|
سأل الصحافي
الصهيوني أوري شبيط رئيس هيئة الأركان موشي يعلون في صحيفة هآرتس العبرية
بتاريخ 29/8/2002م قائلاً : "صف لي المعركة الحالية بيننا و بين
الفلسطينين" ، فأجاب يعلون : "المعركة هي بين مجتمعين يتصارعان على الأرض
و إلى درجة معينة على الوجود .. أنا لا أعتقد أن المجتمع الفلسطيني يواجه
خطراً وجودياً ، أما نحن فنواجه خطراً وجودياً" .. و في موضع آخر من نفس
المقابلة يقول يعلون : "إن هذه المواجهة (الانتفاضة الحالية) هامة جداً ،
هذه مواجهة لم يكن هناك ما هو أهم منها منذ حرب التحرير (حرب الـ 48)" .
هذه شهادة واردة
من قلب المؤسسة العسكرية التي تمتلك شوكة القوة الصهيونية و من شخصٍ يعدّ
من غلاة الصقور العسكريين الصهاينة ، و ليس غريباً أن يصف يعلون هذه
المواجهة الحالية بهذه الكلمات القاسية و الصريحة لأنه يلمس حجم الوجع
الذي يمس الجسد الصهيوني . و بلغة الأرقام فهذه المواجهة أسقطت خلال
عامين تقريباً أكثر من 650 قتيلاً ، أي ما يفوق مجموع قتلى الكيان
الصهيوني خلال 23 عاماً بالإضافة إلى أكثر من 5300 جريحاً و معاقاً . و
في اتجاه آخر الكلفة الاقتصادية الباهظة التي بلغت ضعفي الخسائر التي مني
بها الكيان خلال حرب رمضان عام 1973م و التي اشترك فيها جيشان عربيان .
إضافة إلى الضغط النفسي الكبير الذي ضخّم القلق الوجودي لدى المهاجر
الصهيوني الطارىء على أرض فلسطين فطغت على ذهنه أسئلة تحمل معنى الشك في
الذات و الفكرة و ارتباطهما بالجغرافيا : من نحن ؟ و هل نحن في المكان
الصحيح ؟ و هل يمكن في مواجهة هذا التهديد الاستراتيجي تحقّق حلم المشروع
الصهيوني؟ و هي أسئلة تفجّرت لأن شرعية الوجود لا يمكن تحقيقها على قاعدة
القوة فقط ، و إنما هناك مفردات أخرى يفتقدها هذا الكيان ، و حتى مفردة
القوة التي يتفوّق بها بدأت تهتز أمام قوة الإرادة الفلسطينية و القدرة
على التحدّي رغم اختلال ميزان القوة السافر بين الطرفين .
و يؤكّد هذه
الحقيقة الماثلة و المعبرة عن صمود المجتمع الفلسطيني و تفوّقه في ساحة
المواجهة على المجتمع الصهيوني استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة يديعوت
أحرونوت في 9/8/2002م إذ أشار الاستطلاع إلى أن 33 % من الصهاينة يعتقدون
بأن الفلسطينيين هم المنتصرون في المواجهة الحالية بالإضافة إلى 30 %
يقرّون بتعادل الطرفين مقابل 30 % يرون بأن الكيان الصهيوني هو المنتصر .
و هي معادلة تعني بأن 63 % من المجتمع الصهيوني يقرّون بالهزيمة أو
يعترفون بعدم القدرة على هزيمة الطرف الفلسطيني ، و فيما تعنيه هذه
المعادلة و تؤكّده هشاشة البنية العنكبوتية لهذا الكيان . إذ أن
الفلسطينيين و بإحدى أدوات الصراع الفاعلة و هي زمر الاستشهاديين
بأدواتهم البسيطة (حفنات من المسامير و أحزمة ناسفة ملغّمة ببضعة
كيلوغرامات من المواد المتفجرة) تمكّنوا من تمزيق خيوط بيت العنكبوت
الصهيوني برغم مكابرة يعلون الذي يرفض هذه المقولة و يدّعي بأن كيانهم
(بيت نمر) .
أوجه الشبه بين
هذا الكيان و بيت العنكبوت متطابقة في عدة مقاربات .. فخيط العنكبوت
علمياً يعدّ أقوى خيط نسبة إلى سماكته الدقيقة ، لكن بيت العنكبوت بشموله
أوهن البيوت نظراً لهشاشته فلا يحتمل حتى الملامسة .. هذا مادياً ، و
لضعفه كذلك على صعيد البنية الأسرية إذ أن الأنثى تأكل الذكر بعد عملية
التزاوج . و كذلك الكيان الصهيوني فهو يمتلك ترسانة نووية ضخمة تعبّر عن
إحدى صور القوة إلا أن مجتمع هذا الكيان هشّ بتركيبته ، فقد تمكّن
الاستشهادي الفلسطيني بأدواته البدائية بملامسة بسيطة - إذا ما قيست
بموازين القوة - أن يخلخل هذا المجتمع و يزعزع بنيته الاقتصادية و يدمّر
قاعدة هجرته و أشياء أخرى هامة متعلّقة بوجود هذا الكيان و أسسه .
هذا المأزق الذي
خلقته انتفاضة الأقصى بتحدياتها الاستراتيجية للكيان أنتجت حالة عميقة من
الحيرة و القلق بسبب فائض القوة الصهيونية المحيّدة غير المجدية و
المعطّلة مقابل عدو قابلٍ للتحدّي و غير مستسلم رغم تواضع قوته و أدواته
القتالية ، و بكلماتٍ أخرى استطاعت المقاومة الفلسطينية إنتاج معادلة
للصراع لم تتمكّن المؤسسة العسكرية الصهيونية رغم تطوّرها من تفكيك عناصر
هذه المعادلة و اختراع سلاحٍ فاعلٍ يردع الفلسطينيين في إطار هذه
المعادلة المعقدة .
بسبب تلك الحالة
المعقدة اتجه استراتيجيو الكيان الصهيوني لإنتاج استراتيجيات عديدة
لمواجهة الطرف الفلسطيني من ضمنها دراسة الخبير الصهيوني شاي فيلدمان
الذي طرح في طياتها عدة خيارات للتعامل مع المأزق الاستراتيجي الذي يعيشه
المشروع الصهيوني في ظرفه الراهن و هي :
-
إعدة احتلال الضفة و القطاع و خلق ظروف تساعد على
تهجير الفلسطينيين و ربما قسرهم على ذلك بالقوة لتغيير البنية
الديمغرافية بين البحر و النهر و للخلاص من صداع الوجود الفلسطيني بشكلٍ
جذري ..
-
تجديد الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء النزاع
باجتهادات مختلفة تتراوح بين الاتفاق المرحلي و بين محادثات شاملة تستهدف
إنهاء النزاع و الوصول للتسوية الدائمة ..
-
محاولة الوصول إلى حلّ إقليمي بالتعاون مع بعض الدول
العربية المركزية و القفز عن الطرف الفلسطيني لتهميشه و من ثم إتباعه
لاحقاً لعملية التسوية استكمالاً لها ..
لكن خيارات
فيلدمان و مثيلاتها السائدة في الفكر السياسي الصهيوني تعاني من عدم
توفّر المناخ الملائم لتنفيذها سواء بعدم توافر الظروف الموضوعية في
الميدان أو بسبب غياب الأطراف الراغبة على تنفيذها أو عدم قدرتهم على ذلك
. و الأهم من ذلك كلّه لأن الطرف الفلسطين مازال قادراً على البقاء و
الصمود و متمرّد و غير خاضعٍ لقوة الردع الصهيونية لأنه اكتشف شفرة
الصراع التي مكّنته من ملامسة هشاشة بيت العنكبوت الصهيوني .
لكن اليمين
الصهيوني و المسيحي في (الكيان الصهيوني و أمريكا) يحاولان الخروج من
هذا المأزق و لتحقيق مفردات أخرى في أجندتيهما من خلال مقايضة الملف
الفلسطيني بالعراقي ، و يبدو أن خطة بوش الأخيرة - خارطة الطرق - التي
جاءت مجدوَلة زمنياً وفق مطالب بعض الأطراف العربية هي جزء من هذه
المقايضة . و الغريب ما يشاع بأن بعض الأطراف العربية موافقة بالباطن على
هذه المقايضة .
وإزاء هذه
المقايضة اللا منطقية يقفز تساؤل بسيط في ذهن المواطن العربي : هل من
المعقول أن تدخل بعض الأطراف العربية في مقايضات من أجل ضرب شعبٍ عربي و
إضاعة حقوق شعب عربي آخر ؟!! .
وختاماً لا بدّ من
القول إن الضعف ليس عيباً في حدّ ذاته لأنه ظاهرة يتفهّمها سياق التاريخ
، لكن العيب أن يتماهى بعضنا مع حالة الضعف و الاستجداء و يدخل في
مراهنات مع الشيطان الأمريكي ليحمي من خلالها بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة بيت العنكبوت الصهيوني الذي بدأت خيوطه بالتمزّق مقابل السماح لهم
بالبقاء على قيد .. الحكم و ليس الحياة ، لأن للحياة الحقيقة شكل آخر .
|