الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

مؤتمر هرتسليا الرابع: رسالة انكسار

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

  

"في السنوات الثلاث وربع الأخيرة قتل 901 إسرائيلياً وأصيب 6 آلاف إسرائيلي (1212 يهودياً حسب رئيس مجلس المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة بنتسي ليبرمان ) .. يجب أن نقول باستقامة : جهاز الأمن بما فيه جهاز الأمن العام لم يوفر لشعب إسرائيل السترة الواقية الجدير بها ... يخيل إلينا أن الهدوء من نصيبنا في الأسابيع العشرة الأخيرة منذ العملية في مطعم (مكسيم) في حيفا . هذا الهدوء هو هدوء مُسْكر ومزيف ، ففي العشرة أسابيع فقط أحبط أكثر من 20 انتحارياً كانوا في طريقهم لإسرائيل .. وفي العشرة أيام الأخيرة فقط أحبط في الدقيقة تسعين ثلاثة إنتحاريين كانوا في طريقهم إلى إسرائيل" .

 

هذه الكلمات ملخص الصورة الأمنية للمجتمع والدولة الصهيونية وتأتي أهميتها من أنها من مدير المخابرات الداخلية الصهيوني آفي دختر ، وقد قالها في سياق الورقة التي قدمها لمؤتمر هرتسليا الرابع الذي عقد في الفترة من 16-18 من الشهر الجاري .

 

وفي قراءة أخرى ربما تصلح هذه الكلمات لكي تدرج على أنها النتيجة شبه النهائية للصراع بين الطرفين الفلسطيني واليهودي في الانتفاضة الجارية ، وهي لا تخفي روح الإنكسار وصراحة الإعتراف بعدم القدرة على الأنتصار على الطرف الفلسطيني بأدوات القوة المجردة والمعالجة الأمنية .

 

شارون نفسه وفي ذات المؤتمر قال في خطابه "في السنوات الثلاث الأخيرة وضعتنا منظمات الإرهاب الفلسطينية في تجربة عسيرة ، وخطتهم هي تحطيم المجتمع الإسرائيلي" . وهي إشارة من رأس الهرم لدى الكيان الصهيوني تنبىء عن حجم المأزق الاستراتيجي الذي خلقته المقاومة للمشروع الصهيوني في المرحلة الحالية . ويرسم وزير خارجية سلفان شالوم بقية الصورة القاتمة بالمنظور الصهيوني قائلا "إن المخططات المختلفة (وثيقة جنييف ومثيلاتها) التي تم عرضها حتى اليوم تتآمر على هذه المبادىء – السعي للسلام والأمن معا- تشهد على فقدان المقدرة على الصمود ، وعلى اليأس وانعدام الصبر والمتابعة" . وموفاز وزير الحرب رغم كبرياء العسكر يقرر في كلمته في نفس المؤتمر " إسرائيل تواجه مرحلة مصيرية ستمتحن فيها مناعتها القومية" .

 

هذه الملخصات التي تعبر عن ذبول قوة الردع الصهيونية تبدو مذهلة ، ولكن عندما تضعها في صورة المشهد العام للمنطقة العربية ؛ يعجز المرء عن فهم سر إنكسار وهشاشة الغلاف العربي المحيط بالكيان الصهيوني ، إذ أن إنكسار وانحسار قوة الطرف المقابل في الصراع تعني في منطق الأشياء أن تزداد طردياً قوة الطرف الآخر . بل إن كثير من المسؤولين الصهاينة وكتابهم يكررون مقولة : لماذا لا يتقن الفلسطينيون قراءة المشهد العربي الراهن ويستمرون بالمقاومة رغم اختلال ميزان القوى وضمور سندهم الاستراتيجي عربياً وإسلاميا.. وماذا يفيدهم الصمود في هذه المعادلة ؟

حصاد الميدان يذهل الاستراتيجيين الصهاينة ويزيد التساؤل آنفاً حدة وتعقيدا . وكمقطع جزئي من المشهد الفلسطيني الصامد و الرافض للإنكسار صورة العرض العسكري الذي قدمته كتائب عز الدين القسام في غزة في شارع الجلاء يوم الجمعة الفائت وما تضمنه من ظهور لمئات من المسلحين على شكل جيش نظامي ‘ حيث ظهرت سيارات وجيبات عسكرية يقودها ملثمو الكائب الذين يحملون قاذفات "آر.بي.جي" وصواريخ البتار والبنا وصواريخ القسام إضافة إلى مئات بنادق الكلاشنكوف .

 

حصاد الميدان هذا يربك حسابات دعاة التسوية على الصعيدين الدولي والإقليمي ، ذلك لأن الرقم الصعب والذي تمثله المقاومة لا يمكن تجاوزه لأن معادلة الصراع في الوقت الراهن لاتتماثل مع صورتها زمن أوسلو .

 

يدرك الصهاينة بقناعة أن المسافة الزمنية للصراع مفتوحة ولا خيار لهم في المدى الاستراتيجي لأن كيانهم مزروع بناء على عوامل تتناقض مع جغرافية المنطقة وتاريخها وهويتها . وكل ما يطمحون إليه أن يتوفر لهم أعضاء من الطرف الآخر لإنجاز تسويات مفرطة ومؤقتة تحت السقف العربي المنخفض حالياً وفي ظل الميزان القوى المختل ظاهرياً الذي يبدي ورم القوة للمشروع الصهيوني .

 

السؤال لماذا يتقدم إليهم هؤلاء ليقدموا للمشروع الصهيوني طوق النجاة ؟ لماذا لا يدعوا كيمياء التآكل تتفاعل في تركيبته المتناقضة أصلا ؟ وإذا كان مبرر هؤلاء هو ميزان القوى المختل ، فحركة التاريخ بيانية متذبذبة ولا ثبات فيها ، وقانون الصراع ومفردات القوة لدى الطرفين تشير بأنه لا مستقبل لهذا المشروع حتى على المدى المتوسط، ومنطق الاستراتيجيا يشير إلى أنه ليس من مصلحة القضية صياغة تسويات في ظل المناخ السائد بل ينبغي أن تعتمد الأمة استراتيجية الرفض في إطار برنامج شامل للمقاومة متعدد المجالات وهي قادرة على ذلك لأنها تمتلك هوية متماسكة ذات نواة صلبة يجسدها المقدس ، ويدعم ذلك أن غالبية الشعوب العربية والإسلامية لا تؤمن بمنطق التسوية أصلا .   

 

وعلى صعيد معادلة القوة فإن الذين يعيشون حالة الضعف يملكون القدرة على الرفض وذلك أضعف الإيمان ، وأما الطامحون لتغيير المعادلة القائمة فخيارهم المقاومة كما ذكر آنفاً وهم كثر في جسم الأمة . ولهؤلاء رسالة من الدكتور الرنتيسي بعثها لهم في احتفال ذكرى إنطلاقة حماس الذي تم تنظيمه في غزة إذ قال في خطابه : " : "لن نقبل أن تقفوا على الحياد ، فأرضنا أرضكم و جهادنا جهادكم ، و هذا موقف لا يرضي الله و لا رسوله و لا جموع الموحدين ، فقد آن لكم أن تقفوا الموقف المشرف مع المجاهدين" .