|
تعيين
كونداليزا رايس ، وزيرةُ
الخارجية الأمريكية ، لمنسّق أمنيّ أمريكيّ فيما يتعلّق بالملف
الفلسطينيّ ؛ يؤكّد على ديمومة النسق السياسيّ الأمريكيّ في التعاطي مع
القضية الفلسطينية . الخطوة مؤشّرٌ على اختزال المسألة الفلسطينية في
البعد الأمنيّ ، و تأكيدٌ لانقلاب الصورة بالمنظور الأمريكيّ و الغربي
بوجهٍ عام ؛ الذي يعتبر المقاومة هي المشكلة و ليس الاحتلال .
الحملة الأمريكية
بعد 11 سبتمبر و المسمّاة "محاربة الإرهاب" التي انطلقت بدفعٍ صهيونيّ
حثيث وفق الثنائية الأمريكية الفجّة "من ليس معنا فهو ضدّنا" ؛ تعتبر
ضمناً أنّ المصالح الأمريكيّة و السياسة التي تخدمها هي المعيار الدوليّ
الذي يحدّد من هو الإرهابيّ .
و طالما أنّ مصالح
تل أبيب توزَن بالكفّة الأمريكيّة فمن البدهي أنْ تندرج المقاومة
الفلسطينية في خانة الإرهاب . و على هذا فلا قيمة للقوانين الدولية التي
تجيز المقاومة ضدّ الاحتلال ، و على الشعوب المحتلة أنْ تخضع و ترضى
بالعدالة الأمريكية مع قليلٍ من توابل "حرية بوش" لكي تتمكّن من
استساغتها .
و الحالة الفلسطينية
ليست شاذّة عن هذه القاعدة الأمريكية المقلوبة ، التي تجعل من الفلسطينيّ
صاحب الحقّ إرهابياً ، و من اليهوديّ المحتلّ صاحب حقٍّ و رسولاً
حضاريّاً بالمنطقة يستحقّ الحياة و الحماية و الأمن حتى لو طحنت جماجم
أطفال الفلسطينيين من أجل عينيه الزرقاوين الحضاريتيْن .
و لتثبيت هذه
المعادلة المقلوبة التي تفتقد إلى الشرعية أو إلى أدنى حدٍّ من العدالة
الإنسانية لا بدّ من اعتماد خيارٍ معاصر ، خيارٍ يكمل دور التحالف
الكولونيالي الغربي – الصهيوني الذي أنتج "إسرائيل" على حساب فلسطين التي
يُراد لها أنْ تُمحى من الذاكرة ، إلا بقايا علمٍ و سجادة حمراء و رئيس
يقف عليها و بعض الرموز الوطنية اللازمة لإشباع الشوق الوطني الفلسطيني .
و لأنّ الفضاء مشبّع بالعولمة الأمريكية فلا بدّ من أنْ يكون الخيار
الجديد بعيداً عن الصيغة الكولونيالية القديمة و متناغماً مع أبجديات
العولمة و مع "رسالة بوش الإنسانية" . و بالتالي فهذه الصيغة الجديدة
التي ستدجّن الحالة الفلسطينية من الضروريّ أنْ تجمع الحلّ الأمني مع
توابل ديمقراطية ، أي أدوات القوة اللازمة للإخضاع مع محسّنات لازمة
تقتضيها المرحلة .
بطبيعة الحال تمّ
تجهيز المشهد الفلسطيني لمثلِ تلك الصيغ منذ "استراتيجية أوسلو" التي
اعتمدها حزب العمل باعتبارها الأداة الفاعلة لشرخ الحالة الفلسطينية ، و
هي التطبيق العمليّ "لاستراتيجية الاختراق" التي أوصى بها الخبير الأمني
الصهيوني الهالك "هاركابي" . إذْ إنّ الانتفاضة الأولى أحدثت تحوّلاً في
الفكر السياسيّ الصهيونيّ أدّى لقبوله بالتيار الوطنيّ العلماني
الفلسطيني كشريكٍ على الضفة الأخرى ، لمواجهة خطر التيار الوطني الإسلامي
الصاعد .
ملخّص الصيغة تطويرٌ
إمبرياليّ للكولونيالية القديمة بمحسّنات معاصرة ، و لكنها بالمحصلة
تستهدف الشعب المُحتَلّ المقهور لإرضاخه و إرغامه للقبول بمحتليّه بأدوات
أمنية و بأيدي بني جلدته ، و تحت شعاراتٍ و مفردات و مُقبّلات وطنية تفتح
الشهية الوطنية .
و العبقرية
الإمبريالية الحديثة - عبقرية الشرّ طبعاً - تجلّت ْفي أنّها جمعت بين
الاحتلال و فريقٍ من التيار الوطنيّ الفلسطيني تحت مظلّة سياسية واحدة و
مصالح مشتركة متناغمة ، في مواجهة فريق وطني فلسطيني آخر . و قد آتت هذه
اللعبة الماكرة أكلها في إضعاف القاعدة الوطنية التي ينطلق منها الجهد
المقاوم و لازمته السياسية ، باعتبار أنّ اختلاف الرؤى بين فريقي
المقاومة و التسوية الذي أفرزته حرَم الشعب الفلسطيني من التوحّد على
برنامجٍ وطنيّ واحد ، و تعمل على الحدّ من حرية انطلاق الجهد المقاوم
خوفاً من الفتنة الوطنية ، و ما يجري على الأرض الآن هو ترجمة عملية لهذه
المعضلة التي خلقها العقل الإمبرياليّ .
و قد ترافقت
استراتيجية الاختراق الآنفة في الوقت الحالي مع ضغطٍ شديدٍ على الغلاف
الإقليمي لتفكيك الظهير الإستراتيجي ، بغية تحقيق هدفَيْ الحصار و
المهادنة لإخضاع التمرد الفلسطيني المقاوم .
و في المحصلة
فالمنسق الأمريكي (وليم وورد) بوجهه الأمنيّ الجديد لا يزيد عن كونه
استنساخاً محسّناً لـ (اللنبي) بوجهه الكولونيالي القديم . و قَدَر
الحالة الفلسطينية المخضرمة أنْ تتصادم مع الوجه الإمبرياليّ بنسختيه
القديمة و الحديثة ، و بالتأكيد يعلم "وورد" مصير "اللنبي" ، و لمن
البقاء في النهاية ، لأنّه يدرك أنّ التاريخ عبر مساره الطويل لم يمنح
شرعية الوجود و البقاء لأحدٍ بأدوات القوّة و القهر .
|