|
"الحرب بيني وبين
موفاز مستمرة وطويلة ولنْ أتخلّى عن أرضي حتى لو جمع كلّ دولة (إسرائيل)،
وإمّا أنا بحقّي وإيماني وعدالة قضيتي، أو موفاز بغطرسته وظلمه وإرهابه..
حتى لو اقتلعوا أشجاري وهدموا بيتي لن أغادر أرضي ولن أتخلّى عنها، ولا
يمكن لا لموفاز ولو جمع كلّ جيشه ودولته أنْ يرغموني على التخلّي عن ذرةٍ
من تراب أجدادي وأهلي وسأعيش وأموت على هذه الأرض المباركة؛ فصراعنا
طويلٌ وعلى قصير النفس أنْ يتنحّى جانباً".
الكلمات الآنفة
المشبعة بالعنفوان ليست لجنرالٍ فلسطينيّ في أجهزة أمن السلطة
الفلسطينية؛ لأنّ هؤلاء مشغولون الآن في حربهم مع أبو مازن حول قانون
التقاعد؛ وحول المناصب والمخصّصات المالية، إنما هي لجنرالٍ من نوعٍ آخر.
جنرال لم يتدرّب على
أساليب القتال في أكاديميات عسكرية لامعة، ولا يتلقّى رواتبه الشهرية من
معونات الدول المانحة لمطاردة المقاومين بحجّة الالتزامات الدولية. لكن
جنرالنا هذا رضع لبن الإرادة الصلبة من ثدي الأرض التي دفنت أمواجاً من
الغزاة، وهو يُثمِّن تعانق الندى مع برتقال الساحل؛ ونوّار اللوز
المتلألىء مع القطر، وتعشق عيناه بعين العاشق الصوفي خضرة الزيتون وعبق
أزاهير الليمون، وفوق ذلك كلّه؛ يدرك أنّ تحت قدميه ثرى يعبق بالقداسة
ورائحة التاريخ المشبع بالمجد.
إنها العجوز الحاجة
زهرية مرشد ..!!
أرملة في عقدها
السبعين، رحل عنها زوجها دون أنْ يترك لها ذرية تؤنسها أو تسندها..
وملخّص الحكاية ؛
أنّ قدر الحاجة زهرية أنْ تكون أرضها محاذية لبيت وزيرٍ الحرب الصهيوني
الجنرال موفاز في مغتصبة "كوخاف يائير" على حدود أراضي فلسطين المغتصبة
عام 1948م. وبحججٍ أمنية يستخدم موفاز سلطاته لانتزاع أجزاء من أرضها،
ويأمر جنوده باقتلاع أسرابٍ من أشجارها المتاخمة لبيته لضرورات الأمن كما
يزعم. وكذلك يحاصر جنوده بيتها ليمنعوا العمّال من التوجّه للعمل في
أرضها للتضييق عليها، وقد حاول جنرال البغي شراء أرضٍ لقريبٍ لها اسمه
فتحي مرشد ومجاورة لأرضها لتكون مدخلاً للضغط عليها؛ إلا أنّ قريبها رفض
كذلك.
الحاجة زهرية ليست
كأيّ امرأةٍ تلبس قشرة الأنوثة وسربال الانكسار، بل يسكن في حناياها
جنرالٌ فلسطينيٌ متمردٌاسمه الإرادة، ويتزيّن بنياشين التحّدي. فلم
يخيفها جبروت جنرال "المائتي رأس نووي"، ولم تستسلم؛ إذْ رفعت شكوى ضدّه
في المحاكم، لكنّ العدالة الصهيونية قضت لجنرالها الباغي، وقالت المحكمة
في حيثيات الحكم: "إنّ الاعتبارات الأمنية تغلب على الاعتبارات المعيشية؛
لذلك فإنّ المحكمة توافق على قيام الجيش (الإسرائيلي) باقتلاع الأشجار من
البستان.. إنّ الأشجار ملاصقة لبلدة يائير كوخاف ولمنزل وزير (الدفاع)
وتشكّل مخبأ لمعتدين محتملين".
رغم ذلك تابعت
الحاجّة زهرية معركتها لأنها لا تريد أنْ تفسح لموفاز فرصة الانتصار،
لتعلّمه درساً مفاده أنّ الذات الفلسطينية وإنْ كانت معرّاة من أدوات
القوة المادية بسبب غفوة المتخاذلين وحصار المتواطئين، إلا أنّ قوتها
بالحقّ أقوى من جبروت الباطل. فاستأنفت أمام "محكمة العدل العليا".
ونظراً لحساسية القضية المتعلّقة بمسؤولٍ كبير، عمدت الإدارة المدنية
للاحتلال بمساومة الحاجة زهرية؛ لشراء أربع دونمات من أرضها البالغة 12
دونماً. ولكن حجم الرفض المختزن في الحاجة زهرية يكفي لتقوية جهاز
المناعة الوطنيّ لكلّ الطبقة السياسية في الوطن العربي. وإزاء هذه
المساومات نطقت كلماتها الذهبية التي تزن كلّ الكلمات التي سطّرت في بيان
قمة السنوبر؛ إذْ قالت للمساومين: "لا أريد أموالكم ولا إغراءاتكم؛ ولن
أتنازل عن ذرةٍ من أرضي".
ومع أنّها لا تراهن
كثيراً على قرار ما يسمّى بمحكمة العدل العليا، إلا أنّها تقف قبالة جذور
أشجارها التي اقتلعتها غطرسة القوة، مستدبرةً بظهرها رياح الخنوع القادمة
من الشرق؛ لتقول بعنفوان الحقّ الذي لا ولنْ ينكسر: "حقّي مقدّس.. لن
أتخلّى عنه حتى لو أحضروا جرافاتهم لدفني بين أرضي وأشجاري؛ فسأدافع عنها
وأقاتل في سبيلها حتى الرمق الأخير؛ ولن أسمح لموفاز بالانتصار".
الحاجّة زهرية امرأة
فوق العادة؛ تختزل معادلة القوة في الصراع باختلالاتها ومناخاتها، وفي
ذات الوقت تجسّد صلابة الإرادة الفلسطينية التي تلتصق بالتراب وتأبى أنْ
تبتعد عن صدر الأرض التي باركها الله تعالى من فوق سبع سماوات. ولسان
حالها الصامد يقول: إنْ كان بعض اليوم لهم؛ فإنّ كلّ الغد لنا بكلّ
آفاقه، لأنّ الحقّ لا تلغيه غطرسة الجنرالات الغزاة..
وحتى يستفاد من
إبداعات الحاجّة زهرية، أقترح على عمرو موسى أنْ يستضيفها في القمم
القادمة، حتى تخصّب بأنفاسها فضاءات القمم بفقه الإرادة الصلبة، وحتى
تعمّ الفائدة أرى أن تُنشئ الجامعة العربية أكاديمياتٍ للصمود لتستضيف
الحاجّة زهرية كأستاذة كرسيّ لتعلّم الطلبة المطبّعين فقه الصمود.
|