|
"لا يمكن لإسرائيل
أن تكون دولةً ذات سيادةٍ كاملة إلا إذا كان الهيكل في وسطها ، و إنّ كلّ
المشاكل التي تحدث الآن ؛ إنما سببها عدم وجود الهيكل ، و إنّه هو الحلّ
لكلّ مشاكلنا" .
عبارةٌ مشبّعة
بالرائحة التوراتية أطلقتها شفتا (يسرائيل أرئيل) رئيس "معهد بحوث
الهيكل" في "مهرجان الهيكل" الدوريّ الذي انعقد في دورته الأخيرة بالقدس
في يناير من العام الجاري ، و هي أحرفٌ مكتنزةٌ بمعانٍ دينية و سياسية ؛
تعبّر عن مركزية فكرة الهيكل في الأدبيات الدينية و السياسية الصهيونية ؛
بالرغم من أنّها كلمات تسبح في الفضاء الديني و الأكاديمي ؛ بسبب خلفية
الرجل الناطق بها .
و تأتي أهمية الهيكل
في أنها العتبة الثانية من عتبات الخلاص اليهوديّ الثلاث ، و هي حسب
الترتيب الزمنيّ ؛ قيام دولة "إسرائيل" و بناء الهيكل و ظهور المسيح
المخلّص . و رغم أنّ العتبات الثلاث مفرداتٌ دينية إلا أنّها تتداخل بما
يشكّل ما في تلافيف العقل اليهودي بطبقاته الثقافية المختلفة – دينية و
علمانية - ، و بطبيعة الحال بكثافة تتفاوت نسبتها بحسب الشخص و الشريحة
الثقافية .
و على العموم فالقدس
و الهيكل يشكّلان إلى حدٍّ كبيرٍ محورَ توحّدٍ ثقافيّ في الأدبيات
العبرية ، و يعود ذلك لتمازج المقدّس مع القوميّ في العقل اليهودي .
بمعنى أنّ المفردات التي تحمل قداسة دينية لدى المتديّنين تعتبر موروثاً
قومياً لدى الطبقة العلمانية ، و من هنا تخلّقت قاعدة التشارك النسبيّ
بين حالتي العلمنة و التديّن في الإطار الصهيوني الذي يتجسّد في كينونة
"إسرائيل" . مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ هذه الحالة لا تمثّل تطابقاً
هندسياً ، إذْ هنالك محاور تناقضٍ متعدّدة ؛ و لكنّ آليات الإدارة
السياسية و الثقافية المتّبعة لديهم تخفّف من الاحتكاك و تمنع التصادم .
مقصد الحديث أنّ
حالتي العلمنة و التديّن في المشهد الصهيونيّ توافقتا على مفردةٍ أساسيّة
واحدة ذات مضامين دينية و قومية ؛ بتفسيرٍ مزدوجٍ دينيّ – قوميّ . و لو
أُجرِيَ "مسحٌ اعتباريّ" للملفات المتعلّقة "بالحوض المقدّس" أو "الهيكل"
لوُجِدت بنفس الكثافة تقريباً في أرشيف وزارة الخارجية الصهيونية و مراكز
الأبحاث السياسية ، كما هيَ في المدارس و المعاهد الدينية اليهودية و
المراكز البحثية الأكاديمية . بمعنى أنّ "مُجَسِّد" الهوية الحسيّ الذي
يعبّر عنه الهيكل حاضر بقوّة في كافة المشاهد الدينية و الثقافية و
السياسية ؛ لأنّه العنوان الأبرز للهوية .
و في المقابل ؛ على
ضفتنا ؛ ماذا يجري ؟
فماذا يعنى الأقصى
للطبقة السياسية التي تقف على هرم السلطة و حوله في المشهد الإسلامي
العريض ؟
و أين الأقصى
كمفردةٍ دينيّة في أجندات السياسة العربية ؟
و لماذا القمم
العربية لا يتّسع جدولها لمآذنه ، و آخرها قمة الصنوبر الأخيرة ؟
أيّها السادة في
الشارعين العربي و الإسلامي ..
أيها السادة في
دوائر النخب الدينية و الثقافية ..
ليس للأقصى بقية
غيركم .. !! فاسمحوا لي أنْ أخاطبكم ..!!
و أنتم تعرفون .. و
لكنني أذكّركم فقط . !!
الأقصى ليس مسجِداً
عادياً تحتضن ساحاته سجدات المصلّين كسائر مساجد المعمورة ، و لا تكبُر
مآذنه في ملكوت الله الكبير كبقية المآذن بنفس لون الشعائر و طعمها .
الأقصى أيّها
الموحّدون .. قبلتكم الأولى .. و مسرى نبيّكم الكريم صلى الله عليه و سلم
.. و هو بوابة السماء .. و مدرّج المعراج لعلياء السماء .. و من هناك عبر
خاتم الأنبياء في طريقه إلى سدرة المنتهى و تقدّم حيث توقّف أمين
الملائكة جبريل .. الأقصى اليوم يا سادتي العنوان الأبرز لهويّتكم .. و
هو في ذات الوقت تجسيدٌ لصرخة هذه الهوية الجريحة ، و ما ينتظرها من
تهديد .
أيها السادة .. من
طنجة حتى جاكرتا
أقصاكم في خطر ، و
أسواره اليوم تقف على أكتاف جبال الزيتون هناك متوجّسةٌ من مكائد بني
قريضة ، تنتظر جمر النخوة في رماد صمتكم ، فلا تتركوه يئِنّ في الأسر و
مآذنه تخشى رعشة الدمار .
أخرجوا إلى الشوارع
.. ارفعوا أصواتكم .. افعلوا شيئاً غير الصمت ..
يا أهل المنابر و
أصحاب الأقلام و فرسان الفضائيات ...
الأقصى هو الكتلة
المقدّسة التي تجسّد هويّتكم على الأرض ، و إنْ أُخرِج من أجندة السياسة
لتخاذل أهلها ؛ فلا تخرجوه من قلوبكم ، و لا من صفحات أوراقكم ، بل و
أدخلوه اليوم في دائرة الفعل .. لأنّه اليوم يحتاجكم .
أيها الموحّدون ..
الأقصى بحاجة إليكم .. لا تتركوه وحيداً ..!!
وا أقصانا .. ثمانية
حروف .. أُطلِقها في فضاء العروبة و الإسلام .. فلعلّ حروف الاستغاثة هذه
تجد بعض معتصمٍ عباسيٍّ أو شبه صلاحٍ أيوبيٍّ كي نخترق جدار هذا الانكسار
.
|