|
(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم
مؤمنين)
التوبة 14
رامسفيلد ،
وولفويتز ، فيث ، بيرل ، يعلون ، موفاز ، دغان وعلى رأسهم بوش وشارون في
القطيع اليميني المتطرف في واشنطن وتل أبيب لا يدركون أسرار فقه ومكونات
ثقافة المقاومة الجارية في بيت المقدس وبلاد الرافدين وفي سائر البقع
الجغرافية المتمردة على الهيمنة الأمريكية والعصر اليهودي . لا يفقهونها
لأنهم يعتقدون بأن الهوية والإرادة بالمنطقة العربية والإسلامية يمكن
إعادة إنتاجها وخلطها بتوابل متكيفة مع مناخ الاستسلام وحشوها في علب
سردين من إنتاج أمريكي . وكأن كل شيء يمكن إنتاجه كما يخيل لفرسان ثقافة
الاستهلاك التي تتعامل مع الإنسان كرقم وكمادة استهلاكية متجرداً من
فضائه الإنساني والميتافيزيقي .
الغباء السياسي
المخيم على هؤلاء مرده مضافاً لما سبق سيادة المفهوم القائل
إن اختلال ميزان القوى
السائد ملائم لبرمجة المنطقة وفق الأحلام الصهيو-أمريكية تحت شعار
اغتنموا الفرصة السانحة التي أفرزها الفراغ السياسي والأمني المتغلغل في
جغرافية المنطقة .
لكن حصاد الميدان
وغماره يبدو أنها أشعرت رامسفيلد
بالعجز خاصة أنه يرى بأم عينه كيف المقاومة العراقية تلاحق نائبه
وولفويتز على ضفاف الفرات في غرفة فندقه وحتى على متن مروحيته في سماء
تكريت ، وربما أفاق من سكرة قوته ليدرك أن المستضعفين حتى في ظلال مناخ
ميزان القوى المختل يأنفون الركوع لقوة الاحتلال وهم قادرين على إنتاج
معادلة للصراع لا تتوافق مع شهية المحتل ولا يمكنه أن يصل لحل شفرتها
العصيّة على التفكيك .
رغم ذلك يأبى
العناد الأمريكي أن يقف عند حدود المنطق وبدلاً من الإياب لفضيلة
المراجعة وتصحيح اعوجاج السياسة الأمريكية الخاطئة بالمنطقة يقفز
رامسفيلد لاختراع حرب أخرى اسماها – حرب العقول – وذلك في سياق مذكرته
لقادة البنتاغون التي تم تسريب مضمونها عبر الإعلام الأمريكي . وبوحي من
الذهنية التي تتحكم في العقل السياسي الأمريكي الراهن التي تغذيها أوساط
اللوبي اليهودي الليكودي المتطرف يخرج رامسفيلد بمنهج جديد للمعالجة
يتضمن توصية بإنشاء وكالة أمريكية خاصة مهمتها مواجهة الأفكار المعادية،
ويقصد بهذا المنحى توجيه الجهود نحو الجذور -كما يعتقد- بغية اقتلاع شجرة
المقاومة التي توجع الجسم الأمبريالي الأمريكي المتمدد على جغرافية
العالم بأكثر من ستين قاعدة عسكرية. وبطبيعة الحال فالمؤسسة الملتصقة
بالجذور وبالتالي المستهدفة الأولى هي المدارس الدينية ليؤكد أن الحرب
على ما يسمى بالإرهاب ما هي إلا حرب دينية تستهدف الإسلام رغم كل شعوذات
السياسة الأمريكية ودبلوماسييها السحرة . ومن زاوية فهي تعزيز لنظرية
نائب وكيل وزارته "البنتاغون" لشؤون الاستخبارات "وليم بويكن" التي تقول
أن أمريكا ما هي إلا صورة "الدولة المسيحية اليهودية" وهو ذاته الذي شتم
دين الإسلام ورسوله دون اعتذار من البنتاغون أو من أي شخص في إدارة بوش .
"غاي بخور"
المحلل والمستشرق الصهيوني في يديعوت أحرونوت يسير بموازاة فكرة رامسفيلد
ويقول تعقيباً على تصريحات مهاتير محمد المتعلقة باليهود في المؤتمر
الإسلامي الأخير في ماليزيا بأنها نسخة عداء للسامية ولكن بلغة شرقية
جديدة وبنظره يتوجب على الخارجية "الإسرائيلية" أن تعد حملة واسعة
لمواجهة هذا العداء لأن الشرق الذي يُخطط لبناء سلام معه ينبغي أن يكون
منزوع الكراهية تجاه اليهود شركاء سلام المستقبل – الذي لن يأتي –. وهي
صيغة تعني تزييف الهوية ليتم تشريع الوجود اليهودي في الذهنية الإسلامية.
واختزالاً لنظرية
رامسفيلد وغاي ينبغي مواجهة المقاومة والهوية معاً لأن العلاقة تبادلية
بين الاثنتين باعتبار الأولى آلية حماية للأخرى ولأن الثانية بمثابة خزان
الوقود للأولى لذا يتوجب على الحرب أن تستهدفهما سوياً.
و المقاومة
أسرارها كبيرة ففي المشهد الفلسطيني كمثل على اكتناز عطائها فقد أخرجت
العدو عن دائرة العقل وأجبرته أن يقوم بأعمال تدمر صورته الوردية التي
كانت تملأ آفاق الإعلام الغربي بل إن مخططيه الأمنيين بحسب الجروزلم بوست
يدرسون خياراً جنونياً يقضي بضرب الفلسطينيين نووياً لكسر إرادتهم
وإخضاعهم.
وفي صورة عجز
أخرى يجسدها جدار الفصل الأمني ، فبسبب المقاومة التي تعيد برمجة المجتمع
الصهيوني على نحو يتعاكس مع الفكرة الصهيونية فقد قرر الجنون الأمني
الصهيوني بتسييج الوجود الديمغرافي الفلسطيني بجدارين غربي وشرقي طولاً
يتقاطع معهما خمسة إلى ستة أسيجة وجدر لتقسيم الضفة إلى 13 معزلاً .
ولكنه ليس حلاً لأن معضلة الأرض التي يريدها اليمين الصهيوني ما زالت
قائمة ولا زال الوجود الديمغرافي الفلسطيني أيضاً يتمدد في كافة بقاع
فلسطين مابين البحر والنهر . وفوق كل ذلك ما زال الخوف يسكن في عقل وقلب
المستوطن وتذكره الأرض التي يقف عليها ويهزه بارودها بأنه غريب وطارىء.
الباحثان
الصهيونيان شموئيل كيمحي وشموئيل إيفن في دراستهما "الفدائيون
الفلسطينيون" التي صدرت في فصلية "تقديرات استراتيجية" عن مركز جافي
للدراسات الاستراتيجية بعد تقصي ظاهرة الاستشهاديين
ودراستها يعترفان أن الظاهرة معقدة ولا يمكن تحليلها بواسطة علم النفس أو
علم النفس الاجتماعي السريري ، وقد صدقا .
السر الذي لا
يفقهه هؤلاء أن المقاومة والهوية يخرجان من مشكاة واحدة هي القرآن ...
(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم..) و(كنتم خير أمة أخرجت للناس..) .
رامسفيلد في حربه
الجديدة ربما يتمكن من تزييف الخطاب الرسمي العربي والإسلامي بحكم
الهيمنة وقد ينجح في توليف المناهج الدراسية وفق أهوائه، لكن المقاومة
ستظل قرآناً يتلى في محاريب الأمة حتى قيام الساعة رغم أنفه.
|