الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

 

الهرولة في اتجاه شارون

 

د. عبدالله السويجي

صحيفة الخليج الإماراتية 17/10/2005

 

استطاع أرييل شارون، رئيس وزراء حكومة الكيان الصهيوني، بمناورة الانسحاب من قطاع غزة، أن يكشف المستور والمسكوت عنه من التوجهات والسياسات لدى الكثير من السياسيين والإعلاميين بل وحتى المثقفين. فما أن انتهى المذكور من مسرحية انسحابه من القطاع حتى بدأت الهرولة باتجاهه كصانع للسلام، ولست أدري كيف حجبت عنه جائزة نوبل للسلام، وقد يحظى بها في العام المقبل.

 

منذ سنوات طويلة، وتحديداً بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، إثر هزيمة أخرى للموقف العربي، ومنذ أن تم توقيع اتفاقات كثيرة بين الجانبين الصهيوني والفلسطيني، وعلى رأسها اتفاقية أوسلو، والعزف على وتر التطبيع يتصاعد، حتى تحول إلى قرع طبول وفي وضح النهار، ونخشى أن تخرج مسيرات تطالب بالتطبيع، بحجة ترك الفلسطينيين يخوضون الصراع بطريقتهم ومن دون تدخل من أحد، وبحجة (التنازلات) التي قدمتها الحكومة العبرية، وبحجة (نوايا السلام) التي تدعي الإدارة الأمريكية أن الجانب الصهيوني يمتلكها بجدارة... وفي الواقع، فإن هذه الحجج مفضوحة، وأقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها عيب من العيوب الكبيرة، بل من الفواحش السياسية والوطنية التي يرتكبها بعض الرموز السياسية والإعلامية في الوطن العربي.

 

إن الإعلام العربي بدأ يجري عملية تطبيع واسعة، متخفياً وراء ستار الموضوعية في التغطية الإخبارية، والاستماع إلى وجهة نظر الآخر، الذي هو العدو الصهيوني، وفتحت معظم وسائل الإعلام العربية، وأهمها الفضائيات التلفزيونية مكاتب لها في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو القدس، وعينت مراسلين عديدين، وصارت تخاطب المسؤولين الصهاينة بالأسياد والأساتذة وسيأتي اليوم الذي يخاطبونهم فيه بأصحاب السعادة والفخامة، في الوقت الذي كانت جرافات ومدرعات جيش الدفاع الصهيوني تسوي مخيم جنين بالأرض، وتهدم بيوته على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ العزل، وتتعامل مع المدنيين بوصفهم عسكريين، من دون أي اعتبار لاتفاقات جنيف التي تحمي المدنيين أثناء الحروب.

 

إن هذه الاستضافة للمسؤولين الصهاينة في بيوتنا، خطوة غير صحيحة، ولم نقل بأنها خطوة لم يحن أوانها بعد، لأنها يجب ألا تكون من الأساس، حتى لو انسحبت القوات الصهيونية من قطاع غزة والضفة الغربية، وحتى لو أقيمت الدولة الفلسطينية المستقلة، مستندين إلى قناعة بأن هذه الخطوات التطبيعية من جانب الإعلام العربي، يخدش ضمير الأمة، ويتلاعب بعقلها، ويحاول مسح تاريخ من المذابح والدم، والتهجير، ومستندين أيضاً إلى قناعة بأن الكيان هو كيان غريب في المنطقة العربية، سيبقى يلعب دور المفرق بين الشعوب العربية، ودور المعيق لأي تواصل عربي حقيقي. وقلنا أيضاً، إن المصطلح أكثر من مهم، وإن لفظ "إسرائيل" يجب ألا يتم التعامل معه عن طريق الأمر الواقع، لأن هذا الأمر لن يكون واقعاً مسالماً حتى تقوم الساعة، وأهل الشام في جهاد إلى يوم الدين، وهذا الجسم الغريب لن يتأقلم مع الجسد العربي، بل إن الجسد العربي يرفضه، ولهذا، لا يمكن التعايش معه، مهما أعطي من مسكنات أو أدوية، ومهما أجريت له عمليات تجميلية. وإن ما قلناه يتحقق اليوم، بل وتزداد وتيرته تصاعداً، حتى بات الأمر مفضوحاً أكثر مما يجب.

 

يمكن أن نفهم أن يقدم بعض الساسة العرب على إطلاق دعاوى، إما بحجة إحراج الكيان الصهيوني، أو تنفيذاً لإملاءات خارجية مصدرها ربما تكون الإدارة الأمريكية، فلا أحد في هذه الأيام ينطق عن الهوى، وإنما بوحي من القوة العظمى.. ورغم ذلك، يظل الفهم مستهجناً، ولكن لا أفهم أن يقدم أحد الإعلاميين الخليجيين البارزين على إطلاق دعوة سياسية، تتجاوز كل المعايير الإعلامية، وتكسر حيادية الإعلامي والصحافي، فيدعو إلى الاقتراب أكثر من الكيان الصهيوني، وترك الفلسطينيين يخوضون صراعهم مع الصهاينة، لأنه، حسب رأي هذا الإعلامي، لن تتحقق التنمية الاقتصادية إلا بالخروج من هذا الصراع، خاصة بعد أن انسحب شارون وزبانيته من قطاع غزة.

 

وفي الواقع، لا ينطبق قول (صمت دهراً ونطق كفراً) على هذه الفئة من الإعلاميين، لأن دعوته لم تأت من فراغ، وليست بنت الحاضر، وإنما الحاضر كشفها وعرّاها،  وقدمها على حقيقتها، وقد يقول قائل إن لكل إنسان رأيه، وهو يجتهد.

 

قد يصدق هذا الكلام، لو أن هذه الشريحة أو النموذج من الإعلاميين كانت منغمسة في الصراع العربي  الصهيوني حتى النخاع، ولها مواقفها البطولية، إلا أنها تعبت، وصارت واقعية بعد المتغيرات التي طرأت على المنطقة العربية، وبالتحديد في منطقة الخليج العربي، وتحديداً، بعد احتلال العراق، رغم أنني لا أؤمن بهذه الواقعية، بل هي انهزامية، وعدم التصدي لهذا الواقع سيغرق المنطقة كلها في فوضى لا قبل لها بها، ولن تتحملها. إلا أن هذه الشريحة لم تكن يوماً من الأيام في الصف الثوري الوطني، فمن أين جاءها التعب، ومن أين تستقي موقفها المستهجن؟

 

ترى، ماذا فعل شارون حتى يستحق كل هذا "العرس التطبيعي"، هل لأنه حبس أهل غزة خلف جدار عنصري، أم لأنه أعلن بأنه لن يعترف بعودة اللاجئين؟ أم لأنه قال إن كل قرارات الزعماء العرب لا تساوي الحبر الذي كتبت به؟ أم لأن مجازره مستمرة ضد الشعب الفلسطيني؟

 

ولماذا يهرول العرب من جديد، تدعمهم أبواق إعلامية عجيبة، باتجاه شارون؟ هل حصل الفلسطينيون على استقلالهم، واستعادوا أراضيهم المغتصبة؟ هل عاد اللاجئون بعد خمسة وخمسين عاماً، وهل دفع الصهاينة تعويضات عن الخراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والإنساني للفلسطينيين؟ لماذا يهرول العرب من جديد، هل سمعوا صفارة ما من جهة ما، أم حباً في الهرولة؟

 

في الحقيقة، هنالك قفزات تتم بطريقة غير متوقعة، لكن مرارتها تنطلق من كونها غير مستهجنة، فهكذا واقع سياسي، يريد هكذا قفزات، وهكذا أجساد يناسبها هذا الرقص السياسي والإعلامي، والحبل على الجرار، وما يحاك في الخفاء كان أعظم.