|
الشيخ محمد الغزالي يقارن بين هجرة المسلمين إلى المدينة و رحلة
اليهود إلى فلسطين
بقلم / وصفي عاشور أبو زيد
باحث في العلوم الشرعية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة :
تنتظم هذه
الأيام مناسبات ثلاثة ، و كلها تهم الأمة الإسلامية ؛ الأولى : ذكرى
الهجرة النبوية و التي تستدعي المسلمين بكلّ طوائفهم أن يقفوا أمام
هذا الحدث التاريخي خاشعين ليلتمسوا فيه العبرة النافعة ، و ما عسى
أن يكون هجرة لهم مما هم فيه من ضعف و هوان ، و الثانية : وفاة
المصلح الكبير الشيخ محمد الغزالي 9/3/1996م ، و التي تستنفر جهود
تلامذته و محبيه و مريديه – و ما أكثرهم - لمطالعة كتبه و التأمل
فيها و السير على نهجها ، و الثالثة : لا تعتبر مناسبة بقدر ما هي
جرح تسيل منه الدماء أودية بقدرها في الصباح و المساء ؛ إنها القضية
الفلسطينية .
و الشيخ محمد
الغزالي - كما هو معروف – و أحد من دعاة الإسلام العظام ، و من كبار
رجال الإصلاح ، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليلٍ من النابهين ؛ فهو
مؤمن صادق الإيمان ، مجاهد في ميدان الدعوة ، ملك الإسلام حياته ؛
فعاش له ، و نذر حياته كلها لخدمته ، و سخّر قلمه و فكره في بيان
مقاصده و جلاء أهدافه ، و شرح مبادئه ، و الذود عن حماه ، و الدفاع
عنه ضد خصومه ، لم يدَعْ وسيلة تمكّنه من بلوغ هدفه إلا سلكها في
تبليغ ما يريد .
لقد رزقه الله
فكراً عميقاً ، و ثقافة إسلامية واسعة ، و معرفة رحيبة بالإسلام ؛
فأثمر ذلك كتباً عدة في ميدان الفكر الإسلامي ، تُحيي أمة ، و تُصلح
جيلاً ، و تفتح طريقاً ، و تربي شباباً ، و تبني عقولاً ، كما وهبه
الله فصاحة و بياناً ، يجذب من يجلس إليه ، و يأخذ بمجامع القلوب
فتهوي إليه مشدودة بصدق اللهجة ، و روعة الإيمان ، و وضوح الأفكار ،
و جلال ما يعرض من قضايا الإسلام ؛ فكانت خطبه و دروسه ملتقى للفكر و
مدرسة للدعوة في أيّ مكانٍ حل به .
و هو حين يكتب
أديب مطبوع ، و لو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله ، و لكان أديباً
من طراز حجة الأدب ، و نابغة الإسلام مصطفى صادق الرافعي ، لكنه
اختار طريق الدعوة ؛ فكان أديبها النابغ .
أوقف حياته على
كشف العلل ، و محاربة البدع و أوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها
و لا التواء ، يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام
أو غضب المحكومين ، يحرّكه إيمان راسخ و شجاعة مطبوعة ، و نفس مؤمنة
.
و من أبرز
المجالات التي أبدع فيها الشيخ الغزالي مجال السيرة النبوية التي له
فيها صولات و جولات مع الأحداث ، و تعليقات على كثير من المواقف و
الغزوات يشعر القارئ معها بفكر جديد و فهم فريد لأحداث و وقائع
السيرة العطرة .
و يقارن الشيخ
في كثير من المواضع بين هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة قديمًا و
بين هجرة اليهود من بلاد كثيرة إلى الأراضي الفلسطينية الطاهرة
حديثًا ، و هي مقارنة لم يلتفت إليها أحد - فيما أعلم - قبل الشيخ
الغزالي رحمه الله .
و تتركز مقارنة
الشيخ هنا في أمر يلتقي فيه المسلمون و اليهود ، و أمور يفترقون
عندها ...
فأما الذي
يلتقون فيه : فهو أن الدافع للهجرة كان عقديًّا دينيًّا ، فالمسلمون
هاجروا من أجل إقامة دين جديد في بلد آمن ، و هاجر اليهود من أوربا و
أمريكا و آسيا و أفريقيا مقرِّرين أن يتركوا أرضهم و لغتهم و يحترموا
اللغة العبرية من أجل إقامة مملكة الله أو دولة (إسرائيل) ، فكلتا
الهجرتين باسم الدين و العقيدة .
أما الأمور التي
يختلفون عندها فهي :
1.أن هجرة
المسلمين كانت من صنعهم و برغبتهم و تطلّعهم إلى ثواب الله ، أما
هجرة اليهود فقد دبّرها لهم غيرهم ، و مهّد لها الانتداب البريطاني
على فلسطين .
2.أن وصف
المسلمين الذين تركوا مكة إلى المدينة يمكن أن نطلق عليهم بتعبيرنا
العصري أنهم "مغامرون" ؛ لأنه لم يكن لهم على ظهر الأرض من نصير ،
فقد كانت الدنيا كلها ضدهم : مشركون و نصارى و يهود ، أما المشركون
فلأن القرآن عاب الأصنام و حقّر الأوثان و هدم تقاليد الجاهلية . و
أما المسيحية فإن الإسلام كان في مكة ينكِر بحرارة أن يكون لله ولد ،
و ذلك في سورة الكهف و مريم و غيرهما من السور المكية . و أما اليهود
– و هم عدو ثالث - فإن القرآن لم يترك من أمرهم شيئًا ، فقد فضح
عقائدهم و عرَّى صفاتهم الخبيثة المتعددة ، فلم يكن بدٌّ لهؤلاء
جميعًا – و قد عالنهم القرآن بصفاتهم و خباياهم - أن يغتاظوا و
يغضبوا و يزداد كرههم للإسلام و حقدهم للمسلمين ، و من هنا لم يكن
للمسلمين في الهجرة يدٌ تحميهم إلا يد الله ، و لا كنف يأوون إليه
إلا كنف الله . من ناحية أخرى كانت الجماعة المسلمة في ذلك الوقت
ضعيفة من حيث العَدد و العُدة ، و كان أعداؤهم يملكون عناصر القوة و
أسباب الاضطهاد ، و رغم ذلك فقد نجحوا في بناء مدينة تأتي دونها في
الوصف المدينةُ الفاضلة التي تعشَّقها الفلاسفة و تخيّلوا فيها
الكمال ، و أثبتوا أن الإيمان الناضج يُحيل البشر إلى خلائق تباهي
الملائكة سناءً و نضارة . بينما كانت حال اليهود مباينة لذلك من كلّ
جانب ، فلقد تعهّدت إنجلترا - الدولة الأولى في العالم يومئذ - ما
بين عامي 1917 - 1948م أن تُكيّف الظروف في فلسطين لاستقبالهم ، و
كان الحاكم الإنجليزي في فلسطين يذلّ العرب و يعطّش أرضهم حتى لا
يَنبت فيها زرع ، فيبيعها الفلسطينيون بأبخس ثمن أو بأغلاه ، و لم
تتعهد إنجلترا وحدها بذلك إنما تولى إصر ذلك معها أمريكا و روسيا و
فرنسا ، كذلك ملوك العرب بخيانتهم و خذلانهم . إضافة لذلك ، كان
اليهود و أعوانهم غاية في القوة و الاقتدار بينما كان المسلمون
أذنابًا ضعفاء ، و كان كثير من حكامهم خونة عملاء ، و مع ذلك فإننا
نرى اليوم ما يحدث على أرض الرسالات من رعب و هلع لليهود ، فلا
يتمتعون بأمن و لا ينعمون باستقرار ، و مصيرهم حتمًا إلى الزوال
بمنطق القرآن و السنة و التاريخ و الواقع .
3. أن
المسلمين الذين هاجروا كانوا دعاة توحيد لله و إصلاح للأرض ، كانوا
يُعلّمون الدنيا أن الله رب العالمين لا شريك له ، و أن الناس يجب أن
يُسلموا وجوههم إليه ، و يحيوا على الأرض وفق المنهج الذي ارتضاه
الله لهم ، فترفَّعت عن المآرب هِمَمُهم ، و أخلصوا لله طواياهم ، و
ذهلوا عن متاع الدنيا ، و استهوتهم مُثُل عليا لا مثيل لها في
الأولين و الآخرين . بينما كانت صلة اليهود بالله مغشوشة ، و الدوافع
التي جاءت بهم ، و إن كانت دينية إلا أن ما فيها من باطل أضعاف ما
فيها من حق ، و ما يكتنفها من ظلم ليست معه شائبة عدل .
من أجل هذا كله
كان البون شاسعًا و لفرق واسعًا بين هجرة المسلمين و هجرة اليهود ...
|