الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الدكتور عبد الستار قاسم

عودة

 

الرحيل عن المخبرين

 

بقلم / الدكتور عبد الستار قاسم

جامعة النجاح بنابلس

 

يبدو أن المقال المعنون "عندما يكون الطالب مخبرا" قد كان مثيرا حيث تلقيت العديد من ردود الفعل المتباينة. كثيرون هم الذين أثنوا على المقال وقالوا أنه يصف إحدى الظاهرات الخطيرة التي تلقي بجامعات العرب بعيدا عن الهدف العلمي، وآخرون قالوا أن في الوصف بعض المبالغة، بينما وصف أحدهم المقال بأنه لا يصدق ولا أعلم فيما إذا عنى أنه مذهول أو أن المعلومات غير صحيحة، أما آخر فقال أننا جميعا في الوطن العربي نتجسس على بعضنا البعض: الأب على ابنه، المسؤول على موظفيه، الحاكم على محكوميه. لكن أشد الردود وقعا كانت تلك التي وجدت في المقال مبررا للهجرة، للرحيل عن الوطن وتركه لدوائر المخابرات والأجهزة الأمنية. عبر أحدهم بالقول بأنه يعرف أن "الظلم الواقع على أبناء الأمة هائل، ولولاه لما انحنت الأعناق لنعال الأجانب. فلو كنت أملك الوسيلة لما شدتني أرض العرب دقيقة."

لم يكن الهدف من المقال تعزيز فكرة الرحيل وإنما المساهمة في تصاعد الوعي حول الوضع العربي المقيت الذي لا يؤمن بحرية أبنائه ويتعامل معهم على أنهم صغار وغير مؤتمنين ولا مستقبل لهم إلا ما يرسمه صاحب السلطان. كلمات ازداد الوعي النظري بالشيء ازدادت فرص تنامي الوعي العملي الذي لا يمكن أن يتم تغيير بدونه. مهمة الكاتب والمفكر والأديب والمثقف أن يتحسس اهتمامات الناس وهموهم فيعزز ما هو إيجابي ويسلط قلمه على ما هو سلبي، ويشاركهم في الجهود نحو التغيير إلى ما هو أرقى. تمر أمتنا في مرحلة تاريخية بائسة متصفة بالذل والهوان والتخلف، ويصعب على الكاتب أن يستحسن قضايا تبعث في النفوس الغبطة والسرور. هذا لا يعني أن الأمة لا تتحلى بأي شيء قويم، لكن الحسن يضيع أمام هول الخطوب والقضايا المريرة التي تنهش الجسد. ولهذا فإن المقالات عبارة عن دعوة للتفكير معا أو للعمل معا إن أمكن، وليس للرحيل عن وطن بحاجة إلى كل الواعين والغيورين.

للمخبرين ومن وراءهم الذين يحرصون فقط على أمن أنظمتهم أحد هدفين: دفع العربي إلى الصمت والنوم مع النائمين أو دفعه إلى اليأس والمغادرة مع المغادرين. يرفض الذي يؤمن بأن هذا الوطن وطنه أن تسوقه السطوة إلى أي من هاتين النهايتين. هذه الأرض لنا وليست لدوائر المخابرات ولا للأنظمة التي توظفها لتقض المضاجع وتراقب المخادع. إذا كنا نؤمن بالله وأن علينا السعي نحو التغيير والتقدم، فإن الرحيل يتحول إلى إثم إلا إذا كان ضمن برنامج واضح لمواصلة العمل حتى تحقيق الحرية. وقد قال الله سبحانه: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم."

يتخذ بعضهم الرحيل حجة قائلين بأن من لا يستطيع تغيير الأمور من داخل البلاد قد يستطيع المساهمة فيه وهو خارجها. يتم سماع هذا التبرير من قبل عدد من العرب الذين آثروا الهجرة على البقاء في البلاد. هنا لا أتكلم عن الذين هاجروا وهم لا تعنيهم الأمة ولا يرد التغيير في خاطرهم، وإنما أعني فقط الذين بقيت لديهم غيرة على الأمة ويحاولون بطريقة أو بأخرى عدم إدارة الظهر لنا ولأوضاعنا. وطبعا لا نستطيع هنا أن نستسهل إصدار الأحكام خاصة أن الكثير من الممارسات الرسمية العربية والاجتماعية تقهر الناس وتدفع بالكثيرين دفعا نحو اليأس وفقدان الأمل من البقاء. وللناس طاقات متباينة، وما يمكن أن يحتمله زيد من آلام قد لا يقوى عليه عمرو. إنما المهم أن الثمار التي قدمها المهاجرون أو الهاربون العرب لأمتهم لا تتناسب بتاتا مع الجهود التي يقولون أنهم يبذلونها من أجل تحسين صورة العربي ومن أجل الدفع باتجاه التغيير في الوطن الأم.

يقدم الراحلون بعض الكتابات وبعض الأفكار المفيدة، ولا شك أنهم يقدمون إنتاجا أدبيا وعلميا له وقع يفيد المواطن العربي ومواطني الدول التي يتواجدون فيها. لكن هذه الإفادة تخلو من الصدى الضروري لحشد الرأي العام وربما الجهود بصورة منظمة مباشرة أو بصورة غير مباشرة لتحدي الواقع نحو واقع جديد. حتى أنهم في المهجر مفرقين غير قادرين على تكتيل أنفسهم حول مبادئ عامة تشكل نواة لفكر عربي يتناسب مع تحديات المرحلة ويعمل على نقل الأمة نحو آفاق سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة.

عندما تتم مواجهة الراحلين بأن الجهود قد تكون أكثر إثمارا إذا تم توظيفها داخل الوطن يجيبون بأن عصا الأنظمة غليظة وهي تلجأ دائما إلى أساليب القمع مثل الاعتقال والتعذيب والطرد من الوظيفة وربما الاغتيال والتصفية الجسدية. كلامهم بالتأكيد صحيح، لكن من الذي سيواجه الظلم والاستعباد والهوان إذا أخلى كل واحد منا سبيل نفسه من تحمل العذاب والسجن؟ هل نأتي بأناس من المريخ أو عالم اللاهوت ليقوموا بما يجب علينا القيام به؟ هل نستعين نحن الناس العاديين بخبراء أجانب ليفلسفوا لنا الأمور بطريقة نرضاها  فتهدأ نفوسنا؟ أم علينا أن نعتمد فقط على المنطق التاريخي القائل بأن الظلم لا يدوم ولا بد أن تتولد الثورة من رحمه في النهاية؟

يصعب أن نجد ظالما تخلى عن ظلمه ومستبدا تنازل عن استبداده، ويصعب جدا أن نجد عبر التاريخ من فعل ذلك بالحسنى وبدون تعريض الناس للأحزان والآلام. أرجو الله أن تخالف الأمة العربية هذا المسار التاريخي العام، لكن الرجاء قد لا يكون إلا مجرد تعبير عن خلجات النفس الإنسانية وتلبيته تتطلب التضحيات. لن تتغير الأمة بالأدعية أو التذمر المستتر في المجالس الخاصة أو عبر الكلام المنحني، ولا مفر من بذل التضحيات. من يبحث عن رفعة الأمة وخروجها مما هي فيه من تمزق وتمرغ عليه أن يكون مستعدا لتقديم الثمن، ومن لا يضع في حسابه ثمنا يدفعه إنما يفضل البقاء على الرصيف حتى لو حسن كلامه للسامعين. هذا زمن لا يحتمل التراخي، ومستقبل الأمة بيد أبنائها وليس بيد حكامها. لو أراد حكامها التغيير أو رغبوا في ذلك، إن كانوا يملكون من الأمر شيئا، لفعلوا، وتبقى المهمة في أعناق قادة الفكر والمعرفة من رجال دين وأساتذة جامعات وأدباء وصناع رأي.

صحيح أن النظام الاجتماعي متخلف وقمعي لكننا لا نستطيع إلقاء المسؤولية على المجتمع وإنما على من يقوم على مؤسساته. القيادة السياسية هي رأس السلطة وهي التي تملك الإمكانات والمؤسسات الضرورية لتنفيذ برامج التغيير. تستطيع القيادة السياسية أن تضع البرامج التي تؤثر بالنظام الاجتماعي والأنظمة الأخرى، لكن النظام الاجتماعي يسترخي إلى البلادة والتحجر إذا وجد أن القيادة السياسة ليست إلا صياغته ولا تستطيع أن تتصرف إلا حسب قواعده. يطور النظام الاجتماعي نفسه تلقائيا بفعل الزمن وما يواكبه من تطورات موضوعية تفرض نفسها بالسلوكيات المصاحبة لها على الناس، لكن التطوير أو التغيير يحتاج إلى الجهد الإنساني الواعي الذي يحاول تجاوز الزمن ليضع بصماته على المؤسسات الاجتماعية بمختلف أشكالها.

التغيير بحاجة إلى قياديين يدفعون باتجاهه من خلال بث الوعي لدى جمهور الناس ومن خلال العمل المباشر. الكلمة مهمة وكان لها أثر تاريخي في الكثير من البلدان والمجتمعات، لكنها وحدها لا تكفي. الكلمة وحدها جميلة لكنها تكتسب رونقا وبهاء إذا زينها العمل، وهي لا ترتقي بالذين يتخلون عن مسؤولياتهم أو يندحرون مرعوبين في زوايا من سطوة المخابرات وإنما بالذين يتمسكون بها ليكونوا قدوة عملية للناس. الوفاء بمتطلبات الكلمة أمانة، وهي أمانة ثقيلة ومكلفة وذات فاتورة عالية لا بد من دفعها. لا يقوى على الوفاء إلا المؤمنين الذين يؤمنون بالله أو يؤمنون بأنهم يدافعون عن حق ضد ظلم أو عن عز ضد مذلة.