|
(والسابقون السابقون ، أولئك المقربون ، في جنات النعيم ، ثلة من الأولين
، وقليل من الآخرين) الواقعة
أحسبك يا أبا
أحمد من هؤلاء (القليل) ، إذ أولى البشارات عبقت من جثمانك الطاهر بمسك
ملأ فضاء غزة المجاهدة وبدم اختلط برمالها المعجونة بدم الشهداء ، وعلى
صدر ثراها الذي ما زال يحتضن خطا المجاهدين الأبرار .
ليلة الأمس كنت
أشاهد لقاء في قناة المنار مع المجاهد الصلب الذي كان ينافح بلسانه عن
الحق وكأنه لا يحرك لساناً بين شفتيه وإنما يشرع سيفاً لابن الوليد
المخزومي ... كنت استمع للمجاهد خالد مشعل وإذ به يشرح صدري بنبأ بشارة
غداء الشهيد المقادمة على مأدبة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ، إذ
نقل أن الشهيد المقادمة في الليلة التي قبل استشهاده رأى في المنام أن
النبي صلى الله عليه وسلم يبشره أنه سيتناول طعام الغداء معه ذلك اليوم
.. فكان استشهاده .. فنعم المضيف وصلى الله عيله ونعم الضيف وهنيئاً له .
نظن يا أبا أحمد
أنك نلت هذه الضيافة الكريمة حقيقة ، لأنك تستحقها ولا نزكيك على الله
تعالى .. فقد عملت جاهداً لرضى الله تعالى دون كلل ولا ملل ، وبثبات
الجبال الراسيات .. لم تغمض عينيك ظلمة سجون اليهود طوال عشر سنين . ولم
يكسر عزيمتك تعذيباً أليماً بلغ حد تكسير عظام ضلوعك على أيدي بني جلدتك
. لكنك صبرت على ظلم ذوي القربى ولم تطغى ولم تبسط يدك لهم بعداوة ..
صبراً وليس ضعفاً .. لأن الهدف الكبير الذي يتمدد في الأفق الفلسطيني لا
يغيب عن ناظريك ولا تُضلّ دربك عنه معارك هامشية ... إنه الأقصى مسرى
النبي الكريم الذي استضافك إكراماً لصبرك وجهادك .
ولكن لماذا وضع الشهيد في دائرة الاستهداف الصهيونية ؟
عاموس هرئيل في
صحيفة هآرتس الصهيونية في عددها الصادر في 9 آذار يشير إلى مقولة وزير
الأمن الصهيوني ( العودة إلى طاولة المفاوضات تستلزم أن تتهيأ الظروف
لذلك) . وتفسيراً لذلك يذكر الصهيوني هرئيل أن أهم الاشتراطات للوصول
لحالة التهيئة المنشودة صهيونيا واميركياً هو (تحطيم قيادة حماس في
القطاع ) بمن فيهم من يعرفون أنفسهم على أنهم قادة سياسيون . وفي نفس
السياق أكد مصدر أمني صهيوني بأنه (ليس هناك مايسمى بمستوى سياسي في حماس
، وقد حان الوقت لوقف التعامل مع هذه التعريفات ) .
وبموازاة ذلك
تتجه السلطة الفلسطينية للخضوع تدريجياً لاشتراطات خارطة الطريق القاضية
بإنهاء الانتفاضة وتعمل عن طريق تبني خطاب سياسي التفافي يجمع بين
المنزلتين - يجامل المقاومة وينحدر باتجاه التسوية – لكنه يميل تزامنيا
باتجاه منحدر التسوية ، وربما تعمل تصريحات بوش الأخيرة حول خارطة الطريق
على تسريع الانحدار نحو هذا الخيار. ويشير بعض المحللين إلى أن قوات
الاحتلال وأجهزة السلطة سيستغلان ظروف العدوان الأميركي على العراق وتحت
ستار غبار هذه الحرب سيعملان سوياً على تفكيك قاعدة المقاومة في فلسطين .
وفيا يتعلق
بالشهيد المقادمة على وجه الخصوص فيبدو أن الصهاينة استهدفوه لظنهم أنه
يتولى قيادة الجناح العسكري لحماس بعد استشهاد الشيخ صلاح شحادة وإصابة
محمد ضيف .
وفي المحصلة يعبر
الحدث عن رسالة مكتنزة بمعاني كبيرة موجهة من الثالوث الدموي : شارون
وموفاز ويعلون إلى قيادة حماس .
الإشارات في
الميدان تنبأ أن حماس تدرك معنى الرسالة جيداً ، لكن الشيء الأكيد أنها
لن تخضع للمتطلبات التي تستهدفها هذه الرسالة .
وتذكيراً بشكل
معادلة المواجهة بين الطرفين ، أحيل ثالوث القتلة شارون وموفاز ويعلون
على المستشرق الصهيوني المختص بشؤون الحركات الإسلامية الذي يقول : ( إن
الجيش يخطىء خطأ كبيرا عندما ينطلق من افتراض أنه بالإمكان القضاء على
حركة حماس والحد من قدرتها على المقاومة ويضيف : (لقد أثبتت التجربة حتى
الآن أنه بدل كل قيادي يتم اغتياله يأتي عشرة آخرون بدافعية كبيرة على
مواصلة المقاومة ) .
فهل يفقه ثالوث القتلة هذه المعادلة ؟
وعودة للشهيد ...
فسلامٌ عليك يا إبراهيم .. لا حرمنا الله أجرك .. وثبّت الله أقدام
المجاهدين في أكناف بيت المقدس بعدك .. وأحسب أن دمك الطهور الذي انهمر
فوق رمال غزة الشامخة سيكون وقوداً يشحن عزائم الرجال من بعدك .
|