|
في اتصال هاتفي بين
أبو مازن و باول ، ذكرت "يديعوت أحرونوت" العبرية أن الأخير صدّر أمره
لرئيس وزارة "الانتداب الأمريكي" و بشكلٍ مباشر (عليك أن تحلّ بنى
الإرهاب و الهدنة غير مقبولة) .
في جزء من المشهد
السياسي الفلسطيني الراهن تبدو التشكيلة الجديدة التي تجسّدها وزارة أبو
مازن حالة فريدة في التاريخ السياسي الفلسطيني .. وزارة فلسطينية
بمواصفات أمريكية في إطار سلطة لا تصل لمرتبة حكومة منفى .. محكومة
بأجندة صهيونية خالصة و في ظلّ احتلال كامل . هذه الوزارة - الخطيئة
السياسية – يراد لها أن تسير بالروموت كونترول الأمريكي – الصهيوني
لتحقيق هدفها "الوطني" الأساسي اقتلاع جذور المقاومة و تفكيك بنية
قاعدتها التحتية مدنياً و عسكرياً .
و بطبيعة الحال حرص
راسمو خريطة الطريق – و هي الوصفة السحرية التي ستسير الوزارة الجديدة
وفقها و بأجندتها الأمنية - على أن يضعوا شيئاً قليلاً من الدسم السياسي
في ثناياها رغبة في تخليق أفق سياسي وهمي للسلطة الفلسطينية ؛ و هي
العظمة التي ستتلهّى بها الوزارة الجديدة باعتبارها إنجاز سياسي . و
بالرغم من نسبة الدسم المنخفضة هذه ؛ فإن شارون سيعمل على نزعه بمعالجاته
الخاصة لاستخلاص الزبدة الأمنية فقط .
السؤال الذي يفرض
نفسه .. لماذا تتوافق كافة الأطراف الدولية و الإقليمية و المحلية على
تفكيك قاعدة المقاومة لشعب يبحث عن مصيره ؟
الإجابة تبدو سهلة
في ظاهرها ، و ربما رجل الشارع العربي و الفلسطيني على وجه الخصوص يرسم
المعادلة ببساطة بالشكل الآتي : قهر و إملاءات أمريكية و خوف عربي إقليمي
يتبعه رضوخ سافر ، و توفّر مقاول أمني فلسطيني جاهز للمهمة يتماهى مع
الأجندة الأمريكية الصهيونية لمصالحه الذاتية .
و لكن الصورة أعقد
من ذلك بكثير . و التفسير عليه يتناول القشرة الخارجية لسطح الظاهرة و لا
يتوغل في تفاصيل هذه الظاهرة السائدة في الفضاء العربي و الإسلامي . إذ
أن ميزان القوى ليس المعيار الوحيد في تفسير الظاهرة المبتغى فهمها كما
يدركها ببساطة رجل الشارع .
في علم الاجتماع
السياسي ؛ في تفسير المواجهة بين طرفين أو في حال بناء جبهة المواجهة مع
الآخر أو العدو ينبغي تحديد دائرتين : (دائرة نحن) و (دائرة هم) ، و في
كلا الدائرتين هناك التباس في الذهنية العربية و الإسلامية حالياً . و
حول الدائرة الثانية (هم) ؛ فنحن لا نملك أجندة موحّدة يربط نسيجها
الأيدلوجيا أو حتى المصلحة الجماعية . فدائرة (هم) و من مركباتها
الأساسية الكيان الصهيوني ؛ فالبرغم من وضوح عداوة هذا المركب إلاّ أن
هناك خللاً كبيراً في الموقف تجاهه ، إذ أن البعض و في أعنف حالات
المواجهة معه أثناء الانتفاضة كان يطبّع معه و يعمل أشياء كثيرة من تحت
الطاولة و حتى من فوقها أحياناً . و المركب الآخر في دائرة (هم) في
المشهد الحالي يظهر الطرف الأمريكي خاصة بعد احتلال العراق و فرض هيمنته
على المنطقة . مع ذلك يبدو الالتباس أكبر في تحديد العلاقة معه . ففي
الخطاب الرسمي و حتى الثقافي و الفكري و ربما الديني لا يحرّر شكل
العلاقة بشكلٍ واضح مع الطرف الأمريكي .. بمعنى أوضح فالخطاب السائد لا
يحدّد بجلاء : هل أمريكا عدوة أم صديقة ؟
أما دائرة الـ (نحن)
فالصورة أكثر مأساوية ، لأن الجبهة تبدو مفكّكة بسبب غياب المرجعية و
تشوّش الهوية و فقدان المشروع الجماعي للأمة . و في هذا المناخ السائد
الذي يعبّر عن حالة السيولة التي تمرّ بها المنطقة الممزوجة بالحالة
السيكولوجية الجمعية بسبب سقوط بغداد يمكن إدراك التخاذل تجاه أطروحة
المقاومة – على المستوى الرسمي بشكلٍ أكثر - بالرغم من أنها حصدت مكاسب
ضخمة على جميع الأصعدة و على وجه الخصوص داخل الكيان الصهيوني إذ تمكّنت
من زلزلة قاعدة المشروع الصهيوني بشكلٍ خطير و غير مسبوق .
كم
هي مظلومة المقاومة !! :
بالرغم من أن أطروحة
المقاومة تتمتع بقاعدة شعبية واسعة لا مثيل لها في الوقت الراهن على
امتداد الوطن الإسلامي الكبير ، و بالرغم من أنها تحتل مكانة مرموقة في
منظومة قيم الأمة حيث موقعها في دائرة المقدس باعتبارها أنموذجاً مصغراً
لفريضة الجهاد ، و بالرغم من أنها عزّزت الثقة بالمشروع الإسلامي و قدرته
على التحدّي ، و كذلك بالرغم من أنها أفرزت آلية للتحدّي أنتجت بدورها
معادلة للمواجهة يكتنز في جوهرها خلل استراتيجي في ميزان القوى بين
الطرفين لصالح الطرف الفلسطيني مع تفاوت في أدوات القوة لدى الطرفين . و
هو ما يعبّر عنه في الدراسات العسكرية و الاستراتيجية الغربية بالحرب غير
المتكافئة التي يعجز فيها الطرف الأقوى من استخدام أدوات قوته لإخضاع
الطرف الأضعف منه . بالرغم من ذلك كلّه إلاّ أن الأطراف الإقليمية و
المقاول الأمني المحليّ يرضخون للإملاءات الأمريكية و ينسّقون فيما بينهم
لتفكيك قاعدتها . و هم بذلك بدلاً من استثمار مكاسب المقاومة و إنجازاتها
و حمايتها و دعمها يعملون على تفكيكها تلبية للمطالب الخارجية ، دفعاً
للحرج الكبير الذي أوقعتهم فيه . إذ إنها كانت أكثر إنتاجاً منهم في
المواجهة مع العدو و هم الذين عجزوا عن مجاراتها و تحمّل عبء
استحقاقاتها . و الحال كذلك فهل من المنطقي أن يكون جزاؤها التصفية ؟!
و على صعيد آخر ؛ و
لكن في سياق متصل يطرح تساؤل آخر : من يملك أحقية تحديد هوية العنف بين
كونه مقاومة أو إرهاباً ؟ و لماذا تخضع الأطراف العربية لمعايير الآخر في
التعاطي مع هذه المسألة و تنحني تحت ضغط مصطلحاته ؟ إذ إنه من المسلّم به
بديهياً أن لكلّ شعب الحق في استعمال كلّ أدوات قوته للدفاع عن حقوقه و
في الحالة الفلسطينية عن وجوده و هويته .
و لو سلّمنا جدلاً
بشرعية السقف الواطىء للموقف العربي الرسمي كحالة سريالية فالمطلوب –
منطقياً في هذه الحالة – كحدّ أدنى أن تصمت هذه الأطراف إعلاماً و حركة
... و لتدع المقاومة لقدرها .. ! فهل تملك حتى هذا الخيار .. ؟
نوافذ الخيارت :
في إطار المواجهة مع
الكيان الصهيوني يمتلك الشعب الفلسطيني ثلاثة خيارات و قد جرّبها :
·المقاومة السلميّة
·الخيار السلمي -
التفاوض
·المقاومة المسلحة
و على صعيد الممارسة
فقد جرّب هذا الشعب المقاومة السلميّة و ذاق مرارة ممارستها ، فقد كانت
قوات الاحتلال تتسلّى باصطياد رماة الحجارة و كانوا يركّزون في تهديفهم
على الإصابات المعيقة لينتج شرائح أوسع من المعوّقين في الشعب الفلسطيني
.
و في مرحلة لاحقة
وفد الخيار السلميّ منتجاً أوسلو الكريهة بتداعياتها و خسائرها
الاستراتيجية .. و في المحصلة ماذا جنى الشعب الفلسطيني من هذين الخيارين
غير التيه و مطاردة السراب .
و أما خيار المقاومة
فقد تحمّله الشعب و خاضته فصائل المقاومة و أنتج أكثر مما كان متوقّعاً
.. لكن الأطراف الإقليمية تخاذلت "و القيادة السياسية الفلسطينية
الرسمية" انكفأت و تراجعت و هي بذلك التراجع ستخلق رسالة سيكولوجية خطيرة
لدى الشعب فحواها أن المقاومة و ما رافقها من تضحيات جسام محصلتها صفرية
أو دون ذلك . وبطبيعة الحال هذا الوهم ستعمل الأطراف المعنية على صياغته
في رسالة إعلامية مكثّفة لتسويقها لدى الجماهير لتعزيز مقولة إنْ لا خيار
سوى التسوية .
ماهو ثمن تفكيك المقاومة .. ؟
الأطراف التي ستشارك
في هذه الخطيئة – تفكيك المقاومة – تعلم علم اليقين أن شارون ليس معنياً
بخريطة الطريق – الوصفة السحرية – و لا بعملية التسوية المبتغاة . و هو
بسيرته الذاتية و أيدلوجيته و مواقفه التاريخية لا يفقه معنى التسوية . و
كلّ ما يريده من خريطة الطريق هو تفكيك قاعدة الخطر الاستراتيجي الذي
يتهدّد الكيان الصهيوني – المقاومة - بأيدي فلسطينية و إدارة عربية رسمية
بعدما فشل هو في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً .
و في اتجاهٍ موازٍ
على الصعيد الأمريكي ، فهل ستنال الأطراف العربية بهذا العمل رضا البيت
الأبيض .. ؟ لا أحد يظنّ ذلك لأن الحملة الأمريكية مستمرة و ستغرق
كالطوفان كلّ المنطقة بشعوبها و حكامها .. و قد سمّاها اليميني المحافظ
المدير السابق للمخابرات المركزية الأمريكية "ولسي" بالحرب العالمية
الرابعة و لم يستثنِ أحداً من دائرة الاستهداف ، بل إنه ذكر زعماء عرباً
سماهم بأسمائهم و قال متبجّحاً : دعهم يقلقوا .. في إشارة للتهديدات التي
ساقها في محاضرته التي أطلق فيها نظريته حول الحرب الرابعة .
و ختاماً .. فالكلّ
يدرك أن المقاومة هي خيارنا الفعّال الممكن ، و هي أمضى أسلحتنا في
مواجهة عدوّنا في الوقت الراهن .. و هي فوق ذلك جوهرة التاج في منظومة
قيمنا "و مقدّسنا" كصورة من صور الجهاد .. و هي أخيراً ضمير الأمة ..
فكيف تغتال الأمة ضميرها ؟؟!
|