|
"حماس" رابحة وإن عُمد إلى إفشالها
أحمد أبو زينة
من الواضح أن
الراغبين والساعين إلى إفشال تجربة حركة حماس في قيادة الشعب الفلسطيني
خلفاً لحركة فتح ـ وما أكثرهم ـ لا يدّخرون جهداً في سبيل تحقيق
مساعيهم، لكن هؤلاء ربما لا يدركون أن الفشل والخسارة لن تكون إلا من
نصيبهم، وسيكون ذلك الفشل وتلك الخسارة كبيرة ومضاعفة.
(1)
الراغبون
والساعون إلى إفشال حماس، كما ذكرنا، كثر ومتنوعون، بدءاً ممن لجأ إلى
التعيينات الاستباقية التي لا تخفى على أحد - رغم محاولات الفهلوة
والتخريجات القانونية المتهافتة- في محاولة لسحب البساط من تحت أرجل
حماس. هؤلاء لن يكسبوا احترام الشعب الفلسطيني، ويبدو أنهم لم يتعلموا من
الدرس الذي لقنهم إياه هذا الشعب في الانتخابات، وبالتالي ستزداد
خسارتهم، وسيستمر نزيف ما تبقى من رصيد جماهيري لهم. ذلك أنه مهما ادّعى
المدعون، فإن أحداً لا يمكن أن يستوعب أو يصدق أن التعيينات والترقيات
والتسكين في الهيكليات أمر طبيعي، وفي سياق العمل الإداري الروتيني، ولا
علاقة له بالانتخابات ونتائجها.
وكذلك الحال فإن
أحداً لا يمكنه تقبل فكرة أن من حق المجلس التشريعي السابق أن يعدل في
جلسة وداعية قانوناً مهماً وخطيراً كقانون المحكمة الدستورية العليا، وهو
قانون محوري فيما يتعلق باستقلال السلطة القضائية عن السلطات الأخرى،
وتحديداً التنفيذية. ويسري ذات الأمر على تعيين أمين عام للمجلس، لسحب
صلاحيات أمين سر المجلس، والذي هو نائب منتخب، وغير ذلك من الخطوات التي
لسنا بصدد سردها في هذا المقام.
على الصعيد
الفلسطيني الداخلي أيضاً، فإن فوز حماس أفاق اللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير الفلسطينية من سباتها، وانتفض كل من ساعد على تهميش وتقزيم دور
المنظمة متباكياً عليها، وطولبت حماس صاحبة الأغلبية البرلمانية
بالاعتراف بتمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني، مع أن هذه المنظمة لا تضم
حماس وبالمقابل تضم فصائل منقرضة. وأصبح منطق حماس الموضوعي في التعامل
مع الآخرين في الساحة الفلسطينية، هو العقبة التي تحول دون تشكيل حكومة
ائتلاف وطني قادرة على جمع الشمل وتوحيد المواقف الفلسطينية في هذه
المرحلة المهمة! وبدلاً من الشد على أيديها فيما يتعلق بعدم الاعتراف بـ
(إسرائيل)، واتفاقات التسوية الظالمة، ومحاولة البناء على هذه المواقف
لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، بدلاً من ذلك توحّدت أصوات فلسطينية ـ من
الناحية الموضوعية على الأقل ـ مع الأصوات الخارجية الضاغطة على حماس،
والمتوعدة لها بالمحاصرة والعزل!!
(2)
أمريكا
و(إسرائيل) هما ـ بالطبع ـ من أكبر الساعين للتصدي لحماس وإفشالها، هذا
إذا لم يستطيعوا ترويضها وتدجينها، وسحب أوراق القوة التي تحتفظ بها، وهو
الأمر الذي يبدو عصيّاً عليهم، ممّا سيدفعهم إلى استمرار وتصعيد محاولات
وخطوات الإفشال، وهي المحاولات والخطوات التي لا تقف عند حد، فوزارة
الخارجية الأمريكية أصدرت تعليمات إلى سفاراتها في دول أوروبا وآسيا
وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، للاتصال بوزراء خارجية تلك الدول، وحثهم
على عدم استقبال وفود من حماس، واعتبرت الوزارة أن من المهم توحيد موقف
المجتمع الدولي من حماس، وأن اللقاءات التي جرت مع وفود من حماس في بعض
الدول –كروسيا وتركيا- لم تغير موقف حماس، بل أدّت إلى "تعنّت" الحركة في
موقفها من الاعتراف بـ (إسرائيل)، ومنحت هذه الحركة "منصة" لرفض طلبات
المجتمع الدولي، وأن حماس أظهرت "لا مبالاتها" بمخاوف ومطالب المجتمع
الدولي، إضافة إلى أن تلك اللقاءات أعطت حماس الفرصة للادعاء بأن
"عزلتها" الدولية انتهت.
مصادر
(إسرائيلية) تحدثت عن أن إدارة بوش قررت وقف تمويل مشاريع تطوير البنية
التحتية في مناطق السلطة الفلسطينية، وستزود الفلسطينيين "بالمساعدات
الإنسانية" فقط.
مصادر إعلامية
(إسرائيلية) أخرى ذكرت أن الإدارة الأمريكية لعبت دوراً مركزياً في منع
حماس من حضور مؤتمر القمة العربي، وتضيف هذه المصادر أن الأمريكيين طلبوا
من دول عربية -لم تسمّها- بأن لا تتعاون مع حماس، وذلك حتى تصل ـ أي
حماس ـ إلى وضع لا تستطيع أن تعمل فيه مطلقاً!
وقبل ذلك كانت
مصادر أمنية فلسطينية قد أشارت إلى أن الأجهزة (الإسرائيلية) سربت
معلومات مفادها أن (إسرائيل) تفكر في إعادة السيطرة على معبر رفح،
و"إجبار" المراقبين الدوليين على مغادرة المعبر، لمنع خروج ودخول قادة
حماس السياسيين من وإلى قطاع غزة، وأن (إسرائيل) تتذرع بعدم تطبيق
الفلسطينيين للاتفاق الخاص بالمعبر، في محاولة جديّة لمحاكاة ما حدث في
سجن أريحا.
أحد الوزراء
(الإسرائيليين) قال إنه بعد أداء الحكومة الجديدة لليمين الدستوري
فستتغير "قواعد اللعبة"، وستنتهج (إسرائيل) نظاماً من الفصل الكامل بين
(إسرائيل) والأراضي الفلسطينية، وبالطبع لن يُسمح للوزراء الجدد بالتنقل
بين الضفة وغزة.
ماذا أيضاً؟ تنقل
صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية عن مصادر في وزارة (الدفاع الإسرائيلية)
والجيش (الإسرائيلي)، أنهم يدرسون خططاً لعملية عسكرية واسعة النطاق في
الضفة الغربية، ليجري تنفيذها بعد الانتخابات (الإسرائيلية)، وأن هذه
الخطط تتضمن التركيز على "معاقل" حماس، وقتل واعتقال كل "المسلحين"،
وأضافت الصحيفة أن مخططي العملية يفترضون أن بإمكان الجيش أن ينسحب في
نهاية العملية إلى "حدود" (إسرائيل) النهائية وفقاً لخطة أولمرت.
(3)
في ضوء ذلك يمكن
القول أن حماس لن تخسر بسبب تكالب كل تلك الأطراف عليها، فرصيدها السياسي
والنضالي والاجتماعي عند أبناء الشعب الفلسطيني كبير، وبالتالي فإنهم
سينظرون بعين التعاطف والتضامن معها في حال أُفشلت لأسباب موضوعية، ولم
تفشل لأسباب ذاتية.
نقول ذلك ونحن
على يقين – والمؤشرات الأولية تشي بذلك- بأن نوّاب حماس ووزراءها سيقدمون
نموذجاً مختلفاً عن كل ما سبق من نماذج خبرها الشعب الفلسطيني جيداً.
هذا النموذج
يتضمن رئيس وزراء مهدّد من قبل (إسرائيل)، وتعرض للاغتيال مرتين على
الأقل، كما قال رئيس الشاباك السابق، وهذا النموذج يتضمن نواباً لا
يحملون بطاقات V.I.P، وربما توزّع صورهم أو
أسماؤهم عند الحواجز من أجل عرقلة وصولهم إلى مقر المجلس التشريعي لحضور
اجتماعاته، ويقفون على تلك الحواجز كبقية أبناء شعبهم، وهذا النموذج يتصف
بأقصى درجات التقشف وترشيد الإنفاق، وعدم الانتفاع بالمال العام لمصالح
ذاتية.
لكل ما تقدم نقول
إنه إذا كانت مهمة حماس في الحكومة صعبة، فإن مهمة إفشالها أكثر صعوبة،
وبنظرنا فإن فشل حماس يحتمل معنى واحداً، وهو التمكن من ترويضها
واحتوائها، وبالتالي القضاء على تميّزها وإفقادها لشعبيتها وفض الالتفاف
الجماهيري من حولها. ولا نعتقد أن شيئاً من ذلك سيحدث.
|