|
لم يعد لدى الكمّ
المتنفّذ في حركة "فتح" همّ إلا إيجاد التبريرات لتأجيل الانتخابات، بل
إنّ الأمر تعدّى ذلك ليصل حدّ التآمر على الوطن والمواطن في سبيل تحقيق
هذه الغاية، ولا يمضي يوم، بل لا تمضي ساعة إلا ونسمع عن فضيحة جديدة
لهؤلاء، أو حادثة بشعة تشوّه سمعة شعبنا البطل، أو متاجرة بكلّ الثوابت
والدماء في سبيل تحقيق غاياتهم.
الأبوات هنا هم
قيادات "فتح" ممن دخلوا في غيبوبة قسريّة عن الواقع المُعاش على أرض
فلسطين، لا لجهلِ أو عدم علم أو معرفة، بل عن طريق إقناع أنفسهم عبر
التغابي السياسي بأنهم حماة هذا الوطن، وبأنهم الحريصون عليه طالما كانت
النتيجة المرجوة تأجيل الانتخابات التشريعية أو يفضل إلغاؤها وإبقاء
السيطرة والتفرّد، ومن أجل عين تهون عيون.
رغم استغلال
القانون والقضاء والتلاعب بالأنظمة والقوانين لصالح حركة "فتح" وبشكل لا
يخفى عن أصغر طفل في فلسطين، ورغم السيطرة على الإعلام بكل أشكاله، ورغم
محاولات التشويش والتشويه ضد الآخرين، رغم كل ذلك يحاول الأبوات وبكل
الطرق والوسائل إيجاد المبررات لتأجيل تلك الانتخابات، وتحت ذرائع
مختلفة.
لم يكفِ هؤلاء
البلطجة والزعرنة في اقتحام المؤسسات والمراكز الفلسطينية، وفي إغلاق
الطرق والمعابر، وفي إصدار البيانات المسمومة، بل تعدّاه لاختلاق حوادث
مُشينة من اختطاف للمتضامنين مع شعبنا من كلّ أنحاء العالم ليخرج علينا
"أبوات" فتح بتفسيرات تصبّ كلّها طولاً وعرضاً لمصلحة تأجيل أو إلغاء
الانتخابات.
فبعد مسرحية
اختطاف البريطانيين الثلاثة المكشوفة، والتي تورطت فيها أجهزة أمنية لم
تجد لها مخرجاً سوى ادعاء المسؤولية لمجموعة وهمية، خرج علينا كبير
المفاوضين (..) صائب عريقات بتصريح لقناة سكاي يكشف النوايا الحقيقية
للحادثة المدبرة ليقول وبالحرف: "إن خطف ناشطة في مجال حقوق الإنسان
ووالديها في غزة قد يُخيف المراقبين الأجانب ويُحبط خططنا لإجراء
انتخابات برلمانية فلسطينية" ليضيف: "ما هي الرسالة التي يريدون إرسالها
للمراقبين الدوليين الذين دعوناهم لمراقبة الانتخابات؟ ... قد يكون السبب
وراء هذا العمل الأرعن هو إبقاء هؤلاء المراقبين بعيدا لأن البعض يريد
تخريب هذه الانتخابات"، لكن كبير المفاوضين المحنّك لم يتفضل ويكشف لنا
من الذي له مصلحة في تأجيل الانتخابات غير حركته التي ينتمي إليها.
آخر من "الأبوات"
خرج بتصريح آخر وهو "توفيق أبو خوصة" الناطق الرسمي لوزارة الداخلية
والأمن الوطني ليقول وبالحرف الواحد أيضاً: "إن
الجهة الوحيدة التي كانت تغلق المعبر هي الاحتلال ولكن الآن هناك جهات
منتفعة تقوم بإغلاق المعبر وخطف الأجانب، وتقوم بتغذية الفوضى من خلال
الاعتداء على المواطنين والمؤسسات لتحمل المسؤولية للسلطة"، لكن لم يذكر
حضرة الناطق الرسمي من غير زعران وبلطجية حركته أقفل المعابر، أو اقتحم
مؤسسة أو خطف مواطن، الجواب القطعي هو أنه لا أحد سوى ميليشيات "فتح" من
يقوم بكل تلك الأعمال، فهل كان يقصدهم؟
الأبوات أيضاً
اجتمعوا وقرروا، وليذهب الإجماع الوطني للجحيم، فمصالحهم أهم من مصلحة
الوطن، فقد اقترح ثمانية من أعضاء قيادة حركة "فتح" تأجيل الانتخابات
التشريعية المقررة في 25 كانون الثاني/يناير.
وقد وجّه الأعضاء الثمانية في اللجنة المركزية للحركة ومنهم رئيس الوزراء
أحمد قريع ونائب رئيس الوزراء نبيل شعث، رسالة في هذا الصدد إلى الرئيس
محمود عباس، وبرروا التأجيل بسببين: عدم تعهد إسرائيل بالسّماح للناخبين
في القدس الشرقية بالتصويت في الشطر الشرقي من المدينة المقدّسة، وتدهور
الوضع الأمني الداخلي بين الفلسطينيين!
هذه أعذارهم:
فوضى اختلقوها وغذّوها عبر ميليشيات حركتهم دون غيرها، ومدينة القدس
الشريف التي قرروا المتاجرة بها بعد استنفاذ كل الألاعيب الأخرى، وكأنهم
من يحرص عليها دوناً عن الباقين، فجنّدوا لذلك منظّريهم من أمثال عباس
زكي الذي خرج يوم الجمعة الماضي على قناة الجزيرة ليزاود على الجميع، أو
من خلال البيانات المتتالية والمقالات الصحفية للمطبّلين المعتادين،
ولابدّ في هذا المقام من توضيح بعض مواقف سلطة أوسلو من القدس التي
يتاجرون بها الآن:
-
ارتضى رموز
أوسلو استثناء القدس من المفاوضات وإبقائها للمرحلة النهائية.
-
توصل عباس
لاتفاق عُرف باتفاق عباس- بيلين يتنازل فيه عن القدس، وبالمناسبة فقد
أنكر عباس وجود مثل هذا الاتفاق لمدة خمس سنوات بين عامي 1995 و2000
إلا أن أمره قد فُضح عبر الصحافة والإعلام العالميين مثل صحف نيوزويك
والحياة اللندنية والقدس العربي وعلى لسان مفكرين مرموقين مثل إدوارد
سعيد، ولم يصدر أي نفي عنه منذ ذلك الحين ولو لمرّة واحدة.
-
في هبة النفق
في 25-27 سبتمبر/أيلول 1996 صدرت الأوامر في حينها وبعد سقوط 31 شهيد
و1600 جريح بوقفها وبكل الوسائل ليُفتتح النفق ويصبح مزاراً دون أن
تتخذ سلطة أوسلو أيّ إجراء.
-
قبلت سلطة
أوسلو أن يقترع الفلسطينيون في الانتخابات التشريعية الأولى عبر مراكز
البريد.
-
رضخت سلطة
أوسلو ولتثبيت عباس بأي ثمن رئيسا للسلطة للشروط الإسرائيلية في القدس،
ليدلي المقدسيون بأصواتهم عبر موظفي البريد، أي في رسالة ترسل وكأنّها
بريد عادي.
لماذا إذاً كلّ
هذه الصيحات حول القدس، وهل القدس تعني "فتح" ورمزها فقط؟ وهل الوطنية
والحفاظ على المقدسات حكر على من يتوقع هزيمته؟ إن كان هناك حرص حقيقي لا
متاجرة لماذا لا تستشار باقي القوى على الساحة الفلسطينية؟
لا يمكن لعاقل أن
يقلّل من شأن القدس ومكانتها وأهميتها، لكن المتاجرة الرخيصة بها بهذا
الشكل هو ما لا يمكن قبوله، وسأطرح سؤالاً غاية في البساطة، هل مصير
شعبنا ومؤسساته بيد شارون وموفاز ليقرروا إجراء الانتخابات من عدمه
بارتهانه للقدس؟ وهل وجب علينا السمع والطاعة؟ وماذا لو قرر شارون منع
التصويت في أي مدينة أخرى في فلسطين؟
يتناسى هؤلاء
"الأبوات" حقيقة هامة أنهم بتأجيل الانتخابات يكونوا قد بصموا بالعشرة
لسياسات شارون المعلنة، وربما هذا ما يريدونه، وشارون هذا قرر دعم "فتح"
بكل إمكاناته بدء ً من حملة الاعتقالات ضد نشطاء الفصائل الأخرى، إلى منع
أي دعاية انتخابية في القدس لغير "فتح"، إلى منع حرية الحركة للآخرين من
غير "فتح"، بل للتهديد بعرقلة كلّ شيء إن لم تَفُز "فتح"، تُرى لماذا قرر
شارون التصويت لصالح حركة "فتح"؟ بل سمح لفتح بإجراء الانتخابات
التمهيدية (برايمرز) في القدس دون عراقيل؟ بل ذهب لأبعد من ذلك للتأثير
على الناخب الفلسطيني بتهديده بلقمة عيشه ليوعز لحلفائه بوقف الدعم
المادي الدولي للسلطة إن فازت بها حركة غير "فتح"، ألا يدعو كل ذلك
للتساؤل.
بعد كل ذلك يصر
"الأبوات" على مواقفهم المكشوفة، فيخرج قريع ليقول إنّ تأجيل الانتخابات
ليس عيباً، وأن القدس أهم من الانتخابات، ومن ثَمّ يتم الإيعاز لزعران
وبلطجية السلطة لتأكيد حالة الفوضى والفلتان التي تقوم بها فقط الأجهزة
الرسمية ومسلحي "فتح"، ولنرصد سوياً ما جرى في اليوم الأخير من عام 2005،
في يوم واحد فقط:
-
مجموعة من
كتائب الأقصى تقتحم 4 مكاتب للسلطة وتسيطر عليها في المنطقة الوسطى.
-
العشرات من
المسلحين يعيدون إغلاق معبر رفح ويمنعون حاملي الجوازات الحمراء من
الوصول إلى المعبر.
-
كتائب الأقصى
تطالب المراقبين الدوليين بالمغادرة فورا وتقتحم فندقاً في نابلس
ومقرات السلطة في قطاع غزة.
-
مجموعة من
الملثمين أطلقت سراح سفير فلسطين في باكستان بعد احتجازه في رفح وتحطيم
سيارته.
كل تلك الأعمال
لم تصل مسامع أبو خوصة فنشر على موقع وزارته الساعة الثانية و35 دقيقة من
يوم 31/12/2005 خبراً ً يتيماً لا أساس له من الصحة يقول فيه: "أفادت
المصادر الأمنية اليوم أنّ مسلحين تابعين لحركة حماس قاموا بإطلاق النار
بشكل كثيف وعشوائي في منطقة "عريبة"
الكائنة في منطقة رفح جنوب قطاع غزة مما تسبب في ترويع المواطنين وقطع
التيار الكهربائي بعد أن أصاب عيار ناري سلك الضغط العالي.
وفي سياق متصل، دارت اشتباكات عنيفة بين عناصر
من حركتي حماس والجهاد الإسلامي على خلفية ملصقات تم وضعها على الجدران
تبعه تبادل لإطلاق النار ولم يبلغ عن وقوع إصابات". لا عجب فهذا هو تخصص
أبو خوصة!
بعد كل ذلك وعقب
اختطاف المواطن الإيطالي اليوم وإطلاق سراحه فتحاوياً برعاية المشهراوي،
صدرت الفتوى الأهم من "الأبوات" وهذه المرة من أمانة سرّ "فتح" مساء
اليوم لتقول: لا انتخابات تحت الاحتلال!، وكأن الاحتلال واقع جديد يتعرف
عليه الأبوات وأمانتهم الآن، وكأن البديل الذي يطرحونه بقاء شلّة الفسدة
في مواقعهم إلى أن يشاء الله.
لا انتخابات تحت
الاحتلال، يعني لا سلطة تحت الاحتلال، وهو ما بَحّ صوتنا لسنوات ونحن
نطالب به، لا انتخابات لا أبوات، لا انتخابات لا امتيازات، وعلى ذلك يمكن
الاتفاق، أم أنّ هناك رأي آخر للأبوات؟
|