الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

"ريم" علمتنا فقه الكرامة

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

"دوما رغبت في أن أكون المرأة الأولى التي تضحي بحياتها في سبيل الله ، وفرحتي ستكتمل عندما تتطاير أجزاء من جسدي في كل صوب"

 

 

عندما أمسكت بالقلم أحسست بالعجز أمام هذه المرأة الغزّية التي كتبت في جبهة المجد حكاية فلسطينية أكبر من حروف لغتي ولا تملك كلماتي المقدرة على تجسيد معناها المكتنز بهذه البطولة الأنثوية الفريدة وغيرها من المعاني التي لا شك تفقهها أمة المليار .

 

عندما نظرت إلى قامة هذه الاستشهادية وهي تمتشق بندقيتها المحشوة ببارود الثأر الفلسطيني وقد ارتدت بزتها العسكرية متمردة على أزرار الفساتين وأحمر الشفاه وكل مساحيق الأنوثة .. سألت صورتها : من أنت ياريم .. يازنبقة البطولة وزمردة القسام المقدسية ؟

 

أحسست أنها تريد أن تقول : أنا شرفكم المتخثر في شراينكم  .. واعذروني فقد ألح عليّ عزّ أنوثتي فتسلل رغماً عني ومن خلف رجولتكم لكي يفجّر جسدي في وجوه القتله ، ولعلكم تستفيقون من شخيركم الذي يملأ الأفق العربي .وأملاً في أن تهز شظايا جسدي المختلطة برائحة البارود القسامي جثث الضمائر المدفونة في مقابر صدروكم .

 

"ريم" لغم أنثوي أحرج فحولة الرجال في كل القبائل التي رفعت الرايات البيضاء وتلك التي ما زالت تقاتل . وبدمها كتبت رسالة بليغة ثلاثية الأبعاد :

 

-        نتف جسدها وشعرها المغسول بدماء الشهادة كلها رد على ثقافة العولمة التي يصدّرها السوق الأمريكي لفضائنا الثقافي ، تلك الثقافة التي تروج جسد المرأة على أنه وعاء أنوثة يحمل أدران الرذيلة ، لكن "ريم" قلب معادلة "الأمركة" وجدعت أنف "الصهينة" فجعلت من الجسد الأنثوي وعاء طاهراً يتشظى في الأنحاء ليكتب سطوراً من نور في سفر الطهارة والبطولة

 

-        "ريم" أعطت درساً في فقه الكرامة لكل الرجال الفحول الذين يتقلبون على سرر الشهوة مستدبرين وجه الكرامة الباكي في الأفق المقدسي ، وعلمتنا أن صناعة القوة تكون في محاضن الإرادة وليس في صلابة الفولاذ ، وريم الشاهد الماثل على أن الأمة تقدر أن تصنع القوة إن أرادت ، وعلى كل الذين يتباكون على الشعب الفلسطيني مطالبين بوقف انتفاضتهم بحجة الوجع أن يجففوا مدامعهم وأن يوقفوا خطابهم البكائي الكئيب وليعلموا أن ثمن الحرية دائماً يدفع باللون الأحمر

 

-        جسد ريم المتفجر الممزوج برائحة البارود وعبق الليمون الغزي رسالة تمرد وصمود .. ومن النقطة الرخوة في سطح المجتمع الفلسطيني .. عنوانها لن نخضع لغطرية القوة في العصر اليهودي الأغبر المتدثرة بعباءة الهيمنة الأمريكية التي تعقد ألسنة السادة في العواصم الإقليمية ، وترجمة عصرية لسير المجاهدات من نساء السلف الصالح أمثال أم عمارة والخنساء وخولة

 

وأنتم أيها السادة في كل العواصم جهزوا أنفسكم ، فلست أدري كيف ستختبئون من نظرات طفليها "ضحى" و "عبيدة" وأحدهما قد فطمته عن الرضاعة قبيل أسبوع من استشهادها ولم تتلاشى بعد رائحة الحليب من ثغره الطفولي البريء

"ريم" ليست آخر الحكايات الفلسطينية لكنها من أجملها وسيحفرها التاريخ في ذاكرته الصخرية ..

 وأخيراً هذه حروف في ثنايا حكايتك فلعلها تتنسم عبق الشهادة ..

"ريم"ٌ

أنثى من غزةَ .. بل أكثرْ

ياقوتةُ صبحٍ في حقل الشومرْ

فيروزة أحلامٍ للقسّام الأكبرْ

في عينيها

عبق النعناع وأوراق الزعترْ

في كفّيها حلمٌ مثمرْ

وُلدتْ في دنياكمْ

لتعلّمكمْ

صوت البارود وطعم الثأرْ

وقفتْ فوق الرمل الغزيّْ

صاحتْ في وجه عروبتكمْ

لم يستيقظ فيكمْ ..

ذاك الشرف المتخثّرْ

فتسلّل عزّ أنوثتها

من خلف رجولتكمْ

لتمزّق خارطة الذلّ الأغبرْ

بدل المرآة وأزار الثوب الأحمرْ

لبستْ طوق البارودْ

تركتْ ألعاب "ضحى" و"عبيدة" فوق الرملْ

لتفجّر أكباداً في خيبرْ

تتطاير أشلاء الجسد الأطهرْ

سقطوا كجرادٍ مستدبرْ

ثم ارتفعتْ

كي تشرب من ماء الكوثرْ

أما أنتم .. عرب الأنحاءْ

فهنيئاً .. طعم الموت اليومي المتكررْ