|
يتردّد في الأدبيات
السياسية العربية الراهنة مقولة إن البيئة الدولية تغيّرت و كذلك البيئة
الإقليمية نظراً للمتغيّرات البنوية التي حدثت دولياً و إقليمياً ، و في
الإطار ذاته ما دام المشهد الفلسطيني جزءاً من البيئة الإقليمية و يتأثّر
بمتغيّرات إقليمية و محلية داخلية ، لماذا تبقى الحالة الفلسطينية جامدة
في مجالها السياسي إلا في حدود المتطلبات الغربية و الأمريكية على وجه
الخصوص .
و بمباشرة أكثر ،
لماذا المنظومة السياسية الفلسطينية "بأدواتها السياسية و رجالها" تعيش
حالة التكلّس الدائمة ؟ و لماذا الممانعة المستديمة من طبقة سياسية
متنفّذة أو من قبل جهات تحتكر العمل الوطني الفلسطيني سياسياً بحجّة
الحفاظ على المكاسب الوطنية ؟
و السؤال الذي ينبغي
أن يُطرح من قبل قطاعات واسعة من الفلسطينيين سواء داخل فلسطين المحتلة
أو في المنافي : ما مدى شرعية السلطة الفلسطينية ؟ و ما دور منظمة
التحرير في الظروف الراهنة ؟
ربما تبدو الأسئلة
ضخمة ، و ربما ينبري البعض للتشكيك بمضمونها ، أو يلجأ للتحذير من خطورة
توقيتها ، و هي حجّة دائمة تُطلق حينما تطرح الأسئلة الوطنية الضخمة
بِنيّة الإصلاح البنيوي خاصة أنها أسئلة تستبطن خطاب انتقادي لأداء
الطبقة السياسية القائمة على معالجة الملف الفلسطيني .
و حول شرعية السلطة
داخل فلسطين المحتلة ، هل هي تمثّل ديمغرافياً كافة تجمّعات الوجود
الفلسطيني داخل فلسطين و خارجها ، و سؤال كبير : هل يمكن لهذه السلطة
بمجلسها التشريعي و مؤسساتها التنفيذية داخل فلسطين أن تبرِم اتفاقاً مع
الكيان الصهيوني و تُلزم به كافة أطياف و تجمّعات الوجود الفلسطيني في
الداخل و الخارج ، علماً أنها لا تتمكّن حتى من تمثيل الوجود الفلسطيني
داخل فلسطين نفسها ، و فلسطينيي الـ 48 شاهدٌ بليغ على ذلك ، إضافة
للتنازع الجاري بين السلطة و الكيان الصهيوني حول تبعية و تمثيل فلسطينيي
القدس الشرقية .
بطبيعة الحال
المعالجة ليست مستحيلة ، و البلسم السياسي الناجع لمعالجة هذه المعادلة
المختلة و لصالح الأجندة الوطنية الفلسطينية ينبغي أن يتمّ التوافق على
قيادة وطنية موحّدة من كافة الأطياف في المشهد الفلسطيني اعتماداً على
ميزان القوى الميداني الراهن ، و هي صيغة توفّر صيانة سياسية عالية
للقرار الفلسطيني ، مع ما توفّره من تأمينٍ للبيت الفلسطيني و حفاظٍ على
ثوابت الأجندة الوطنية .
الصيغة المقترحة
ستوفّر ضمانة عالية لأنها ستتضمّن اجتهاداتٍ مختلفة من كافة القوى
السياسية في المشهد الفلسطيني ، و على قاعدة الحوار و التدافع الإنساني
بين كافة القوى السياسية ستتولّد الأجندة الوطنية المبتغاة و سيتمّ
التوافق حولها من منظور المشاركة ، و بالتالي سيتولّى البتّ بمصير
المشروع الوطني الفلسطيني أكبر قطاعٍ من الطبقة السياسية الفلسطينية ،
بعيداً عن حالة الاحتكار السياسي القائمة .
و بنفس العين
الإصلاحية ينبغي النظر لحالة منظمة التحرير ، تلك المنظمة التي بقيت على
حالها منذ نشأتها ، و ليس خافياً على أحدٍ أن خارطة التمثيل الراهنة
داخلها لا تعبّر عن الواقع السياسي الفلسطيني القائم ، و الموجِع أكثر
أنها في حقبة أوسلو على وجه الخصوص استُخدِمت كمطيّةٍ لتمرير كثير من
الخطوات و السياسات التي تتناقض أصلاً مع الميثاق الوطني الفلسطيني . و
ليس عيباً بل من الواجب الوطني أن ينادى لإصلاحها "أداتياً و سياسياً"
بحيث يلتقي تحت سقفها كافة القوى الفلسطينية وفق الأوزان السياسية
القائمة و بعيداً عن سياسة "الشيكات" التي كانت تستهدف خلق تمثيلٍ مصطنع
بنظرة ضيّقة من قبل طبقة سياسية متنفّذة .
الإصلاح ينبغي أن
يتضمّن إعادة الهيكلة ، و ترتيب مفردات الأجندة الوطنية الفلسطينية و
إحياء ما غُيّب منها . و إذا تعسّر ذلك فمن الممكن استحداث مرجعية أخرى
بأدواتٍ أقلّ كلفة سياسياً و في نطاقٍ محلّي داخلي على غرار "مصلحة تشخيص
النظام" وفق التجربة الإيرانية ، المهم أن يُنتِج كياناً سياسياً ما
متعدّد الأطياف من حيث بنيته الأساسية ليتمّ من خلاله مراقبة العملية
السياسية الفلسطينية و مدى مطابقة الحراك السياسي للطبقة السياسية مع
مفردات الأجندة الوطنية و مشروعها الوطني . فضلاً عن تقاسم الجهاز
التنفيذي للمشاركة في صناعة القرار الفلسطيني و لمعالجة ظاهرة التغوّل
السياسي التي تعاني منها الحالة الفلسطينية .
ربما يُقال إن
البيئة الدولية و الإقليمية الراهنة رغم متغيّراتها البنيوية لا تسمح
بمثل هذا الانقلاب الفلسطيني ، و الجواب أنه ما دام الحديث عن مسألة
التمثيل الفلسطيني فينبغي أن يجسّد هذا التمثيل حالة الإرادة الشعبية و
صورتها الراهنة المعبّرة عن تمسّكٍ شديدٍ بثوابت الأجندة الفلسطينية برغم
المعاناة الضخمة المعاشة . و ليس من مصلحة الشعب الفلسطيني بحجّة المرونة
و التعاطي البراغماتي مع المشهد الدولي القائم أن تقوم الطبقة السياسية
المتنفّذة بالتمسّك بالأطر السياسية المستهلَكة و التنازل من خلالها عن
ثوابت كبرى في الأجندة الفلسطينية .
|