|
انشغلت
الأطراف الدولية خلال اليومين الماضيين في مناقشة الوضع المتفاقم في
لبنان، فأُدرجت المسألة على أجندة الدول الثماني الكبار الذين اجتمعوا في
سان بطرسبورغ في منتصف الشهر الراهن.
وللسبب نفسه،
اجتمع الاتحاد الأوروبي على مستوى وزراء الخارجية في بروكسل 17 تموز
الجاري، وانعقد مجلس الأمن الدولي، ومن قبل تداعى العرب مجتمعين على
مستوى وزراء الخارجية يوم السبت الماضي.
كل ذلك عكس مدى
اهتمام المجتمع الدولي والأسرة العربية المجيدة بأوضاع المنطقة، ومدى
رغبتهم في الوصول إلى حلٍّ يرضي المُدلَّلة (إسرائيل) المجروحة في
كرامتها وكبريائها!
فلأول مرة منذ
زمن بعيد يجتمع العالم من حولنا، كباره وصغاره، ليقرروا ويعلنوا موقفاً
موحداً، إلى درجة استخدامهم لذات الكلمات والمصطلحات التي توحي بمدى
التنسيق والتفاهم، معربين عن دعمهم لـ(إسرائيل) وتبني مواقفها التي تتركز
حول: تسليم الجنود الأسرى دون شرط أو قيد ـ وقف صواريخ المقاومة ضد
الاحتلال وتطبيق القرار 1559 ـ ومن ثمَّ وقف الاحتلال لاعتداءاته على
لبنان.
وبالمناسبة، فإن
هذه الشروط مشابهة للمطالب التي أعلنتها قمة الثماني بخصوص الوضع في قطاع
غزة الذي يقصف هو الآخر ليل نهار.
ذلك الحراك
السياسي الدولي، وتلك المواقف المتلاحقة والمتشابهة إلى حدِّ التطابق مع
الاحتلال (الإسرائيلي)، توحي وتبعث ببعض الرسائل الهامة، منها:
أولاً: أن
المجتمع الدولي بقيادة واشنطن يمنح الاحتلال (الإسرائيلي) مظلة وضوءً
أخضر لأخذ فرصته وكفايته من الوقت للقضاء على المقاومة في لبنان، حتى لو
أدَّى ذلك إلى مزيد من المجازر والدمار للبنان دولة وشعباً.
وليس أدلَّ على
ذلك من تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس" عندما صرحت على
هامش قمة الثماني في 16/ 7/ 2006 "أن واشنطن ليس بوارد ممارسة أي ضغط على
(إسرائيل) الآن، لأن المشكلة ـ كما تدّعي رايس ـ في حزب الله، فكلما
أوقفت (إسرائيل) القصف، عاد حزب الله لإطلاق الصواريخ من جديد". هذا
ناهيك عن تكرار الرئيس بوش عن "حق" (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها! . في
الوقت الذي يقتل فيه مئات المدنيين اللبنانيين وتدمر فيه البنية التحتية
لبلد بأكمله.
ثانياً: تحرك
الوفود بين بيروت والقدس، حاملة ذات المطالب (الإسرائيلية) دون تحريف،
يعد سيفاً مسلطاً على رؤوس اللبنانيين، وتأكيداً على أن المجتمع الدولي
بزعامة واشنطن، لا يتوسط أو يفاوض بل يسعى للضغط على لبنان ومقاومته لرفع
الراية البيضاء، وإلاَّ فإنَّ المجتمع الدولي سيُخلِّي طرفه، ويعلن براءة
ذمته من دماء اللبنانيين المسفوحة، معتبراً أنه تقدَّم لحل المشكلة، لكن
لبنان رفض الانصياع للإرادة الدولية التي هي طبعة (إسرائيلية)، وبالتالي
على لبنان وحلفاءه أن يتحمَّلوا المسؤولية..
ثالثاً: استخدام
واشنطن للفيتو ضد صدور قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بإدانة الهجوم
(الإسرائيلي) على قطاع غزة والمطالب بإطلاق سراح الأسرى من الطرفين. ومن
ثمَّ فشل مجلس الأمن بعد ذلك في الوصول إلى قرار بخصوص الوضع في لبنان،
بفضل جهود المندوب الأمريكي جون بولتون الصديق الوفي لـ(إسرائيل)، رسالة
واضحة بتحييد مجلس الأمن عن اتخاذ أي قرار يدين (إسرائيل) في الصراع
الدائر في فلسطين ولبنان، وبالتي فإنَّ ذهاب الجامعة العربية إلى
نيويورك، يعدّ مهزلة ومسرحية جديدة تعرض على مسرح مجلس الأمن "الأمريكي"،
ويعدّ نكوصاً وهروباً عربياً رسمياً من تحمّل المسؤولية القومية،
والأخلاقية.. تجاه لبنان وفلسطين.
رابعاً: إعلان
بعض الدول العربية تحميلها المقاومة المسؤولية عمَّا يجري في لبنان،
وبالتالي رفضها تحميل المسؤولية للكيان (الإسرائيلي) الذي يحتل الأراضي
العربية، والذي يرفض الإفراج عن عشرة آلاف أسير فلسطيني، ولبناني، وعربي،
يعدّ انعطافة سياسية خطيرة في مواقف بعض الدول العربية بحجم السعودية
ومصر.. اللتين كانتا على الدوام تشخصان العلة والمرض في الاحتلال الذي
هو أساس البلاء في المنطقة العربية، وتريان في المقاومة حقاً طبيعياً ضد
الاحتلال الرافض رد الحقوق إلى أصحابها، وبالتالي فإنَّ تلك المواقف قد
تقود لانقسام عربي، يدخل معه الجميع أعتاب مرحلة مكاسرة بين فريقين:
الفريق الأول:
بقيادة واشنطن وتل أبيب، بغطاء سياسي من بعض النظم العربية، كالسعودية،
ومصر، والأردن..
الفريق الثاني:
بزعامة المقاومة في (فلسطين ولبنان)، ومعها الشعوب العربية والإسلامية،
وبدعم من سورية، واليمن، والسودان، والجزائر، وإيران..
وفي هذا الاتجاه
فإن لبنان الآن بذريعة أسر الجنديين، هو الساحة التي يجري على أرضها
التدافع بين محورين أو مشروعين، وكل له نصيب، وهذا التدافع قد يصل إلى حد
الكسر إن لم تصحح بعض الأطراف العربية مسارها السياسي وراهنت على شعوبها
في وجه الاحتلال والهيمنة الأمريكية التي لن تستثني أحداً في المنطقة.
الكل يدرك الآن
أن مستوى التوتر في المنطقة عالٍ وخطير، فـ(إسرائيل) تتعنت متمسكة
بشروطها، رافضة فكرة وجود قوات دولية للفصل بين الطرفين، أي أنها معنية
باستمرار المواجهة حتى الرمق الأخير، متيحة المجال لإمكانية توسع عدوانها
من خلال تكرار اتهامها لسورية وإيران بمساعدة المقاومة بالسلاح والجنود،
في الوقت الذي تطالب فيه واشنطن بمحاسبة سورية..
في المقابل تتمسك
المقاومة بحقها في الإفراج عن أسراها في سجون الاحتلال، وسورية تعلن
دعمها للبنان وشعبه، وأنها سترد على أي اعتداء بقوة غير مقيدة بزمان أو
مكان، في الوقت الذي تناصرها فيه إيران محذرة من مغبة استهداف سورية،
مؤكدة في ذات السياق على لسان مرشد الثورة السيد الخامنئي على أن
المقاومة في لبنان لن يُنزع سلاحها.
لا شك أن بيروت
عاصمة المقاومة والتحرير، التي استطاعت دحر الاحتلال الإسرائيلي عن أرض
عربية محتلة دون قيد أو شرط، سيكون لها الأثر الكبير في حسم مستقبل
الصراع العربي ـ الصهيوني، الذي دخل مرحلة جديدة عنوانها المقاومة..
*كاتب فلسطيني
|