المقاطعة وخيار السلام!
دالية الكرمل
صحيفة الحياة
اللندنية 3/10/2005
تقدّر خسارة
"إسرائيل" الاقتصادية جراء مشروع المقاطعة العربية التي انطلق في العام
1952 بحوالي 70 – 80 بليون دولار حسب معطيات رسمية إسرائيلية. ومعظم
هذه الخسارة نجم عن مقاطعة أكبر خمسمئة شركة عالمية لإسرائيل كتجاوب مع
الضغط العربي. فقد اتضح في وقت سابق إن هذه الشركات (عدا خمس منها) لم
تستثمر في "إسرائيل" وإن كانت سوّقت بضائعها في السوق الإسرائيلية. لكن
كثباناً رملية لا متناهية في عددها غيرت شكلها ومواقعها وصحرائها منذ
كانت هذه الأرقام صحيحة لسبب بسيط وهو أن حجم الصادرات الإسرائيلية
للدول العربية التي تقيم علاقات معلنة أو مستترة مع "إسرائيل" يتنامى
قفزاً من بليون دولار في أواسط التسعينيات إلى بلايين عديدة الآن وفق
ما ينشر بخجل في "إسرائيل". وهو مرشّح للتنامي قفزة أخرى في مقابل
الاستفادة العربية من تصدير الطاقة إلى "إسرائيل"، النفط والغاز
الطبيعي من مصر وربما الغاز مستقبلاًً من قطر.
إلا أن
المقاطعة الاقتصادية لا تزال نافذة في مستوى غياب الاستثمار الدولي
المكثف في "إسرائيل". نقول هذا للتدليل على أن السياسات العربية تجاه
"إسرائيل" تنطوي على تأثير يمكن أن يكون ورقة لعب فاعلة في التعاطي مع
الدولة العبرية. لكن يبدو لنا من موقعنا هنا أن بعض هذه الدول لم تحمل
ذاتها على محمل الجدّ لا في الورقة الاقتصادية ولا في غيرها. فرأيناها
تتسم بنوع من الهرولة نحو «مركز القوة الإسرائيلي» تراهن عليه أو
تتعاطى معه من دون أن تجبي هي أو أي طرف عربي الثمن إذا افترضنا أن
العلاقات بيت "إسرائيل" والمحيط العربي تنطوي في تحولاتها على الربح
والخسارة، على قوانين السوق الدبلوماسية أسوة بما هو قائم في غير هذا
الموقع.
ويبدو مشهد
إقبال أطراف عربية على "إسرائيل" مرشحاً للاتساع حتى حدود السند، إلى
باكستان ذاك العمق الإسلامي للعرب وذلك على خلفية الانسحاب من قطاع غزة
– لأهداف إسرائيلية صرفة! وإذا ما أخذنا العامل الأميركي في معمعان ما
يحصل نُدرك أيّما إدراك أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة قد يشكّل
ليس بداية لفكفكة المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بل
لزوال عوامل الضغط العربية على "إسرائيل" فيما المسألة الفلسطينية على
حالها عالقة في مُنعطفات دبلوماسية واعتبارات دولية. نقول هذا مع علمنا
بالقرار العربي الاستراتيجي الذهاب في خيار التسوية مع "إسرائيل". وهنا
تكمن من ناحيتنا «نقطة البيكار». فإذا سلّمنا بالفرضية القائلة بأن
العرب أجمعين ومن دون استثناء فعلوا كل شيء للانتصار على "إسرائيل" في
خيار الحرب، هل هم جادون الآن في فعل كل شيء مما يستدعيه خيار السلام؟
وحتى لا يُفهم من «كل شيء» هذه غير ما نقصد بها نطوّر السؤال فيصير: هل
حدد العرب، كل العرب، استحقاقات السلام ومتطلباته كلها يضعونها أمام
الطرف الإسرائيلي بحزم وبثقة بالنفس؟ وهل هم جديون في تسوية المسألة
اليهودية في مساحة الشرق الأوسط العربي بعد أن فشل الفضاء المسيحي
الأوروبي في ذلك ولكن من خلال إحقاق مصالحة تاريخية تتسع لتسوية
المسألة الفلسطينية؟ وما هي حسابات تلك الدول المقدمة بغير كبير تردد
على "إسرائيل" تتاجر معها وتختلي بها في علاقات حميمة فيما الفلسطيني
لا يزال يقاوم جدار الميز العنصري ومصادرة حقوقه الإنسانية كافة كفرد
وجماعة؟
نسأل السؤال
ذاته بصيغ عدّة لنؤكد خشيتنا من أن ما كان من توجّهات عربية في خيار
الحرب يعود على ذاته في خيار السلام. فلا الأداء العربي جادّ ولا هو
حازم ولا هو مدروس – طبعاً مع استثناء حرب تشرين 1973 التي كانت مخططة
ومدروسة. هذا علماً بأننا لا نفترض وجود طرف عربي واحد موحّد له أداء
واحد موحّد. فالطرف العربي الذي أردنا أن نراه في جبهة الصراع
الإسرائيلي العربي موحداً أو ينسّق مواقفه ويبلورها صار مجموعة كبيرة
من الدول تعزف على مقامات مختلفة متفرّقة. فكلّ يغني على ليلاه،
ويستطيع اللاجئون الفلسطينيون أن ينتظروا! ومع هذا نظلّ متفائلي
الإرادة في أن تكون للدول العربية القدرة على تنسيق المواقف تحت مظلّة
الجامعة العربية أو قمة من القمم. ولا يغيب عنا إننا موعودون بمؤتمر
بقمة قريباً. وهي مناسبة نستغلّها لنشير إلى المبادرة العربية المنبثقة
عن قمة بيروت. فقد كانت فيها إشارات طيبة لموقف عربي ينطلق من فرضية
خيار السلام ويضع الرفض الإسرائيلي للسلام العربي قيد الامتحان. ولأن
الظروف اليوم مغايرة لما كانت عليه في حينه بسبب من انغلاق إسرائيلي
مدعّم بخوف الجماعة اليهودية العُقدي من الزوال يصير لزاماً على الدول
العربية أن تكثّف من مبادرتها مع تعديلها وفق المركز الفلسطيني. حملة
سلام عربية الآن هي مطلب الساعة استثماراً لمناخ دولي يساندها
ولتحوّلات في الداخل الإسرائيلي.
بعد فترة من
التهدئة من الجانب الفلسطيني عادت المسألة الفلسطينية لتلحّ على
المجتمع اليهودي الذي نجح طيلة فترة التصعيد تفكيك المستعمرات في قطاع
غزة رأيناه مبادرة إسرائيلية تستهدف إتاحة الإمكانية لإسرائيل كي تدير
المسألة الفلسطينية والصراع مع العرب. ومن هنا أهمية انطلاق مبادرة
عربية شمولية تحتوي الضغط الإسرائيلي وتستبقه لا مبادرات تطبيع بالجملة
كما هو حاصل الآن لم تُقتصر على الأقطار العربية فحسب بل طالت الدول
الإسلامية، باكستان مثلاً.
قد نفهم حقيقة
وجود مصالح لدول عربية وإسلامية تلتقي عند زاوية المركز الإسرائيلي -
الأميركي لكننا لا نظنّها قابلة للحياة ما دام الصراع الإسرائيلي –
الفلسطيني مفتوحاً حتى لو تمّ إغلاق ملفّ الصراع الإسرائيلي – العربي
العام. هكذا نرى الأمور في إطار حسابات التاريخ ومع إدراكنا لوجهة تحرك
كثبان الرمل في «الصحراء» العربية وهي حبلى بألف احتمال واحتمال.
فالحال في كل الدول العربية تتسم، برأينا، بسيولة متفاوتة في خط التماس
بين أنظمة ونخب ومواطنين. وبصرف النظر عما يمكن أن ينشأ في هذه المساحة
فإننا نطرح ما نطرحه استناداً لما يعلنه مسؤولو الدول العربية وقادتها
وما تسجّله نخبها من التزام بقضية فلسطين وشعبها خصوصاً في مساحة
العلاقة بين الأنظمة والنخب وبين. نقول هذا وأكثر من أربعة ملايين
فلسطيني لا يزالون لا جئين في الأقطار العربية «الشقيقة».
إننا كما نفهم
النظام في "إسرائيل" بقدراته واستراتيجياته ووجهته وجبهته الداخلية
الآن نؤكد جدوى مبادرة عربية مكثّفة يتم إطلاقها اليوم وليس غداً تضع
"إسرائيل" أمام استحقاقات المصالحة مع العرب وليس مع الفلسطينيين
وحدهم. مبادرة تُحيط بحدود الصراع وملفّاته كلّها وفي صُلبها المسألة
الفلسطينية.
ومثل هذا
التحرّك يتطلب مدى كبيراً من التنسيق العربي والعربي - الفلسطيني. وهو
ما نخشى أنه غير ممكن راهنا علماً بأن هناك اتفاق شبه تام على التفاصيل
عُبّر عنه في المبادرة العربية من قمة بيروت. إلا إن مبادرة كهذه لا
يمكن أن تطبق على الصلف الإسرائيلي وغطرسة النخب فيها بغير أن تكون
مسنودة بالمقاطعة الاقتصادية – السياسية. والمقاطعة بوصفها استراتيجية
دبلوماسية فاعلة في مساحة واسعة تتجاوز بكثير مساحة الصراع الإسرائيلي
العربي قد تنجح في تقديرنا في دفع خيار السلام أكثر مما نجحت في دفع
خيار الحرب.
أكاديمي وكاتب