|
في إحدى جلسات
الحوار في "منتدى أمريكا و العالم الإسلامي" الذي انعقد في إبريل الجاري
بالدوحة؛ قال بيتر سينجر -من معهد بروكينجز اللصيق بدوائر القرار
الأمريكية-: "إنّ الولايات المتحدة مستعدّة للقبول بمشاركة القوى
الإسلامية مثل حماس و حزب الله في عملية الإصلاح و الديمقراطية بالوطن
العربي.. شريطة أن يلقوا السلاح أولاً ثم ينضمّوا بعد ذلك إلى العملية
الديمقراطية السارية في بلادهم". و ليلاحظ هنا العرض و شرطه؛ و الشرط هو
سرّ اللعبة الجديدة.
كلمات سينجر ليست
معزولة في إطار الفضاء السياسيّ الذي يلفّ المنطقة العربية، إذْ أنّ
الحديث بنبرة خاصة و بحنجرة أمريكية قوية بدأ يرتفع و بوتائر عالية حول
قبول أمريكا بالتيار الإسلاميّ كلاعبٍ سياسيّ بالمنطقة؛ بل إنّ رايس ذهبت
بعيداً إلى الحدّ الذي لا تمانع فيه أنْ ترى رموزه على سدّة الحكم. و هي
نغمة فسرها بعض المراقبين على أنّ رايس قلبت المعادلة باستخدامها فزاعة
الإسلاميين لتخويف الأنظمة العربية الحاكمة؛ و البعض الآخر قرأ الموقف
الأمريكيّ الجديد على أنّه تخويفٌ للطرفين؛ من بعضهما لبعض.
فماذا جرى للعقل
السياسيّ الأمريكي، و ماذا يريد ؟ و كيف تحوّل "الخطر الإسلامي الأخضر"
إلى طرفٍ سياسيّ يمكن الاعتراف به، و التعاطي معه؟
شفرة اللغز تكمن في
"العامل الإسرائيلي"، و تفكيكها يستلزم متابعة مستجدات الأجندة
الصهيونية؛ باعتبارها المكوّن الأساس للسياسة الأمريكية بالمنطقة.
في الماضي القريب
تمكّن النفوذ الصهيوني من أنْ يصكّ مصطلح "الخطر الأخضر" و يفرض سياسة
"مكافحة الإرهاب" على الأجندة الاستراتيجية الغربية عامة، و الأمريكية
على وجه الخصوص، لمواجهة الظاهرة الإسلامية التي تشكّل الخطر الاستراتيجي
لكيانه الطارئ، باعتبارها الحاضنة الاستراتيجية لقوى المقاومة التي تقف
في وجه هذا الكيان، و لكونها النواة الشاحنة لفضاء الممانعة الذي يعمل
لصيانة و حماية الهوية الثقافية للمنطقة، و في محصلة ذلك كونها الكتلة
السياسية الكبيرة التي تضمّ في رحمها طيفاً واسعاً و فاعلاً من النخب و
الجماهير العربية و الإسلامية.
يبدو أنّ هذه
"الروشتة" الصهيونية التي اعتمدتها السياسة الأمريكية لم تنفع في معالجة
الظاهرة الإسلامية؛ بل إنّها أنتجت آثاراً عكسية عديدة لصالح المشروع
الإسلامي؛ على رأسها زيادة الكراهية لأمريكا، و زيادة الاحتقان الذي
ينبّئ بانفجارٍ قادمٍ من نوعٍ ما يتهدّد المصالح الأمريكية.
الطبيب الصهيونيّ
حاضر دائماً؛ و يجسّده في الدور الجديد؛ شارانسكسي الوزير الصهيونيّ
بكتابه الخاص بدمقرطة المنطقة الذي يُعدّ الآن "منافستو الإصلاح" المعتمد
من قِبَل بوش في مشروعه "الشرق أوسطي".
فلسفة "روشتة"
شارانسكي –في كتابه المذكور- الذي قرأه بوش بإمعانٍ و كذلك رايس؛ تقوم
على أنّ الإرهاب الإسلامي سببه الفشل السياسيّ لأنظمة المنطقة، مما يقتضي
سرعةً في العلاج عبر مشروعٍ إصلاحيّ يفكّك النظام السياسيّ العربي
بتشكيلاته، لإدماج التيار الإسلاميّ باللعبة السياسية ضمن "صفقة كبرى"
للتعاطي معه كلاعبٍ سياسيّ بالمنطقة مقابل تغييرات أساسية في أجندته
السياسية و الأيدولوجية المتعلّقة بالموضوعة الأساسية "إسرائيل". و الهدف
تفكيك الظاهرة الإسلامية لتيارين "متطرف" و "معتدل" و استخدام الأخير
بشكلٍ ما في مواجهة الآخر، و في المحصلة نزع غلافيْ المقاومة و الممانعة
اللتان تهدّدان المشروع الصهيوني، و تزعجان النفوذ الأمريكيّ بالمنطقة.
و لكن ما موقف
الظاهرة الإسلامية و رموزها من لعبة الإصلاح الأمريكية؟
في ندوةٍ بمدينة
ليستر البريطانية في إبريل الجاري، اجتمع لفيفٌ من كبار رموز الظاهرة
الإسلامية لمناقشة مشاريع الإصلاح الأمريكية، و القراءة السريعة لمحصلة
الندوة؛ هي تباين وجهات النظر؛ و هو ما يعكس صورة التشقّقات في المشهد
الإسلاميّ الحاضر تجاه العرض الأمريكيّ. و هنا مكمن الخطورة؛ إذ أنّ
المخطّط الإستراتيجي الأمريكي بما لديه من معلوماتٍ نتيجةً لحواراتٍ
مطوّلة خلال السنوات الثلاث الماضية مع رموزٍ إسلامية بالمنطقة؛ سيعْمَد
للنفاذ من هذه التشقّقات لتحقيق استراتيجية أمريكا الهادفة لتفكيك
الظاهرة الإسلامية و شرذمتها و ربما تدجين بعض أطرافها.
المطلوب هو تهيئة
الآليات المناسبة لدراسة الاستراتيجية السياسية الأمريكية الجديدة و من
قِبَل كافة ألوان الطيف الإسلاميّ؛ لتفكيكها و فهمها؛ و سبر أغوارها،
بهدف وضع استراتيجيةٍ مقابلة لمواجهتها و إلا سينقسم المشهد الإسلامي ما
بين مستجيبٍ على غير هدى؛ أو مقاومٍ دون فهم.
بقِيَ أنْ نشير
لمكمن الخطر، الذي أومأ له "سينجر" في الاقتباس الذي سقناه في بداية
المقال؛ و المتعلّق بشرط العرض الأمريكي الجديد، و هو .. إلقاء السلاح،
بمعنى المطلوب هو رأس المقاومة؟
المطلوب في المستقبل
القريب من الظاهرة الإسلامية الموازنة بين شهية الإصلاح، و عزة المقاومة.
و في اعتقادي أنّهما ليسا متضادّين كما يسوق الخطاب الأمريكيّ، إذْ يمكن
المزاوجة بينهما، و حذار من فتنة التضادّ بينهما؛ لأنّ ذلك تصديقٌ و
تحقيق لما تبتغيه روشتة شارانسكي التي يعتمدها بوش في لعبة الإصلاح
الأمريكية المطروحة.
|