الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات أحمد الحيلة

عودة

 

الحزام.. والقسام.. يهدمان ما بناه شارون

 

بقلم: أحمد الحيلة*

 

       

 

تعالت أصوات إسرائيلية ولجّت منذ مدَّة، بضرورة إيجاد حلٍّ لصواريخ المقاومة الفلسطينية التي باتت تشكل أرقاً مستمراً للمستوطنين الصهاينة.

 

في المقابل عجزت مختبرات ومعامل التصنيع العسكري الإسرائيلية المتطورة واحتارت في كيفية التصدي للصورايخ الفلسطينية الصنع، ويبدو أن قوة تلك الصواريخ تكمن في بساطتها التي عطَّلت القدرات التكنولوجية الهائلة التي يمتلكها الاحتلال، والتي لا تتناسب بالمرَّة مع نظام الإبداع الفلسطيني.

 

أمام هذه المعضلة التي أرّقت الساسة الإسرائيليين، "تفتَّقَ" ذهن القادة العسكريين عن حلٍّ وجدوه في أرشيف الجيش عندما كان عالقاً في جنوب لبنان، وهو إقامة حزام أمني شمال قطاع غزة يبدأ من جنوب الخط الأخضر الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عامي 48، و67 وصولاً إلى تخوم البلدات الفلسطينية كـ "بيت حانون" و"بيت لاهيا"، أي بعمق 5-6 كيلو متر.

 

ومنذ بدء العملية العسكرية الراهنة (أمطار الصيف) على قطاع غزة إثر أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت في 25/6/2006، شرع الجيش الإسرائيلي بمسح شمال قطاع غزة بالمدفعية والطيران، مهيِّئاً الأرض لانتشار الآليات العسكرية الثقيلة التي وصلت إلى أطراف البلدات الفلسطينية، فارضة سيطرتها المباشرة على الشريط المستهدف شمال القطاع.

 

وبإعادة نشر الاحتلال لقواته وآلياته الثقيلة على طول وعرض الحزام الأمني شمال القطاع، يبرز السؤال حول إمكانية النجاح في منع وصول صواريخ المقاومة الفلسطينية إلى أهدافها جنوب وغرب الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948؟ وهل سيخلص الحزام الأمني الإسرائيليين من كابوس غزة، ويمنحهم الأمن المرتجى؟

 

الحزام الأمني شمال غزة، قد يزيد من بعض التعقيدات الميدانية على المقاومة الفلسطينية مثل حاجة المقاومة إلى صواريخ ذات مدى أبعد حتى تتمكن من الوصول إلى أهدافها، إضافة إلى الحاجة لمناطق شبه خالية من السكان لإجراء عميلة الإطلاق، وتلك مسائل يُرجَّح أن المقاومة ستتغلب عليها، وسرعان ما ستحيل الحزام إلى شَرَكٍ للاحتلال يجلب مزيداً من الأرق والقلق وانعدام الأمن للإسرائيليين جنوداً ومستوطنين، وذلك لعدة أسباب منها:

 

أولاً: إنَّ كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، قد فاجأت الاحتلال بامتلاكها لصاروخ "قسام" مطوَّر مداه 15كم عندما سقطت نسخته الأولى في 5/7/2006 تلاها سقوط صاروخ آخر في اليوم التالي على محطة للكهرباء في قلب مدينة عسقلان التي تقع شمال مدينة أسديروت، رغم الانتشار المُكثَّف لجيش الاحتلال على طول وعرض الحزام الأمني المفترض، ورغم تحليق الطيران الحربي وطائرات الاستطلاع بشكل مستمر في المنطقة. وإذا افترضنا أن الاحتلال سيتمكن من منع المقاومة من إطلاق صواريخها انطلاقاً من الحزام الأمني بعمق 5-6كم، فإنَّ صاروخ القسام الجديد بمدى 15كم سيتمكن بسهولة من الوصول إلى مدينة أسديروت، وبعض مستوطنات النقب الغربي كـ "ناحال عوز" على اعتبار أنها أهداف متاحة لصورايخ المقاومة التي مداها 8-9كم قبل إيجاد الحزام الأمني. مما يعني استمرار سكان المستوطنات وخاصة أسديروت للعيش تحت القلق والخوف من سقوط صاروخ القسام الجديد، وبقاء الصواريخ الفلسطينية الصنع قوة ردع في وجه الاحتلال واعتداءاته على المدنيين الفلسطينيين.

 

ثانياً: سيشكل الوجود المكثف لجنود وآليات الاحتلال على طول وعرض الحزام الأمني المزمع إقامته، أهدافاً مُشرَّعة ومكشوفة للمقاومة الفلسطينية. وحافزاً جديداً لمواصلة استهداف جنود الاحتلال بوسائل قتالية متنوعة. فالمقاومة في قطاع غزة بعد انسحاب جيش الاحتلال من هناك تركزت وسائلها على استعمال الصواريخ بشكل أساس، أما في حال إعادة الانتشار في شمال القطاع، فهذا سيوفر للمقاومين الفلسطينيين أهدافاً متعددة يمكن معالجتها بمضادات الدروع، والعبوات، والقنص..، إضافة إلى فتح المجال لمزيد من خطف الجنود في المستقبل. مما يعني أن الحزام سيتحوَّل إلى جبهة مفتوحة، وعبء عسكري وأمني ثقيل على القيادة الإسرائيلية وجيشها، ويدفعها إلى مزيد من الإرباك خاصة وأن تجربة الحزام الأمني الفاشلة في جنوب لبنان ما زالت ماثلة في ذاكرة وأذهان قادة وضباط الجيش الإسرائيلي.

 

ثالثاً: الحزام الأمني وإعادة تموضع جيش الاحتلال، يعني فشل وانهيار خطة الانفصال أحادي الجانب التي عمل لها شارون وحشد لها التأييد الداخلي والدولي، وجنَّد لها كلَّ ما يملك من خبرة وزعامة ورمزية. لأن إعادة انتشار الجيش شمال غزة، سيعني استمرار التصادم مع المقاومة الفلسطينية هناك، واحتمالية اضطرار الجيش للدخول إلى قلب بعض المدن والمخيمات بين الفينة والأخرى، مما يعنى عودة الاحتلال بشكل أو بآخر إلى غزة. وهذا مناقض لروح وطبيعة خطة شارون التي أرادها انفصالاً عن الفلسطينيين خلف جُدُر، وعزلهم ديمغرافياً، تمهيداً لرسم الحدود النهائية للكيان الإسرائيلي حسب الإرادة والمقاييس الإسرائيلية، بعد الادعاء بأنَّ الاحتلال وجيشه انسحب بالكامل من المدن الفلسطينية في الضفة والقطاع.

 

إذن الحزام الأمني شمال غزة إضافة لما يقوم به جيش الاحتلال من عمليات عسكرية متواصلة، سيهدم فلسفة الانفصال التي سعى لها شارون، وسيرتد ذلك سلباً على جدوى "خطة الانطواء" التي يسعى أيهود أولمرت (وريث شارون) لإنفاذها في الضفة الغربية؛ فإعادة الانتشار شمال القطاع سيعني مزيداً من العقبات أمام أولمرت الذي سيجد صعوبة في إقناع معارضيه السياسيين والرأي العام الإسرائيلي بأهمية وجدوى الانسحاب من المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، إضافة إلى صعوبة إقناع العديد من الدول الغربية التي تتشكك وتتخوف من الانفصال من طرف واحد، كونه وصفة لن تنهي الصراع، بل قد تزيده تعقيداً لأنه يتجاهل تماماً رغبات وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

يبدو أن أيهود أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس يتصرفان إثر عملية "الوهم المبدد"، بإرباك وحيرة، يعبِّر عنها العنف الزائد والمبالغ فيه، والذي بدوره قد يفقدهما السيطرة على البوصلة في نهاية المطاف، ويعيد خلط الأوراق من جديد، خاصة فيما يتعلق بسياسة الانفصال أحادي الجانب ومستقبل حزب "كاديما" المؤسس على خطة الانطواء، وعلاقته بحزب العمل الذي عاد ليتماهى من جديد مع سياسة رئيس الوزراء على حساب وعوده للناخب العمالي..

ومردُّ هذا العنف الزائد والإرباك يعود إلى أنهما شخصان يعانيان من عقدة نقص؛ كونهما ليسا من طبقة الجنرالات التي تسحر أعين الإسرائيليين، فيحاولان استعمال العنف والمزيد من العنف لملء هذا النقص، وإثبات أنهما زعيمان يستحقان الإعجاب في نظر الجمهور المدمن على القتل.

 

إضافة إلى نزعة الغطرسة وغرور القوة التي تعشعش في نفوس هؤلاء الصهاينة؛ الذين لم يتحمّلوا نتائج عملية "الوهم المبدد" التي صنعتها وأبدعتها إرادة شعب أعزل كشف زيف ادِّعائهم بأنهم قوة "سوبرمان" لا تقهر.. إنه عجز الأقوياء.

 

* كاتب فلسطيني