآلام ، ويلملم الجراح ، ويواسي المستضعفين .. وفي
القرآن العظيم الزاد المعين على هذا الطريق ، وفيه من آيات التثبيت
ما يجعل البلاء قُربة يتعبد الله بها ، ويرى مع شدة المحنة لذة
الإخلاص . فالقرآن نورٌ وضياء ، ودستور ومنهاج ، وأملٌ وحياة ، يبعث
النفس على الاستعلاء على الباطل مهما عَظُم وتجبر وانتعش .
وعليه نتقدم
للشعب الفلسطيني وللأمتين العربية والإسلامية عامة ، وللمقاومة
الفلسطينية خاصة بالتهنئة بهذا النصر العظيم .. ونقدم بهذه المناسبة
هذا الجهد المتواضع وهو عبارة عن دراسات قرآانية بمناسبة انسحاب
العدو من قطاع غزة..
وتجدر الإشارة
إلى أننا حرصنا على التعليق على الآيات القرآنية من كتائب "في ظلال
القرآن" لسيد قطب – رحمه الله -، وجعلنا فهرساً في نهاية الورقات
لموضع هذه النصوص المقتبسة من كتاب الظلال لمن أراد الرجوع إليها ..
هذا وتتضمن
السلسة الورقات الثلاث التالية :
الورقة الأولى :
الآيات القرآنية في انتصار الحق على
الباطل ، والإيمان على الكفر ، ووعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين،
وسنة الله في أخذ الكافرين والظالمين.
الورقة الثانية : نماذج وقصص قرآنية
على انتصار الله لرسله، وأوليائه ، ولعقيدة التوحيد ، ولبيته الحرام
.
الورقة الثالثة :
تكاليف النصر وأعباؤه .
هذا ونسأل
الله التوفيق والسداد ، ونسأله تعالى أن يرنا الحق حقاً ، وأن يرزقنا
إتباعه ، وأن يرنا الباطل باطلاً ، وأن يرزقنا اجتنابه ، كما نسأله
نصراً مؤزراً ، وفرجاً معجلاً ، اللهم آمين .
الورقة الأولى : الآيات القرآنية في
انتصار الحق على الباطل .
وتشتمل على
الحقائق القرآنية التالية :
أولا : الآيات الواردة في انتصار الحق على الباطل
صراحة.
ثانياً : الآيات الواردة في انتصار الإسلام
وهيمنته على باقي الأديان.
ثالثا : الآيات المبينة لوعد الله للمؤمنين
بالنصر والتمكين.
رابعاً: الإشارات القرآنية في نصرة المؤمنين
وهزيمة الكافرين .
خامساً : بيان سنة الله في أخذ الكافرين
والظالمين .
أولاً : الآيات الواردة في انتصار
الحق على الباطل صراحة .
جاء في كثير
من الآيات القرآنية تقرير انتصار الحق على الباطل ، بل أمر الله
رسوله الكريم أن يعلنها واضحة صريحة بقوله تعالى :
{ وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان
زهوقا } الإسراء (81) .
"بهذا
السلطان المستمد من الله ، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته ،
وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه ، فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت ، ومن
طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق ..
{ إن الباطل
كان زهوقا } .. حقيقة لدنية يقررها
بصيغة التوكيد ، وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة .
فالباطل ينتفخ وينتفج وينفش ، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ، ومن ثم
يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً ،
ولكنه هش سريع العطب ، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبو
سريعاً وتستحيل إلى رماد ، بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتبقى ،
وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء .
{ أن الباطل
كان زهوقا } .. لأنه لا يحمل عناصر
البقاء في ذاته إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد
غير طبيعية ، فإذا تخلخلت تلك العوامل ، ووهيت هذه الأسناد تهاوى
وانهار . فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده . وقد تقف ضده
الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان .. ولكن ثباته واطمئنانه
يجعل له العقبى ويكفل له البقاء ، لأنه من عند الله الذي جعل " الحق
" من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول .
{ أن الباطل
كان زهوقا } .. ومن ورائه الشيطان ،
ومن ورائه السلطان . ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى . وما من
مؤمن ذاق طعم الإيمان ، إلا وذاق معه حلاوة الوعد ، وصدق العهد . ومن
أوفى بعهده من الله ؟ ومن أصدق من الله حديثاً ؟ " . (1)
وبمثل هذا
التوجيه الرباني ، يأمر الله نبيه أن يلقي هذه الحقيقة قذيفة في وجه
الباطل وأهله .. إذ يقول الله تعالى :
{ قل : إن
ربي يقذف بالحق علاّم الغيوب ، قل جاء الحق وما يبديء الباطل وما
يعيد } سبأ (48،49) .
أي فهذا "
الذي جئتكم به الحق . الحق القوي الذي يقذف به الله. فمن ذا يقف للحق
الذي يقذف به الله ؟ إنه تعبير مصور مجسم متحرك . وكأنما الحق قذيفة
تصدع وتخرق وتنفذ ولا يقف لها أحد في طريق .. يقذف بها الله " علاّم
الغيوب " فهو يقذف بها عن علم ، ويوجهها على علم ، ولا يخفى عليه
هدف ، ولا تغيب عنه غاية ، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سد
يعوقه . فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور ! ...
جاء هذا الحق
في صورة من صوره ، في الرسالة ، وفي قرآنها ، وفي منهجها المستقيم .
قل : جاء الحق . جاء بقوته. جاء بدفعته . جاء باستعلائه وسيطرته
{ وما يبديء الباطل وما يعيد }
.. فقد انتهى أمره . وما عادت له حياة ، وما عاد له مجال ، وقد تقرر
مصيره وعرف أنه إلى زوال .
إنه الإيقاع
المزلزل ، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى ، وأنه لم يعد
هناك مجال لشيء آخر يقال . وإنه لكذلك . فمنذ جاء القرآن استقر منهج
الحق واتضح . ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح
الحاسم الجازم . ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال
والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق . إنما هي غلبة على المنتمين
إلى الحق . غلبة الناس لا المبادئ . وهذه موقوتة ثم تزول . أما الحق
فواضح بين صريح " . (2)
وبمثل هذا
التقرير يقول الله تعالى في - آية أخرى - :
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو
زاهق } الأنبياء(18) .
إذاً " هذه
هي السنة المقررة ، فالحق أصيل في طبيعة الكون ، عميق في تكوين
الوجود . والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلاً ، طارئ لا أصالة فيه
، ولا سلطان له ، يطارده الله ، ويقذف عليه بالحق فيدمغه . ولا بقاء
لشيء يطارده الله ، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه ! ولقد يخيل
للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم
الخبير . وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب ،
ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب . وإن هي إلا فترة من الزمان ،
يمهد الله فيها ما يشاء ، للفتنة والابتلاء . ثم تجري السنة
الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ، وقامت عليها
العقائد والدعوات سواء بسواء .
والمؤمنون
بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده ، وفي أصالة الحق في بناء الوجود
ونظامه ، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه .. فإذا
ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة ،
وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسوا أن ربهم يربيهم ، لأن فيهم ضعفاً أو
نقصاً ، وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر ، وأن يجعلهم ستارة
القدرة ، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون
فيها الضعف .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصّر الله عليهم فترة
الابتلاء ، وحقق على أيديهم ما يشاء . أما العاقبة فهي مقررة :
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه
فإذا هو زاهق } والله يفعل ما
يريد".(3)
بل جعل الله
تعالى انتصار الحق على الباطل من محض إرادته - سبحانه - ولا راد
لحكمه وقضائه .. كما في قوله تعالى:
{ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر
الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون }
الأنفال(7،8).
وقوله تعالى
:{ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره
المجرمون } يونس (82) .
وقوله تعالى
- أيضاً - :{ويمح الله الباطل ويحق
الحق بكلماته ، إنه عليم بذات الصدور}
الشورى (24) .
وهذا كله
موقوت بأمر الله : { فإذا جاء أمر
الله قضي بالحق ، وخسر هنالك المبطلون }
غافر (78) .
وهذه الآيات
جملة تقرر بوضوح إرادة الله في انتصار الحق على الباطل ، وأن الحق
أصيل وغالب ، وأن الباطل ضعيف طارئ لا أصل له ولا أساس .. وأن الله
وراء المعركة القائمة بين أهل الحق ، وأهل الباطل ، وهو - تعالى -
الذي يقودها بإرادته ، ويحكم في نهايتها بانتصار الحق على الباطل ..
وبهذا تطمئن النفوس ، وتهدأ الضمائر ، ويزول الشك ، ويحل محله اليقين
، فالله مع أهل الحق ينصرهم ويؤيدهم ، ويعينهم ، ولا ينسى عباده ،
ولا يتخلى عنهم ، بل يقف إلى جانبهم ، فيحق الحق ويبطل الباطل ،
ويمحوه ، حتى لا يعود له أثر ولا وجود.
* * *
ثانيــاً : الآيات القرآنية التي
تبين انتصار الإسلام وهيمنته على باقي الأديان .
لقد أتم الله
نعمته على المسلمين ، بإكمال الدين ، ورضي لهذا الدين أن يسود ، وأن
يقود ، وأن يهيمن على باقي الأديان..
قال تعالى :
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا }
المائدة (3) .
ولقد وعد
الله تعالى عباده المؤمنين أن يمكن لهذا الدين في الأرض ، وأن ينصر
هذا الدين وأهله ، وأن يجعله عزيزاً قوياً لا تغلبه قوة ، ولا تعلوه
ديانة .. قال تعالى : { وعد
الله الذين آمنوا منكم ، وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم في الأرض كما
استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ،
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً ، ومن
كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }
النور (55-56) .
وعبثاً يظن
أهل الباطل انهم قادرون على القضاء على هذا الدين الذي ارتضاه الله
لعباده .. رغم جهودهم الجبارة وكيدهم ومكرهم على مدى الزمان ..
ولقد صور
الله تعالى هذه المحاولات البائسة الكثيرة منهم - لضرب هذا الدين -
بصورة تبين مدى ضعفهم في مواجهة هذا الدين وهذا الحق الذي جاء من عند
الله تبارك وتعالى ..
قال تعالى :
{ يريدون أن يطفئوا نور الله
بأفواههم ويأبى الله إلا إن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وهو الذي
أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
} التوبة (23،33) .
"إن أهل
الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق ، وعبادة أرباب
من دون الله . وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح
للإيمان بالله واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين
الحق ، ويريدون إطفاء نور الله في الأرض المتمثل في هذا الدين ، وفي
الدعوة التي تنطلق به في الأرض ، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة
البشر ..
{ يريدون أن
يطفئوا نور الله بأفواههم } .. فهم
محاربون لنور الله . سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن ، أو
بما يحرضون به أتباعهم وأشياعهم على حرب هذا الدين وأهله ، والوقوف
سداً في وجهه - كما كان هو الواقع الذي تواجهه هذه النصوص وكما هو
الواقع على مدار التاريخ - .
وهذا التقرير
- وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك- هو كذلك يصور طبيعة
الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور الله المتمثل في دينه الحق الذي
يهدي الناس بنور الله .
{ ويأبى الله إلاً
أن يتم نوره ولو كره الكافرون } ..
وهو
الوعد الحق من الله ، الدالّ على سنته التي لا تتبدل ، في إتمام نوره
بإظهار دينه ولو كره الكافرون .. وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا
، فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق ،
في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان !
ويزيد السياق
في هذا الوعيد وذلك الوعد توكيداً :
{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره
على الدين كله ، ولو كره المشركون } ..
" (4)
وبمثل ذلك
يقول الله تعالى في آيات أخرى : {
يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره
الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون } الصف (8،9) .
وقوله تعالى
: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيداً }
الفتح (28) .
" فلقد ظهر
دين الحق ، لا في الجزيرة وحدها ، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها
قبل مضي نصف قرن من الزمان . ظهر في إمبراطورية كسرى كلها ، وفي قسم
كبير من إمبراطورية قيصر ، وظهر في الهند وفي الصين ، ثم في جنوب
آسيا في الملايو وغيرها ، وفي جزر الهند الشرقية ( أندونيسيا ) ..
وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن
السابع الميلادي .
وما يزال دين
الحق ظاهراً على الدين كله-حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من
الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض . وانحسار قوة
أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في
هذا الزمان.
أجل ما يزال
دين الحق ظاهراً على الدين كله ، من حيث هو دين ، فهو الدين القوي
بذاته ، القوي بطبيعته ، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله ! لما في
طبيعته من استقامة مع الفطرة ، ومع نواميس الوجود الأصيلة ، ولما فيه
من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح ، وحاجات العمران والتقدم
، وحاجات البيئات المتنوعة ، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات
السحاب!
وما من صاحب
دين غير الإسلام ، ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى
يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة ، وقدرته على قيادة البشرية
قيادة راشدة ، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة ..
{ وكفى بالله شهيداً }
..
فوعد الله قد
تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل قرن من الزمان بعد البعثة
المحمدية . ووعد الله ما يزال متحققاً في الصورة الموضوعية الثابتة ،
وما يزال هذا الدين ظاهراً على الدين كله في حقيقته . بل إنه هو
الدين الوحيد الباقي قادراً على العمل ، والقيادة ، في جميع الأحوال
.
ولعل أهل هذا
الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم ! فغير أهله
يدركونها ويخشونها ، ويحسبون لها في سياستهم كل حساب ! " (5)
" وما تزال
لهذا الدين أدوار في تاريخ البشرية يؤديها ، ظاهراً بإذن الله على
الدين كله تحقيقاً لوعد الله ، الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل
، مهما بلغوا من القوة والكيد والتضليل ! ولقد كانت تلك الآيات
حافزاً للمؤمنين المخاطبين بها على حمل الأمانة التي اختارهم الله
لها بعد أن لم يرعها اليهود والنصارى . وكانت تطميناً لقلوبهم وهم
ينفذون قدر الله في إظهار دينه الذي أراده ليظهر ، وإن هم إلا أداة ،
وما تزال حافزاً ومطمئناً لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد ربهم ، وستظل
تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر حتى يتحقق وعد الله مرة
أخرى في واقع الحياة بإذن الله " . (6)
* * *
ثالثــا : الآيات التي فيها وعد من
الله للمؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض.
وعد الله
تعالى في - كثير من آياته - المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ، بل
وكتبه على نفسه وجعله حقاً عليه أن يؤيد المؤمنين وينصرهم ، ويقف إلى
جانبهم .. ذلك بأنهم يمثلون الحق المنزل من الله عز وجل ، والله
تعالى ينصر الحق وأهله ، وينتقم من الباطل وأهله .
ومن الآيات
التي تذكر طرفاً من هذا الوعد الرباني بنصرة المؤمنين ما يلي :
* قال تعالى
: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا
المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون }
الصافات (171-173).
" الوعد واقع
وكلمة الله قائمة ، ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض ، وقام بناء
الإيمان ، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين . ولقد ذهبت
عقائد المشركين والكفار ، وذهبت سطوتهم ودولتهم ، وبقيت العقائد التي
جاء بها الرسل . تسيطر على قلوب الناس وعقولهم ، وتكييف تصوراتهم
وأفهامهم . وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى ما يسيطر على
البسر في أنحاء الأرض . وكل المحاولات التي بذلت لمحو العقائد
الإلهية التي جاء بها الرسل ، وتغليب أية فكرة أو فلسفة أخرى قد
باءت بالفشل حتى في الأرض التي نبعت منها ، وحقت كلمة الله لعباده
المرسلين . إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون .. هذه بصفة
عامة ، وهي ظاهرة ملحوظة في جميع بقاع الأرض ، في جميع العصور . وهي
كذلك متحققة في كل دعوة لله ، يخلص فيها الجند ، ويتجرد لها الدعاة .
إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق وقامت في طريقها
العراقيل . ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار ، وقوى لدعاية
والافتراء ، وقوى الحرب والمقاومة ، وإن هي إلا معركة تختلف نتائجها.
ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله . والذي لا يخلف ولو قامت
قوى الأرض كلها في طريقه . الوعد بالنصر والغلبة والتمكين . " (7)
* وقال تعالى
- مؤكداً هذا الوعد - : { إن الذين
يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلين ، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .
إن الله قوي عزيز } المجادلة (20،21) .
- وكذا قوله
تعالى : { فانتقمنا من الذين
أجرموا ، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين }
الروم (47) .
- ومثلها في
المعنى قوله تعالى : { ثم ننجي
رسلنا والذين أمنوا ، كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين }
يونس (103) .
" وهذا وعد
الله الصادق الذي كان والذي لابد أن يكون على الرغم فيما قد يبدو
أحياناً من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق . فالذي وقع بالفعل
أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك . واستقرت العقيدة في
الله في هذه الأرض ، ودانت لها البشرية بعد كل ما وقف في طريقها من
عقبات الشرك والوثنية ، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك
والإلحاد. وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الإلحاد والشرك إلى الظهور
في بعض بقاع الأرض- كما يقع الآن في الدول الملحدة والوثنية - فإن
العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة بصفة عامة . فضلاً على أن فترات
الإلحاد والوثنية إلى زوال مؤكد ، لأنها غير صالحة للبقاء ، والبشرية
تهتدي في كل يوم إلى أدلة جديدة تهدي إلى الاعتقاد في الله والتمكين
لعقيدة الإيمان والتوحيد". (8)
* وقال تعالى
- بصيغة الجزم - : { إنا لننصر
رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، يوم لا
ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار }
غافر (51،52).
" إن وعد
الله قاطع جازم : { إنا لننصر
رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا .. }
.. بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجرمن أرضه
وقومه مكذباً مطروداً ، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب ، وفيهم من
يلقى في الأخدود ، وفيهم من يستشهد ، وفيهم من يعيش في كرب وشدة
واضطهاد .. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ ويدخل
الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ، ويفعل بها الأفاعيل ! ولكن الناس
يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في
التقدير .
إن الناس
يقيسون بفترة قصيرة من الزمان ، وحيز محدود من المكان، وهي مقاييس
بشرية صغيرة . فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة
من الزمان والمكان ، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ، ولا بين مكان
ومكان. ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها
تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . فليس
لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها . وأول ما يطلبه منهم
الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها !
والناس كذلك
يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم
. ولكن صور البصر شتى . وقد يتلبس بعضها بصورة الهزيمة عند النظرة
القصيرة ..
إبراهيم عليه
السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها ..
أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة ؟ ما من شك - في منطق العقيدة -
أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى
وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من
بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب ! ..
والحسين -
رضوان الله عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب ،
المفجعة من جانب ؟ أكانت هذه نصراً أم هزيمة ؟ في الصورة الظاهرة
وبالمقياس الصغير كانت هزيمة . فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس
الكبير فقد كانت نصراً . فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب
والعطف ، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين - رضوان
الله عليه - يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعون من المسلمين
وكثير من غير المسلمين ! وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته
ودعوته ولو عاش ألف عام كما نصرها باستشهاده . وما كان يملك أن يودع
القلوب من المعاني الكبيرة ، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة ،
بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه ، فتبقى حافزاً محركاً
للأبناء والأحفاد . وربما كانت حافزاً ومحركاً لخطى التاريخ كله مدى
الأجيال .
ما النصر ؟
وما الهزيمة ؟ إننا في حاجة أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور .
ومن القيم . قبل أن نسأل : أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في
الحياة الدنيا !
على أن هناك
حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة . ذلك حين تتصل
هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة . لقد انتصر محمد -
صلى الله عليه وسلم - في حياته . لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة
هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض . فهذه العقيدة لا يتم تمامها
إلا أن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعاً . من القلب
المفرد إلى الدولة الحاكمة . فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في
حياته ، ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويترك هذه العقيدة
مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة . ومن ثم اتصلت صورة النصر
القريبة بصورة أخرى بعيدة ، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة
الحقيقية . وفق تقدير الله وترتيبه . " (9)
* وكما وعد
الله تعالى المؤمنين بالنصر فإنه وعدهم كذلك بوراثة الأرض والاستخلاف
فيها ، والتمكين لدينه .. وهذا واضح في آيات الكتاب نذكر منها ما يلي
:
- كقوله
تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من
بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }
الأنبياء (105) .
- وقوله
تعالى : { ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا في الأرض ، ونجعلهم أئمة ، ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم
في الأرض } القصص (5،6).
- وقوله
تعالى : { وقال الذين كفروا لرسلهم
لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن
الظالمين ، ولنسكننهم الأرض من بعدهم ،ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}
إبراهيم (13،14) .
- وقوله
تعالى : { وعد الله الذين آمنوا
منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم
، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً
} النور (55) .
" ذلك وعد
الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم
- أن يستخلفهم في الأرض . وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم . وأن
يبدلهم من بعد خوفهم أمناً .. ذلك وعد الله .. ووعد الله حق .. ووعد
الله واقع . ولن يخلف الله وعده .. " (10)
* * *
رابعــاً : مواضع متفرقة من آيات
الكتاب تقرر هزيمة الكافرين ، وانتصار الله - عز وجل - لعباده
المؤمنين .
لقد ذكر الله
تعالى في كتابه الكريم آيات عديدة متفرقة ، تؤكد في معناها ومدلولها
على أن هزيمة الكفار محققة ، وأن الله لا يعجزه أن يهلك الكافرين
والظالمين ، وأنهم بكفرهم هذا لن يضروا الله شيئاً ، وأن ما يتعرض له
المؤمنون من الأذى - على أيدي الكافرين - ما هو إلا ابتلاء يتبعه نصر
الله للمؤمنين على الكافرين .
ومن هذه
الآيات والإشارات القرآنية ما يلي :
* قال تعالى
: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم
أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، وأولئك هم وقود النار . كدأب
آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا ، فأخذهم الله بذنوبهم ،
والله شديد العقاب . قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس
المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا : فئة تقاتل في سبيل الله ،
وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين ، والله يؤيد بنصره من يشاء ،
إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } آل
عمران (10-13) .
" إن هذه
الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل ، وتهديدهم بمصير الكفار قبله
وبعدهم . وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك .. فهو يذكرهم فيها
بمصير آل فرعون . وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني
إسرائيل . ولكن هذا لا يمنحهم حقاً خاصاً إذا هم ضلوا وكفروا ، ولا
يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا ، وأن ينالوا جزاء الكافرين
في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين أنجاهم الله منهم !
كذلك يذكرهم
مصارع قريش في بدر - وهم كفار - ليقول لهم : إن سنن الله لا تتخلف .
وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش . فالعلة هي
الكفر . وليس لأحذ على الله دالة ، ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح
!
{ إن الذين كفروا
لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، وأولئك هم وقود
النار } ..
والأموال
والأولاد مظنة حماية ووقاية ، ولكنهما لا يغنيان شيئاً في ذلك اليوم
الذي لا ريب فيه ، لأنه لا إخلاف لميعاد الله. وهم فيه :
{ وقود النار }..
بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص " الإنسان " ومميزاته ، ويصورهم
في صورة الحطب والخشب وسائر " وقود النار " .. لا بل أن الأموال
والأولاد ، ومعهما الجاه والسلطان ، لا تغني شيئاً في الدنيا :
{ كدأب آل فرعون
والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم ، والله شديد
العقاب } ..
وهو مثل مضى
في التاريخ مكروراً ، وقصه الله في هذا الكتاب تفصيلاً : وهو يمثل
سنة الله في المكذبين بآياته ، يجريها حيث يشاء . فلا أمان إذن ولا
ضمان لمكذب بآيات الله .
وإذن فالذين
كفروا وكذبوا بدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآيات الكتاب الذي
عليه بالحق ، معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء .. ومن ثم
يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينذرهم هذا المصير في الدارين
، وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب ، فلعلهم نسوا مثل فرعون
والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد :
{ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم
وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا : فئة تقاتل في سبيل
الله وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من
يشاء . إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } ..
وقوله تعالى
: { يرونهم مثليهم رأي العين }
يحتمل تفسيرين : فإما أن يكون ضمير "يرون" راجعاً إلى الكفار ، وضمير
"هم" راجعاً إلى المسلمين ، ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا
يرون المسلمين القليلين "مثليهم".. وكان هذا من تدبير الله حيث خيل
للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة ، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم .
وإما أن يكون
العكس ، ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين " مثليهم "
هم - في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم - ومع هذا ثبتوا
وانتصروا .
والمهم هو
رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره .. وفي هذا تخذيل للذين كفروا
وتهديد . كما أن فيه تثبيتاً للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم
فلا يرهبونهم ..وكان الموقف يقتضي هذا وذاك ..وكان القرآن يعمل هنا
وهناك..
وما يزال
القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة . وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة .. إن
وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله ، قائم
في كل لحظة . ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم
كذلك في كل لحظة . وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء
حقيقة قائمة لم تنسخ ، وسنة ماضية لم تتوقف .
وليس على
الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ، و تثق في ذلك الوعد ،
وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله ، ولا
تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله ، المدبر
بحكمته ، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة :
{ إن في ذلك لعبرة
لأولي الأبصار } ..
ولا بد من
بصر ينظر وبصيرة تتدبر ، لتبرز العبرة ، وتعيها القلوب . وإلاّ
فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!"(11)
* ومن الآيات
التي تدخل تحت هذا الباب - أيضار - قوله تعالى :
{ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به
سلطاناً . ومأواهم النار ، وبئس مثوى الظالمين }
آل عمران (151) .
" والوعد من
الله الجليل القادر القاهر ، بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ،
كفيل بنهاية المعركة ، وضمان لهزيمة أعدائه ونصر أوليائه ..
وهو وعد قائم
في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان . فما يلقى الذين كفروا الذين
آمنوا حتى يخافوهم ، ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم . ولكن
المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين. حقيقة الشعور بولاية
الله وحده ، والثقة المطلوبة بهذه الولاية ، والتجرد من كل شائبة من
شك في أن جند الله هم الغالبون ، وأن الله غالب على أمره ، وأن الذين
كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه !
وما دام
أولئك المشركون يشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، من الآلهة
والعقائد والتصورات فهم يرتكنون إلى ضعف وخواء ، وهم أبداً خوارون
ضعفاء ، وهم أبداً في رعب حيثما التقوا بالمؤمنين المرتكنين إلى الحق
ذي السلطان ..
وأننا لنجد
مصداق هذا الوعد كلما التقى الحق والباطل .. وكم من مرة وقف الباطل
مدججاً بالسلاح أمام الحق الأعزل . ومع ذلك كان الباطل يحتشد احتشاد
المرعوب ، ويرتجف من كل حركة وكل صوت - وهو في حشده المسلح المحشود -
فأما إذا أقدم الحق وهاجم فهو الذعر والفزع والشتات والاضطراب في
صفوف الباطل ، ولو كانت له الحشود ، وكان للحق القلة، تصديقاً لوعد
الله الصادق :{ سنلقي في قلوب
الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً }
.. " (12)
* وقال تعالى
- أيضاً - : { لن يضروكم إلاّ أذى
، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ، ضربت عليهم الذلة أين
ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت
عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء
بغير حق ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }آل
عمران (111،112) .
" بهذا يضمن
الله للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة ، ضمانة صريحة حيثما التقوا
بأعدائهم هؤلاء ، وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين :
{ لن يضروكم إلاّ أذى . وإن يقاتلوكم يولوكم
الأدبار ثم لا ينصرون } ..
فلن يكون
ضرراً عميقاً ولا أصيلاً يتناول أصل الدعوة ، ولن يؤثر في كينونة
الجماعة المسلمة ، ولن يجليها من الأرض.. إنما هو الأذى العارض في
الصدام ، والألم الذاهب مع الأيام .. فأما حين يشتبكون مع المسلمين
في قتال ، فالهزيمة مكتوبة عليهم - في النهاية - والنصر ليس لهم على
المؤمنين ، ولا ناصر لهم كذلك ولا عاصم من المؤمنين .. ذلك أنه قد
{ ضربت عليهم الذلة }
وكتبت لهم مصيراً . فهم في كل أرض يذلون ، لا تعصمهم إلاّ ذمة الله
وذمة المسلمين - حين يدخلون في ذمتهم فتعصم دماءهم وأموالهم إلاّ
بحقها ، وتنيلهم الأمن والطمأنينة - ولم تعرف يهود منذ ذلك الحين
الأمن إلاّ في ذمة المسلمين . ولكن يهود لم تعاد أحداً في الأرض
عداءها للمسلمين ! .. { وباءوا
بغضب من الله } .. كأنما رجعوا من
رحلتهم يحملون هذا الغضب . { وضربت
عليهم المسكنة } تعيش في ضمائرهم وتكمن
في مشاعرهم ..
ولقد وقع ذلك
كله بعد نزول هذه الآية . فما كانت معركة بين المسلمين وأهل الكتاب
إلاّ كتب فيها للمسلمين النصر - ما حافظوا على دينهم واستمسكوا
بعقيدتهم ، وأقاموا منهج الله في حياتهم - وكتب لأعدائهم المذلة
والهوان إلاّ أن يعتصموا بذمة المسلمين أو أن يتخلى المسلمون عن
دينهم " . (13)
* ومن الآيات
الدالة على ذلك أيضاً قوله تعالى :
{ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً
} النساء (141) .
" وفي تفسير
هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة حيث يحكم
الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين
سبيل . كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا
يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال . وإن غلب المسلمون
في بعض المعارك وفي بعض الأحايين .
وإطلاق النص
في الدنيا والآخرة أقرب . لأنه ليس منه تحديد . والأمر بالنسبة
للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد .. أما بالنسبة للدنيا، فإن
الظواهر أحياناً قد توحي بغير هذا .. ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى
تمعن وتدقيق :
إنه وعد من
الله قاطع . وحكم من الله جامع : أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في
نفوس المؤمنين ، وتمثلت في واقع حياتهم منهجاً للحياة ، ونظاماً
للحكم ، وتجرداً لله في كل خاطرة وحركة ، وعبادة الله في الصغيرة
والكبيرة.. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ..
وهذه حقيقة
لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها ! " (14)
* وقال تعالى
- كذلك - : { إن الذين كفروا وصدوا
عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله
شيئاً وسيحبط أعمالهم } محمد(32) .
وهذا قرار من
الله مؤكد ، ووعد منه واقع : إن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن
يبلغ إلى الناس ، وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أي
وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته
بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه، والوقوف في غير صفه . أو
بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين
على دعوته . وذلك { من بعد ما تبين
لهم الهدى } .. وعرفوا أنه الحق ،
ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد، وأعماهم الغرض ، وقادتهم
المصلحة العاجلة ..
قرار من الله
مؤكد ، ووعد من الله واقع أن هؤلاء
{ لن يضروا الله شيئا ً}
.. وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه
وتعالى . فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله
ولا منهجه ولا القائمين على دعوته . ولن يحدثوا حدثاً في نواميسه
وسننه . مهما بلغ من قوتهم ، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين
فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها وليس
ضرراً حقيقياً لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على
نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة : {
وسيحبط أعمالهم } .. فتنتهي إلى الخيبة
والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام ! " . (15)
وبمثل هذا
التقرير ذكّر الله تعالى نبيه الكريم - في أعقاب غزوة أحد - في قوله
تعالى : { ولا يحزنك الذين يسارعون
في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئاً ، يريد الله ألا يجعل لهم
حظاً في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم . إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان
لن يضروا الله شيئاً ، ولهم عذاب أليم ، ولا يحسبن الذين كفروا إنما
نملي لهم خيراً لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب
مهين } آل عمران (176-178) .
" إن ذهاب
الباطل ناجياً في معركة من المعارك . وبقاءه منتفشاً فترة من الزمان
، ليس معناه أن الله تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب أو بحيث
يضر الحق ضرراً باقياً قاضياً ..
وإن ذهاب
الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان
، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله
ويرديه ..
كلا إنما هي
حكمة وتدبير .. هنا وهناك .. يملي للباطل ليذهب إلى نهاية الطريق ،
وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب
باستحقاق ! .. ويبتلي الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظم الأمر
لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. فهو الكسب للحق والخسارة للباطل ،
مضاعفاً هذا وذاك ! هنا وهناك ! " (16)
* * *
ولقد وردت
آيات كثيرة في كتاب الله : تطمئن المؤمنين ، وتعدهم بنصر الله ،
وتؤكد وتقرر لهم هزيمة الكافرين ، وتبين أن هزيمتهم محققة لا شك فيها
ولا جدال ..
ومن هذه
الآيات :
* قوله تعالى
: { سيهزم الجمع ويولون الدبر }
القمر (45) .
" فلا يعصمهم
تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم . والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار ..
ولقد كان ذلك كما لا بد أن يكون !
وقال
البخاري بإسناده إلى ابن عباس : إن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال
وهو في قبة له يوم بدر : ( أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد
بعد اليوم في الأرض أبداً ) . فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده ، وقال
: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع ، وهو
يقول :{سيهزم الجمع ويولون الدبر
..}.
وفي رواية
لابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة ، قال : لما نزلت { سيهزم الجمع
ويولون الدبر } قال عمر : أي جمع يغلب؟ قال عمر : فلما كان يوم بدر
رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع ، وهو يقول :
{ سيهزم الجمع ويولون الدبر }
فعرفت تأويلها يومئذ !" ) 17) .
* ومنها قوله
تعالى : { أم حسب الذين يعملون
السيئات أن يسبقونا ، ساء ما يحكمون }
العنكبوت (4) .
* وقوله
تعالى : { وسيعلم الذين ظلموا أي
منقلب ينقلبون } الشعراء (227) .
* وقوله
تعالى : { إن الذين يحادون الله
ورسوله أولئك في الأذلين } المجادلة
(20) .
* وقوله
تعالى : { فأيدنا الذين أمنوا على
عدوهم فأصبحوا ظاهرين} الصف (14) .
* وقوله
تعالى : { قد مكر الذين من قبلهم
فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم
العذاب من حيث لا يشعرون } النحل (
26) .
والآيات في
هذا الباب كثيرة ، والعبرة بما تدل عليه ، وما تلقيه في النفس
المؤمنة من الظِلال .. ظلال الطمأنينة .. والثقة بنصر الله تعالى
وتأييده للمؤمنين .. وهزيمته وسحقه للكافرين .
* * *
خامساً : بيان سنة الله في أخذ
الكافرين والظالمين .
دعانا الله
تعالى في كثير من آياته إلى السير في الأرض ، لمعرفة سنته تعالى في
أخذ الكافرين والظالمين ، وذكّرنا بمصارع الغابرين ، والأقوام
السابقين . ليبين الله تعالى لنا أن هذه هي سنته في أخذ الكافرين في
كل زمان ومكان ، مهما عظمت دولتهم ، وقويت شوكتهم ، ذلك أنهم لما
نسوا الله تعالى هانوا عليه فأهلكهم ، ومضت قصصهم عبرة لكل متجبر
ومتكبر وظالم ، وبقيت آثارهم عظة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو
شهيد .. حتى يعلم المؤمن أن أهل الباطل مهما بلغت قوتهم ، وصالوا
وجالوا فلن يعجزوا الله تعالى .. فإن الله لهم بالمرصاد .. وما هو
بالإهمال لهم بل هو الإمهال والإملاء حتى يحين أجل الله وموعده
بأخذهم وإهلاكهم وزوالهم وذهابهم كما مضى بذلك سلف الأولين :
{ وسيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }
الشعراء (227) .
* * *
- أما إن
إهلاك الكافرين والظالمين سنة من سنن الله تعالى فهذا مقرر في قوله
تعالى : { ولا يحيق المكر السيء
إلا بأهله ، فهل ينظرون إلاّ سنة الأولين ، فلن تجد لسنة الله
تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا }
فاطر (43).
- وأما دعوة
الله تعالى لنا بالسير في الأرض ، والنظر في حال الأمم السابقة التي
أهلكها الله ، ففي آيات كثيرة منها :
قوله تعالى :
{ أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ، وما كان الله
ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً}
فاطر(44).
وقوله تعالى
: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً
في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ، ذلك
بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد
العقاب} غافر (21،22) .
وقوله تعالى
: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة . وآثاراً في
الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون }
غافر (82) .
وقوله تعالى
: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض
وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله
ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }
الروم (9) .
وفي هذه
الآيات : " دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين ، وهم ناس من الناس ،
وخلق من خلق الله ، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية .
فسنة الله هي سنة الله في الجميع . وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا
الوجود ، بلا محاباة لجيل من الناس ، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه
العواقب . حاشا لله رب العالمين !
وهي دعوة إلى
إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان وحقيقة هذه
الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون ، كي لا ينعزل جيل
من الناس بنفسه وحياته ، وقيمه وتصوراته ، ويغفل عن الصلة الوثيقة من
أجيال البشر جميعاً ، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعاً ،
ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعاً .
فهؤلاء أقوام
عاشوا قبل جيل المشركين في مكة
{كانوا أشد منهم قوة}.. { وأثاروا الأرض } ..
فحرثوها وشقوا عن باطنها ، وكشفوا عن ذخائرها
{وعمروها أكثر مما عمروها }
فقد كانوا أكثر حضارة من العرب ، وأقدر منهم
على عمارة الأرض .. ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه
إلى ما وراءه : { وجاءتهم رسلهم
بالبينات } .. فلم تتفتح بصائرهم لهذه
البينات ، ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق . فمضت
فيهم سنة الله في المكذبين ، ولم تنفعهم قوتهم ، ولم يغن عنهم علمهم
ولا حضارتهم، ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه :
{فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون}.."(18)
والله تعالى
قد يملى للقرية الظالمة ويمهلها ، ثم يأخذها بعذاب من عنده ، كما
فعل الله ببعض القرى السابقة حينما كذبوا برسلهم ، وفي هذا ما يطمئن
قلوب المؤمنين كما طمأن الله رسوله الكريم من قبل بقوله تعالى :
{ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح
وعاد وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين ، وكذب موسى ،
فأمليت للكافرين ثم أخذتهم ، فكيف كان نكير ،فكأين من قرية أهلكناها
وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد، أفلم يسيروا
في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا
تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }
الحج (42-46) .
وبمثل هذه
الآيات خاطب الله رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - في موضع آخر
فقال تعالى :
{ ولقد
أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ،
فلولا أن جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان
ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ،
حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر
القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين }
الأنعام (42-45) .
" إنها لمواجهة
بنموذج من بأس الله سبحانه ، نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض
ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله ، وكيف تكون عاقبة تضرعهم له ، وكيف
يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة ، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ،
فإذا نسوا ما ذكروا به ، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله
والتضرع إليه ، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت
فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى منه صلاح ، وكانت حياتهم قد فسدت
الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل
بساحتهم الدمار الذي لا ينجو معه ديار ..
{ ولقد أرسلنا إلى
أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا أن
جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا
يعملون } ..
ولقد عرف
الواقع البشري كثيراً من هذه الأمم ، التي قص القرآن الكريم على
الإنسانية خبر الكثير منها ، قبل أن يولد " التاريخ " الذي صنعه
الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد ، صغير السن ،
لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض
! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب
والأغاليط ، وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة ،
والمحركة للتاريخ البشري ، والتي يكمن بعضها في أغوار النفس ،
ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها . وهذا
البعض يخطئ البشر في جمعه ، ويخطئون في تفسيره ، ويخطئون أيضاً في
تمييز صحيحه من زائفه - إلا قليلا - ودعوى أي بشري أنه أحاط بالتاريخ
البشري علماً ، وانه يملك تفسيره تفسيراً " علمياً " ، وأنه يجزم
بحتمياته المقبلة أيضاً .. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن
عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال
ذلك المدعي : إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك
مستساغاً .. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا
يفتري ؟ !
والله يقول
الحق ، ويعلم ماذا كان ، ولماذا كان . ويقص على عبيده- رحمة منه
وفضلا - جانباً من أسرار سنته وقدره ، ليأخذوا حذرهم ويتعظوا،
وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة
، يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيراً كاملاً صحيحاً . ومن وراء
هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ن استناداً إلى سنة الله التي
لا تتبدل .. هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها ..
وفي هذه
الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى .. أمم جاءتهم رسلهم .
فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في
أحوالهم وأوضاعهم .. البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون " عذاب
الله " التي تحدثت عنه الآية السابقة ، وهو عذاب التدمير والاستئصال
..
وقد ذكر
القرآن نموذجاً محدداً من هذه الأمم ، ومن البأساء والضراء التي
أخذها بها .. في قصة فرعون وملئه :
{ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا
جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن
معه . ألا إنما طائرهم عند الله ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا :
مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا
عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ،
فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين }
الأعراف (130-133) .
وهو نموذج من
نماذج كثيرة تشير إليها الآية ..
لقد أخذهم
الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم ، وينقبوا في ضمائرهم وفي
واقعهم ، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ، ويتذللون له ،
وينزلون عن عنادهم واستكبارهم ، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء
بقلوب مخلصة ، فيرفع الله عنهم البلاء ، ويفتح لهم أبواب الرحمة ..
ولكنهم لم يفعلوا ما كان حرياً أن يفعلوا . لم يلجأوا إلى الله ، ولم
يرجعوا عن عنادهم ، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم ، ولم تفتح بصيرتهم ،
ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من
الضلال والعناد :
{ ولكن قست قلوبهم
وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ..
والقلب الذي
لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة !
ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال
الفطرية فيه ، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة ، التي تنبه القلوب
الحية للتلقي والاستجابة .. والشدة ابتلاء من الله للعبد ، فمن كان
حياً أيقضته ، وفتحت مغاليق قلبه ، وردته إلى ربه ، وكانت رحمة له من
الرحمة التي كتبها الله على نفسه .. ومن كان ميتاً حسبت عليه ، ولم
تفده شيئاً ، وإنما أسقطت عذره وحجبته ، وكانت عليه شقوة ، وكانت
موطئة للعذاب !
وهذه الأمم
التي يقص الله -سبحانه - من أنبائها على رسوله - صلى الله عليه وسلم
- ومن وراءه من أمته .. لم تفد من الشدة شيئاً . ولم تتضرع إلى الله
، ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد .. وهنا يملي
لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء :
{ فلما نسوا ما
ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم
بغتة ، فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله
رب العالمين } ..
إن الرخاء
ابتلاء آخر كابتلاء الشدة ، وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة !
والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء
. بهذه وبذاك سواء .. والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء
فيشكر . ويكون امره كله خير .. وفي الحديث : ( عجباً للمؤمن إن أمره
كله خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً
له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) (رواه مسلم ) .
فأما هذه
الأمم التي كذبت بالرسل ، والتي يقص الله من أنبائها هنا . فإنهم لما
نسوا ما ذكروا به ، وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون ، وابتلاهم
بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا .. فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل
شيء للاستدراج بعد الابتلاء..
والتعبير
القرآني { فتحنا عليهم أبواب كل
شيء } .. يصور الأرزاق والخيرات ،
والمتاع ، والسلطان .. متدفقة كالسيول، بلا حواجز ولا قيود ! وهي
مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة!
{ حتى إذا فرحوا
بما أوتوا } ..
وغمرتهم
الخيرات والأرزاق المتدفقة ، واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها -
بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته
وتقواه ، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات ،
وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو
والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب والأخلاق،
وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها .. عندئذ جاء
موعد السنن التي لا تتبدل :
{ أخذناهم بغتة
فإذا هم مبلسون } ..
فكان أخذهم
على غرة ، وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعوا الرجاء في
النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى
أخر واحد منهم .
{ فقطع دابر القوم
الذين ظلموا } ..
دابر القوم
هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم
أولى ! .. و { الذين ظلموا }
تعني هنا الذين أشركوا .. كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن
الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين ..
{ والحمد لله رب
العالمين } ..
تعقيب على
استئصال الظالمين ( المشركين ) بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد
المتين .. وهل يحمد الله على نعمة ، أجل من نعمة تطهير الأرض من
الظالمين ، أو على رحمة ، أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ؟
لقد أخذ الله
قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، كما أخذ الفراعنة والإغريق
والرومان وغيرهم بهذه السنة ، ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ، ذلك
السر المغيب من قدر الله ، وهذا القدر الظاهر من سنته ، وهذا التفسير
الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
لقد كان لهذه
الأمم من الحضارة ، وكان لها من التمكين في الأرض ، وكان لها من
الرخاء والمتاع ، ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع
به اليوم أمم ، مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ، مخدوعة بما هي
فيه، خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء ..
هذه الأمم لا
تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة .
والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء
والسلطان ، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم ، وهي لا تعبد الله او لا
تعرفه ، وهي تتمرد على سلطانه ، وهي تدعي لأنفسها خصائص الألوهية ،
وهي تعيث في الأرض فساداً ، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان
الله ..
- ويتابع سيد
قطب رحمه الله - في ظلاله حول هذه الآيات فيقول عن نفسه :
" ولقد كنت -
في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق
قول الله سبحانه : { فلما نسوا ما
ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء }
.. فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية .. مشهد تدفق كل شيء من
الخيرات والأرزاق بلا حساب ! .. لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما
يتمثل هناك !
وكنت أرى
غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على " الرجل
الأبيض " وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة ، وفي وحشية
كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية
الذي شهر به اليهود بالأرض كلها حتى صار علماً على الصلف العنصري .
بينما الأمريكي البيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى !
وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين ..
كنت أرى هذا
كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة الله ، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب
إلى الغافلين :
{ حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين
ظلموا والحمد لله رب العالمين } ..
وإذا كان
الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت
عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج
الوفير ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب
النفسي ، والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي ، والإنحلال الخلقي ..
الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء
والمتاع ، وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى
جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي
تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، في مقابل شهوة
أو شذوذ .. وهي طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف !
وليس هذا كله
إلا بداية الطريق .. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (
إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما
هو استدراج ) .. ثم تلا : { فلما
نسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}..
( رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ) .
غير أنه
ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم
في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) .. ثم يقذف الله بالحق على الباطل
فيدمغه فإذا هو زاهق .. فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري
سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حبنئذ لا يمثلون الحق ، ولا
يكونون أهله .. وهم كسالى قاعدون .. والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم
لتقر حاكمية الله في الأرض، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون
خصائص الألوهية .. هذا هو الحق الأول والحق الأصيل ..
{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت
الأرض } .. " (19)
وهكذا تتكرر
هذه الآيات والمشاهد في القرآن الكريم تدعو الناس للنظر والتأمل ،
وأخذ العبرة والعظة ، ويلمح المؤمن منها تثبيتاً لفؤاده ، وطمأنة
لقلبه، ويرى آثار قدرة الله تعالى تصيب الكافرين ، وتهلك الظالمين
على قوتهم وكثرتهم .
ولهذا فلا
تغرنك قوة الباطل ولا صولته ، فإنه لا يعجز الله تعالى الذي يقول في
كتابه :
{ ما يجادل
في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغرنك تقلبهم في البلاد ، كذبت
قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ،
وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب }
غافر (4،5) .
فهذا هو مصير
الكافرين على مر الزمان إذا ما أصروا على كفرهم ، وعلى تكذيبهم
بالرسالة ، وعلى مواجهتهم للحق ، فهي سنة ثابتة متكررة لا تتغير ولا
تتبدل ..
قال تعالى :
{ ألم نهلك الأولين ، ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين ، ويل
يومئذ للمكذبين } المرسلات (16-19).
وقال تعالى -
أيضا - { أفلم يسيروا في الأرض
فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين
أمثالها} محمد (10) .
&&&&&
الورقة الثانية: نماذج وقصص قرآنية تقرر
انتصار الحق على الباطل .
وتشتمل على
العناوين التالية :
أولاً : انتصار الله لأنبيائه ورسله .
ثانياً : انتصار الله لطالوت على جالوت .
ثالثاً : انتصار الله للروم على الفرس .
رابعاً : انتصار الله لبيته الحرام .
أولاً : انتصار الله لأنبيائه ورسله
لقد ذكر الله
تعالى في كتابه الكريم ، قصصاً لعدد من أنبيائه ورسله ، في معرض
مواجهتهم لأقوامهم ، وما لا قوه في سبيل دعوتهم من المشاق ، والمصاعب
، والأذى .. وما تعرضوا له من ابتلاءات عدة كادت تودي بحياتهم لولا
تدخل يد القدرة الإلهية في إنجائهم ، وانتصارهم في نهاية الأمر على
أقوامهم ، وتخلصهم من الأذى الملحق بهم .
وهذه القصص
مفادها العظة والعبرة ، والاستفادة منها في كل زمان ومكان بحسبة ،
وهي دروس يستشف منها المسلم ما يعينه على مواصلة المسير مهما اشتد
عليه البلاء ، فله في الأنبياء مَثَلٌ وقدوة ، وله في قصصهم عظة
وعبرة .
وفي هذا
الباب سنقتصر على ما حدث لأولي العزم من الرسل - على وجه الإيجاز -
ونبين من خلال العرض القرآني كيف تدخلت يد القدرة الإلهية لانتصار
هؤلاء الرسل وإنجائهم من أذى أقوامهم .
* انتصار
الله تعالى لسيدنا نوح عليه السلام .
ذكر الله
تعالى في كتابه الكريم قصة نوح عليه السلام - في أكثر من موضع -
وبينت الآيات مدى الجهد الذي بذله سيدنا نوح عليه السلام في تبليغ
رسالة ربه إلى قومه ، وما لاقاه في سبيل دعوته مما بينته الآيات
الكريمة .. كما ذكرت الآيات نهاية هذا الجهد النبوي بانتصار الله
لنوح عليه السلام ولمن آمن معه ، وإهلاك الله تعالى للكافرين .
قال تعالى :
{ كذبت قبلهم قوم نوح . فكذبوا
عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ، فدعى ربه أني مغلوب فانتصر ، ففتحنا
أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر
قد قدر ، وحملناه على ذات ألواح ودسر ، تجري بأعيننا جزاءً لمن كان
كفر ، ولقد تركناها آية فهل من مدكر، فكيف كان عذابي ونذر ، ولقد
يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }
القمر (9-17) .
وقال تعالى :
{ قيل يا نوح اهبط بسلام منا
وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ،
تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل
هذا ، فاصبر ، إن العاقبة للمتقين }
هود (48،49) .
"إن حفنة من
المسلمين من أتباع نوح عليه السلام ، تذكر بعض الروايات أنهم اثنا
عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما كما يقرر
المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن ..
إن هذه
الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - قد استحقت أن
يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجري لها ذلك
الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض ! وأن
يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها
والاستخلاف من جديد ..
.. وهذا أمر
خطير ..
إن طلائع
البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها ، والتي
تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما تعاني الأذى والمطاردة
والتعذيب والتنكيل .. إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلاً أمام هذا
الأمر الخطير ، وأمام دلالته التي تستحق التدبير والتفكير!
إن وجود
البذرة المسلمة أمر عظيم في ميزان الله تعالى .. شيء يستحق منه
سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها
جميعاً،كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم
وتنمو وترث الأرض وتعمرها من جديد!
لقد كان نوح
عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه ، كما قال تعال :
{ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم
مغرقون }..
وعندما لجأ
نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترون عليه كما قال تعالى في
سورة القمر : { كذبت قبلهم قوم نوح
فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } ..
عندما لجأ
نوح إلى ربه يعلن أنه " مغلوب " ويدعو ربه أن "ينتصر" هو وقد غلب
رسوله .. عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده
المغلوب :
{ ففتحنا أبواب
السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد
قدر } ..
وبينما كانت
تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع
المرهوب .. كان الله سبحانه - بذاته العليّة- مع عبده المغلوب :
{وحملناه على ذات ألواح ودسر . تجري
بأعيننا .. جزاءً لمن كان كفر ..}.
هذه هي
الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان
وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية ، وحين " تغلبها " الجاهلية
!
إنها تستحق
أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة .. وليس من الضروري أن تكون
هي الطوفان . فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى !
{ وما يعلم جنود ربك إلا هو } ..
وإنه ليس
عليها وإلاّ أن تثبت وتستمر في طريقها ، وإلاّ أن تعرف مصدر قوتها
وتلجأ إليه ، وإلاّ أن تصبر حتى يأتي الله بأمره ، وإلاّ أن تثق أن
وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وأنه لن يترك
أولياءه إلى أعدائه ، إلاّ فترة الإعداد والابتلاء ، وأنها متى
اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها ويصنع بها في الأرض ما يشاء .
.. وهذه هي
عبرة الحادث الكوني العظيم ..
إنه لا ينبغي
لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو
يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية ، كما أنه لا ينبغي له أن يقيس
قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو
عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه :
{ أني مغلوب فانتصر } ..
إن القوى في
حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة .. إن الجاهلية تملك قواها ..
ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له بعض
القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على
الجاهلية من حيث لا تحتسب !
وقد تطول
فترة الابتلاء لأمر يريده الله .. ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلاّ
خمسين عاماً ، قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله . ولم تكن حصيلة هذه
الفترة الطويلة إلاّ اثني عشر مسلماً .. ولكن هذه الحفنة من البشر
كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة والتدمير على
البشرية الضالة جميعاً، وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من
جديد وتستخلف فيها .
إن عصر
الخوارق لم يمض ! فالخوارق تتم في كل لحظة - وفق مشيئة الله الطليقة
- ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاً أخرى ، تلائم واقع كل
فترة ومقتضياتها . وقد تدِق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ،
ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائماً ، ويلامسون آثارها المبدعة
.
والذين
يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلاّ أن يؤدوا واجبهم كاملاً ، بكل
ما في طاقتهم من جهد ، ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة .
وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه
كما جأر عبده الصالح نوح : {فدعا
ربه أني مغلوب فانتصر} .. ثم ينتظروا
فرج الله القريب . وانتظار الفرج من الله عبادة ، فهم على هذا
الانتظار مأجورون."(20)
* * *
* انتصار الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام
.
دعى إبراهيم
-عليه السلام - قومه ، ولم يترك وسيلة أو حجة أو برهان إلا وعرضه على
قومه . ولكنهم قابلوا هذة الدعوة الكريمة بالرفض ، والإصرار على
الكفر ، حتى من أقرب الناس إليه .. ثم حاولوا التخلص منه بإحراقه ،
ولكن الله تعالى كان لهم بالمرصاد ، فنجى الله تعالى خليله ونبيه
ابراهيم - عليه السلام - ورد كيد الكافرين ، بل وألحق بهم الخسارة في
الدنيا والآخرة .
وإليك طرفاً
من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه يحكيها رب العزة في كتابه ..
قال تعالى -
في معرض قصة إبراهيم عليه السلام - :
{ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ، قال بل
فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون ، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا
إنكم أنتم الظالمون ، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون
، قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئاً ولا يضركم ، أفٍّ لكم
ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ، قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم
إن كنتم فاعلين ، قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ،
وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين }
الأنبياء ( 62 - 69) .
* وقال تعالى
- في موضع آخر - : { فما كان جواب
قومه إلاّ أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه فأنجاه الله من النار ، إن في
ذلك لآيات لقوم يؤمنون } العنكبوت(24)
.
* وقال تعالى
- كذلك - : { قالوا ابنوا له
بنياناً فألقوه في الجحيم ،فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين}
الصافات (97-98).
"إنه منطق
الحديد والنار الذي لا يعرف الطغاة منطقاً سواه ، عندما تعوزهم الحجة
وينقصهم الدليل . وحينما تحرجهم كلمة الحق الخالصة ذات السلطان
المبين .
ويختصر
السياق هنا - أي في الآية الأخيرة - ما حدث بعد قولتهم تلك ، ليعرض
العاقبة التي تحقق وعد الله لعباده المخلصين ووعيده لأعدائهم
المكذبين : { فأرادوا به كيداً
فجعلناهم الأسفلين } ..
وأين يذهب
كيد العباد إذا كان الله يريد ؟ وماذا يملك أولئك الضعاف المهازيل -
من الطغاة والمتجبرين وأصحاب السلطان وأعوانهم من الكبراء - إذا كانت
رعاية الله تحوط عباده المخلصين ؟.."(21).
"
{ وقالوا حرّقوه }
ولكن كلمة أخرى قد قيلت .. فأبطلت كل قول ، وأحبطت كل كيد ، ذلك أنها
الكلمة العليا التي لا ترد :{
قلنا : يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم }
..
فكانت برداً
وسلاماً على إبراهيم ..
كيف ؟
ولماذا نسأل
عن هذه وحدها . و (كوني ) هذه هي الكلمة التي تكون بها أكوان ، وتنشأ
بها عوالم ، وتخلق بها نواميس: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول
له :كن فيكون } .
فلا نسأل
.كيف لم تحرق النار إبراهيم ، والمشهود والمعروف أن النار تحرق
الأجسام الحية ؟ فالذي قال للنار : كوني حارقة . هو الذي قال لها :
كوني برداً وسلاماً . وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند
قولها كيفما كان هذا المدلول . مألوفاً للبشر أو غير مألوف .
إن الذين
يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون : كيف كان
هذا ؟ وكيف أمكن أن يكون ؟ فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين ،
واختلاف الأداتين ، فأنهم لا يسألون أصلاً ، ولا يحاولون أن يخلقوا
تعليلاً . علمياً أو غير علمي . فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلاً
. ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر . وكل
منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الأصالة إلى القدرة المطلقة
هو منهج فاسد من أساسه، لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر
وعلمهم القليل المحدود .
إن علينا فقط
أن نؤمن بأن هذا قد كان لأن صانعه يملك أن يكون ، أما كيف صنع بالنار
فإذا هي برد وسلام ؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار .. فذلك ما
سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود .
وليس لنا سوى النص القرآني من دليل.
وما كان
تحويل النار برداً وسلاماً على إبراهيم إلا مثلاً تقع نظائره في صور
شتى . ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر .
فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون
القاصمة القاضية ، وإن هي إلاّ لفتة صغيرة ، فإذا هي تحيي وتميت ،
وتنعش ولا تخمد ، وتعود بالخير وهي الشر المستطير .
إن
{ يا نار كوني برداً وسلاماً على
إبراهيم } لتتكرر في حياة الأشخاص
والجماعات والأمم ، وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات. وإن هي إلا
رمز للكلمة التي تبطل كل قول ، وتحبط كل كيد ، لأنها الكلمة العليا
التي لا ترد ! " (22) .
* * *
* انتصار الله تعالى لكليمه موسى عليه السلام :
ذكر الله
تعالى -في مواضيع كثيرة من كتابه- قصة موسى -عليه السلام-، فقص الله
علينا قصته منذ ولادته ، ونشأته ، ثم دعوته لقومه ولفرعون .. وسنقتصر
في هذا المقام على ذكر ما منّ الله به على موسى - عليه السلام - ومن
آمن معه بالنجاة من فرعون وجنوده ، ثم ما لحق فرعون وجنوده من الغرق
والهلاك .. وكذلك ما منّ به على بني إسرائيل - بعد ذلك - من التمكين
في الأرض ، والاستخلاف فيها.. وهذا ما قرره الله تعالى في كتابه
بقوله :
{ طـسـم ،
تلك آيات الكتاب المبين ، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم
يؤمنون ، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم
يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، إنه كان من المفسدين ،ونريد أن نمنّ
على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن
لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }
القصص (1-6) .
كان ذلك
الفرعون الطاغية { علا في الأرض } وتكبر وتجبر ، وجعل أهل مصر شيعاً
، كل طائفة في شأن من شئونه .. ووقع أشد الاضطهاد والبغي على بني
إسرائيل ، لأن لهم عقيدة غير عقيدته هو وقومه ، فهم يدينون بدين جدهم
إبراهيم وأبيهم يعقوب ، ومهما يكن قد وقع في عقيدتهم من فساد وانحراف
، فقد بقي لها أصل الاعتقاد بإله واحد ، وإنكار أولوهية فرعون
والوثنية الفرعونية جميعاً .
وكذلك أحس
الطاغية أن هناك خطراً على عرشه وملكه من وجود هذه الطائفة في مصر ،
ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها وهم جماعة كبيرة أصبحت تعد مئات
الألوف ، فقد يصبحون إلْبا عليه مع جيرانه الذين كانت تقوم بينهم
وبين الفراعنة الحروب ، فابتكر عندئذ طريقة جهنمية خبيثة للقضاء على
الخطر الذي يتوقعه من هذه الطائفة التي لا تعبده ولا تعتقد بألوهيته
، تلك هي تسخيرهم في الشاق الخطر من الأعمال ، واستذلالهم وتعذيبهم
بشتى أنواع العذاب . وبعد ذلك كله تذبح الذكور من أطفالهم عند
ولادتهم ، واستبقاء النساء كي لا يتكاثر عدد الرجال فيهم ، وبذلك
يضعف قوتهم بنقص عدد الذكور وزيادة عدد الإناث ، فوق ما يصبه عليهم
من نكال وعذاب .
ورُوي أنه
وكل بالحوامل من نسائهم قوابل مولدات يخبرنه بمواليد بني إسرائيل ،
ليبادر بذبح الذكور ، فور ولادتهم حسب خطته الجهنمية الخبيثة ، التي
لا تستشعر رحمة بأطفال أبرياء لا ذنب لهم ولا خطيئة ... الخ .
ولكن الله
يريد غير ما يريد فرعون ، ويقدر غير ما يقدر الطاغية . والطغاة
البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم ، فينسون إرادة الله وتقديره ،
ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ، ويختارون لأعدائهم ما
يشاءون .ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون .
والله يعلن
هنا إرادته هو ، ويكشف عن تقديره هو ، ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما
، بأن احتياطهم وجذرهم لن يجديهم فتيلا :
{ ونريد أن
نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ،
ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون
} .
فهؤلاء
المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع
النكير، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، ويسومهم سوء العذاب والنكال
. وهو مع ذلك يحذرهم ويخافهم على نفسه وملكه ، فيبث عليهم العيون
والأرصاد ، ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشفار كالجزار !
هؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم بهبّاته من غير تحديد ، وأن
يجعلهم أئمة وقادة لا عبيداً ولا تابعين ، وأن يورثهم الأرض المباركة
( التي أعطاهم إياها عندما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح ) وأن
يمكنهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين . وأن يحقق ما
يحذره فرعون وهامان وجنودهما ، وما يتخذون الحيطة دونه ، وهم لا
يشعرون ! " (23)
وبيّن الله
تعالى في آيات أخرى طريقة الإنحاء لموسى ومن آمن معه، وطريقة الهلاك
لفرعون وجنوده . كما في قوله تعالى :
{ وأوحينا إلى موسى أن اسر بعبادي إنكم
متّبعون ، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ، إن هؤلاء لشرذمة قليلون،
وإنهم لنا لغائظون ، وإنا لجميع حاذرون ، فأخرجناهم من جنات وعيون ،
وكنوز ومقام كريم ، كذلك وأورثناها بني إسرائيل ، فأتبعوهم مشرقين ،
فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا ، إن معي
ربي سيهدين ، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فانفلق فكان كل
فرق كالطود العظيم ، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه
أجمعين،ثم أغرقنا الآخرين}
الشعراء(52-66) .
" لقد أوحى
الله إلى موسى إذن أن يسري بعباده ، وأن يرحل بهم ليلاً ، بعد تدبير
وتنظيم ،ونبأه أن فرعون سيتبعه بجنده، وأمره أن يقود قومه إلى ساحل
البحر ( وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمنطقة البحيرات ) .
وعلم فرعون
بخروج بني إسرائيل خلسة ، فأمر بما يسمى "التعبئة العامة " وأرسل في
المدائن حاشرين يجمعون له الجنود ، ليدرك موسى وقومه ، ويفسد عليهم
تدبيرهم ، وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير!
وانطلق عملاء
فرعون يجمعون الجند .. ولكن هذا الجمع قد يشي بانزعاج فرعون ، وبقوة
موسى ومن معه وعظم خطرهم ، حتى ليحتاج الملك الإله - بزعمه ! - إلى
التعبئة العامة . ولا بد إذاً من التهوين من شأن المؤمنين :{
إن هؤلاء لشرذمة قليلون } !
ففيم إذن ذلك
الاهتمام بأمرهم ، والاحتشاد لهم ، وهم شرذمة قليلون !
{ وإنهم لنا
لغائظون } ..
فهم يأتون من
الأفعال والأقوال ما يغيظ ويغضب ويثير !
وإذن فلهم
شأن وخطر على كل حال ! فليقل العملاء : إن هذا لا يهم ونحن لهم
بالمرصاد :
{ وإنا لجميع
حاذرون } ..
مستيقظون
لمكائدهم ، محتاطون لأمرهم ، ممسكون بزمام الأمور !
إنها خبرة
الباطل المتجبر دائماً في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين!
وقبل أن يعرض
المشهد الأخير ، يعجل السياق بالعاقبة الأخيرة من إخراج فرعون وملئه
مما كانوا فيه من متاع . ووراثة بني إسرائيل المستضعفين :
{ فأخرجناهم من
جنات وعيون . وكنوز ومقام كريم . كذلك وأورثناها بني إسرائيل } ..
لقد خرجوا
يتبعون خطى موسى وقومه ويقفون أثرهم . فكانت خرجتهم هذه هي الأخيرة .
وكانت إخراجاً لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ،
فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم ! لذلك يذكر هنا المصير الأخير عقب
خروجهم يقفون أثر المؤمنين . تعجبلاً بالجزاء على الظلم والبطر
والبغي الوخيم.
{ وأورثناها بني
إسرائيل } ..
ولا يعرف أن
بني إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة ، وورثوا
ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه. لذلك يقول المفسرون : إنهم ورثوا مثل ما
كان لفرعون وملئه . فهي وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز
ومقام كريم .
وبعد هذا
الاعتراض يجيء المشهد الحاسم الأخير :
{ فأتبعوهم مشرقين
، فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا ، إن معي
ربي سيهدين ، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فانفلق فكان كل
فرق كالطود العظيم ، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه
أجمعين ، ثم أغرقنا الآخرين } ..
لقد أسرى
موسى بعباد الله ، بوحي من الله وتدبير . فأتبعهم جنود فرعون في
الصباح بمكر من فرعون وبطر . ثم هاهو ذا المشهد يقترب من نهايته .
والمعركة تصل إلى ذروتها .. إن موسى وقومه أمام البحر ليس معهم سفن
ولا هم يملكون خوضه وما هم بمسلحين . وقد قاربهم فرعون بجنوده وهم
شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون !
وقالت دلائل
الحال كلها : أن لا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم :
{ قال أصحاب موسى :
إنا لمدركون } .
وبلغ الكرب
مداه وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين !
ولكن موسى
الذي تلقى الوحي من ربه ، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه ،
واليقين بعونه ، والتأكد من النجاة ، وإن كان لا يدري كيف تكون . فهي
لا بد كائنة والله هو الذي يوجهه ويرعاه .
{ قال : كلا إن معي
ربي سيهدين } ..
كلا . في شدة
وتوكيد ، كلا لن نكون مدركين . كلا لن نكون هالكين . كلا لن نكون
مفتونين . كلا لن نكون ضائعين {
كلا إن معي ربي سيهدين} بهذا الجزم
والتأكيد واليقين .
وفي اللحظة
الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب ، وينفتح طريق
النجاة من حيث لا يحتسبون :
{ فأوحينا إلى موسى
أن اضرب بعصاك البحر } ..
ولا يتمهل
السياق ليقول إنه ضرب بعصاه البحر . فهذا مفهوم . إنما يعجل بالنتيجة
: { فانفلق . فكان كل فرق كالطود
العظيم } ..
ووقعت
المعجزة ، وتحقق الذي كان يقول عنه الناس : مستحيل لأنهم يقيسون سنة
الله على المألوف المكرور . والله الذي خلق السنن قادر على أن يجريها
وفق مشيئته عندما يريد .
وقعت المعجزة
وانكشف بين فرقي الماء طريق . ووقف الماء على جانبي الطريق كالطود
العظيم . واقتحم بنو إسرائيل ..
ووقف فرعون
مع جنوده مبغوتاً مشدوهاً بذلك المشهد الخارق ، وذلك الحادث العجيب .
ولا بد أن
يكون قد وقف مبهوتاً فأطال الوقوف - وهو يرى موسى وقومه يعبرون الخضم
في طريق مكشوف - قبل أن يأمر جنوده بالاقتحام وراءهم في ذلك الطريق
العجيب .
وتم تدبير
الله فخرج بنو إسرائيل من الشاطىء الآخر ، بين ما كان فرعون وجنوده
بين فرقي الماء أجمعين .
وقد قربهم
الله لمصيرهم المحتوم :
{ وأزلفنا ثم
الآخرين . وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } ..
{ ثم أغرقنا
الآخرين } . !!!
ومضت آية في
الأمان ، تتحدث عنها القرون . فهل آمن بها الكثيرون ؟ ." (24)
* * *
* انتصار الله تعالى لكلمته عيسى عليه السلام .
أرسل الله
تعالى إلى بني إسرائيل رسلاً وأنبياء كثر ، إلا أن أكثرهم بقوا على
كفرهم وعنادهم ، بل إنهم تطاولوا على رسلهم ، ومكروا وكادوا لهم .
ولكن الله تعالى لم يتخلى عن رسله ، بل نصرهم وأيدهم ورد كيدهم
ومكرهم .
ومن بين
هؤلاء الرسل سيدنا عيسى - عليه السلام - ، أرسله الله تعالى إلى بني
إسرائيل فآمن به البعض وهم الحواريون .. وأما اليهود - كعادتهم -
كفروا بعيسى -عليه السلام - بل دبروا له مكيدة ليقتلوه ، ولكن الله
كان لهم بالمرصاد فنجى الله تعالى رسوله من بين أيديهم ، ونصر الله
دينه ، وأيد الله المؤمنين به ، ونصرهم على أعدائهم . فعن قصة عيسى -
عليه السلام - مع قومه يقول الله تعالى:
{ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى
الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ،
ربنا آمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ومكروا
ومكر الله والله خير الماكرين ، إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك
ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين
كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه
تختلفون } آل عمران (52-55)
" والمكر
الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم عيسى -عليه السلام- مكر
طويل عريض . فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف
النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل.. وقد اتهموه
بالكذب والشعوذة ، ووشوا به إلى الحاكم الروماني "بيلاطس" وادعوا انه
"مهيج" يدعوا الجماهير للإنتفاض على الحكومة ! وأنه مشعوذ يحرف ويفسد
عقيدة الجماهير ! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولى عقابه بأيديهم ، لأنه
لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه
ريبة .. وهذا قليل من كثير ..
{ ومكروا ومكر الله
. والله خير الماكرين } ..
والمشاكلة
هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله .. والمكر
التدبير .. ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله
. فأين هم من الله ؟ وأين مكرهم من تدبير الله؟
ولقد أرادوا
صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد الله ان يتوفاه ، وأن يرفعه
إليه ، وأن يطهره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس
،وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة
..وكان ما أراد الله. وأبطل الله مكر الماكرين:
{ إذ قال
الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل
الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة }
. " (25)
وقال تعالى
تأكيداً على انتصاره لرسوله : {
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك
منه ، ما لهم به من علم إلاّ اتباع الظن ، وما قتلوه يقيناً . بل
رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزاً حكيماً }
النساء (157،158) .
كما ذكّرنا
الله تعالى بقصة عيسى - عليه السلام - ، في معرض تبشير المؤمنين
بالنصر والفتح القريب .. ودعا الله المؤمنين أن ينصروا الله بنصرة
دينه وشريعته ، كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام .. وعلمهم أن هذه
النصرة - لدين الله - هي طريق النصر والتمكين .
وفي ذلك يقول
الله تعالى : { وأخرى تحبونها نصر
من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ، يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار
الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله ، قال
الحواريون نحن أنصار الله ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة
، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين }
الصف (13،14) .
* * *
* انتصار الله تعالى لعبده ورسوله محمد - صلى
الله عليه وسلم -:
تعرض رسولنا
الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - لما تعرض له الأنبياء والرسل
السابقين من الأذى والابتلاء ، وصبر على ذلك كله .. ولما أرادت قريش
أن تتخلص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتقضي على دعوته ، عندها
تدخلت يد القدرة الإلهية للانتصار لرسوله ، حتى وصل إلى المدينة
المنورة بسلام ، تحت حفظ الله ورعايته .
وفي ذلك مثل
للمؤمنين في كل زمان ، وللدعاة إلى الله ، ليعلّمهم أن الله معهم ،
يؤيدهم ، وينصرهم .. وإن فقدوا كل أسباب العون ، والقوة ، وفي بيان
هذا المثل التاريخي يقول الله تعالى :
{ إلاّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين
كفروا ، ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه : لا تحزن إن
الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروها ، وجعل
كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم }
التوبة (40) .
" ذلك حين
ضاقت قريش بمحمد ذرعاً ، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق ،
لا تملك لها دفعاً ، ولا تطيق عليها صبراً ، فائتمرت به وقررت أن
تتخلص منه ، فأطلعه الله على ما ائتمرت ، وأوحى إليه بالخروج ، فخرج
وحيداً إلاّ من صاحبه الصديق ، لا جيش ولا عدة ، وأعداؤه كثر ،
وقوتهم إلى قوته ظاهرة . والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى الله عليه
وسلم - وصاحبه : { إذ هما في الغار
} ..
والقوم على
إثرهم يتعقبون ، والصديق - رضي الله عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن
على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ، يقول له :
لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه . والرسول - صلى الله
عليه وسلم - وقد أنزل الله سكينته على قلبه ، يهديء من روعه ويطمئن
من قلبه فيقول له : ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ) .
ثم ماذا كانت
العاقبة ، والقوة المادية كلها في جانب ، والرسول - صلى الله عليه
وسلم - مع صاحبه منها مجرد ؟ كان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم
يرها الناس . وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار :
{ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } ..
وظلت كلمة
الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة :{
وكلمة الله هي العليا } ..
وقد قرئ
{ وكلمةَ الله }
بالنصب . ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى
التقرير . فكلمة الله هي العليا طبيعة وأصلاً ، بدون تصير متعلق
بحادثة معينة . والله "عزيز" لا يذل أولياؤه. "حكيم" يقدر النصر في
حينه لمن يستحقه .
ذلك مثل على
نصرة الله لرسوله ولكلمته ، والله قادر على أن يعيده على أيدي قوم
آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في
حاجة بعد قول الله إلى دليل ! " (26)
* * *
وهكذا تجلت
قدرة الله في نصرته لأنبيائه ورسله مما قصه الله تعالى علينا في
كتابه الكريم ، وكما بينا في الآيات السابقة، والتي تلقي في النفس
المؤمنة ظلال الطمأنينة والثقة والتثبيت في زمن اليأس والعجز والضعف
، وهذه هي حكمة ذكر قصص الأنبياء والرسل في كتاب الله .. كما ذكر
الله تعالى لرسوله بقوله:{ وكلاً
نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، وجاءك في هذه الحق ،
وموعظة ، وذكرى للمؤمنين } هود(120).
" لقد كان
هذا القصص يتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة .
والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها ، والدعوة الإسلامية مجمدة
فيها ، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون له نهاية ! فكان هذا
القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق ، ويريهم معلمه في مراحله جميعاً ،
ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق، وقد بات لاحباً موصولاً
بموكب الدعوة الكريم على مدار التاريخ البشري ، وبات بهذا الركب
الكريم مأنوساً مألوفاً لا موحشاً ولا مخوفاً ! .. وإنهم زمرة من
موكب موصول في طريق معروف ، وليسوا مجموعة شاردة في تيه مقطوع !
وإنهم ليمضون من نقطة البدء إلى نقطة الختام وفق سنة جارية ، ولا
يمضون هكذا جزافاً يتبعون الصدفة العابرة!
وهكذا كان
القرآن يتحرك في الصف المسلم ، ويحرك هذا الصف حركة مرسومة مأمونة ..
وهكذا يمكن
اليوم وغداً أن يتحرك القرآن في طلائع البعث الإسلامي ، ويحركها كذلك
في طريق الدعوة المرسوم ..
إن هذه
الطلائع في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه . تستلهمه في منهج
الحركة وخطواتها ومراحلها ، وتستوحيه فيما يصادف هذه الخطوات
والمراحل من استجابات ، وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق .
والقرآن -
بهذه الصورة - لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة . ولكنه ينتفض حياً
يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة ، لتتحرك به ، وتتابع
توجيهاته وتتوقع موعد الله فيه .
وهذا ما
نعنيه بأن هذا القرآن لا يتفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي
تتحرك به ، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع . لا لمن يقرأونه لمجرد
التبرك ! ولا لمن يقرأونه لمجرد الدراسة الفنية أو العلمية ، ولا لمن
يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه !
إن هؤلاء
جميعاً لن يدركوا من هذا القرآن شيئاً يذكر . فإن هذا القرآن لم
يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو ، إنما تنزل ليكون مادة حركة
وتوجيه .
إن الذين
يواجهون الجاهلية الطاغية بالإسلام الحنيف ، والذين يجاهدون البشرية
الضالة لردها إلى الإسلام من جديد ، والذين يكافحون الطاغوت في الأرض
ليخرجوا الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده ..
إن هؤلاء
وحدهم هم الذين يفقهون هذا القرآن ، لأنهم يعيشون في مثل هذا الجو
الذي نزل فيه : ويحاولون المحاولة التي كان يحاولها من تنزل عليهم
أول مرة ، ويتذوقون في أثناء الحركة والجهاد ما تعنيه نصوصه لأنهم
يجدون هذه المعاني ممثلة في أحداث ووقائع .. وهذا وحده جزاء على كل
ما يصيبهم من عذابات وآلام . أأقول : جزاء ؟!
كلا . والله
إنه لفضل من الله كبير .. { قل
فبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }
.. " (27)
ثانياً : انتصار الله تعالى لأوليائه
المؤمنين :
كانتصار طالوت على جالوت .
وكما نصر
الله تعالى أنبياءه ورسله فإنه تعالى نصر عباده المؤمنين في صراعهم
مع الباطل .. ومما قصه الله تعالى علينا في كتابه قصة انتصار طالوت
على جالوت ، حيث نصر الله تعالى الفئة المؤمنة القليلة ، على الفئة
القوية الكثيرة .. كما نصر الله تعالى المؤمنين في غزوة بدر ..
ودعونا
نستعرض قصة انتصار طالوت كما بينها الله في كتابه إذ يقول :
{ فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله
مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من
اغترف غرفة بيده ، فشربوا منه إلا قليلاً منهم ، فلما جاوزه هو
والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، قال الذين
يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ،
والله مع الصابرين ، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا
صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فهزموهم بإذن الله
، وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ، ولولا
دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، ولكن الله ذو فضل على
العالمين ، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } البقرة
(249-252) .
وفي بداية
هذه الآيات : " يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل ..
إنه مقدم على معركة ، ومعه جيش من أمة مغلوبة ، عرفت الهزيمة والذل
في تاريخها مرة بعد مرة . وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة
كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة . هذه القوة
الكامنة لا تكون إلا في قوة الإرادة . الإرادة التي تضبط الشهوات
والنزوات ، وتصمد للحرمان والمشاق ، وتستعلي على الضرورات والحاجات ،
وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها ، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء .. فلا
بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه ، وصموده وصبره : صموده
أولاً للرغبات والشهوات ، وصبره ثانياً على الحرمان والمتاعب ..
واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش ، ليعلم من يصبر معه
ممن ينقلب على عقبيه ، ويؤثر العافية .. وصحت فراسته :
{ فشربوا منه إلا قليلاً منهم } ..
شربوا
وارتووا . فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده ، تبل
الضمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف ! وانفصلوا عنه بمجرد
استسلامهم ونكوصهم . انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على
عاتقه وعاتقهم . وكان من الحزم ومن الخير أن يتفصلوا عن الجيش الزاحف
، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة . والجيوش ليست بالعدد الضخم ، ولكن
بالقلب الصامد ، والإرادة الجازمة ، والإيمان الثابت المستقيم على
الطريق .
ودلت هذه
التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي ولا بد من التجربة
العملية ، ومواجهة واقع الطريق إلى المعركة قبل الدخول فيها . ودلت
كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من
جنده عن التجربة الأولى .. بل مضى في طريقه .
وهنا كانت
التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت
بعد :{ فلما جاوزه هو والذين آمنوا
معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }
..
لقد صاروا
قلة . وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته : بقيادة جالوت . إنهم مؤمنون لم
ينكصوا عهدهم مع نبيهم . ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم
فيحسبون أنهم أضعف من مواجهته . إنها التجربة الحاسمة . تجربة
الإعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . وهذه لا يصمد لها
إلاّ من اكتمل إيمانهم ، فاتصلت بالله قلوبهم ، وأصبحت لهم موازين
جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم ، غير الموازين التي يستمدها الناس
من واقع حالهم !
وهنا برزت
الفئة المؤمنة . الفئة القليلة المختارة . والفئة ذات الموازين
الربانية: { قال الذين يظنون أنهم
ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع
الصابرين } ..
هكذا ..
{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة }
.. بهذا التكثير . فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقوا
الله . القاعدة : أنة تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي
الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار . ولكنها تكون
الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ، ولأنها تمثل القوة الغالبة . قوة
الله الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده ، محطم الجبارين ، ومخزي
الظالمين وقاهر المتكبرين .
وهم يكلون
هذا النصر لله { بإذن الله }
.. ويعللونه بعلته الحقيقية : {
والله مع الصابرين } .. فيدلون بهذا
كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق
والباطل ..
ونمضي مع
القصة . فإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله ، التي تستمد صبرها
كله من اليقين بهذا اللقاء ، وتستمد قوتها كلها من إذن الله ، وتستمد
يقينها كله من الثقة في الله ، وأنه مع الصابرين .. إذاً هذه الفئة
القليلة الواثقة الصابرة ، الثابتة، التي لم تزلزلها كثرة العدو
وقوته ، مع ضعفها وقلتها .. إذاً هذه الفئة هي التي تقرر مصير
المعركة . بعد أن تجدد عهدها مع الله ، وتتجه بقلوبها إليه ، وتطلب
النصر منه وحده ، وهي تواجه الهول الرعيب :
{ ولما برزوا
لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على
القوم الكافرين ، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت وآتاه الله
الملك والحكمة وعلمه مما يشاء } ..
هكذا ..
{ ربنا أفرغ علينا صبراً } .. وهو
تعبير يصور مشهد الصبر فيضاً من الله يفرغه عليهم فيغمرهم ، ويسكب
عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالاً للهول والمشقة .
{ وثبت أقدامنا} .. فهي في يده -
سبحانه - فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد .
{ وانصرنا على القوم الكافرين }
.. فقد وضح الموقف .. إيمان تجاه كفر .
وحق إزاء باطل . ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه
الكافرين . فلا تلجلج في الضمير ، ولا غبش في التصور ، ولا شك في
سلامة القصد ووضوح الطريق .
وكانت
النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها :
{ فهزموهم بإذن الله } .. ويؤكد النص
هذه الحقيقة : { بإذن الله }
.. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما . وليتضح التصور الكامل
لحقيقة ما يجري في هذا الكون ، ولطبيعة القوة التي تجريه.. إن
المؤمنين ستار القدرة ، يفعل الله بهم ما يريد ، وينفذ بهم ما يختار
.. بإذنه .. ليس لهم من الأمر شيء ، ولا حول لهم ولا قوة ، ولكن الله
يختارهم لتنفيذ مشيئته ، فيكون منهم ما يريده بإذنه .. وهي حقيقة
خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين .. إنه عبد
الله اختاره الله لدوره . وهذه منة من الله وفضل . وهو يؤدي هذا
الدور المختار ، ويحقق قدر الله النافذ . ثم يكرمه الله - بعد كرامة
الاختيار - بفضل الثواب .. ولولا فضل الله ما فعل ، ولولا فضل الله
ما أثيب .. ثم إنه مستيقن من نبل الغاية وطهارة القصد ونظافة الطريق
.. فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي ، إنما هو منفذ لمشيئة الله
الخيرة قائم بما يريد . استحق هذا كله بالنية الطيبة والعزم على
الطاعة والتوجه إلى الله في خلوص .
ويبرز السياق
دور داود : { وقتل داود جالوت }
..
وداود كان
فتى صغيراً من بني إسرائيل . وجالوت كان ملكاً قوياً وقائداً مخوفاً
..ولكن الله شاء أن يري القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها ،
إنما تجري بحقائقها . وحقائقها لا يعلمها إلا هو .ومقاديرها في يده
وحده . فليس عليهم إلاّ أن ينهضوا هم بواجبهم ، ويفوا الله بعهدهم .
ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده . وقد أراد الله أن يجعل
مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير ، ليرى الناس أن
الجبابرة الذين يرهبونهم الناس ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين
يشاء الله أن يقتلهم .. وكانت هناك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله .
فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت ، ويرثه ابنه
سليمان ، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل
، جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود :
{ وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء }
.. " (28)
* * *
ثالثاً : انتصار الله تعالى لعقيدة
التوحيد على الوثنية .
كانتصار الله تعالى للروم على الفرس .
" نزلت
الآيات الأولى من سورة الروم بمناسبة معينة . وذلك حين غلبت فارس على
الروم فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب . وكان ذلك في إبان احتدام
الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل
الهجرة والمشركين .. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب دينهم
النصرانية ، وكان الفرس غير موحدين ديانتهم المجوسية ، فقد وجد
المشركون من أهل مكة فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد ،
وفألاً بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان .
ومن ثم نزلت
الآيات الأولى بهذه السورة تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع
سنين غلبة يفرح لها المؤمنون ، الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل
دين " .
يقول الله
تعالى في بيان ذلك : { ألم ، غلبت
الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ،في بضع سنين ، لله
الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون ، بنصر الله ، ينصر
من يشاء ، وهو العزيز الرحيم ، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر
الناس لا يعلمون ، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم
غافلون } الروم (1-7).
" روى ابن
جرير - بإسناده - عن عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه - قال : كانت
فارس ظاهرة على الروم . وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم
، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ،
وهم أقرب إلى دينهم : فلما نزلت {
ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، في بضع
سنين } قالوا يا أبا بكر . إن صاحبك
يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين . قال : صدق . قالوا : هل
لك أن نقامرك ؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين . فمضت السبع
ولم يكن شيء . ففرح المشركون بذلك ، فشق على المسلمين ، فذكر ذلك
للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ما بضع سنين عندكم؟) قالوا :
دون العشر . قال : ( اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجر في الأجل ) .
قال فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس . ففرح
المؤمنون بذلك .
وقد وردت في
هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير ، وقبل
أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف
أمام بعض إيحاءاته القوية .
وأول هذه
الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة
التوحيد والإيمان . ومع أن الدول قديماً لم تكن شديدة الاتصال ،
والأمم لم تكن وثيقة الارتباط . كما هو الشأن في عصرنا الحاضر . مع
هذا فإن المشركين في مكة يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على
أهل الكتاب هو انتصار لهم ، وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما
يربطهم بأهل الكتاب ، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان ،
وكانوا يدركون أن دعوتهم وان قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء
العالم من حولهم ، ويؤثر في قضية الكفر والإيمان .
وهذه الحقيقة
البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا ، ولا ينتبهون
إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - منذ حوالي أربعة عشر قرناً . ومن ثم ينحصرون داخل حدود
جغرافية أو جنسية ، ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر
والإيمان ، وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب
الشيطان.
وما أحوج
المسلمون اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة ، وحقيقة
القضية ، فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب
الشرك والكفر . فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة ، مهما
تنوعت العلل والأسباب .
والإيحاء
الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله ، كما تبدو في قولة أبي بكر
- رضي الله عنه - في غير تلعثم ولا تردد، والمشركون يعجبونه من قول
صاحبه ، فما يزيد على أن يقول صدق . ويراهنونه فيراهن وهو واثق . ثم
يتحقق وعد الله ، في الأجل الذي حدده
{ في بضع سنين } .. وهذه الثقة المطلقة
على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقيناً
وثباتاً في وجه العقبات والآلام والمحن ، حتى تمت كلمة الله وحق وعد
الله . وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل .
والإيحاء
الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر ، من قول الله
سبحانه : { لله الأمر من قبل ومن
بعد } .. والمسارعة برد الأمر كله لله
. في هذا الحادث وفي سواه . وتقرير هذه الحقيقة الكلية، لتكون ميزان
الموقف وميزان كل موقف ، فالنصر والهزيمة وظهور الدول ودثورها ،
وضعفها وقوتها . شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن
أحوال ، مرده كله إلى الله ، يصرفه كيف يشاء ، وفق حكمته ووفق مراده
. وما الأحداث والأحوال إلا آثاراً لهذه الإرادة المطلقة ، التي ليس
لأحد عليها من سلطان ، ولا يدري أحد ما وراءها من الحكمة ، ولا يعرف
مصادرها ومواردها إلا الله . وإذن فالتسليم والاستسلام هو أقصى ما
يملكه البشر أمام الأحوال والأحداث التي يجريها الله وفق قدرٍ مرسوم
. " (29)
* * *
رابعاً : انتصار الله تعالى
لمقدساته :
كانتصاره تعالى لبيته الحرام .
إن أيدي
الكفر والضلال ، تطاولت على الحق وأهله ، حتى على مقدساته وشعائره ..
وضرب الله لنا على ذلك مثلاً في كتابه .. في قصة أصحاب الفيل، وبين
الله تعالى لنا نصرته لبيته ، وإنزاله العقوبة العاجلة على من حاول
هدمه أو المساس به أو النيل من قدسيته . وذلك في قوله تعالى :
{ ألم تر كيف
فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طيراً
أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول }
الفيل(1-59 ) .
و " تشير هذه
السورة إلى حادث مستفيض الشهرة في حياة الجزيرة العربية قبل البعثة ،
عظيم الدلالة على رعاية الله لهذه البقعة المقدسة التي اختارها الله
لتكون ملتقى النور الأخير ، محضن العقيدة الجديدة ، والنقطة التي
تبدأ منها زحفها المقدس لمطاردة الجاهلية في أرجاء الأرض، وإقرار
الهدى والحق والخير فيها ..
وجملة ما
تشير إليه الروايات المتعددة عن هذا الحادث ، أن الحاكم الحبشي لليمن
- في الفترة التي خضعت فيها اليمن لحكم الحبشة بعد طرد الحكم الفارسي
منها - وتسميه الروايات " أبرهة " ، كان قد بنى كنيسة في اليمن باسم
ملك الحبشة وجمع لها كل أسباب الفخامة ، على نية أن يصرف بها العرب
عن البيت الحرام في مكة ، وقد رأى مبلغ انجذاب أهل اليمن الذين
يحكمهم إلى هذا البيت ، شأنهم شأن بقية العرب في وسط الجزيرة
وشماليها كذلك . وكتب إلى ملك الحبشة بهذه النية.. ولكن العرب لم
ينصرفوا عن بيتهم المقدس ، فقد كانوا يعتقدون أنهم أبناء إبراهيم
وإسماعيل صاحبي البيت ، وكان هذا موضع اعتزازهم على طريقة الفخر
بالأنساب . وكانت معتقداتهم - على تهافتها - أفضل في نظرهم من
معتقدات أهل الكتاب من حولهم ، وهم يرون ما فيها من خلل واضطراب
متهافت كذلك .
عنذئذ صح عزم
" أبرهة " على هدم الكعبة ليصرف الناس عنها وقاد جيشاً جراراً تصاحبه
الفيلة ، وفي مقدمتها فيل عظيم ذو شهرة خاصة عندهم . فتسامع العرب به
وبقصده . وعز عليهم أن يتوجه لهدم كعبتهم . فوقف في طريقه رجل من
أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من
سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن البيت الحرام ، فأجابه إلى ذلك
من أجابه . ثم عرض له فقاتله ، ولكنه هزم وأخذه أبرهة أسيراً .
ثم وقف له في
الطريق كذلك نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلتين من العرب ومعهما عرب
كثير ، فهزمهم كذلك وأسر نفيلاً ، والذي قبل أن يكون دليله في أرض
العرب .
حتى إذا مر
بالطائف خرج له رجال من ثقيف فقالوا له : إن البيت الذي يقصده ليس
عندهم إنما هو في مكة . وذلك ليدفعوه عن بيتهم الذي بنوه لللات !
وبعثوا معه من يدله على الكعبة !
فلما كان
أبرهة بالمغمس بين الطائف ومكة ، بعث قائداً من قواده حتى انتهى إلى
مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم ، فأصاب فيها مئتي بعير
لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها . فهمّت قريش
وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله . ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم
به فتركوا ذلك .
وبعث أبرهة
رسولاً إلى مكة يسأل عن سيد هذا البلد ، ويبلغه أن الملك لم يأت
لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت ، فإن لم يعترضوا له فلا حاجة له في
دمائهم ! فإذا كان سيد البلد لا يريد الحرب جاء به إلى الملك .. فلما
كلم عبد المطلب فيما جاء به قال له : والله ما نريد حربه وما لنا
بذلك من طاقة . هذا بيت الله الحرام . وبيت خليله إبراهيم عليه
السلام .. فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه فوالله
ما عندنا دفع عنه .. فانطلق معه إلى أبرهة..
قال ابن
إسحاق : وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم . فلما رآه
أبرهة أجلّه وأعظمه ، وأكرمه عن أن يجلس تحته . وكره أن تراه الحبشة
يجلس معه على سرير ملكه . فنزل أبرهة عن سريره . فجلس على بساط
وأجلسه معه إلى جانبه . ثم قال لترجمانه : قل له : ما حاجتك ؟ فقال :
حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي . فلما قال ذلك . قال
أبرهة لترجمانه ، قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك
حين كلمتني ! أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك
ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ قال له عبد المطلب : إني
أنا رب الإبل . وإن للبيت رب سيمنعه . قال : ما كان ليمتنع مني . قال
: أنت وذاك ! .. فرد عليه إبله .
ثم انصرف عبد
المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرز
في شعف الجبال . ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من
قريش يدعون الله ويستنصرونه . وروي عن عبد المطلب أنه أنشد :
لاهمّ إن العبد
يمنع رحله فامنع رحالك .
لا يغلبن صليبهم
ومحالهم أبداً محالك .
إن كنت تاركهم
وقبلتنا فأمر ما بدا لك !
فأما أبرهة
فوجه جيشه وفيله لما جاء له . فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها ، وجهدوا
في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا . وهذه الحادثة ثابتة بقول رسول
الله -صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية حين بركت ناقته القصواء (
أي حرنت ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما خلأت
القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل .. ) - أخرجه
البخاري - ، وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
يوم فتح مكة : ( إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله
والمؤمنين ، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فاليبلغ
الشاهد الغائب ) ، فهي حادثة ثابتة أنه قد حبس الفيل عن مكة في يوم
الفيل ..
ثم كان ما
أراده الله من إهلاك الجيش وقائده ، فأرسل عليهم جماعات من الطير
تحصبهم بحجارة من طين وحجر ، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة
. كما يحكي عنهم القرآن الكريم .. وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به
معهم يسقط أنملة أنملة ، حتى قدموا به صنعاء ، فما مات حتى انشق صدره
عن قلبه كما تقول الروايات .. " (30)
" فأما دلالة
هذا الحادث والعبر المستفادة من التذكير به فكثيرة .. وأول ما توحي
به أن الله - سبحانه - لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين ، ولو
أنهم كانوا يفترون بهذا البيت ، ويحمونه ويحتمون به . فلما أراد أن
يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له وغيرته عليه ترك المشركون ينهزمون أمام
القوة المعتدية. وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام ، حتى
لا تتكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته ، بحميتهم
الجاهلية . ولعل هذه الملابسات ترجح ترجيحاً قوياً أن الأمر جرى في
إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة - لا السنة المألوفة المعهودة -
فهذا أنسب وأقرب ..
ولقد كان من
مقتضى هذا التدخل السافر من القدرة الإلهية لحماية البيت الحرام أن
تبادر قريش ويبادر العرب إلى الدخول في دين الله حينما جاءهم به
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته
وما صاغوا حوله من وثنية هو المانع من الإسلام ! وهذا التذكير
بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم ، والتعجب من موقفهم
العنيد!
كذلك توحي
دلالة هذا الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن
يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة . حتى والشرك
يدنسه ، والمشركون هم سدنته . ليبقى هذا البيت عتيقاً من سلطان
المتسلطين ، مصوناً من كيد الكائدين . وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى
تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة ، لا يهيمن عليها سلطان ، ولا
يطغى فيها طاغية ، ولا يهمن على هذا الدين الذي جاء ليهمن على
الأديان وعلى العباد ، ويقود البشرية ولا يقاد . وكان هذا من تدبير
الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا
العام !
ونحن نستبشر
بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن ، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة
ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية ، والصهيونية
العالمية ، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع
الفاجرة الماكرة . فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته مشركون
، سيحفظه إن شاء الله ، ويحفظ مدينة رسوله - ( ومسجده الأقصى ) _ من
كيد الكائدين ومكر الماكرين ! " (31) .
&&&&&
الورقة الثالثة : تكاليف النصر
وأعباؤه
إن من معالم
النصر أنه إذا جاء نصر الله تعالى لعباده المؤمنين فإن هذا لا يعني
نهاية الطريق وبلوغ الغاية.. بل للنصر تكاليفه وأعباؤه في ذات النفس
وفي واقع الحياة ..
" للنصر
تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون ،
وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت
على النصر والنعماء، وصلاح القلــوب وثباتهـا على الحـق بعد النصر
منزلة أخرى وراء النصر " (32) .
ويمكننا أن
نتعرف على هذه التكاليف وهذه الأعباء من خلال الوقوف عند الآيات
التالية :
* قال الله
تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن
الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا
الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} الحج(40،41)
.
" فوعد الله
المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره.. فمن هم
هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي الذي لا يهزم من
يتولاه ؟ .إنهم هؤلاء: {الذين إن مكناهم في الأرض}.. فحققنا لهم
النصر، وثبتنا لهم الأمر..
{أقاموا الصلاة}.. فعبدوا الله، ووثقوا
صلتهم به، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين..
{وآتوا الزكاة}..
فأدوا حق المال، وانتصروا على شح النفس، وتطهّروا من الحرص، وغلبوا
وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج ،
وحققوا لها صفة الجسم الحي -كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)..
{وأمروا بالمعروف}..
فدعوا إلى الخير والصلاح، ودفعوا إليه الناس..
{ونهوا عن المنكر}..
فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا
تبقي على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة
على تحقيقه..
هؤلاء هم
الذين ينصرون الله، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة،
معتزين بالله وحده دون سواه. وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على
وجه التحقيق واليقين .
فهو النصر
القائم على أسبابه ومقتضياته، المشروط بتكاليفه وأعبائه.. والأمر
بعد ذلك لله، يصرفه كيف شاء، فيبدل الهزيمة نصرا، والنصر هزيمة،
عندما تختل القوائم، أو تهمل التكاليف:
{ولله عاقبة الأمور }
.
إنه النصر
الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة. من انتصار الحق
والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح. المنظور فيه إلى هذه
الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات، والمطامع والشهوات .
وهو نصر له
سببه. وله ثمنه. وله تكاليفه. وله شروطه. فلا يعطى لأحد جزافاً أو
محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه.." (33) .
* ومن الآيات
المشيرة إلى بعض هذه التكاليف أيضاً -قوله تعالى:{وعد
الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما
استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم
من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئاً. ومن كفر بعد ذلك
فألئك هم الفاسقون، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول
لعلكم ترحمون} النور (55،56) . " فما
حقيقة الاستخلاف في الأرض؟
إنها ليست
مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط
استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه
الله للبشرية كي تسير عليه، وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقرر
لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله .
إن الاستخلاف
في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة
على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر. وقدرة على
الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد
والجماعة إلى مدارج الحيوان"!
" لقد تحقق
وعد الله مرة. وظل متحققاً وواقعاً ما قام المسلمون على شرط الله:
{يعبدونني لا يشركون بي شيئاً}..
لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون -من الإيمان- ويعملون صالحاً.
ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم
القيامة. إنما يبطئ النصر والاستخلاف والتمكين والأمن، لتخلّف شرط
الله في جانب من جوانبه القيمة ، أو في تكليف من تكاليفه الضخمة،
حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء ، وخافت فطلبت الأمن،
وذلّت فطلبت العزة، وتخلّفت فطلبت الاستخلاف.. كل ذلك بوسائله التي
أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله.. تحقق وعد الله الذي لا
يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعاً .
لذلك يعقب
على هذا الوعد بالأمر بالصلاة والزكاة والطاعة، وبألاّ يحسب الرسول
-صلى الله عليه وسلم- وأمته حساباً لقوة الكافرين الذين يحاربونهم
ويحاربون دينهم الذي ارتضى لهم:
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون}...
فهذه هي العدة.. الاتصال بالله، وتقويم القلب بإقامة الصلاة.
والاستعلاء على الشح، وتطهير النفس والجماعة بإيتاء الزكاة. وطاعة
الرسول والرضى بحكمه، وتنفيذ شريعة الله في الصغيرة والكبيرة، وتحقيق
النهج الذي أراده للحياة: {لعلكم
ترحمون} في الأرض من الفساد والانحدار
والخوف والقلق والضلال، وفي الآخرة من الغضب والعذاب والنكال " ..
" إن الإسلام
حقيقة ضخمة لا بد أن يتملاها من يريد الوصول إلى حقيقة وعد الله في
تلك الآيات. ولا بد أن يبحث عن مصداقها في تاريخ الحياة البشرية،
وهو يدرك شروطها على حقيقتها، قبل أن يتشكك فيها أو يرتاب، أو
يستبطئ وقوعها في حالة من الحالات . إنه ما من مرة سارت هذه الأمة
على نهج الله، وحكمت هذا النهج في الحياة، وارتضته في كل أمورها..
إلاّ تحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن. وما من مرة خالفت عن
هذا النهج إلاّ تخلفت في ذيل القافلة، وذلّت، وطرد دينها من الهيمنة
على البشرية، واستبدّ بها الخوف، وتخطفها الأعداء " (34) .
* والله
تبارك وتعالى قد جعل هذه الأمة خير الأمم وأخرجها إلى الناس لتقوم
بدورها، وتنهض بتبعاتها وتكاليفها .
قال تعالى:
{كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله}
آل عمران (110) .
" وهذا ما
ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة، لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها
أُخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة. والله
يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض. ومن ثم لا ينبغي
لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية. إنما ينبغي دائما أن تعطي
هذه الأمم مما لديها. وأن يكون لديها دائما ما تعطيه من الاعتقاد
الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة
الصحيحة، والعلم الصحيح.. هذا واجبها الذي يحتمها عليها مكانها،
وتحتمه عليها غاية وجودها. واجبها أن تكون في الطليعة دائما، وفي
مركز القيادة دائما. ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاءاً، ولا
يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له.. وهي بتصورها الاعتقادي ،
وبنظامها الاجتماعي أهل له. فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي،
وبعمارتها للأرض -قياما بحق الخلافة- أهلا له كذلك.. ومن هذا يتبين
أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير، ويدفعها
إلى السبق في كل مجال.. لو أنها تتبعه وتلتزم به، وتدرك مقتضياته
وتكاليفه.
وفي أول
مقتضيات هذا المكان، أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد.. وأن
تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي
خير أمة أخرجت للناس. لا عن مجاملة أو محاباة، ولا عن مصادفة أو جزاف
-تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا-، وليس توزيع الاختصاصات
والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون.. "نحن أبناء الله وأحباؤه"..
كلا! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر،
وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يحدده المعروف والمنكر:
"تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " ..
فهو النهوض
بتكاليف الأمة الخيرة، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب، وبكل ما
في طريقها من أشواك.. إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة
المجتمع من عوامل الفساد.. وكل هذا متعب شاق، ولكنه كذلك ضروري
لإقامة المجتمع الصالح وصيانته، ولتحقيق الصورة التي يجب الله أن
تكون عليها الحياة..
ولا بد من
الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف
والمنكر. فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي. فقد يعم الفساد حتى تضطرب
الموازين وتختل .
ولا بد من
الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر، وللفضيلة والرذيلة، والمعروف
والمنكر. يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .
وهذا ما
يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه. وللإنسان
وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون.. ومن هذا التصور العام
تنبثق القواعد الأخلاقية. ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه
يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد. ومن سلطان الله في الضمائر، وسلطان
شريعته في المجتمع، تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك .
ثم لا بد من
الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف، الناهون عن
المنكر، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق، ويحتملوا تكاليفه. وهم
يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته، ويواجهون طاغوت الشهوة في
عرامتها وشدتها، ويواجهون هبوط الأرواح، وكلل العزائم، وثقلة
المطامع.. وزادهم هو الإيمان، وعدتهم هي الإيمان. وسندهم هو الله..
وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد. وكل عدة سوى عدة الإيمان تُفل، وكل
سند غير سند الله ينهار! "(35) .
ومن الآيات
الواضحة التي بينت طرفاً من هذه التكاليف -من تكاليف النصر- هي سورة
النصر حيث يقول الله تعالى: {إذا
جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح
بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}
النصر (1-3).
ولنقف مع سيد
قطب -رحمه الله- يحدثنا عن ظلال هذه الآيات، وما بينه من تكاليف
النصر وأعباءه حيث يقول :-
" في مطلع
الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص،... هذا الإيحاء
يتمثل في قوله تعالى: {إذا جاء نصر
الله...} فهو نصر الله يجيء به الله..
وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء... وبناءً على هذا الإيحاء وما
ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- ومن معه بإزاء تكريم الله لهم، وإكرامهم بتحقيق نصره على
أيديهم .
إن شأنه -ومن
معه- هو الاتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة
الانتصار .
التسبيح
والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراساً
لدينه، وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه، وفتحه على
رسوله ودخول الناس أفواجاً في هذا الخير الفائض العميم ، بعد العمى
والضلال والأحزان .
والاستغفار
لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل :
* الاستغفار
من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول
الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء، وهو مدخل يصعب توقّيه في القلب
البشري. فمن هذا يكون الاستغفار
* والاستغفار
مما قد يكون ساور القلب، أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل
والعناء القاس ، والشدة الطاغية والكرب الغامر.. من ضيق بالشدة،
واستبطاء لوعد الله بالنصر، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر:
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم
مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول
الرسول والذين آمنوا متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب}
البقرة (214). فمن هذا يكون الاستغفار .
* وهناك
لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار.. ففيه إيحاء للنفس وإشعار في
لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز. فأولى أن تطامن من
كبريائها، وتطلب العفو من ربها. وهذا يصد قوى الشعور بالزهو
والغرور.. ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى
الله طلباً للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على
المقهورين المغلوبين، ليرقب المنتصر الله فيهم، فهو الذي سلطه
عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة الله عليهم تحقيقاً
لأمر يريده هو. والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى الله
تصير الأمور .
* * *
إنه الأفق
الوضىء الكريم، الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع
إليه، وترقى في مدارجه ، على حدائه النبيل البار .
الأفق الذي
يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه، وترف فيه روحه طليقة لأنها
تعنوا لله !
إنه
الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحاً من روح الله. ليس لها
حظ في شيء إلاّ رضاه. ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق
الحق، وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة، وقيادة للبشرية قيادة رشيدة
نظيفة معمرة، بانية عادلة خيرة،.. الاتجاه فيها إلى الله .
وعبثا يحاول
الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته، مقيد برغباته، مثقل
بشهواته. عبثا يحاول ما لم يتحرر من نفسه، ويتجرد في لحظة النصر
والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده .
وهذا هو
الأدب الذي اتسمت به النبوة دائماً، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى
آفاقه ، أو تتطلع إلى هذه الأفاق دائماً ..
* كان هذا هو
أدب يوسف -عليه السلام- في اللحظة التي تم له فيها كل شيء، وتحققت
رؤياه: {ورفع أبويه على العرش
وخروا له سجداً، وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي
حقاً. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن
نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم
الحكيم} يوسف(100)..
وفي هذه
اللحظة نزع يوسف -عليه السلام- نفسه من الصفاء والعناق والفرحة
والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر. كل دعوته وهو في
أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام:
{رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل
الأحاديث، فاطر السماوات والأرض، أنت وليّي في الدنيا والآخرة،
توفني مسلماً، وألحقني بالصالحين} يوسف
(101).. وهنا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع
الأهل ولمة الإخوان، ويبدو المشهد الأخير مشهد إنسان فرد يبتهل إلى
ريه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين عنده.
من فضله ومنه وكرمه ...
* وكان هذا
هو أدب سليمان -عليه السلام- وقد رأى عرش ملكة سبأ حاضراً بين يديه
قبل أن يرتد إليه طرفه: {فلما رآه
مستقراً عنده قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر
فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غنيٌ كريم}
النمل (40) .
* وهذا كان
أدب محمد -صلى الله عليه وسلم- في حياته كلها، وفي موقف النصر
والفتح الذي جعله ربه علامة له.. انحنى لله شاكراً على ظهر دابته
ودخل مكة في هذه الصورة. مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في
طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة.. فلما أن جاءه نصر الله والفتح،
نسي فرحة النصر وانحنى انحناءة الشكر، وسبح وحمد واستغفر كما لقنه
ربه، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار،
وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده، رضي الله عنهم أجمعين .
وهكذا ارتفعت
البشرية بالإيمان بالله، وهكذا أشرقت وأشرفت ورفرفت، وهكذا بلغت من
العظمة والقوة والانطلاق.."(36).
_________________
&&&&&&&&&&
انتهى ..
فهرس النصوص المنقولة من كتاب "في
ظلال القرآن"
لسيد قطب رحمه الله
- بطبعة دار
العلم للطباعة والنشر بجدة -
|
الرقم |
الجزء |
الصفحة |
|
الرقم |
الجزء |
الصفحة |
|
1 |
4 |
2247 |
|
19 |
2 |
1088 |
|
2 |
5 |
2915 |
|
20 |
4 |
1892 |
|
3 |
4 |
2372 |
|
21 |
5 |
2993 |
|
4 |
3 |
1643 |
|
22 |
4 |
2387 |
|
5 |
6 |
3330 |
|
23 |
5 |
2677 |
|
6 |
6 |
3558 |
|
24 |
5 |
2597 |
|
7 |
5 |
3001 |
|
25 |
1 |
397 |
|
8 |
6 |
3514 |
|
26 |
3 |
1656 |
|
9 |
5 |
3085 |
|
27 |
4 |
1948 |
|
10 |
4 |
2528 |
|
28 |
1 |
262 |
|
11 |
1 |
365 |
|
29 |
5 |
2754 |
|
12 |
1 |
485 |
|
30 |
6 |
3974 |
|
13 |
1 |
443 |
|
31 |
6 |
3980 |
|
14 |
2 |
782 |
|
32 |
6 |
3289 |
|
15 |
6 |
3300 |
|
33 |
4 |
2427 |
|
16 |
1 |
516 |
|
34 |
4 |
2529 |
|
17 |
6 |
3435 |
|
35 |
1 |
441 |
|
18 |
5 |
2760 |
|
36 |
6 |
3996 |
|