|
"يتجذّر في
الموروث السياسي الإسرائيلي نوعان من القلق الوجوديّ: الأول يتعلّق
بالإلغاء المادي للدولة... والثاني هو خسارة الغالبية الديمغرافية
اليهودية الهشّة التي تستند عليها مسألة هوية الدولة وسيادتها".
الكاتب والخبير
الصهيوني اليساريّ: باروخ كمرلينج
ثمّة جدلٌ سياسيّ
واسع حول قراءة الانكفاء الصهيوني من غزة، وتتضمّن المساجلات قراءات
برؤية سياسية وأيدلوجية وأخرى جغرافية. ولا شكّ أنّ زاوية الرؤية ومستخلص
النتيجة على الضفتين العربية والصهيونية له علاقة بذاتية الباحث
وأيدلوجيتيه.
ورغم أنّ الحيدة
الأيدلوجية ممتنعة إنسانياً؛ وحتى الموضوعية تصعب في مثل هذه الحقول التي
تتّصل بالظاهرة الإنسانية وحراكها السياسيّ؛ إلا أنّ هذه السطور العربية
ستحاول قراءة الحدث بزاوية رؤية صهيونية؛ ولكن المستخلص في المحصلة سيكون
عربياً.
كمرلنج، الكاتب
اليساريّ الصهيوني الذي أجبرته الانتفاضة الفلسطينية أنْ يعيش خارج
"إسرائيل" في كندا؛ يشير في كتابه "التصفية" -الذي يتحدث فيه عن شخصية
شارون وحربه مع الفلسطينيين ومحاولاته لتصفيتهم– إلى أنّ حرب أكتوبر عام
1973م شكّلت زلزالاً ضرب الحياة السياسية في الكيان الصهيوني؛ وكسر حدّة
النشوة القومية التي أعقبت "النصر المزيّف" عام 1967م.
على إثر هذا
الزلزال الذي أيقظ القلق الوجوديّ من جديدٍ لدى الصهاينة؛ وما استبطنه من
مؤشّراتٍ استراتيجية على أنّ "الكيان اليهوديّ" في الجغرافية الخطأ؛ وفي
مواجهة المحيط الديمغرافي العربي المتناقض مع الشخصية اليهودية ووجودها
السياسيّ في فلسطين؛ على إثر ذلك؛ تولّد نقاشٌ سياسيّ بمضامين ثقافية حول
الحلّ الأجدى لمستقبل المشروع الصهيونيّ.
أحد طرفي النقاش
الذي يمثّل مذهب "الفعالية الدينية الوطنية" المتمرّدة على حالة الانكسار
المعنوي الذي أنتجته حرب 1973م وفي قلبه الحركة الاستيطانية "غوش
إيمونيم"؛ وبطبيعة الحال يشمل ذلك التيار اليمينيّ القوميّ بمجمله؛ يرى
أنْ لا أمل للدولة اليهودية في المنطقة؛ لكن قد يستطيع الجيش والسياسة
إلى جانب السيطرة على قدرٍ أكبر من الأراضي تأكيد وجودها. وبلغةٍ سياسيةٍ
يجسّد هذه المعادلة اليميني العتيق شارون بقوله "نتساريم" كـ"تل أبيب".
على الطرف الآخر
تقف قوى اليسار الصهيوني التي تجادل بأنّ "الخلاص اليهودي" لن يتأتّى إلا
بتنازلاتٍ إقليمية؛ من أجل الحصول على شرعية الوجود من المحيط المجاور.
الطرف الأخير
استخدم "وصفة أوسلو" كوسيلةٍ لـ"اختراق" المشهد الفلسطيني وفق رؤية
الخبير الأمنيّ "هاركابي"؛ تمهيداً للنفاذ للغلاف الإقليمي؛ ولكن بسبب
طبيعة الصراع وتعقيد ملفاته وما تمّ من تأجيل لملفاته الأساسية في سياق
خدعة "أوسلو" عقّد الصراع أكثر؛ وأوصله لمحطة الفشل في انتفاضة الأقصى،
وبالتالي سقط خيار اليسار الصهيوني بطيفه الواسع والقائم على نظرية
الاختراق.
وفي الإطار العام
للمواجهة الاستراتيجية بين طرفي الصراع؛ وفي المواجهة القاسية في انتفاضة
الأقصى، عمل اليمين الصهيوني بكلّ قواه على حسمٍ قاطعٍ للمعركة مع
الفلسطينيين بحسب أيدلوجيا القوة التي يعتنقها؛ واستمهل شارون الصهاينة
مائة يومٍ لتحقيق ذلك الحسم؛ لكنه فشل. وتصدّع الإجماع الوطني الصهيوني
الذي تحقّق خلال الانتفاضة بسبب الاستنزاف الذي نخر مرتكزات الكيان؛
واضطر الرجل -الذي تمثّلت سيرته بذروة القوة "شارون" بحسب الكاتب
الصهيوني ألوف بن– إلى تفكيك قرميد أسقف بيوت مستوطنات غزة، ومعها جرى
تفكيك البنية الصلبة للأيدلوجية اليمينية، وتهشّم على رمال غزة الحلم
التوراتيّ "إسرائيل الكبرى".
طرفا النقاش في
المشهد السياسيّ الصهيوني حاولا حسم الصراع بالقوة الصلبة واللينة لكنهما
فشلا، وفي المحصلة تمكّنت أدوات المقاومة المتواضعة من تفريغ الخيارين
الصهيونيين من مضمونهما، وبقيت ممانعة الشعب الفلسطيني درعاً واقياً
للحقوق الفلسطينية.
وفي المحصلة؛
وبغضّ النظر عمّا يُقال عن أجندة شارون السياسية؛ فإنّ "المقاومة"
الفلسطينية قهرت قوة "الردع" الصهيونية، وتمكّنت من زحزحة القدم
الصهيونيّة عن الجغرافيا الفلسطينية؛ وتحوّلت حلم "التصفية" الشاروني
للشعب الفلسطيني إلى انكفاءٍ صهيونيّ؛ وهي نقطة استراتيجية لصالح المشروع
الوطني الفلسطينيّ؛ على الفلسطينيين أنْ يواجهوا التحدّي السياسيّ القادم
للحفاظ على هذا المنجز الوطني الهامّ ومراكمته؛ ليدفعوا طرفي النقاش على
الضفة الصهيونية إلى أتون الأزمة من جديد.
هذه الكلمات
ليست جزءاً من "يوتوبيا" سياسية، ولا تستهدف رسم "فانتازيا" حالمة؛ إنما
هي قراءة للحدث بعدستي الرؤيا لدى طرفي الصراع؛ ولكن ما ذنب الانتصار إذا
ساد فقهاء الهزيمة..
|