|
يقول فيرجسون في
سياق مناقشته لمفهوم القوة "إن المشكلة مع النفوذ الناعم هي أنه ناعم
جداً ، وعبر العالم الإسلامي كله هناك أطفال يستمتعون أو يودون أن
يستمتعوا بمعلبات الكوكاكولا أو مأكولات الماكدونالدز .. فهل تجعلهم كل
هذه الأشياء يحبون أميركا أكثر ؟ إن الإجابة وبصورة مستغربة هي : لا ؟"
ولكن لماذا ؟
القوة بشكليها
الصلب والناعم لا يمكنها أن توفر الهيمنة المطلقة أو النفوذ الدائم لأنها
تحتاج في بقائها لمصداقية وشرعية . ذلك أن الفيصل في الصراع بين أي طرفي
قوة هو البعد المعنوي الذي تقدمه القيم وهي التي تحدد شرعية ومصداقية
طرفي الصراع .
في النموذج
المصغر الذي يجسده "لصراع الفلسطيني الصهيوني" في الحالة القائمة ، وحين
نفكك معادلة القوة بين الطرفين نجد أن الطرف الصهيوني مكتنز بمضامين
القوة المادية ومشحون بها إلى أقصى درجة ويتفوق على الطرف الفلسطيني
بصورة طاغية، لكنه يفتقر إلى شرعية هذه القوة واستخداماتها ؛ بينما
الحالة الفلسطينية رغم افتقارها لهذه القوة المادية إلا أنها تتمتع
بشرعية أخلاقية وتاريخية وقوة إيمان يستبطنها العنصر البشري الفلسطيني
الذي يتحرك في حلبة القتال .
زئيف شيف الكاتب
الصهيوني والخبير الأمني في مقالة قديمة له رسم صورة مبسطة لمعادلة القوة
بين الطرفين قائلاً ما مفاده أن محصلة الصراع بين الطرفين هي الفارق ما
بين الأم الفلسطينية التي تدفع بولدها إلى أتون المعركة وتزغرد عندما
يعود محملاً .. شهيدا ، بينما الأم اليهودية تتمسك بولدها وترفض أن يذهب
لساحة القتال وتصرخ باكية ً عندما يعود محمولاً .. قتيلا . ونتيجة هذا
المشهد سيكلوجياً هي أن النصر أقرب إلى الطرف الفلسطيني رغم أثقال
جراحاته الرهيبة .
من مشاهد التحدي
القائمة ميدانياً عمليية أسدود الأخيرة ، فالبرغم من جنون القوة الشاروني
تمكنت المقاومة من الوصول لهدف حساس في الأحشاء الأستراتيجية للكيان
الصهيوني رغم تعقيد شبكة الحماية الأمنية المتوفرة لمثل هذا الهدف
الاستراتيجي .
وهنا يطرح سؤال :
ما فائدة دروع القوة واستخداماتها المتغطرسة إذا لم تتمكن من حماية العمق
الاستراتيجي المفترض أن يكون تحت مظلة حماية قصوى . فاستهدافه يعني أن
المقاومة كشفت مكامن الضعف في خارطة القوة وتمكنت من اختراقها وعملت على
الطرق عليها بأدوات القوة البسيطة التي تمتلكها ، والحالة نموذج لصراع
القوى غير المتكافئة وبيان لإمكانية نجاح الطرف الأدنى في معادلة القوة .
وشفرة القوة المعقدة هذه التي انتجتها المقاومة هي التي كسرت العديد من
القواعد الاستراتيجية التي كان يعتمدها هذا الكيان الغاصب .
الحالة المذكورة
ومثيلاتها من إنجازات المقاومة هي تأكيد لمقولة ترددت في الصحف العبرية
حول تعريف ما هو الجيش الفعّال ؟ وهل الجيش الصهيوني كذلك ؟ ودون التطرق
للإجابة عن السؤال يمكن القول أن المقاومة أفقدت الجيش الصهيوني فاعليته
، وهي النتيجة التي توصل إليها المستوى السياسي في الكيان الصهيوني
واعترفت به المؤسستان العسكرية والأمنية .
ولكن حصاد البيدر
هذا وسنابله الناضجة تحتاج لمستثمر سياسي يملك مشروعاً متماسكاً يرتكز
على ثوابت الأجندة الوطنية الفلسطينية وإرادة سياسية حرة .
فهل يتوفر ذلك في
الساحتين العربية والفلسطينية ؟
للأسف أن المستوى
الرسمي في الساحتين لا يملك ذلك . بل إن اللاعبين في الساحتين انتقلوا من
مرحلة إهمال حصاد البيدر لمرحلة أخطر هي مشاركة العدو في حرق سنابله .
ماذا يعني ذلك ؟
هل تتكرر تجربة
ألـ36 المريرة ؟، أم ثمة خيارات أخرى !
في ظل انخفاض
السقف العربي ربما الأمثل التوجه راهناً لاستثمار فرصة القوة المتاحة
للمقاومة ؛ وقبل تآكل المشهد الفلسطيني بسبب تخاذل الغلاف العربي وتناغم
المستوى الرسمي الفلسطيني معه أن تتجه فصائل المقاومة للتوافق على برنامج
مرحلي . وبسبب حساسية هذه المفردات للبعض أسارع بالقول أن هدف الدعوة هو
استثمار سياسي شرعي لفرصة القوة القائمة للمقاومة ميدانياً من خلال إبداع
سياسي بصيغة ما ، ولا أظن أن العقل الفلسطيني الذي استطاع إدارة هذه
المقاومة بإنجازاتها عاجز عن إبداع سياسي مثمر ؛ يتجاوز التفريط الذي
جسدته النماذج الذي سبقته ، وفي نفس الوقت يقوم على ثوابت الأجندة
الفلسطينية وفق المعايير التاريخية وعلى قاعدة المقدس والقيم التي تدور
في فلكه .
التاريخ يتجاوب
مع المبادرة الفاعلة لإغتنام فرصه المتاحة ، فهل تتمكن الحالة الفلسطينية
الراهنة من إبتداع تجربة تترجم الإنتصارات التكتيكية على الميدان إلى
إنجاز سياسي يكون قاعدة للبناء عليه مستقبلاً في عمر هذا الصراع الطويل؟ |