الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الثقب العربي

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 (إنني لا أهدف إلى التأكيد على عدم وجود أي احتمال للتوصل إلى اتفاق مع عرب أرض "إسرائيل" ، ولكن الاتفاق الاختياري غير ممكن . فطالما يحتفظون ببارقة أمل في أنهم سوف ينجحون في طردنا ، فلا يوجد شيء في هذا العالم سوف يثنيهم عن هذا الأمل ، بالتحديد لأنهم ليسوا أفرادا متناثرين ولكنهم شعب يقطن هذه الأرض)

(جابوتنسكي الأب الروحي للصهيونية التصحيحية ) 

 

 

في تاريخ الصراع مع كافة الأطراف الغازية للأرض المقدسة كانت القدس هي المؤشر (التيرمومتر) لحالة الأمة من حيث القوة والضعف . ففي حالة القوة تكون القدس إحدى حواضر الإسلام العزيزة المحررة من أي قيد ، وعلى العكس كلما كانت الأمة في حالة ضعف نرى المدينة المقدسة ومسجدها المبارك يقبعان في ظلمة الأسر ، وتلك معادلة يجب التنبه لها دوماً ولا ينبغي التغافل عنها كمعطى تاريخي يسترشد به .

ومثلما أن السند الإقليمي العربي والإسلامي عبر تجارب التاريخ الغابرة كان ضرورياً وحتمياً لاقتلاع أية غزوة طارئة من بيت المقدس يعتمد الغزاة - وآخرهم الصهاينة - استراتيجية معاكسة تستند على إضعاف الجوار العربي لمعاكسة اتجاه الإسناد من أجل التسلل عبر ثقب الضعف العربي لإخضاع المقاومة الفلسطينية في الإطار الجغرافي الفلسطيني . والتطبيق الميداني لهذا الاتجاه يمكن تلمسه في تجارب مختلفة خلال عمر الغزوة الصهيونية الحالية ولكن بوتائر وأشكال مختلفة ، وأوضح مثالين يمكن سوقهما في هذا الصدد:

-إخماد ثورة الـ 36 في القرن الماضي عبر التدخل العربي المباشر تلبية للرغبة البريطانية، وكانت تلك الثورة تمثل تهديداً حقيقياً للوجود الصهيوني في فلسطين

-التجربة الثانية ، ما يجري حالياً على الساحة العربية من محاولات بعض الأطراف العربية بمباركة غربية لإجهاض المقاومة في الانتفاضة الحالية بحجة إعطاء مزيد من الفرصة لبرنامج السلام

 نظرية إضعاف  السند الإقليمي الآنفة ليست فكرة عابرة بل هي الدافع المحفز الذي شارك في صناعة  خيوط النسيج لكافة استراتيجيات الامبريالية الغربية التي استهدفت المنطقة وفي إطارها تداخل التحالف الصهيوني مع الكولونيالية الغربية التي ولدته الفرصة السانحة آنذاك كمشروع صهيوني في بدايات القرن الماضي . والترجمة الميدانية لهذا المنحى وفق التسلسل التاريخي يمتد من إسقاط دولة الخلافة العثمانية مروراً بسان ريمو وسايكس بيكو ومشروع الشرق أوسطية والمنتدى المتوسطي الخاص بالشمال العربي الإفريقي وآخرها الهجمة الراهنة على العراق وما يستتبعها من رغبة أمريكية - صهيونية لتفكيك المنطقة وإعادة هيكلتها من جديد وفق الأجندة الصهيو – أمريكية.

والمتتبع لجهود مجموعة البنتاجون عمداء اليمين الأمريكي المتصهين أمثال : ولفويتز وريشارد بيرل ودوغلاس فيث وواجهتهم الأمامية رامسفيلد يدرك عمق الخطر الذي يتهدد المنطقة (الجوار العربي المساند ) ولا يفرق في هجمته بين الشعوب والأنظمة . ذلك الخطر الذي تصفه الكاتبة البريطانية هيلينا كوبان أثناء تعليقها على تعيين اليهودي شديد التطرف اليوت أبرامز كمسؤول عن قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي حيث تقول : (لا يقل عن أن يكون محاولة ليكودية محتملة لـ"إعادة تركيب" الشرق الأوسط حسب هوى (شارون) . وكل ذلك يستهدف الإطار الجيوسياسي لمنطقة السند الإقليمي لفلسطين (الشرق الأوسط بهويته الإسلامية) لتفريغ الشحنة الأيديولوجية المختزنة في جيل المشروع الإسلامي ولمقاومة أية محاولة تغيير متوقعة ربما تولد من انفجار مفاجئ جراء الاحتقان الشديد الذي تعيشه شعوب المنطقة بسبب تأثيرات انتفاضة الأقصى وما يلتصق بها من تحولات أملتها عربدة الكيان الصهيوني تحت غطاء الهيمنة الأمريكية . 

المسألة الفلسطينية تختزل في إطارها مضامين الصراع القائم بكافة تعقيداته ، وفي نفس الوقت تكتنز بالمقدس الذي يعقد شفرة الصراع في وجوه كافة الأطراف على ضفتي الصراع الراغبين بالتعامل مع الملف الفلسطيني على أنه : قضية سياسية يمكن تجريدها من إطارها التاريخي ومضمونها  المقدس  لتقبل أنصاف الحلول . ويميل للخيار الآنف الذكر الإمبريالية الغربية رغبة في تسكين تفاعلات الصراع لإنتاج حالة من الهدوء المؤقت تلبية لمصالحها الحيوية بالمنطقة بمشاركة من المؤمنين بمنهج المراوغة والمراهنة على لعبة الزمن داخل المشروع الصهيوني ، ويتعاون معهم على الضفة العربية الأطراف المستلبة التي تعبت من  مسيرة الصراع وخضعت لمصالح ذاتية وقطرية وتماهت مع الأجندة الغربية في ظل منظومة من مفاهيم اللبرلة التي أنتجها الإطار المعرفي الجديد للعولمة  . لكن بالتأكيد فإن كافة الشعوب التي تعيش في الفضاء الجيوسياسي العربي والإسلامي لا يؤمنون بهذا النهج من المعالجة الذي يعتمده ذلك الثالوث المخدوع والمخادع لأن الأمر متعلق بمكونات الهوية ويتعدى حتى حدود المصالح الاستراتيجية .

وقد ساعد على انتكاس مشروع الثالوث الآنف الذكر الراغب بالتحايل على شفرة الصراع  تداعيات انتفاضة الأقصى التي وصفها أحد الباحثين العرب بأنها حطمت موجة العولمة . وفي اتجاه موازٍ التأثير الزلزالي لأحداث 11 سبتمبر وما أنتجته من حالة استكشاف مكثفة لطبيعة الصراع وحقيقته الأيدلوجية مسقطة قشرة المكياج الزائفة التي كانت مفاهيم العولمة تجهد من خلالها لتمييع وتزييف مكونات الصراع . وفي هذا الإطار ينقل المفكر والفيلسوف مارك ليكس رئيس مركز  "رؤى 2020" المتخصص بالدراسات المستقبلية التابع للجنة الأوروبية في بروكسل عن أحد المفكرين الصينيين الذي التقاه في مؤتمر عقدته الصين والاتحاد الأوروبي حول "مجتمع المعرفة" إذ يقول المفكر الصيني : ( ربما تمثل أحداث 11 سبتمبر نهاية شرعية السيطرة الغربية ، ليس نهاية الحضارة الغربية ، وإنما نهاية شرعيتها ) ويؤكد ليكس نفسه هذه الحقيقة التي نطقها في اجتماع حضره لمجلس وزراء الاتحاد الأوروبي المتوسطي الذي انعقد في أكتوبر 2001 قائلاً : (إن أحداث 11 سبتمبر تمثل نهاية شرعية الحداثة الغربية كنموذج مسيطر ) .

 لكن الإدارة الأمريكية بخلفيتها الأيدلوجية تدرك تعقيدات المسألة الفلسطينية ، وحسب نظرية ريتشارد هاس رئيس دائرة التخطيط في الخارجية الأمريكية فإن الأزمات لا يمكن حلها برغبة الأطراف المشاركة فيها وإنما بتوفر الشروط اللازمة لنضجها وبالتالي قابليتها للحل ، إضافة إلى ذلك وفق رؤيته كما ينقل هيكل في كتابه العربي التائه2001 فإن ( أزمة فلسطين غير قابلة للنضج من الأساس لأنها تنطوي – ضمن عوامل كثيرة – على مقدسات يصعب أن يكون لها حل وسط) وعلى طريقته فهذا النوع من الأزمات يلزمه وصفة إجراءات هي :

-عزل الأزمة عن محيطها اتقاءً للعدوى

-إفراغ الأزمة من التوترات المستحدثة منعاً للانفجار

-ترك الأزمة للزمن لكي تتآكل بالتقادم 

ويبدو أن تداعيات انتفاضة الأقصى وما أنتجته من أزمة استراتيجية للكيان الصهيوني ، وأحداث 11 سبتمبر وتأثيراتها الزلزالية ألزمت الإدارة الأمريكية بمراجعة سياستها لتتضمن بعض المكونات الأساسية السابقة مع دمج بعض التغييرات اللازمة تناغماً مع التحولات المستحدثة . ويمكن تلخيصها بالآتي :

-العمل بإصرار لتهميش وتنزيل الملف الفلسطيني من قائمة الاهتمام الدولي والإقليمي بسبب قوته في استقطاب كافة الأطراف حوله ولضيق هامش الاختلاف حوله خاصة في الإطار الإقليمي ، والعمل على رفع الملف العراقي واستثمار التناقض الإقليمي حوله لتخفيف الضغط على الكيان الصهيوني ولاستغلال الفرصة السانحة التي وفرتها الحملة المزعومة على الإرهاب لهيكلة المنطقة من خلال ضربة عسكرية للعراق لتحقيق مصالح جيوستراتيجة كبيرة تشمل المنطقة والعالم بأسره

-المبادرة بتقديم دمية الدمقرطة التي أعلنها كل من بول وريتشارد هاس في محاولة لتفكيك حالة الاحتقان التي تنذر بانفجار مفاجئ قد يلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الأمريكية بالمنطقة ، وذكرت بعض المصادر الأمريكية أن الخطة ستتضمن برامج متعددة - بمظلات خادعة - تحت عناوين مثل : "حماية حقوق الإنسان العربي" و"تنمية الإنسان العربي" وعصر العلم للمنطقة العربية" و"الوعي والمشاركة السياسية العربية" وأخيراً "التكنولوجيا والعصرية للإنسان العربي"

-وربما عقب الضربة الأمريكية للعراق تنطلق جهود حثيثة عبر طروحات سياسية على نسق أوسلو لمحاولة إغلاق الملف الفلسطيني وفق الأجندة والاشتراطات الصهيونية وهي وإن حصلت فلن تتعدى صيغة التهدئة المؤقتة لقناعة معظم الأطراف باستحالة إنتاج اتفاق على قاعدة العدالة

واللافت أن الراصد للإعلام الأمريكي على وجه الخصوص يلمس كثافة التسريبات التي تتحدث عن شكل وحجم التغيير الذي سيترافق مع الضربة الأمريكية للعراق ، ومن أشهرها ما كشفه مدير الـ CIA الأسبق جيمس ولسي في محاضرة له في جامعة اكسفورد البريطانية إذ ادعى أن خطة أمريكية أعدت في عهد كلينتون تدعو لتغييرات جذرية في النظام العربي تشمل حتى أسس النظم السياسية في الأقطار العربية وهي محط اهتمام الإدارة الحالية . وفي نفس السياق تذكر إحدى المصادر الأمريكية بأنه في بداية نوفمبر 2002 دعا ريتشارد بيرل رئيس دائرة التخطيط في البنتاجون الأمريكي ودوغلاس فيث مساعد وزير الخارجية الأمريكية وكلاهما يهودي متطرف كبار العسكريين على اجتماع مغلق لبحث تطورات الشرق الأوسط ، وخلال الاجتماع عرض لوحتين بيانيتين توضح أهداف حملة الإرهاب في الشرق الأوسط كتب على الأولى التالي : الضلع الأول (العراق) – الهدف التكتيتكي ، والضلع الثاني (منطقة الخليج ) – هدف استراتيجي ، والضلع الثالث : مصر (الجائزة الكبرى) . وفي اللوحة الثانية كتب : إسرائيل هي فلسطين والأردن هي فلسطين والعراق هو المملكة الهاشمية . وهما فقط مثالان على ما يسطر في الصحف الغربية وعلى وجه الخصوص الأمريكية بهذا الشأن.

وبغض النظر عن مصداقية هذه المصادر ومعلوماتها فإن معظم المراقبين يجمعون على خطورة التهديدات المقبلة على النظام العربي جراء الهجمة الأمريكية على العراق ، وهي هجمة لا تقتصر على طرف دون آخر كما يبدو وستشمل تأثيراتها الأنظمة والشعوب بالمنطقة على حد سواء .

وإزاء هذا الخطر الداهم لا ينبغي لكافة القوى في النظام العربي برمته ابتداءً من المؤسسات الشعبية والأحزاب السياسية والتيارات الدينية وانتهاءً برؤوس الهرم في الأقطار العربية المختلفة أن تتغافل عن تهديداته ، وفي إطار هذه الدائرة الواسعة من الاستهداف يلزم أن تتوحد الجهود الشعبية والرسمية لمواجهته من خلال المتاح في الظرف الراهن :

-استدبار الأنانية السياسية القطرية وتقديم الأجندة الإقليمية على القطرية والمحاولة لبناء سياسة عربية لمواجهة الهجمة الأمريكية وبالتنسيق مع الأطراف الدولية التي تتناقض مع الأجندة الأمريكية برغم ضيق الهامش بهذا الشأن ، من أجل تعطيل الحملة الأمريكية أو التشويش عليها

-تكثيف الدعم الإنساني والخيري للشعب الفلسطيني لتصليب صموده أمام غطرسة الكيان الصهيوني

-بدلاً من بذل الجهود لإقناع الفصائل الفلسطينية المقاومة بضرورة التهدئة خضوعاً للضغوط الأمريكية يلزم توفير غطاء سياسي معقول للمقاومة الفلسطينية واستثمارها كورقة سياسية للضغط لتحقيق المطالب العربية على نسق ونموذج الدعم اللبناني السوري لمقاومة حزب الله