|
يجري في الوقت
الراهن محاولات حثيثة لفصل المسار الفلسطيني عن المسار اللبناني المقاوم،
فيما يتعلق بموضوع الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، بذريعة
الاختلاف الموضوعي والخصوصية التي تلزم كل ساحة أو مسار. وهذا الموقف
تجلى أكثر من مرة في مناسبات مختلفة، وتكرر على لسان رئيس السلطة
الفلسطينية السيد محمود عباس.
فما خلفية هذا
الموقف وما هي تداعياته؟
جاء موقف الرئيس
محمود عباس على خلفية اللقاء السري الذي جمعه برئيس جهاز الأمن العام
الإسرائيلي (الشاباك) يوفال ديسكن في عمّان، وذلك بعد أن طلب الملك عبد
الله الثاني ملك الأردن من أبي مازن القدوم على عجل إلى عمان، وذلك إثر
سماح إسرائيل لأبي مازن بمغادرة غزة المحاصرة إلى رام الله ـ وهذا في حد
ذاته يفسر سبب سماح إسرائيل لأبي مازن الانتقال إلى رام الله، بعدما رهنت
خروجه من غزة بإطلاق سراح الجندي الأسير، وقد أعلم ديسكن أبو مازن بطلب
(إسرائيل) الرامي لإطلاق سراح الجندي مقابل أسرى فلسطينيين بواسطة
مفاوضات مع أبي مازن، وليس مع حماس. (هذا ما نشرته صحيفة هآرتس
الإسرائيلية في 15/7/2006)، ومن هنا انطلق السيد أبو مازن وبدعم وتأييد
من القاهرة لإتمام "صفقة" التبادل، التي تحدث عنها أكثر من مصدر إعلامي
كان آخرها المؤتمر الصحفي للرئيس عباس في القاهرة في 29/ 7/2006.
وبالنظر إلى ما
أعلنه أبو مازن في مؤتمره الصحفي المشار إليه، والذي ادّعى فيه السعي
لإطلاق سراح الجندي الأسير شليت مقابل الإفراج عن بضع مئات من الأسرى
الفلسطينيين في وقت لاحق، (وليس بالتزامن)، إضافة إلى توقيت هذه الصفقة ـ
إن صدق الحديث عنها ـ، فإن ذلك يقودنا إلى بعض الاستنتاجات على النحو
التالي:
أولاً: يهدف
الاحتلال الإسرائيلي من فصل المسارين الفلسطيني واللبناني بخصوص المقاومة
والأسرى إلى تفريق الأشقاء على قاعدة فرق تسد؛ فمن مصلحة الاحتلال فصل
القضية الفلسطينية، بما تلقاه من تأييد وتعاطف عربي ودولي عن حربه
المسعورة على لبنان، سعياً لعزل حزب الله عن محيطه، ومحاولة كسر إرادته
وقدرته على الصمود والمقاومة، وإفشال محاولته لإطلاق سراح الأسرى في سجون
الاحتلال، ومن ثم الالتفات إلى المقاومة الفلسطينية والنيل منها، بعد أن
تكون قد تأثرت سلباً بأي تراجع لحزب الله؛ فضعف المقاومة في لبنان ضعف
لفلسطين ومقاومتها، وقوتها قوة لفلسطين، والعكس صحيح أيضاً بانعكاس
الحالة الفلسطينية على لبنان ومقاومته. فلبنان وفلسطين منذ قيام الكيان
المحتل، وهما ساحتان متداخلتان ومتفاعلتان في السلم والحرب، فالذي جمعهما
ويجمعهما أكثر وأبلغ مما يفرقهما.
ثانياً: إذا
أقدمت حركة حماس على إتمام صفقة بالمواصفات، التي ذكرها الرئيس عباس، أي
إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين لاحقاً (أي بدون تزامن مع إطلاق سراح
الجندي)، فإن ذلك سيعرض حركة حماس بعد كل الجهد والتضحيات التي بذلتها،
للاتهام بالفشل وسوء إدارة الأزمة الراهنة، وعدم القدرة على استثمار
عملية الوهم المتبدد البطولية، إضافة إلى تضحيات الشعب الفلسطيني بالشكل
الصحيح، هذا علاوة على ما قد ينعكس من سلبيات على ملف الأسرى، وذلك لعدة
أسباب منها:
·
أن عدم التزامن سيعني من الناحية التكتيكية إنجازا
لإسرائيل، التي ستظهر وكأنها لم ترضخ لمطالب الطرف الفلسطيني المقاوم،
مما قد يشيع الحسرة في نفوس الفلسطينيين، الذين يتشوقون للقاء أحبتهم في
سجون الاحتلال.
·
أن إسرائيل ستعمل على أن يتم الإفراج عن الأسرى
الفلسطينيين بالتزامن مع أي حدث لاحق يفسر في حينه على أنه إنجاز لفريق
أوسلو، وليس للمقاومة التي أسرت الجندي، ودعمها الشعب الفلسطيني بدمه
وماله، وهذا تفريغ لإنجاز الشعب ومقاومته التي مرغت أنف الاحتلال في
التراب، مما قد يؤثر مستقبلاً على مستوى التأييد الشعبي لأي عملية اختطاف
للإفراج عن الأسرى، بسبب سوء إدارة الأزمة الراهنة.
·
الأمر الآخر، ما هي الضمانة التي ستُلزم الاحتلال
بالإفراج عن الأسرى المتفق عليهم، أهي رئاسة السلطة، أم القاهرة، أم
عمّان؟ فمع كل الاحترام لتلك العواصم والدول العربية، فهي في ظننا غير
قادرة ولا تستطيع إلزام الاحتلال بذلك إن لم يرد الإفراج عن الأسرى تحت
أي حجة أو ذريعة، فهو احتلال ضرب بعرض الحائط كل القرارات والمواثيق
الدولية، التي تتعارض مع مصالحة. وهو الذي دمر مقر المقاطعة في أريحا
لاعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية السيد أحمد سعدات بعد تنكره للاتفاق
المبرم مع السلطة وبشهادة واشنطن ولندن!! إن الاحتلال بحكم تاريخه وحاضره
لا يؤمن جانبه، وعلى هذه القاعدة يجب أن يُعامل.
ثالثاً: إن أي
تسرع من قبل حركة حماس في عملية التبادل، خاصة في هذا التوقيت الذي يتعرض
فيه لبنان ومقاومته لأشرس حملة عسكرية عرفتها المنطقة، قد ينقلب سلباً
على آلاف السجناء الفلسطينيين، وأُسَرهم التي تعلقت قلوبها بعمليتي الأسر
في غزة وجنوب لبنان. فإنْ جرى تبادل للأسرى الآن في غزة دون أن تكون صفقة
مشرفة ومضمونة، قد يضعف ذلك موقف حزب الله من المطالبة بخروج آلاف الأسرى
الفلسطينيين.
فبرغم تصريح رئيس
مجلس النواب اللبناني السيد نبيه بري ـ الذي قد يكون ردة فعل نتيجة ما
يتم تسريبه بشكل مقصود في الإعلام عن انفصال المسار الفلسطيني عن
اللبناني بخصوص الأسرى ـ بأن الحزب يطالب بالإفراج عن الأسرى اللبنانيين
فقط مقابل الجنديين، إلا أن ذلك قد لا يعني بالضرورة تطابقاً مع الموقف
النهائي لحزب الله الذي عوّد الجمهور اللبناني والعربي على ألّا يكشف
سقفه السياسي والمطلبي في هكذا مسائل، تاركاً الباب مفتوحاً للتفاوض
والقدرة على المناورة، وهذا ما يفهم من اللقاء الذي أجراه مدير مكتب
الجزيرة غسان بن جدو مع السيد حسن نصر الله قبل نحو أسبوع، حيث رفض السيد
نصر الله تحديد عدد الأسرى، مؤكداً فقط على أن الأسرى اللبنانيين في
المقدمة...
لذلك من الأفضل
والأجدى لحركتي حماس وحزب الله، أن تعملا على التنسيق المشترك بينهما في
مسألة الأسرى، لأنهما سيشكلان بذلك جبهة قوية مشتركة ترغم الاحتلال على
الانصياع، والموافقة على إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من السجناء
الفلسطينيين، إضافة إلى إغلاق الباب أمام الذين يحاولون إضعاف المقاومة
في فلسطين ولبنان، والذين يحاولون أن يبثوا الفرقة في صفوف الأمة العربية
والإسلامية، التي باتت اليوم تعول أكثر من أي يوم مضى على المقاومة
وإنجازاتها بعد أن ثبت فشل المنظومة السياسية العربية في استرداد الحقوق
المغتصبة.
*كاتب فلسطيني
|