|
تتمتع الثقافة
الوطنية الفلسطينية بثراء عالٍ بمظاهر التنوع السياسي ، كما أنها غنية
بتقاليد التعددية السياسية ، ويعود ذلك لأسباب محلية وإقليمية بحالة خاصة
.
هذا التنوع
السياسي في الحالة الفلسطينية رغم عدم توافر الدولة بمؤسساتها المدنية
والسياسية إلأ أنها بقيت محصنت نسبياً من عوامل الاحتكاك المفضية إلى
حالة الاقتتال ، وهذا ينطبق بدرجة عالية على النطاق الجغرافي لفلسطين
التاريخية . فسنوات الانتفاضتين أعطت مثالاً بارزاً على قدرة الشعب
الفلسطيني أن يقود نفسه حتى في غياب مؤسسات سلطوية تضبط حركة الحياة في
الميدان . ولعل دُربة الشعب في أن يعيش بلا سلطان دولة فترات من الزمن
أعطته خبرة خاصة في ضبط حركته بآليات أخرى في ظل هيمنة أولوية المقاومة
وشؤون التحرر من الاحتلال .
المعطى أعلاه لا
يعني بالضرورة أن الشعب الفلسطيني متحرر من طبائع الظاهرة الإنسانية التي
من تجلياتها الاحتكاك العنيف في غياب السلطة الضابطة لحركة الناس . بل إن
المشهد الفلسطيني مكتنز بتغيرات اجتماعية وسياسية في اللحظة الراهنة تزيد
من مؤشرات الخطورة على مستقبله .
الفضيلة السياسية
التي ينبغي أن يذكر بها في هذه الحالة الحرجة هي الوحدة الوطنية ، لأنها
الضمانة الأكيدة التي تجمع لحمة الشعب ومن خلالها تتوافر ضمانة كبيرة
للمحافظة على مستقبل القضية ومصيرها في لحظة تاريخية في غاية الخطورة .
وهي بدهية لا تحتاج لمناقشة أو برهنة .
ولكن .. كيف
ستكون هذه الوحدة الوطنية ؟
الحذر كل الحذر
من أن تتحول هذه "الفضيلة السياسية" إلى بقرة مقدسة وباسمها يقوم بعض
الأطراف بالتطاول على مقدرات الشعب ليمارسوا هيمنة على القرار الفلسطيني
في ظل "الاستبداد الفصائلي" الذي كان قائماً في حقبة أوسلو .
لا شك أن الحالة
الفلسطينية لا تتمظهر في شكل دولة وبالتالي لا يمكن لأدوات الدولة
التقليدية أن تضبطها ، وبعداً آخر يزيد الحالة تعقيداً أن القوى السياسية
في الميدان غير متوافقة على برنامج سياسي موحد ، بالإضافة إلى المناخ
الدولي السائد الذي يزيد الحالة تعقيدا .
الحل الأمثل في
هذه الحالة أن يرتفع الحس الوطني لدى القوى السياسية بأطيافها المختلفة
لتتوافق على إنتاج قيادة وطنية موحدة تضم كافة الأطراف باوزانها في
الميدان .
ربما تتولد
إشكالية حول المعيارية في تقاسم الجسم الذي سينتجه التوافق على هذه
القيادة الموحدة ، ولكن مهما اختلف الناس فإن منطق الأشياء يستلزم أن لا
تغيب قاعدة شراكة الدم تقتضي شراكة القرار ، باعتبارها إحدى المعايير
العادلة والتي لا يشك أحد بأن الشعب يرتضيها ، ومن المفترض أن تقبلها
الفصائل كذلك .
المصلحة
الاستراتيجية للشعب الفلسطيني تقتضي أن يرضخ الجميع لقواعد – الاجتماع
والسياسية – ولمنطق التاريخ أيضا ، التي تدعو جميعها لإنتاج توافق سياسي
بمعايير متفق عليها لصناعة هذه القيادة الموحدة . ولا داعي للتذكير بأن
قسطاً كبيراً من مكتسبات هذا الشعب في تاريخ نضاله الطويل قد تم إضاعتها
بسبب غياب هذا التوافق الاستراتيجي .
على البعض أن
يتحرر من ذهنية تاريخية النضال ، وعلى الجميع أن يستدبر المصالح قصيرة
المدى لمصلحة القضية الأم.
بطبيعة الحال
ستميل بعض الأطراف الإقليمية للمساعدة في إنتاج قيادة فلسطينية جديدة
بنكهة تتوافق مع المناخ الدولي السائد ، وهذا المنهج المزمن سيعقد الحالة
الفلسطينية أكثر ، وليس في صالح القضية الفلسطينية استراتيجياً .
الملطلوب من هذه الأطراف أن تتحرر من هاجس الخوف من بعض القوى السياسية
الفلسطينية ، وبالتالي عليها أن تترك عملية الحراك السياسي الفلسطيني أن
تعمل وفق خارطة الميدان الفلسطيني ووفق المزاج السائد للشعب الفلسطيني .
لا نعني أن تتنصل هذه الأطراف من مسؤولياتها فالبعد الإقليمي ضروري في
إنتاج القيادة الفلسطينية ، إنما المأمول أن تكون قاعدة التدخل على أساس
مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته وليس وفق الأهواء الدولية .
|