الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أراء حرة

عودة

 

عالم حرٌّ جداً…!!

 

أحمد أبو زينة

 

العالم الحر مصطلح ذاع صيته بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وقامت الإدارة الأمريكية بالترويج له، وذلك في معرض تصنيفها، حسب مقاييسها بالطبع، العالم إلى قسمين، والعالم الحر هو في نظرها المقابل والنظير لما أسمته هي أيضاً محور الشر، وكذلك النظير للتسميات التي تطلقها ويطلقها رئيسها بوش بين الفينة والأخرى مثل الراديكالية الإسلامية وأيديولوجيا الإرهاب وأخيراً الفاشية الإسلامية.

 

لقد قيل لنا: إنَّ العالم بعد ذلك التاريخ الأشهر في العصر الحديث لم يعد يقبل بأي شكل من الأشكال الاعتداء على المدنيين أو التعرض لهم، لكن ذلك لن يبدو صحيحاً إلا إذا استثنينا منه الشعوب العربية والإسلامية الرازحة تحت وطأة احتلال أو عدوان التحالف الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي.

 

وإلا ما معنى أن يقبل العالم الحر بقيادة أمريكا أن يتعرَّض آلاف المدنيين الفلسطينيين في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى مدى ست سنوات، لعقوبات جماعية قلَّ نظيرها، وربما تواضعت معاناة السود في جنوب إفريقية إبان فترة الحكم العنصري أمام ما يلاقيه الشعب الفلسطيني من ضروب الإذلال والإهانة والحرمان؟ وما معنى حصار هذا الشعب والتضييق عليه في لقمة عيشه، وابتزازه بأبشع صورة؟ وما معنى السكوت على مسلسل القتل والدمار في فلسطين، والذي أصبح مسألة يومية روتينية لا تلفت أي انتباه، ولا تثير أدنى تحفظ أو استنكار؟

 

وما معنى أن يتعرض لبنان لعملية إبادة ممنهجة للحجر والشجر والبشر (كرد) على عملية عسكرية محدودة نفذتها المقاومة هناك؟ ولنا في اعتراف أحد جنرالات الجيش الإسرائيلي بأن مليوناً ومائتي ألف قنبلة عنقودية محرَّمة دولياً (على الجميع باستثناء أمريكا وإسرائيل بالطبع) أُسقطت على لبنان خلال الحرب، خير دليل على تلك الإبادة الإجرامية الجماعية.

 

وما معنى أن يبلغ عدد القتلى المدنيين في العراق الأمريكي الديمقراطي منذ بدء الحرب الأمريكية عليه مائة ألف قتيل، فيما يبلغ معدل القتلى الشهري في العراق حالياً حوالي ثلاثة آلاف ضحية؟ وبعد ذلك نسمع بوش إياه يقول: بأن أمن وحرية أمريكا يتوقفان على المعارك التي تجري في شوارع بغداد! هذا رغم تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي الأخير الذي نفى فيه وجود أية صلة بين العراق والقاعدة، كما نفى وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وهما الكذبتان اللتان قامت عليهما الحرب والاحتلال الأمريكي لهذا البلد العربي الجريح.

ما معنى كل ذلك إن لم يكن سوى موت الضمائر وتبلد المشاعر والأحاسيس وفقدان البصر والبصيرة لدى ذلك العالم الحر الذي يشاهد ما يجري ولا يحرِّك ساكناً، هذا إن لم يكن متواطئاً ومتآمراً؟!

 

والعالم الحر الأمريكي يتضمن سجوناً سرية وأخرى علنيّة من طراز أبو غريب وباغرام وغوانتانامو، ولا يرى بأساً في الاستفادة من (خبرات) الأنظمة العربية في قمع وتعذيب معارضيها، كما يتضمن تزويد (إسرائيل) بالقنابل الذكية، وكل ما تحتاجه من أسلحة فتّاكة تحتاجها لتحقيق هدفها وهدف أمريكا بإخضاع دول وشعوب ومقدّرات المنطقة لهما إخضاعاً تاماً.

 

ولقد رأينا كيف روّجت الإدارة الأمريكية برهة من الزمن لدعاوى الإصلاح في المنطقة العربية الإسلامية، المسمّاة في الأدبيات الأمريكية الإسرائيلية الشرق الأوسط (الكبير تارة والجديد تارة أخرى)، وفي فترة من الفترات تحدثت كوندوليزا رايس عن أن أمريكا تريد تعليم العالم العربي والإسلامي الديمقراطية، ثم اكتشفنا فيما بعد، وعلى جلودنا، أن تلك الديمقراطية المزعومة والموهومة ليست سوى ديمقراطية مزيّفة، بل إنها ديمقراطية حمقاء وعوراء لا ترى إلا بعين واحدة هي عين المصالح، ولتذهب الشعوب وخياراتها ورغباتها إلى الجحيم، طالما أن في الأمر هيمنةً وسيطرةً ونفطاً وقواعد عسكرية وحفاظاً على أمن وتفوق (إسرائيل)!

 

وفي عالم ما بعد 11 أيلول، تنتظر الدول والجماعات المتمرّدة على الطوق الأمريكي دورها على قوائم المحافظين الجدد الواحدة تلو الأخرى، والمخططات الأمريكية جاهزة وتنتظر التنفيذ، ومنها ما نُشر في مجلة القوات المسلحة الأمريكية تحت عنوان "حدود الدم"، حيث سيظهر "الشرق الأوسط الجديد والأفضل"، هذا مع أن التجارب أثبتت أن العالم تحت هيمنة وسيطرة أمريكا أبعد ما يكون عن الوصف بأنه عالم حر، وأن روح العداء لأمريكا ولسياساتها الرعناء ذات النزعة الصهيونية تتصاعد في كل مكان، ولا شك أن الاستمرار في تلك السياسات لن يجلب لها إلا المزيد من الحقد والكراهية والعداء في شتى بقاع الأرض، وأن الأمر ربما لن يخلوَ ممن قد يحاول ترجمة ذلك الحقد وتلك الكراهية إلى أحداث مشابهة لما حدث في 11 أيلول، وعندها لا تلومنّ أمريكا إلا نفسها.