|
ما قبل استشهاد القائدين
تشير عدة مصادر صحفية تواتراً أن الجهود
البريطانية ما قبل عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين أثمرت بإقامة "غرفة
عمليات" هدفها توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية لاستئناف عملها في تفكيك
قاعدة المقاومة التي تصلبت في فلسطين أثناء انتفاضة الأقصى الجارية .
وكان في الأفق إنشاء غرفة موازية في قطاع غزة ولكن الظروف الميدانية
المتعلقة بتناقض الأجهزة الأمنية الفلسطينية في غزة أبطأ بل أخّر تدشين
هذه الغرفة ، وربما الجهود ما زالت قائمة .
وتأتي هذه الجهود البريطانية في سياق عمل دولي -
إقليمي مشترك شاركت فيه أطراف إقليمية مختلفة . تلك الجهود التي أنتجت ما
يسمى " بالخطة الأمنية البريطانية – الفلسطينية الشاملة" ، وقد ناقش قريع
مفرداتها في آخر زياراته إلى لندن . وكان من المقرر أن يترادف معها زيارة
لوفد أمني مصري إلى قطاع غزة لتأهيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية للمهمة
المقبلة .
وتلك جهود لازمة آنذاك وفق العاملين عليها لإقناع
شارون للعودة إلى طاولة المفاوضات وتلبية لبعض شروطه وهي :
-جمع الأسلحة من الشارع الفلسطيني
-استئناف التعاون الأمني الفعال بين الجانبين
-إغلاق الأنفاق المستخدمة في تهريب الأسلحة عبر
رفح
-التحقيق في شأن حسابات بنكية تشتبه الأجهزة
الأمنية الصهيونية بها
في المشهد "الإسرائيلي" كان شارون يعاني من تفكك
الوحدة الوطنية التي التفت حوله ما قبل الانهيار منذ عدة أشهر ، فقد تدنت
شعبيته إلى أقل 35% في أوساط المجتمع الصهيوني ، نظراً لفشله في تفكيك
معادلة توازن الرعب مع المقاومة الفلسطينية وما استتبع ذلك من انهيار
الحالة الأمنية وضرب لمفاصل الاقتصاد الصهيوني وإصابته بنكسات موجعة وغير
مسبوقة بالرغم من تهريجات وزير المالية نتنياهو الذي يحاول يائساً أن
يرسم صورة وردية للاقتصاد الصهيوني . ومحصلة النكسات هذه أجبرت "جنرال
اليأس الإسرائيلي" على الانكسار الاستراتيجي الذي ترجمه ميدانياً من خلال
:
-بناء الجدار العازل
-وخطة الهروب من غزة التي سماها شارون تزويقاً بـ
" فك الارتباط"
وفي مخاض الإعداد لخطة شارون اجتمع القادة
العسكريون والأمنيون لفك عقدة الانكسار الاستراتيجي التي تستبطنها خطة فك
الارتباط باعتبارها تجسيداً لتآكل قوة الردع الصهيونية وشكلاً من أشكال
الهروب من مواجهة المقاومة . وعلاجاً لذلك اتفقت القيادة العسكرية
والأمنية وبدعم من شارون على إعداد خطة لضرب حماس ؛ باستهداف قادتها
الكبار لتغيير ميزان القوى الميداني في قطاع غزة ، في محاولة لإضعاف
الحركة في غزة تمهيداً لتسليم القطاع للسلطة الفلسطينية توازياً مع
الجهود الإقليمية والدولية العاملة على تأهيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية
للقيام بما سيتبقى من مفردات المهمة وفق الرؤية الصهيونية .
وجع عملية اسدود
الاستراتيجي وانعكاساته
على إثر عملية اسدود النوعية التي تمكنت المقاومة
من خلالها أن تضرب هدفاً استراتيجياً يتمتع بشبكة حماية فائقة ، وما
تستبطنه من دلالات أفصحت عنها مصادر أوروبية نقلاً عن الحكومة الصهيونية
، إذ أشارت هذه المصادر إلى أن شارون اعتبر أن المقاومة وبالذات حماس
تخطت كل الخطوط الحمراء باستهدافها الميناء الذي يضم مسنودعات كيماوية
ضخمة ، ومن هنا لا بد "أن ننزل لهم الرؤوس" كما أشار مصدر أمني تهديداً
لقادة حماس قبيل اغتيال شيخ المجاهدين ومن بعده أسد المقاومة الرنتيسي .
مع ذلك لم تكن عملية أسدود سوى صافرة البدء للحرب
على حماس ، وكانت البداية بالرأس الكبير الشهيد أحمد ياسين ومن ثم خليفته
. وفي هذا السياق تشير بعض المصادر الأمنية وفقاً لصحيفة الجروزلم بوست
في عددها الصادر في 18/3/2..4 أن جهاز الموساد سيتولى ملاحقة قادة حماس
والجهاد في الخارج . وقرر مصدر أمني آخر في صحيفة معاريف بأن " المطاردة
مفتوحة وستتم تصفية حماس والجهاد الإسلامي" في الداخل والخارج بطبيعة
الحال . ووفق صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية الصادرة في 19/3/2..4 فإن
الجيش الصهيوني يستهدف شل حركة حماس وتحييدها وفصلها عن محيطها بحسب مصدر
أمني صهيوني كبير لم يكر أسمه مضيفاً هذا المصدر " أن حرب الإبادة ضد
حماس لا تعني فقط التوغل المكثف للجيش الإسرائيلي في غزة ، ومهاجمة قلاع
حماس الراسخة فيها ، وإنما أيضاً خوض معارك داخل مناطق مكتظة بالسكان ؛
مما يعني سقوط الكثير من الضحايا ، وربما أيضاً خوض معارك دامية " . وقد
أكد هذا التوجه عاموس جلعاد منسق الاحتلال مشيراَ إلى أن الحملة ستشمل
7.-8. شخصية عسكرية وسياسية من مختلف صفوف حماس .
دلالات الحملة التي تستهدف
حماس
المراقب للمشهد الفلسطيني وإطاره الإقليمي بل
والمشهد الدولي العام يمكنه أن يتلمس مبررات هذا التصعيد المفاجىء ،
وربما يلمح اشتراك أكثر من طرف في هذه الحملة التي تستهدف حماس ، وفيما
يلي محاولة اقتراب لدلالات الحملة المذكورة :
-يلمس المراقب أن الحملة ربما يشترك فيها أكثر من
طرف دولي وإقليمي ومحلي ؛ وأن هناك تواطؤ من أطراف إقليمية ومحلية بالذات
من إجل تحجيم حماس باعتبارها المعطل الرئيس لدولاب التسوية
-في إطار الحملة الأميريكية المسماة "الحرب على
الإرهاب" يجهد شارون لدمج حماس في هذه الصورة ، ومن هنا فقد عمد إلى
الإشارة إلى أنه قد قتل بن لادن الفلسطيني
-ضرب حماس يستهدف حرق إنجازاتها باعتبارها عامل
إسلامي فلسطيني يصب في المنتهى في خانة الظاهرة الإسلامية التي تسعى
لبلورة المشروع الإسلامي بالمنطقة الذي لا يتمنى نجاحه الكثير من الأطراف
-ربما تستهدف الحملة في بعض مضامينها خلق فرصة
نجاة لكل من شارون وبوش من مأزقهما الحالي
-تعزيز قوة الردع الصهيونية التي حيدتها المقاومة
وفق قاعدة موفاز الدموية "ما لا ينفع معه القوة ، تنفع معه القوة الأكبر"
، وحتى لا يظهر الانسحاب من غزة في صورة الانسحاب من الجنوب اللبناني
-وفق المحافل الأمنية الصهيونية وبحسب يديعوت
أحرونوت في افتتاحيتها بتاريخ 24/3/2..4 فإن السلطة الفلسطينية تضعف
وحماس تتمدد شعبيتها في المجتمع الفلسطيني ، ولأن هذه الحركة المتمردة
استعصت على كل ألوان الإغراء والضغط فلا بد من ضربها في نهاية المطاف
لإفساح المجال أمام السلطة الفلسطينية لتستعيد مكانتها إن قدرت على ذلك
مآلات الحملة
يعتمد مصير الحملة إلى حد ما على التداعيات التي
تبعت اغتيال الشيخ أحمد ياسين وأسد المقاومة الرنتيسي ومفردات أخرى لها
أهميتها ويمكن إدراج بعض منها كالتالي :
-استشهاد الشيخ ومن بعده الشهيد الرنتيسي رحمها
الله تعالى على القيم التي عاشا طوال حياتهما من إجل خدمتها بمثابة
انتصار ضمني وتعزيز للفكرة التي آمنا بها ،بل إن دماءهما ستكون المعزز
السيكلوجي لثقافة المقاومة ، وصورة الجماهير التي خرجت في العواصم
العربية والإسلامية على إثر اغتيالهما كانت بمثابة استفتاء على برنامج
المقاومة، وتأكيداً على أن الرافضين له ما هم إلى فئة معزولة تعيش في
هامش الأمة مهما تعالت أصواتهم وعلت مراكزهم الاجتماعية والسياسية ، وهي
حالة تصعّب محاولات ضرب الحركة استراتيجيا.
-حماس ليست فصيلاً سياسياً أو حركة تحرر وطني فحسب
، إنما هي فكرة تتلبس المقدس وبالتالي فمشروعها يحمل البعد الديني ويهم
كافة المسلمين في أرجاء المعمورة ، فكيف للقوة المجردة أن تتمكن استئصال
مشروع بهذا التجذر القيمي والاتساع الديمغرافي والجغرافي
-وميدانياً سيعتمد مصير الحملة على طبيعة الرد
القسامي على عملية الإغتيال ، فإذا كان الرد مكلفاً للكيان الصهيوني
ونرجو أن يكون كذلك فسيجبر الطغمة الحاكمة في تل أبيب على مراجعة
حساباتها ، وبالتالي سينخفض سقف الأهداف لدى المؤسسة العسكرية الصهيونية
ليبقى على مستوى القادة الميدانيين من المستوى المتوسط جرياً على قواعد
اللعبة التي ترسخت منذ بداية الانتفاضة إلى حد ما.
-لا شك أن خيارات الحركة مضغوطة باستحقاقات الرد
على اغتيال قائديها ؛وفي ذات الوقت حماية بنيتها التنظيمية على المستوى
القيادي باعتبار أن الرد سيكون تبادلياً وبنفس درجة العنف ، مترافقاً مع
الرغبة في استثمار الحالة الفلسطينية من خلال مشروع سياسي مثمر وفق
استراتيجيتها القائمة على الواقعية الإيجابية غير المفرطة .
رغم أن الحملة سقفها عالٍ وفي مناخ مترع بالتواطؤ
؛ إلا أن الحركة ستخرج من هذه الحملة أصلب عوداً ؛ لأن المشروع الوطني
الإسلامي في فلسطين تجذرت قاعدته ؛ وفات أوان القدرة على اقتلاعه .
|