|
عاد ملف الفساد
المالي في فلسطين ليطفو، وبقوة هذه المرة، بعد أن ظل حبيس المكاتب
والأدراج لسنوات، وأصبح حديث الساعة في مجالس المواطنين وفي وسائل
الإعلام بأنواعها، بعد أن قرر النائب العام الظهور والحديث علناً عن هذا
الملف الحساس، الذي دون شك سيطال رؤوساً كبيرة يشعر الكثيرون أنها قد
أينعت وحان قطافها.
منذ عقد ذلك
المؤتمر الصحفي للنائب العام أحمد المغني، والذي كشف فيه الستار عن بعض
الاختلاسات المالية والتي قد تصل حسب رأيه لأكثر من مليار دولار أمريكي،
والجدل دائر بين مشكك في صحة الأرقام وحقيقتها، ومؤكد أنها لا تمثل إلا
قمة جبل الجليد الظاهر فوق السطح وما خفي أعظم، وبين الجهتين يقف المواطن
الفلسطيني مذهولاً ليس بسبب حجم الفساد، لكن لأنها المرة الأولى التي يتم
فيها الاعتراف بوجود الملف وتفاصيله وبشكل رسمي، رغم المحاولات الماضية
لإثارته وعلى أكثر من صعيد.
رحلة ملفات الفساد:
لماذا الآن؟
جاء توقيت
المؤتمر الصحفي للنائب العام مثيراً للتساؤلات والتكهنات، فبعد سبات دام
أكثر من 12 عام، خرجت هذه الملفات بقدرة قادر إلى العلن رغم عدم انتهاء
التحقيق فيها بشكل رسمي، ودون تحديد أسماء بعينها، أو توجيه اتهامات
واضحة، وهو ما يُفسّر من خلال احتمالات أهمها:
1.
أنها خطوة استباقية لسحب البساط من تحت حركة حماس،
وهو ما يسجل للمؤسسة الرئاسية أسبقية فتح الملفات ومحاربة الفساد، وأيضاً
إيجاد مخرج في كل الظروف، فإن نجحت الرئاسة في خطوتها تلك حُسِبت لها،
وإن فشلت حمّلت حركة حماس المسؤولية كونها الحكومة!
2.
في سياق معاقبة عبّاس، لمن حاولوا اعتراضه وعرقلته
بعد أن اعترف بمشكلته الداخلية مع حركة فتح يوم 14/01/2006، ولتكون ملفات
الفساد ورقة ضغط حقيقية، يشهرها حسب الحاجة لتمرير نهجه داخل حركة فتح.
3.
أن تكون محاولة للتغطية على ملفات أكبر، وأضخم تطال
رموز في الصف الأول، مما يشغل الناس بالملفات الصغيرة نسبياً، ويخفف
المطالب بالمحاسبة عقب فوز "حماس" بالانتخابات التشريعية، وهو ما سبق أن
أشار إليه النائب جمال الشاتي رئيس لجنة الرقابة، وحقوق الإنسان بالمجلس
التشريعي الفلسطيني بتاريخ 29/06/2005، في حديث ل "إسلام أون لاين"
قائلاً "لم يتم تحريك العديد من ملفات الفساد المرفوعة إلى النائب العام،
ونريد أن نعرف بصراحة ما إذا كانت هناك ضغوط تمارس عليه من بعض الأطراف،
أو ربما قرار سياسي بتجميد هذه الملفات"، ليضيف "النائب العام لم يحسم
سوى قضايا الفساد، التي تتعلق بمسؤولين صغار في السلطة، أما الحيتان فلا
أحد يحاسبهم".
4.
كون عبّاس يريد فتح الملفات مستغلاً فوز "حماس"
بالانتخابات، لما لديها من دعم شعبي وقوة لا يستهان بها على الأرض.
5.
صدق النية من قبل محمود عبّاس بفتح ملفات الفساد
والضرب على الفاسدين، دون أية نوايا سياسية أخرى وهو احتمال لا يمكن
إسقاطه.
حجم الفساد
رغم ما أعلنه
النائب العام الفلسطيني من أرقام، إلا أنها تبقى في باب التكهنات،
وفي أحسن الأحوال التحقيقات، ومن الصعوبة بمكان تحديد الحجم الحقيقي
للاختلاسات والسرقات والأموال المهدورة طوال السنوات الماضية، لكن
بمراجعة بسيطة موثقة، يتضح أنها وبكل المقاييس مليارات من الدولارات، وما
يلي هو بعض مما قيل أو نشر حول حجم الأموال، التي إما نهبت أو تبخرت أو
لا يعرف لها أثر، وهي بلا شك ليست حصرية ولا تشمل الجميع!
-
عام 1997 نُشرت
تقارير حول ما عرف بفضيحة معبر كارني، عندما تم الكشف أن 40% من
الضرائب المحصلة من الاحتلال عن رسوم المعبر، والمقدرة بمليون شيكل
شهريا، كانت تحول لحساب "سلطة المعابر الوطنية الفلسطينية" والتي اتضح
فيما بعد، أنها حساب شخصي لمدير جهاز الأمن الوقائي في حينه محمد
دحلان!.
-
سبق وأن ذكرت
راوية الشوا عضو التشريعي، أن حجم إيداعات السلطة 4 مليارات دولار.
الخلاصة:
خطوة فتح ملفات
الفساد، هي بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن لابد من متابعة كافة
الملفات، والوصول للحقيقة حتى وإن طالت أكبر الرؤوس، وهو ما يتطلب سلطة
قوية قادرة وقضاء عادل ونزيه، وهو ما لا يتوفر حتى اللحظة، خاصة أن
النائب العام نفسه، موضع اتهام حول كيفية وصوله لمنصبه وشرعيته، وهو الذي
لم يكن جزءً من الجهاز القانوني للسلطة، بدليل ترشحه عن قائمة "فتح" في
انتخابات نقابة المحامين، و عدم حصوله للأصوات اللازمة ليكون عضوا في
مجلس إدارة النقابة المكون من ستة أعضاء، و التي حصدت "حماس" فيها أربعة
مقاعد مقابل اثنين لحركة فتح، كما يتطلب الفصل التام بين السلطات
التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما لم يحدث باعتراف النائب العام،
أن محمود عبّاس طلب منه تأجيل عقد المؤتمر الصحفي، وهو ما يعتبر تدخلاً
مباشراً في صلاحيات السلطة القضائية.
ستحمل الأيام
القادمة مفاجآت، ومن العيار الثقيل فالزلزال الفلسطيني يوم 25/01/2006
بدأت توابعه بالوصول، وتسونامي الإصلاح سيجرف الكثير من رؤوس الفساد
والإفساد في فلسطين، وما نشهده اليوم هو البداية وليس النهاية، وملفات
الفساد الاقتصادي والمالي، يجب أن يتبعها فتح ملفات الفساد السياسي
والاجتماعي والأخلاقي والوظيفي، بعد أن تحولت فلسطين إلى إقطاعيات خاصة
لمتنفذين لم يتورعوا في المتاجرة بكل شيء.
|