|
المطالبة بحل السلطة، لماذا الآن؟
أحمد أبو زينة
لا يمكن للمرء أن
يقتنع أن الدعوات التي تُسمع هنا وهناك لحل السلطة الفلسطينية، سببها فقط
حادث اقتحام مقاطعة أريحا واختطاف سعدات والشوبكي وزملائهما. فلقد سبق
هذا الحدث –على بشاعته وهمجيته بالطبع- حوادث بالغة الخطورة على القضية
والسلطة والشعب الفلسطيني خلال السنوات الخمس الماضية، ولم يسمع أحد
دعوات تطالب بحل هذه السلطة، ربما باستثناء بعض الدعوات الخجولة التي
كانت تتردد في محافل أكاديمية، بل على العكس كان هناك تأكيد مستمر على
ضرورة الحفاظ على السلطة كأهم إنجاز حققه الشعب الفلسطيني خلال سنوات
نضاله الطويلة.
بناءً على ذلك لا
نظن أن تلك الدعوات تبتعد عن فوز حركة حماس بالأغلبية في الانتخابات
التشريعية، ومن ثم تكليفها بتشكيل الحكومة، إذ يبدو أن من يعرف أن
(إسرائيل)
تجاهلته على مدار سنوات، وأن ثقة وتفويض الشعب سُحب منه بنتيجة
الانتخابات، لم تعد تهمّه السلطة، ولم تعد له حاجة بها الآن، ربما عملاً
بمنطق "عليّ وعلى أعدائي"!!
حركة حماس لن
تكون خاسرة فيما لو تم حل السلطة، ذلك أنها لم تسعَ إلى هذه السلطة عندما
خاضت الانتخابات، فقد كان همّها الأول عند خوضها تلك الانتخابات هو
قناعتها بضرورة إفراز قيادة جديدة للشعب الفلسطيني تمثله بصدق، وتعبر عن
توجهاته وآماله، لكن النتيجة الكاسحة التي حققتها الحركة والثقة التي
نالتها، فرضت عليها خوض تجربة أراد لها الشعب الفلسطيني أن تخوضها، وهي
تجربة فريدة من نوعها بالنسبة لحركة مقاومة مطلوب منها أن تحكم الآن،
والحركة –كما صرّح العديد من قادتها- لا تملك أن تخذل هذا الشعب أو تتنصل
من تلك الثقة.
ربما أن الأحداث
الأخيرة تثبت وتوضح ما هو واضح أصلاً منذ اليوم الأول لوجود السلطة، وهو
صعوبة الجمع بين المقاومة بما لها من متطلبات وما عليها من تبعات، وبين
السلطة أيضاً بما لها من متطلبات وما عليها من تبعات وقيود واشتراطات.
وبالتالي فإن المفارقة الكبرى التي تتجسد على الأرض اليوم هي أن الشعب
الفلسطيني في الضفة وغزة، لم يكن يحمل هم تدبير رواتب الموظفين ونفقات
الخدمات، خلال فترة الاحتلال المباشر له. فقد كان الاحتلال –وهذا هو
الوضع الطبيعي- يحمل عبء احتلاله وسيطرته على شعب آخر، إلى أن جاء اتفاق
أوسلو ليريحه من عناء السكان وتشغيلهم ونفقات الخدمات المقدمة إليهم،
فتحوّل هذا الاحتلال بموجب ذلك الاتفاق إلى احتلال "نظيف ومدفوع الأجر"،
وهذا –على الأرجح- يشكّل سابقة في تاريخ الشعوب التي جرى احتلالها.
لطالما اعتُبر
اتفاق أوسلو نصراً وإنجازاً للشعب الفلسطيني، فهل يتقدم الآن عرّابوه
ومروّجوه ممّن يتصدّون لدعوات المطالبة بحل السلطة بالاعتذار من الشعب
الفلسطيني عن المآزق التي أوقعوه فيها؟
لا يبدو ذلك
واقعياً، بل إن من أغرب ما سمعت من أحد رموز التسوية والمفاوضات قوله أن
(إسرائيل)
تبحث عن "لا شريك" فلسطيني، يتفق معها في رفض التسوية والمفاوضات، ويقبل
بالحلول الأحادية، وهو بذلك يغمز من قناة حركة حماس، ناسياً أو متناسياً
– وهو الشريك الدائم والأبدي- أن تلك المفاوضات والتسوية التي شارك في
قيادتها طيلة خمسة عشر عاماً، هي – في حقيقة الأمر- من أوصل الشعب
الفلسطيني وقضيته إلى هذا الوضع الغريب والمعقّد، وليس حركة حماس وليس
الانتخابات. لكن يبدو أن خير وسيلة للدفاع هي
الهجوم، فلا بأس من تحويل العبء ونقل الأزمة
إلى حركة حماس، بالترافق مع اتهامها بتعطيل قيام حكومة ائتلاف وطني،
لرفضها الإقرار المسبق وغير المشروط باتفاقات والتزامات، ما فتأت
(إسرائيل)
تركلها وتمزقها وتدوسها ليل نهار...!!
على الدوام كانت
القضية الفلسطينية وما زالت مليئة بالمفاجآت، ويبدو أن القادم من الأيام
غني بالكثير من الأحداث والتطورات، التي يصعب، في واقع الأمر، التنبؤ بها
أو الرهان عليها.
|