الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

بناء الجدار العازل والهروب من غزة : إنكسار إستراتيجي

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

ما هي صورة ميزان القوى في معادلة الصراع القائمة بين الفلسطينيين والصهاينة من حيث أدوات القوة المتوافرة لدى الطرفين ؟

 

سؤال يبدو في ظاهره ساذجاً للغاية ، ومع ذلك سنحاول رسم صورة ميزان القوى بهدف مخرجات نبتغي استقصاؤها والبناء عليها .

 

صورة الميزان تقول باختصار : الكيان الصهيوني يمتلك مئات القنابل النووية الفتاكة ، ومنظومة من أسلحة الدمار الشامل المتفوقة نوعياً ، وآلاف الدبابات المتطورة ، وآلاف أخرى من الطائرات المقاتلة الحديثة الصنع التي يمكنها الوصول لأعماق استراتيجية بمدى واسع ، إضافة لجيش متطور نوعياً وكمياً في ظل قيادة عسكرية وسياسية تحتمي بستار إستراتيجي غربي على رأسه دولة السوبر بور – أمريكا- .

 

في مقابل ذلك الطرف الفلسطيني الذي يقف عارياً من عمقه الإستراتيجي العربي والإسلامي بل ومحاصر من قبل الغلاف العربي ، ولا يمتلك من أدوات القوة سوى متفجرات بدائية وحفنات من المسامير الحديدية ، وعشرات ربما أكثر من الصواريخ المتنوعة المديات والأغراض التي تفتقر للدقة والقوة ، إضافة إلى مجموعات مقاتلة من فصائل المقاومة ، بوجود قيادة رسمية متهافتة وبدون أجندة سياسية متماسكة وواضحة .

 

من المفترض أن تعطي الصورة أعلاه وتنتج مخرجاً مفاده إنسحاق الطرف الفلسطيني بل ومحوه من الخارطة الجغرافية ، وحفر قبر سياسي كبير لدفن الملف الفلسطيني فيه .

 

لكن النتيجة معاكسة تماماً لهذا المخرج الموضوعي للمعادلة القائمة ميدانياً. فبرغم الوجع الفلسطيني الهائل نتيجة ثقل معادلة القوة الآنفة ؛ إلاّ أن الطرف الفلسطيني أرغم العدو الصهيوني على التراجع عن قواعد إستراتيجية أساسية في الصراع . وتمكنت المقاومة من خلخلة البنى الأساسية للمجتمع الصهيوني وبشكل غير مسبوق ، لدرجة أن عرّاب الصهيونية الأكبر بيرس اضطر للاعتراف أمام وزير خارجية أمريكا في الأسبوع الماضي والتصريح علناً بأن "إسرائيل" مقبلة على كارثة إن لم تنسحب من المناطق المحتلة . وقبل ذلك رفعت المؤسسة العسكرية والأمنية الرايات البيضاء من خلال تقارير اعترفت فيها باستحالة حسم الصراع القائم بمنطق القوة ودعت المستوى السياسي للتعاطي مع الطرف الفلسطيني سياسياً ، وهي تقارير زلزلت القاعدة التي تقوم عليها حكومة شارون بنظرتها الأمنية والعسكرية تجاه الملف الفلسطيني .

 

ولكن أين الإنكسار الاستراتيجي الذي يدعيه هذا المقال ؟

 

هنالك اضطراب في كافة مناحي الحياة الصهيونية على جميع الصعد السياسية والإجتماعية والاقتصادية وحتى الاستراتيجية . وهي ليست مجرد أماني تداعب الحلم الفلسطيني بقدر ما هي واقع متجسد في الحياة الصهيونية وتتحدث عنها الأدبيات السياسية الصهيونية في الإعلام العبري الراهن .

 

وهنا يتجه المقال لرصد موقفين كبيرين يشكلان تعبيراً وتجسيداً حقيقياً لمعنى الإنكسار الاستراتيجي وهما :

- بناء الجدار العازل

- وخطة الهروب من غزة المسماة لتحسينها " خطة فك الإرتباط"

 

وسأحاول قراءة الحدثين الإستراتيجيين بلغة غير كارثية ، لأن الأقلام العربية بمدادها أنتجت طوفاناً من المقالات التي تتحدث عن تأثيرات الجدار المأساوية وحتى خطة الإرتباط على الحالة الفلسطينية .

 

دلالات بناء الجدار العازل :

 

-        الجدار بتمدده الأفعواني حول الوجود اليهودي في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 يعني  ضرب نواة الفكرة الصهيونية الأساسية الهادفة لخلق ملاذ آمن لليهود في فلسطين ، وهو بمساره إنكفاء للمدى الجغرافي لهذا الملاذ

 

-        الجدار ترجمة عملية لتآكل قوة الردع ، وهي لب نظرية الأمن الصهيونية التي أخضع الكيان الصهيوني بها عواصم الغلاف العربي

 

-        وفق مقولة المؤرخ الأميركي بول كنيدي فالجدار محفز للإرادة الفلسطينية سيكلوجياً ودافعاً للتحدى بينما هو للجانب الصهيوني رسالة إحباط باعتباره تجسيداً لروح الإنكفاء

 

-        الجدار تكريس لذهنية الغيتو التي عمدت الحركة الصهيونية على إلغائها لإنتاج شعب يهودي متحرر من عقدة الخوف والانغلاق ، إذ تحول الكيان الصهيوني خلفه إلى دولة القلعة أو غيتو الدولة الكبير

 

-        تحييد أدوات القوة النوعية للعدو بأدوات قوة متواضعة وخلق معادلة للصراع أدت مخرجاتها لانكسار استراتيجي أحد مظاهرها بناء الجدار والانكفاء خلفه ، بمعنى أن معادلة القوة انحازت باتجاه الطرف الفلسطيني فالتجأ الصهاينة للجدار كحالة قسرية

 

-        الجدار دلالة ميدانية على القدرة لصناعة أفق أمل وحالة ثقة بإمكانية انكفاء المشروع الصهيوني وزواله بنموذج المقاومة مرحلياً ، وهو مظهر من مظاهر تآكل القشرة التي تغلف ورم القوة التي يتمظهر بها

 

دلالات الهروب من غزة :

 

-        كسر القاعدة الاستراتيجية التي صكها شارون – لا انسحاب في مواجهة الإرهاب – وتزويق الخطوة بدل مسماها الحقيقي انسحاب من طرف واحد كالحالة اللبنانية إلى مسمى "فك ارتباط" ، وهي حالة تفتح شهية المقاومة وتقوّي من فرصتها كخيار منجز

 

-        تضاؤل المدى الجغرافي للحلم الصهيوني وتكريس لحالة التراجع الجغرافي على أرض الواقع لدرجة أن أحد عمداء اليمين الليكودي وهو أيهود أولمرت قال ما مفاده أن أرض "إسرائيل" الكاملة أصبحت أسطورة سياسية

 

-        هذا الهروب انتصار لمفهوم أن المقاومة خيار مثمر وليس عدمياً كما يروج البعض . بل إن أكاديمية في لندن  هو "مركز المنظور السياسي للدراسات والاستشارات" أكد في دراسة بهذا الشأن أن شارون أخفق في كسر الانتفاضة وانحدر في هوة أزمة داخلية وخارجية ، ولمن يملك ذاكرة جيدة فقد وعد شارون أن يكسر الانتفاضة بمائة يوم فقط