|
"احتمال
كبير أن تصعَد حماس
إلى السلطة بعد رحيل رئيس السلطة الفلسطينية ، و لا فرصة متاحة لإدارة
مفاوضات مع القيادة البديلة في عهد ما بعد عرفات"
....
النتيجة آنفاً
خلص إليها تقرير نشرته صحيفة معاريف العبرية و
أعدّته
مجموعة من الضباط الصهاينة الكبار السابقين في "الشاباك" و "الموساد" من
بينهم رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية سابقاً العميد
احتياط يعقوب عميدور ، و ترأّس
الطاقم الذي أعدّ
التقرير شموئيل بار المسؤول السابق في أجهزة الاستخبارات و الباحث في
معهد السياسة و الاستراتيجية في "المركز متعدد المجالات" في هرتسليا . و
التقرير ورقة من جملة الأوراق التي ستطرح في مؤتمر "معهد السياسة
والاستراتيجية" الذي سيعقد في مدينة هرتسليا اليهودية قريباً .
الاستخلاص أعلاه
يتولّد منه جملة من
الاستنتاجات على ضفتي الصراع في مقدّمتها
على الضفة الصهيونية سقوط خيار شارون "لا يوجد شريك فلسطيني ، دعوا الجيش
ينتصر" بمعنى أن تصريحات موشي يعلون التي انتقد فيها سياسة الحكومة تجاه
الفلسطينيين قبل أسابيع كانت بمثابة الحجر الذي أُلقي في مياه المشهد
السياسي "الإسرائيلي" الراكدة و أنتج بما تلاه من انتقادات حادة من قبل
كبار قادة الشاباك المتقاعدين هزّة
خلخلت قاعدة الحكومة اليمينية لدرجة أن شارون اضطر للتلويح بخطة انسحاب
من طرفٍ واحد بدون
اتفاق مع السلطة و لكن على الطريقة الشارونية ، و تم تحويرها مؤخّراً
إلى مسمّى إعادة
انتشار بشعارٍ أمني
غير سياسيّ لإرضاء
الإدارة الأمريكية . أكثر من ذلك بدأت
مغازلات مع حزب العمل لتشكيل حكومة وحدة وطنية للهروب من شركائه من غلاة
اليمين . شارون بدأ تحرّكه
في هذا الاتجاه
بشكلٍ فعليّ
لأنه قارىء جيّد
للمشهد "الإسرائيلي" ، إذ أظهر استطلاع أجرته صحيفة معاريف يوم الجمعة 5
ديسمبر أن نسبة الجمهور المؤيّدة
لسياسته قد هبطت إلى 33 % .
إيهود
أولمرت الرجل الثاني في الليكود و الحكومة الحالية بطرحه خطة مبلورة حول
فكرة الانسحاب ذاتها ، و هو الرجل المقرّب
من شارون ، يعدّ
تراجعاً أو لنقُل
مرونة مفاجئة في البرنامج الليكودي و هي تحمِل
معنى الانكسار و
تصدّع في قاعدة
الوحدة الوطنية التي وقف على أرضيتها الصهاينة خلال الانتفاضة بدوافع
أمنية ، و بتشخيصها فهي حالة تعبٍ
شعبي صهيوني ناتجة من وجع الاستنزاف الذي فرضته الانتفاضة و أنتج بحسب
الأدبيات الصهيونية في الإعلام العبري تناقضات حادّة
تعبّر عن فقدان
المناعة لدى المجتمع الصهيوني .
الأزمة السياسية
القائمة لدى اللكيود و الحكومة و في كافة مناحي الحياة السياسية في
الكيان الصهيوني التي خلقتها المقاومة الفلسطينية و في قلبها حماس و
ذراعها العسكري ضيّق فرص الخيارات أمام الحكومة و كافة القوى السياسية
الصهيونية و قد عبّر
عن هذه الحالة المقولة السائدة إن
نتيجة الصراع بين "إسرائيل الكبرى" و فلسطين الكبرى كانت لصالح الأخيرة ،
بل إن المستشرق غاي بخور في يديعوت أحرونوت يقرّر
بأنه في ظلّ الظروف
الحالية الناتجة عن عدم القدرة على حسم الصراع لصالح الطرف اليهودي فإن
المخرج هو الهروب خلف الجدار و خطة الفصل هي الحلّ
الأمثل . و بطبيعة الحال فهذه حالة مجسّدة
لذهنية الغيتو و نتيجة توحي بفشل المشروع الصهيوني عن تثبيت وجوده برغم
أن الطرف الفلسطيني يخوض الحرب دون عمقه الاستراتيجي
الفاعل ببعديه العربي و الإسلامي.
الدكتور عبد
العزيز الرنتيسي في احتفالات انطلاقة حماس بغزة قال بنبرة واثقة بتصريحٍ
مفاده إنه لا يحقّ
لمن فرّط في الحقوق
الفلسطينية أن يطلب التفويض لإطلاق عملية التسوية
.. بل إن الشيخ أحمد ياسين
نطقها صراحة بأنه لا تستطيع حماس تفويض السلطة و لا يمكن المجاملة عندما
يتعلّق الأمر بحقوق
الشعب الفلسطيني . و هي إشارات تبدو ظاهرة لمن يقرأ المشهد الفلسطيني
الحالي و على ضوء الوقائع التي صنعتها المقاومة في الميدان ، و تنبّىء
عن شكل المعادلة الجديدة في المشهد الفلسطيني .
اختزالاً يمكن
فهم التقرير الصهيوني المذكور و الرسائل التي يتضمّنها
على النحو التالي :
-التقرير
قراءة صهيونية جديدة لخارطة المشهد الفلسطيني و اعتراف صريح بقوة حماس و
حجمها و ما يترتّب
على ذلك من مأزق للاستراتيجية السياسية الصهيونية تجاه القوة الجديدة
.
-يعدّ
بمثابة ضغط على الحكومة الليكودية و نقدٍ
لسياستها الحالية القائمة على مبدأ الانتظار لما بعد عرفات و دعوة غير
مباشرة للتعامل مع عرفات باعتباره أخفّ
الضررين بالمنظور الصهيوني .
-و
ربما من ضمن رسائل التقرير التحريض على حماس لأن الإشارة لقوة حماس إثارة
لحفيظة السلطة و دفعٌ
لها باتجاه خيار التسوية و ما يلتصق به من مواجهة
أمنية مع المقاومة بغية تهديم ما تحقّق
من وحدة وطنية فلسطينية خلال الانتفاضة .
حماس و تيار
المقاومة عموماً لم يعدْ
من السهل تجاوزهما ، و زيارة قريع للقاهرة بغية طلب تفويض من الفصائل
الفلسطينية للسلطة للانطلاق بعملية التسوية يعزّز
هذه الحقيقة ، و مؤشّر
إلى أن السلطة لا
يمكنها المضيّ
وحدها في ظلّ
المعادلة الفلسطينية الجديدة ، لكن خارطة القوى السياسية الراهنة من
الصعب أن تبقى على حالها في ظلّ
الضغوط الدولية و الإقليمية على السلطة للتحرّك
في مواجهة المقاومة بدعوى محاربة (الإرهاب)
و ضبط ما يسمّى
بفوضى السلاح تحت شعار وحدانية السلطة و غيرها من الشعارات المقنِعة
، و مع ذلك فإعادة رسمها ليس بالأمر السهل .
على الجانب الآخر
شارون في الوقت الراهن مأزوم للغاية و خروجاً من أزمته ربما يتّجه
لأحد الخيارين : إما مغامرة على الحدود الشمالية و قد أشار مصدر أمني
صهيوني إلى أن
المؤسسة العسكرية الصهيونية تدرس مثل هذا الخيار . و إما نقل أزمته
للشارع الفلسطيني من خلال إقناع الحكومة الفلسطينية الحالية ببعض الوعود
مقابل انخراطها في مواجهة المقاومة .
السؤال الأبرز في
الساحة الفلسطينية الآن هو : هل ستندفع السلطة باتجاه التسوية و تزيد من
تسارع خطواتها و ما يعنيه ذلك من مواجهة مع المقاومة ؟ أم أنها ستناور
لكسب الوقت كما هو حالها الآن ريثما تنضج الحالة لفرض أجندة التسوية على
الشارع الفلسطيني جرياً على نسق أوسلو ؟ و سؤال أكثر تعقيداً : ما هي
صورة المشهد الفلسطيني بعد رحيل عرفات ؟
|