الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أراء حرة

عودة

 

القضاة ثلاثة : اثنان في النار وواحد في الجنة

 

د. أحمد محمد بحر

 أ.د.الجامعة الإسلامية – غزة

 

 بعد فوز حماس الكبير في المرحلة الأولى لانتخابات البلديات في الضفة والقطاع عزمت فتح والسلطة على أن تلملم شعثها وتجمع أمرها وتقوي صفها لخوض انتخابات المرحلة الثانية لمنع حماس أن تفوز مرَّة أخرى، فأنفقت الملايين عبر مكتبها الجديد التعبئة والتنظيم، واتصلت بأنصارها ومؤيديها ومن تعتقد أنه سيكون معها فأمدتهم بعطاء وفير، ووعدتهم بوظائف في كل وقت وحين، أما مكاتب الاستطلاع فقد زينت لهم أن حماس نسبتها لا تزيد على 25% وعلى ذلك دخلوا الانتخابات وهم مطمئنون .. وما أن أغلقت صناديق الاقتراع وإذ بهم يعلنون فوزهم المبين فطافوا شوارع رفح بمسيرات مسلحة ابتهاجاً بهذا النصر حتى الساعة 12 ليلاً ولما بدأت الأمور تتضح معالمها بفوز حماس سقط في أيديهم ، وانهارت أعصابهم ولم يصدقوا المفاجئة من هول الصاعقة، ولم يستطيعوا هضم فوز حماس الساحق بعد إعلان النتائج في رفح 12 لحماس 3 لفتح . وتحدث المسئولون في المكاتب التنفيذية عن نزاهة الانتخابات، وأنه لا يستطيع أحد أن يشكك فيها، وشهدت على ذلك المؤسسات الحقوقية في الداخل والخارج، وكذلك المراقبون من كافة الأطياف.


وكانت المفاجئة بتقديم الطعونات المبرمجة والمبيتة سابقاً لاتهام الانتخابات بالتزوير والسؤال الذي يطرح نفسه ما السبب في التناقض بين نتائج الانتخابات المعلنة من قبل اللجنة العليا وبين شهادات الطعن التي قدَّمت من مسئولين في مكتبها التنفيذي !! ما السبب في أن الذي قدَّم الطعون من فتح أو السلطة ؟ والمطعون من السلطة أو فتح أيضاً، وكذلك الشهود والمحامون كلهم من فتح أو قريبين منها، وفي نفس الوقت لم يسمح لأي محام من حماس للدفاع أو الإدلاء بشهادته. إنه أمر غريب وعجيب حتى في تاريخ الكذب والتزييف.


إنها الأبعاد السياسية المغلفة بالقضاء والمحاكم الصورية، لقد مورست ألوان كثيرة من الضغوطات والاملاءات: الإغراء، الترهيب، الترغيب، شراء الذمم !؟ ولذلك كان لزاماً أن يخرج قرار المحكمة حسب المقاس الذي رسموه بإعادة الانتخابات في بعض محطات الانتخابات في رفح، والبريج، وبيت لاهيا، أي في المناطق التي فازت فيها حماس. والسؤال الذي يطرح نفسه مرَّة أخرى على إخواننا القضاة الذين شاركوا في إصدار الحكم وعلى المحاميين الذين قدموا الطعون، ألم يلاحظوا هذا الكذب والافتراء ؟ نحن نثق بالقضاء الفلسطيني، ولكن أن يصل الأمر إلى هذا المستوى بإصدار مثل هذه الأحكام الظالمة الجائرة فهذا والله لأمر خطير يهدد مكانة القضاء ويزعزع ثقة الناس به لذا نذكرهم بقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " النساء 135.


يروى أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لما بعثه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقدر على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزرع لمقاسمتهم إياها مناصفة، حسب عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد فتح خيبر .. أن حاول اليهود رشوته ليرفق بهم ! فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ ولأنتم والله أبغض إليَّ من أعدائكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إياه وبغض لكم، على أن أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

 

وقال (صلى الله عليه وسلم): القضاة ثلاثة: " اثنان في النار وواحد في الجنة . رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة . ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار. ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار " . أمَّا الذي في الجنة فقد عرف الحق فقضى به ، فأقام العدل وأنصف الناس دون اعتبار لجاه أو سلطان أو مال أو قوة أو ضعف. روي أن علياً كرَّم الله وجهه وجد درعاً له عند يهودي فعرفها، فقال: درعي سقطت من جمل لي أورق، فقال اليهودي: درعي في يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين فأتوا شريحاً ، قال شُريح : ما تشاء يا أمير المؤمنين قال : درعي عند هذا اليهودي ، قال شريح : ما تقول يا يهودي ، قال : درعي وفي يدي ، قال شريح : صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ، ولكن لا بد من شاهدين ، فدعا قنبراً " وكان خادماً له " والحسن بن على فشهدا إنها لدرعه ، فقال شريح : أما شهادة مولاك فقد أجزناها ، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها فقال على : أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة قال : اللهم نعم ، قال : أفلا تجيز شهادة سيدا شباب أهل الجنة ، ثم قال لليهودي : خذ الدرع ، فقال اليهودي

 

: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي ورضي ، صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل لك أورق التقطتها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فوهبها له على رضي الله عنه ، أما الذي عرف الحق فلم يقضِ به وجار في الحكم فهو في النار ، وهذا من أكبر المصائب التي ابتليت بها الأمة اليوم في معظم حكامها وقضائها الذي يتصدرون سدّة القضاء والحكم إلا من رحم ربي .

 

قال (صلى الله عليه وسلم) : من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين " قال الصنعاني : فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه به أو جهله له فهو في النار ، والمراد من ذبْح نفسه إهلاكها ، وإنما قال بغير سكين للإعلام بأنه لم يرد الذبح الحقيقي ، بل أريد إهلاك النفس بالعذاب الأخروي وقيل : ذُبح ذبحاً معنوياً وهو لازم له. لذا كان الهدف من إرسال الرسل هو أن يقوم الناس بالقسط قال تعالى : " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ " الحديد 25

 

لقد جاءت بعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) لإرساء هذه القواعد موضحة أن ضياع الحقوق وعدم الحكم بالعدل بين الناس سبب هلاك الأمم وتدميرها ، وأنه لا شيء أبعث للشقاء وأدعى لإشعال نار الفتنة من سلب الناس حقوقهم ، وشعورهم بالظلم والخوف على حياتهم ومستقبلهم من تسلط الجبارين عليهم . قال (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها : أن قريشاً أهمها أمر المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة فكلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال : أتشفع في حد من حدود الله ، ثم قام خطيباً فقال : أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " رحم الله الفاروق عمر فقد طبق هذا المنهاج العظيم على ابن عمرو بن العاص والي مصر حين تسابق ولده مع أحد المصريين ، فسبقه فضرب المصري بالسوط ، فأقسم المجنى عليه أن يشكوه إلى عمر ، فقال له : اصنع ما بدا لك فأنا ابن الأكرمين ، ولما وصلت الشكوى إلى عمر وكان في الحجاز استدعى والي مصر وابنه وجلسا للمظالم علانية واستمع للشاكي ، فنظر عمر إلى عمرو وقال قولته المشهورة : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "

 

ثم أعطى درته للمصري وقال : أضرب بها ابن الأكرمين كما ضربك ، وبعد أن اقتص لنفسه طلب منه عمر أن يضرب عمرو بن العاص الذي اعتز ابنه بجاهه وسلطانه فأبى وقال : يا أمير المؤمنين لقد ضربت من ضربني . أما آن لنا أن نتعظ ونرجع إلى الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .. يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " ، وقال صلى الله عليه وسلم : من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس سخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس.