الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الحلّ الأمنيّ استنساخٌ للنمط الكولونيالي

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

 

تعيين كونداليزا رايس ، وزيرةُ الخارجية الأمريكية ، لمنسّق أمنيّ أمريكيّ فيما يتعلّق بالملف الفلسطينيّ ؛ يؤكّد على ديمومة النسق السياسيّ الأمريكيّ في التعاطي مع القضية الفلسطينية . الخطوة مؤشّرٌ على اختزال المسألة الفلسطينية في البعد الأمنيّ ، و تأكيدٌ لانقلاب الصورة بالمنظور الأمريكيّ و الغربي بوجهٍ عام ؛ الذي يعتبر المقاومة هي المشكلة و ليس الاحتلال .

الحملة الأمريكية بعد 11 سبتمبر و المسمّاة "محاربة الإرهاب" التي انطلقت بدفعٍ صهيونيّ حثيث وفق الثنائية الأمريكية الفجّة "من ليس معنا فهو ضدّنا" ؛ تعتبر ضمناً أنّ المصالح الأمريكيّة و السياسة التي تخدمها هي المعيار الدوليّ الذي يحدّد من هو الإرهابيّ .

و طالما أنّ مصالح تل أبيب توزَن بالكفّة الأمريكيّة فمن البدهي أنْ تندرج المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب . و على هذا فلا قيمة للقوانين الدولية التي تجيز المقاومة ضدّ الاحتلال ، و على الشعوب المحتلة أنْ تخضع و ترضى بالعدالة الأمريكية مع قليلٍ من توابل "حرية بوش" لكي تتمكّن من استساغتها .

و الحالة الفلسطينية ليست شاذّة عن هذه القاعدة الأمريكية المقلوبة ، التي تجعل من الفلسطينيّ صاحب الحقّ إرهابياً ، و من اليهوديّ المحتلّ صاحب حقٍّ و رسولاً حضاريّاً بالمنطقة يستحقّ الحياة و الحماية و الأمن حتى لو طحنت جماجم أطفال الفلسطينيين من أجل عينيه الزرقاوين الحضاريتيْن .

و لتثبيت هذه المعادلة المقلوبة التي تفتقد إلى الشرعية أو إلى أدنى حدٍّ من العدالة الإنسانية لا بدّ من اعتماد خيارٍ معاصر ، خيارٍ يكمل دور التحالف الكولونيالي الغربي – الصهيوني الذي أنتج "إسرائيل" على حساب فلسطين التي يُراد لها أنْ تُمحى من الذاكرة ، إلا بقايا علمٍ و سجادة حمراء و رئيس يقف عليها و بعض الرموز الوطنية اللازمة لإشباع الشوق الوطني الفلسطيني . و لأنّ الفضاء مشبّع بالعولمة الأمريكية فلا بدّ من أنْ يكون الخيار الجديد بعيداً عن الصيغة الكولونيالية القديمة و متناغماً مع أبجديات العولمة و مع "رسالة بوش الإنسانية" . و بالتالي فهذه الصيغة الجديدة التي ستدجّن الحالة الفلسطينية من الضروريّ أنْ تجمع الحلّ الأمني مع توابل ديمقراطية ، أي أدوات القوة اللازمة للإخضاع مع محسّنات لازمة تقتضيها المرحلة .

بطبيعة الحال تمّ تجهيز المشهد الفلسطيني لمثلِ تلك الصيغ منذ "استراتيجية أوسلو" التي اعتمدها حزب العمل باعتبارها الأداة الفاعلة لشرخ الحالة الفلسطينية ، و هي التطبيق العمليّ "لاستراتيجية الاختراق" التي أوصى بها الخبير الأمني الصهيوني الهالك "هاركابي" . إذْ إنّ الانتفاضة الأولى أحدثت تحوّلاً في الفكر السياسيّ الصهيونيّ أدّى لقبوله بالتيار الوطنيّ العلماني الفلسطيني كشريكٍ على الضفة الأخرى ، لمواجهة خطر التيار الوطني الإسلامي الصاعد .

ملخّص الصيغة تطويرٌ إمبرياليّ للكولونيالية القديمة بمحسّنات معاصرة ، و لكنها بالمحصلة تستهدف الشعب المُحتَلّ المقهور لإرضاخه و إرغامه للقبول بمحتليّه بأدوات أمنية و بأيدي بني جلدته ، و تحت شعاراتٍ و مفردات و مُقبّلات وطنية تفتح الشهية الوطنية .

و العبقرية الإمبريالية الحديثة - عبقرية الشرّ طبعاً -  تجلّت ْفي أنّها جمعت بين الاحتلال و فريقٍ من التيار الوطنيّ الفلسطيني تحت مظلّة سياسية واحدة و مصالح مشتركة متناغمة ، في مواجهة فريق وطني فلسطيني آخر . و قد آتت هذه اللعبة الماكرة أكلها في إضعاف القاعدة الوطنية التي ينطلق منها الجهد المقاوم و لازمته السياسية ، باعتبار أنّ اختلاف الرؤى بين فريقي المقاومة و التسوية الذي أفرزته حرَم الشعب الفلسطيني من التوحّد على برنامجٍ وطنيّ واحد ، و تعمل على الحدّ من حرية انطلاق الجهد المقاوم خوفاً من الفتنة الوطنية ، و ما يجري على الأرض الآن هو ترجمة عملية لهذه المعضلة التي خلقها العقل الإمبرياليّ .

و قد ترافقت استراتيجية الاختراق الآنفة في الوقت الحالي مع ضغطٍ شديدٍ على الغلاف الإقليمي لتفكيك الظهير الإستراتيجي ، بغية تحقيق هدفَيْ الحصار و المهادنة لإخضاع التمرد الفلسطيني المقاوم .

و في المحصلة فالمنسق الأمريكي (وليم وورد) بوجهه الأمنيّ الجديد لا يزيد عن كونه استنساخاً محسّناً لـ (اللنبي) بوجهه الكولونيالي القديم . و قَدَر الحالة الفلسطينية المخضرمة أنْ تتصادم مع الوجه الإمبرياليّ بنسختيه القديمة و الحديثة ، و بالتأكيد يعلم "وورد" مصير "اللنبي" ، و لمن البقاء في النهاية ، لأنّه يدرك أنّ التاريخ عبر مساره الطويل لم يمنح شرعية الوجود و البقاء لأحدٍ بأدوات القوّة و القهر .