|
الحرب
قريبة وليست وشيكة
د. عبدالستار قاسم
صحيفة القدس العربي اللندنية
11/9/2006
ليس من الفطنة الظن بأن أمريكا
و"إسرائيل" ستتجاوزان نتائج الحرب الأخيرة ضد حزب الله، وأنهما
ستبلعان الاندحار وكأن شيئاً لم يكن. ستنجلي الأيام والأشهر القادمة
عن تداعيات هامة وكبيرة لهذه الحرب أهمها انحسار الهيمنة العسكرية
الإسرائيلية - الأمريكية على المنطقة لصالح توازن قوى جديد تفرضه
إيران وسورية وحزب الله. هناك شرق أوسط جديد سيظهر، لكنه ليس وفق
رغبات كوندوليزا رايس أو الولايات المتحدة، وإنما وفق توازن القوى
الجديد. ستنكفئ محاولات أمريكا في الإطباق على الوطن العربي، وستصاب
سياسة المفاوضات المباشرة مع "إسرائيل" بانتكاسة خطيرة، وستتباطأ
عملية التطبيع العربي معها بشكل كبير. ستكسب الشعوب العربية جرأة
أكثر في مواجهة الحكام العرب، وستصبح الأقلام العربية أشد مضاء في
التحريض والتعبئة وبث الوعي. كل هذا مرتبط أيضاً بسياسة حزب الله
المقبلة على المستوى العربي.
التطورات المتوقعة تشكل مفصلاً
تاريخياً يؤثر بصورة جسيمة على كل المخططات والسياسات الأمريكية -
الإسرائيلية في المنطقة. تدخل المنطقة في مرحلة تاريخية جديدة تهدد
بقاء "إسرائيل" وقدرة أمريكا على الاستمرار في السيطرة على الثروات
العربية. ولهذا لن تقبل الدولتان الأمر بسهولة وستعملان على إعادة
عقارب الساعة إلى الوراء. هناك خياران بارزان أمامهما: يتمثل الأول
في إلحاق هزيمة دبلوماسية بسورية وحزب الله بالتحديد وتحقيق الأهداف
بدون قتال؛ ويتمثل الثاني بشن حرب جديدة سريعة مدمرة ضدهما.
لا أتوقع أن سورية ستستسلم
للإغراءات التي ستقدمها "إسرائيل" وأمريكا لسببين وهما أن "إسرائيل"
لن تسلم الجولان وفق ما كانت عليه الأمور عشية حرب 1967، وأن سورية
ستصمد عند موقفها العربي وذلك استنتاجاً من صمودها السياسي خلال سنيّ
المحادثات التي بدأت في مدريد. أما حزب الله فيخوض معركة عقائدية ولا
مجال إطلاقاً لتحييده أو إغرائه. أما إيران فتبقى قضيتها أكبر من
الجبهة الشمالية المحاذية لـ"إسرائيل"، وهي تتسع على مختلف أنحاء
الوطن العربي والثروات العربية. المهم في الأمر أنه إذا استطاعت
أمريكا و"إسرائيل" إخراج سورية من معادلة القوى الجديدة فإنهما
ستحققان انتصاراً محلياً على الرغم من بقاء الأنياب الإيرانية.
خيار العودة إلى الحرب هو
المرجح، لكنه سينتظر بعض الوقت لغاية حل المشاكل العسكرية التي برزت
مؤخراً. على "إسرائيل" أن تجد حلاً لثلاث قضايا رئيسية قبل أن تقرر
العودة إلى الحرب وهي: قضية نقص المعلومات حول حزب الله وتحركاته
وتسليحه والمفاجآت التي لم يستخدمها بعد؛ وقضية الطيران الذي قصف
المدنيين وتم تحييده إلى حد كبير بشأن المواقع العسكرية، أي حل مشكلة
الخندقة التي يتسلح بها حزب الله؛ والقضية الثالثة متعلقة بالدبابات
التي كانت فرائس سهلة لصواريخ حزب الله. إلى جانب هذه القضايا، لا بد
لـ"إسرائيل" من تدريب جزء كبير من جيشها على حرب العصابات.
بسبب هذه القضايا، الحرب الجديدة
ليست وشيكة، وهي تدار الآن في غرف البحث العلمي وورش التطوير التقني،
وعلى نظريات حروب العصابات. التغلب على هذه المشاكل ليس سهلاً،
ويتطلب الكثير من الوقت والجهد، وهو معرض للإحباط والفشل.
على صعيد الطيران، لا توجد تقنية
حتى الآن تكشف الخنادق، والبحث عنها ليس بالأمر السهل؛ وأما الدبابات
فتحتاج إلى تصفيح جديد وتحصين مواطن الضعف في أبراجها وجنازيرها.
في المقابل، ليس من المتوقع أن
يبقى الطرف الآخر مكبلاً، وسيسعى إلى تطوير صواريخ مضادة للدبابات
أكثر قوة، وإلى التركيز على الدفاع الجوي الذي أدى غيابه إلى وقوع
خسائر جسيمة في المدنيين والبنية التحتية، وإلى تطوير الأساليب
القتالية بخاصة في تحريك الصواريخ المضادة للبحرية.
ربما تكون أهم نقطة في هذه الحرب
القادمة أنها لن تقتصر على حزب الله وستشمل سورية. إيران مهمة
بالنسبة لقوة حزب الله من حيث الأسلحة والتمويل، لكن هذه الأسلحة لا
قيمة لها إذا لم يتوفر المعبر باتجاه لبنان. يتطلب التخلص من قوة حزب
الله العسكرية التخلص من دعم سورية، ولا أري أن سورية ستتخلى طوعاً
عن الحزب. تكتيكياً، ستقوم "إسرائيل" بضربة جوية وصاروخية ضخمة
وفجائية ضد سورية ودون أن تُسبقها بحشد للقوات لما في ذلك من تأثير
سلبي على عنصر المفاجأة. ومن ثم ستحرك قواتها البرية ضد حزب الله،
والسيطرة بعد ذلك على بعض نقاط الحدود بين سورية ولبنان.
لا أرى أن "إسرائيل" ستكسب هذه
الحرب أيضاً، والسبب أن الجيش السوري قد شهد الكثير من التحولات في
السنوات الأخيرة بحيث تم اعتماد الدفاع المخندق وتقليص الاعتماد على
الأساليب القتالية التقليدية. ستحقق الضربة الإسرائيلية تدميراً في
المنشآت المدنية الاستراتيجية، لكنها لن تحول دون ضربة سورية صاروخية
مضادة تصيب مواقع إسرائيلية حساسة. وإذا كانت سورية قد جهزت نفسها من
ناحية الدفاع الجوي فإن الطيران الإسرائيلي سيجد صعوبة في الحركة فوق
لبنان وسورية، الأمر الذي سيخلق صعوبات كبيرة لحركة القوات البرية
الإسرائيلية.
كتبت قبل عدة أعوام بأن هزائم
العرب قد انتهت عام 2000 عندما استطاع حزب الله دحر الجيش الإسرائيلي
خارج الجنوب اللبناني. وما زلت أرى أن التحولات العسكرية في الجيش
الإسرائيلي تميل نحو الضعف، بينما تميل التحولات العسكرية لدى سورية
وإيران وحزب الله نحو القوة. لم يعد الجيش الإسرائيلي ذلك الذي كان
من ناحية الانضباط والعقيدة القتالية، ولم تعد القوات العربية -
الإسلامية تلك التي تصاب بظهورها.
|