|
[السلام
الشرعي يتأسس في المحصلة على توازن القوى ، وهو ليس مرادفاً للعدالة
بالضرورة] [القوة ما تزال الحكم الأخير في العالم]
هنري كيسنجر
لا شك أن أحداث 11
سبتمبر شكلت عاصفة سياسية تركت آثاراً عميقة على البنية الأساسية
لاستراتيجيات وسياسات أمريكا بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه
الخصوص . فتداعياتها الدراماتيكية العاصفة جاءت لتؤثر على ميزان الصراع
الداخلي في أمريكا بين تياري العزلة والإنكفاء في مقابل التيار المطالب
بالتدخل الفاعل في شؤون العالم والمشاركة بصياغة نظامه الجديد بشكل فعال
.
هذه اللحظة
التاريخية بكافة أبعادها استبطنت في ثناياها تفاعلات ذهنية اليمين
الأمريكي وخاصة (المحافظون الجدد) مع الأحداث الضخمة التي أصابت العنفوان
الأمريكي في رموزه العليا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا لتنتج سياسات
واستراتيجية تنزع الى الإفراط في استخدام القوة – والإغترار بأدواتها
لتحقيق الهدف – والانتقال من مبدأ الردع العاجز كما يتصور العقل السياسي
اليميني الأمريكي إلى استراتيجية القسر واستخدام الضربات الإجهاضية ،
بمعنى المبادرة إلى ضرب كل الدول المعادية للسياسة الأمريكية . يرافقه
توغل في تبني المنهج الواقعي المرتبط بخارطة المصالح الأمريكية وتهميش
البعد الأخلاقي حتى وفق منظومة القيم الغربية ومفرداته مثل حقوق الإنسان
والحريات وغيرها.
ولأسباب أيدلوجية
وأخرى متعلقة بتدافعات اللحظة التاريخية المكتنزة بمؤثرات 11 سبتمبر
تشكلت في ذهنية اليمين الأمريكي الذي يقود الإدارة الحالية مكونات أساسية
منها :
-إعتقاد اليمين
بأن مسببات 11 سبتمبر وما يكمن في تداعياتها من إهاتة للعنفوان الأمريكي
تعود لعدم القدرة على الحسم وضعف الردع الذي أنتج جرأة عند الخصم للتعدي
على رموز الشموخ الأمريكي .
-ساعدت تداعيات
11 سبتمبر وما تضمنتها من زخم للحرب المزعومة على الإرهاب الدولي وخضوع
القوى الدولية للإرادة الأمريكية على استكشاف العقل السياسي الأمريكي
لمدى فائض القوة المتاحة لديه وبالتالي شعوره بالمقدرة على تحقيق أهدافه
بوسائط القوة وفرض الهيمنة مما أغرى الإدارة الحالية على التمادي في
سلوكها السياسي المتعجرف في الوقت الراهن المعبر عن غرور القوة وصلفها .
وفي هذا السياق يقول كاجان ( القوة العسكرية الهائلة المتاحة للولايات
المتحدة تخلق لديها الرغبة لاستخدامها على عكس أوروبا التي يؤدي ضعفها
العسكري الى توليد الرغبة في الحياة في عالم لا تعد فيه القوة شيئاً
مهما) . وفي التحليل التاريخي يرمز هذا السلوك لحالة مرضية تصيب
الإمبراطوريات وتعد مؤشراً على سقوطها .
-وفي العقل
السياسي الأمريكي أصلاً تعبر المصالح الأمنية والاستراتيجية – المجال
الحيوي للأمن القومي الأمريكي – عن قيمة خالصة بحد ذاتها وليست غاية
قابلة للمناقشة يمكن التفاوض حولها .
-نظراً لأن القوة
واستخداماتها وكذلك المصالح الأمنية والاستراتيجية تعبر عن قيمة قائمة
بذاتها ترى أدبيات اليمين الأمريكي أن السلوك الإمبريالي وفرض السياسات
بالقوة على الآخر لتعزيز الهيمنة تصرف أخلاقي مشروع وتتمثل في هذا الشأن
بالسلوك الاستعماري الأوروبي خلال القرنين الماضيين
تعد المفردات
الآنفة الذكر الحاضنة السياسية لاستراتيجية القسر التي تبنتها الإدارة
الحالية .ولكن في إطار هذه الذهنية اليمينية وعلى ضوء استراتيجيتها
القسرية ، ماذا تريد أمريكا من ضرب العراق واستبدال نظام الحكم فيه ؟
لا شك أن التكالب
الأمريكي للتعدي على العراق والإصرار عليه رغم المعارضة الدولية
والإقليمية لذلك يشير لاهمية الأهداف الجيوستراتيجية التي تطمح واشنطن
لتحقيقها في إطار أحلامها الإمبراطورية لإرساء قواعد المتروبول
الكولونيالي الأمريكي المهيمن . وفيما يلي أضواء وإشارات للإقتراب من
الاستراتيجية الأمريكية في إطار التفكير الاستراتيجي الأمريكي الراهن من
خلال معالجتها للملف العراقي :
-تحاول واشنطن
حالياً اقتناص الفرصة السانحة التي تتيحها اللحظة التاريخية لاستثمار
فائض القوة المتاح لديها للضغط باتجاه تشكيل نظام دولي جيوبوليتيكي وفق
خارطة المصالح الأمريكية في ظل الإدراك الواعي لقصر المدة الزمنية
المتاحة لهذا الفائض من القوة ، وفي المحصلة لضمانة إنتاج قرن أمريكي
قادم تحسباً للتحولات الممكنة لمكونات القوة الأمريكية مستقبلاً
-ملأ الفراغ التي
خلّفه تفكك الاتحاد السوفييتي في إطار المنطقة التي يطلق عليها المحللون
الجيوبوليتيكيون الغربيون [القشرة] أو [الإطار] المحيط بروسيا القيصرية
والممتد عبر الهلال أو القوس المتمدد من جنوب شرق آسيا حتى البلقان عبر
آسيا الوسطى والشرق الأوسط . وهو الفراغ الايدلوجي الذي عبر عنه بريجسنكي
المستشار الأسبق للأمن القومي بـ[الثقب الأسود] نظراً لأفول الشيوعية
والتخوفات الغربية من زحف المد الإسلامي لملأ هذا الفراغ .
-الإستيلاء على
الفضاء الجيوسياسي لمحاضن النفط المغذية لشرايين الصناعة الغربية والممتد
من سهوب آسيا الوسطى حتى رمال صحراء الجزيرة العربية لتحقيق هدفين
أولاهما : توفير مصادر الطاقة اللازمة للآلة الصناعية الأمريكية في ضوء
التوقعات للنضوب المبكر للنفط الأمريكي . وثانيهما : لتأمين القدرة
للتحكم في المصالح الاستراتيجية العالمية عبر مادة النفط الكامنة في
أراضي هذا الفضاء الجيوسياسي .
-توفر ضربة
العراق مدخلاً للإدارة الأمريكية لإعادة هيكلة إقليم الشرق الأوسط لتحقيق
أهداف الأجندة الصهيونية المتماهية في أجندة اليمين الأمريكي ،وفي هذا
الإطار يقول يهوشع ساغي الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الصهيوني ( لا
شك أن أي نظام سيحل في بغداد سيكون بمثابة كماشة بإمكان أمريكا وإسرائيل
من خلفها الإطباق بها على أعناق الأنظمة التي يمكن أن تهدد مصالح أمريكا
وإسرائيل في المنطقة) . وفي المحصلة إنقاذ المشروع الصهيوني من أزمته
الاستراتيجية الراهنة التي أوقعته فيها انتفاضة الأقصى المباركة
-تعطيل أدوات
التطوير وتعكير الأجواء الخصبة المتاحة لتنامي المشروع الإسلامي المعبر
عن هوية شعوب المنطقة المتمثل في الحركات الإسلامية بأطيافها المختلفة ،
خاصة بعد معززات الثقة التي ولدتها انتفاضة الأقصى لدى هذا التيار
الإسلامي
وفي إطار تسويق
الإدارة الأمريكية استراتيجيتها الجديدة المتعلقة بالساحة الشرق اوسطية
على وجه الخصوص ، طرحت مراكز ابحاث عدة معالجات بهذا الخصوص من أهمها
دراسة صدرت عن مركز بروكينجز للدراسات الاستراتيجية بعنوان (أمريكا
والعالم الإسلامي : علاقة متأزمة تنتظر الحسم) تقدم بها الدكتور بي
.دبليو سينجر اشار في مضمونها على الإدارة الأمريكية لكي تتصدى للإشكالية
المعقدة في الشرق الأوسط المتعلقة بضرورة توفير الديمقراطية في هذا
الإقليم لتفكيك حالة الاحتقان الشعبية تجاه السياسة الأمريكية المعادية
وفي نفس الوقت المحافظة على المصالح الحيوية الأمريكية بالمنطقة مع الأخذ
بعين الإعتبار أن الديمقراطية ربما ستوفر مدخلاً لصعود القوى السياسية
وخاصة الإسلامية المعادية للمصالح الأمريكية . وتناغماً مع هذه الرؤية
طرح ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية تصوراً
خاصاً عن الإصلاح الديمقراطي في إقليم الشرق الأوسط في كلمة القاها أمام
مجلس العلاقات الخارجية بالكونجرس تبعها لاحقاً مبادرة باول وزير
الخارجية التي القاها في مؤسسة التراث بواشنطن وأطلق عليها اسم (مبادرة
الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط .. بناء الأمل للسنين
القادمة) .
ولكن لماذا تطرح
ديمقراطية أمريكا في السوق الشرق أوسطي في الوقت الراهن ؟
ربما يكون المحفز
الأساسي لهذا التوجه كراهية الشعوب الإسلامية للسياسة الأمريكية وخوفاً
من تكتل هذه الحالة من الكراهية وتطورها باتجاه الانفجار الذي من المؤكد
سيمس بالمصالح الأمريكية بالمنطقة . ويشير استطلاع للرأي نشرته شبكة
الجزيزة نت في خبر لها بتاريخ 5/12/2002 بأن صورة الولايات المتحدة
تقهقرت عبر العالم وخاصة في الدول الإسلامية ، إذ أشار الإستطلاع إلى أن
55% من الشعب التركي لا يحملون صورة ايجابية عن أمريكا بينما ارتفعت
النسبة الى 75% في الأردن و77% في نيجيريا و85% في أزبكستان .
وفي المحصلة فإن
التسويق الأمريكي المفاجىء للديمقراطية في الشرق الأوسط سيحقق لأمريكا
عدة مكاسب يمكن رصد بعضاً منها في الآتي :
-توفير مكياج
سياسي للحملة الكولونيالية الجائرة المرتقبة لضرب العراق ولتزيين صورة
أمريكا المركوزة في الذهنية الإسلامية خاصة على أنها الإمبراطورية
المصدرة للقوة والدمار وما يستتبع ذلك من إدراك مستبطن لخلو دورها من أي
مضمون حضاري إنساني .
-تأمين منفذ
للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة خاصة في مجال التعليم لتأمين
إنتاج أجيال شابة تتناغم مع مفاهيم العولمة وفي ظنهم لتجفيف المنابع
الفكرية (للإرهاب الإسلامي) .
-مواجهة المقولة
السائدة في المنطقة التي تؤكد أن مسببات 11 سبتمبر ما هي إلا نتاج انحياز
السياسة وعدائها لشعوب المنطقة وإيجاد مبررات زائفة أخرى مقابلة لإظهارها
على أنها السبب وراء (الإرهاب الإسلامي) المزعوم
-طرح دمية سياسية
لإلهاء بعض القوى الليبرالية بالمنطقة خاصة بعد تعاظم عزلتها جراء
انتفاضة الأقصى وتداعيات أحداث 11 سبتمبر ، ولإعطاء الفرصة لهذه القوى من
جديد لتسويق مفاهيم اللبرلة وسائر مفردات العولمة بين شعوب المنطقة
لمواجهة المد الإسلامي ، وللتأثير في بنية الهوية والثقافة الإسلامية
المناهضة في تكوينها الأساسي لمفاهيم العولمة
|