الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الدكتور عبد الستار قاسم

عودة

 

الدعم للأسرى الفلسطينيين

 

بقلم / الدكتور عبد الستار قاسم

جامعة النجاح بنابلس

 

ماذا يفيد إضراب الأسرى الفلسطينيين؟

وهل تستجيب السلطات الصهيونية لمطالبهم؟

من ناحية تاريخ صراع الأسرى مع مصلحة السجون "الإسرائيلية"، هناك فائدة من الإضراب، والسلطات الصهيونية تستجيب في النهاية، ليس بالضرورة مع كل إضراب، أو لجميع المطالب. سبق لـ"إسرائيل" أن استجابت لمطالب وتحسنت بذلك ظروف المعتقلين والأسرى. خاض المعتقلون الفلسطينيون إضرابات كثيرة من أجل تحسين أوضاعهم وظروف اعتقالهم، ونجحوا في كثير من الأحيان، لكنهم أيضاً قدموا تضحيات جساماً، إذ سقط الشهداء نتيجة الجوع وتعمّد السلطات الصهيونية الإهمال الصحي، ووقع المرضى الذين عانوا من أمراض مزمنة لها علاقة في الغالب بالجهاز الهضمي.

 

هنا أذكر أمثلة. كان لا يحق للمعتقل الفلسطيني أن يجلس على فراشه الحقير، وكان عليه أن يرتب هذا الفراش باكراً مع كل صباح ويضعه جانباً ليجلس هو على الأرض القاسية والباردة التي تورث الأمراض. كان يشترك سجينان ببيضة واحدة كوجبة طعام، وعشرة بصحن صغير من الفول. أما الجلسات التثقيفية والتعليمية والتنظيمية فكانت ممنوعة. كان من المحرم دخول الجريدة أو جهاز المذياع. وقد حاولت السلطات الصهيونية استغلال المعتقلين في العمل الإنتاجي لصالح شركات ومؤسسات يهودية. غيرت الإضرابات الكثير من الأمور فمنعت العمل وزادت كمية الطعام وأدخلت التلفاز والجرائد وحسنت من ظروف زيارات الأهل، وإلى غير ذلك.

 

الإضراب عن الطعام قاس جداً، لكنه يصبح ملحّاً عندما تصبح الظروف المحيطة أكثر قسوة من آلام الجوع. من التجربة، لا يلجأ المعتقلون الفلسطينيون إلى الإضراب إلا بعد استنفاد مختلف الوسائل مثل التحدث مع إدارة السجون ومع الهيئات الدولية بهدف تحقيق بعض المطالب. لكن لا يجد المعتقلون مفراً من ممارسة هذا الحق المؤلم إلا بعد الشعور باليأس من مواقف الحكومة الصهيونية ومصلحة السجون,

 

للمعتقلين الفلسطينيين حق على الشعب الفلسطيني وفصائله وأحزابه، وكذلك على الشعوب العربية ووسائل الإعلام العربية. التضامن معهم يرفع معنوياتهم ويعطيهم إحساساً بالقوة والاطمئنان. قد لا تؤدي المظاهرات والاحتجاجات واللعنات التي تصب على بني صهيون إلى نتيجة عملية من ناحية تحقيق المطالب، لكنها تعطي دفعا للمعتقلين فيشعرون بأن العالم الخارجي من حولهم يتفاعل معهم ويتضامن ويحاول التقديم حسب إمكانياته المتوفرة. لكن ما يمكن أن يكون مجدياً هو إثارة قضية المعتقلين دولياً بطريقة تحشر "إسرائيل" بالزاوية من ناحية حقوق الإنسان والتعامل مع أسرى الحروب أو مقارعة الاحتلال.

 

البعد الدولي مهم سواء كان يلامس الحالة الشعبية أو الرسمية. وقد لاحظ الجميع هذا في الآونة الأخيرة فيما يخص المعتقلين العراقيين. ارتفع الكثير من الضغط الممارس على المعتقلين بعد أن أخذ العالم علماً بما يجري في أبو غريب. أصبحت الحكومات حساسة إلى حد ما بخصوص حقوق الإنسان وتفضل أن تبقى أعمالها القمعية بعيدة عن وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان وأروقة الأمم المتحدة. تختلف "إسرائيل" عن غيرها من حيث إن درجة إدارة الظهر عندها للإعلام العالمي وحقوق الإنسان أعلى بكثير مما عند غيرها من الدول، لكنها في النهاية لا تستطيع أن تقيم طلاقاً بينها وبين مؤسسات حقوق الإنسان والهيئات الدولية المختصة. تحسب "إسرائيل" في النهاية حساباً ولو يسيراً لسمعتها على الساحة الدولية. لقد أعلن أحد الوزراء الصهاينة أن "إسرائيل" لن تستجيب للمعتقلين الفلسطينيين حتى لو ماتوا جوعاً. صرح بذلك وزراء آخرون في مناسبات إضرابية أخرى، لكنهم بلعوا في النهاية ما صرحوا به.

 

لا يوجد تفاؤل من جهود عربية رسمية حيال المعتقلين الفلسطينيين، لكن التفاؤل مصدره وسائل الإعلام العربية بخاصة الناطقة بلغات غير عربية والحريصة على بث صور المعاناة التي يلاقيها الفلسطينيون في المعتقلات. هناك أمل كبير أن تتبنى كبريات الصحف العربية قضية المعتقلين، وكذلك المجلات والفضائيات.

 

السؤال الشائك الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا يضطر المعتقلون الفلسطينيون إلى الإضراب؟ لماذا لم تقم الفصائل الفلسطينية عبر السنوات منذ عام 1967 بتبني برنامج أمني يؤدي إلى تبادل أسرى؟ أليس من التقصير الفلسطيني أن يبقى سجين أمني فلسطيني في سجون الاحتلال سنوات طويلة؟ من المهم بالتأكيد تقديم الدعم للمعتقلين عبر قنوات ووسائل مختلفة ومتنوعة، لكن الأهم هو العمل على تحقيق ما من شأنه أن يقود إلى تبادل أسرى. التبادل هو أقصر الطرق نحو تحرير المعتقلين وبكرامة بينة وبأقل الخسائر والتضحيات.

 

حصل تبادل أسرى عبر السنوات، وتم تحرير عدد كبير من الأسرى. وهنا أذكر الجبهة الشعبية-القيادة العامة كرائدة من بين الفصائل الفلسطينية في هذا المجال. لكن الوتيرة بقيت غير متناسبة مع طول فترة الاحتلال وعمق الجرح وأعداد المعتقلين. الفصائل الفلسطينية لم تقم بما يجب وبما كان بإمكانها عبر السنوات منذ عام 1967. قد يستطيع العرب الآن تقديم الدعم للأسرى، لكن الشعب الفلسطيني يريد أحراره ومقاتليه خارج المعتقلات وليس داخلها بشروط أفضل. ولهذا فإنه من المتوقع أن تقوم الفصائل الفلسطينية بأدوار أرقى من مجرد إصدار البيانات وحشد المتظاهرين.

 

أما من ناحية السلطة الفلسطينية فليس من المتوقع أن تقدم شيئاً ملموساً للمعتقلين، ولن يتعدى دورها المسرح الإعلامي الذي يبتعد عن المهمة الأمنية الموكولة إليها. سيتحدث مسؤولون فلسطينيون بحرقة حول قضية الأسرى، لكن المتتبع لا بد أن يذكر أن السلطة ساهمت في اعتقال فلسطينيين وفقاً للاتفاقيات مع "إسرائيل"، وهي ما زالت تحتجز حتى الآن أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وآخرين من رفاقه في أحد سجون أريحا. والسلطة هي التي وقعت على أوسلو وطابا ووافقت على خريطة الطريق. هذه جميعها تطالب السلطة بتدمير البنى التحتية لفصائل المقاومة واعتقال المقاومين الفلسطينيين. هؤلاء الذين في السجون "الإسرائيلية" هم مقاومون فلسطينيون. الموقف الفلسطيني الجاد إزاء قضية المعتقلين لا يمكن أن ينسجم مع خريطة الطريق.

 

يبقى أمام الفاعلين على الساحة الفلسطينية والعربية أن يعملوا على حشد الطاقات الفكرية والثقافية من أجل صنع حالة شعبية متضامنة باستمرار مع المعتقلين.