الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

حق العودة أساس القضية الفلسطينية

 

الياس سحّاب

صحيفة الخليج 19/2/2006

 

بحصول حركة حماس على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وبنهاية شارون السياسية في "إسرائيل"، ارتفع الستار عن مرحلة جديدة في المسار التاريخي للصراع العربي  "الإسرائيلي"، سيكون من عناصرها الجديدة، في البعد الدولي المؤثر في الصراع، التحرك الروسي الجريء باتجاه حماس، ثم قرب نهاية عهد المحافظين الجدد على رأس السلطة الأمريكية.

 

ومن المؤكد أن كل الأطراف الفاعلة في الصراع بدأت منذ الآن تعيد ترتيب أوراقها، واستشراف ملامح ومسارات المرحلة الجديدة، استباقاً لها، واستعداداً لمواجهتها بما يناسب من تحركات سياسية ناجحة. في هذا الصدد، علينا أن نعترف أن أضعف أطراف الصراع في إتقان هذه الحركية السياسية، كان دائما الطرف العربي والطرف الفلسطيني، إما بسبب عجز دائم عن استيعاب قيمة التخطيط المسبق للمستقبل، أو بسبب عدم القدرة على القراءة الدقيقة لتفاعلات الأحداث.

 

لذلك، فإن نظرة استرجاعية على المراحل السابقة للصراع، توضح لنا فداحة نتائج المحطات التي كان العرب والفلسطينيون يتنازلون فيها عن أوراق قوة مؤكدة بين أيديهم، في مقابل "مكاسب" وهمية ما تلبث أن تتبخر في الهواء.

 

ولعل تمادي الطرف "الإسرائيلي" في الاستفادة البشعة والجشعة من هذه الحالة العربية والفلسطينية، يدفع الطرف الفلسطيني بالذات، مع هذا التحول الجديد في مزاج الشارع الفلسطيني، الذي عبر عنه "الزلزال" الديمقراطي الأخير، كما سماه كل الأطراف المراقبة المحايدة، لعل هذا التمادي "الإسرائيلي" إلى درجة لم تعد محمولة، سيدفع الطرف الفلسطيني في الصراع، ومعه ربما بعض الأطراف العربية الأساسية، ذات العلاقة المباشرة بالصراع، إلى إعادة نظر جدية وسريعة وعميقة، في ملف أوراق القوة العربية والفلسطينية التي بددناها سدى طوال العقدين الماضيين، وذلك تمهيداً لاستعادتها، والعودة بالصراع إلى نقطة الانطلاق المؤسسة على أوراق القوة الحقيقية، بديلاً للأوهام التي تكاد تعصف بما تبقى من حقوقنا التاريخية.

 

في هذا المجال، يبدو لنا "حق العودة" كأنه الأب الشرعي والأم الشرعية، لكل الحقوق التاريخية الفلسطينية، التي لا يجوز التفريط بأي منها، لا من قبل الفلسطينيين، ولا من قبل العرب.

 

ولو جمعنا كل هذه الحقوق التاريخية في ملف واحد، وحاولنا فرزها في مجموعات متنوعة، حسب طبيعتها، فإن "حق العودة" سيرتفع حتماً فوق كل هذه الحقوق، باعتباره الحق الأكثر ثباتاً في التاريخ، والأكثر ضماناً للمستقبل. ذلك أن كل الحقوق، ابتداء من قرارات الأمم المتحدة (181 و242 وسواهما)، مروراً باتفاقيات جنيف التي تدين كل تجاوزات "إسرائيل" في الضفة الغربية منذ العام 1967، وصولاً إلى قرار محكمة لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري، الذي يدين كل "إنجازات" "إسرائيل" في الضفة الغربية والقدس العربية، باعتبارها أراضي محتلة، هذه القرارات كلها لها طبيعة جغرافية، يرتبط كل منها بحدث ما، وقع في تاريخ ما، إلا القرار 194 الذي ينص على حق العودة، فهو وحده تعبير عن العلاقة الثابتة والدائمة بين شعب فلسطين وارض فلسطين، حتى لو حمل قسم منها اسم "إسرائيل"، منذ العام 1948.

 

ولا يقتصر الفارق فقط على طبيعة "حق العودة" وما يميزه عن طبيعة الحقوق الأساسية الأخرى، لكنه يتجاوز ذلك إلا أنه الحق الأكثر جذرية بينها، لأنه يضمن العلاقة الواضحة والثابتة بين شعب فلسطين وأرضها، حتى لو تأجلت الحلول السياسية، بفعل الظروف وموازين القوى المختلة، قروناً كاملة.

 

وقد تحتمل كل الحقوق أساليب المناورة والأخذ والرد، إلا حق العودة، الذي يستحق التخلي عنه وحده صفة "الخيانة". لذلك، لم تصمد أبداً كل المحاولات التي تأسست على الاستخفاف بحق العودة، والتخلي الأرعن عنه، بحجج سخيفة، منها أن أرض "إسرائيل" لم تعد تتسع للفلسطينيين الذين يرغبون بالعودة إلى مسقط رأسهم، بينما هذه الأرض "الضيقة" نفسها تتسع بلا حدود، عندما يتعلق الأمر باستيعاب موجات المهاجرين إليها من كل أصقاع الأرض، حتى لو لم يكن بعضهم يهوداً، بل مسيحيين أرثوذكس، كما حدث مع موجات الهجرة المتدفقة من روسيا.

 

لا شك في أن ملف الحقوق الأساسية لشعب فلسطين، مرشح حالياً لإعادة ترميمه فلسطينياً وعربياً، إذا أردنا إخراج قضية فلسطين من دائرة خطر الضياع الكامل، لكن ما هو أكثر حتمية وأهمية، وضع "حق العودة" في رأس قائمة ملف الحقوق الأساسية، وبصفته أشدها تناقضاً مع احتمالات المساومة، فما بالك بالتنازل، الذي يفكر به بعض العرب وبعض الفلسطينيين، من حين لآخر.